المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أدب الرسائل... أدب الفطرة أم أدب الفطنة؟


هناء الجلبي
05-15-2009, 09:43 PM
أدب الرسائل... أدب الفطرة أم أدب الفطنة؟


مقدمة:



تساءلت دائماً عن هذا الذي أطلق عليه جزافاً "أدب الرسائل" هل هو نوع جديد من أنواع الأدب؟... تضاف إلى الأنواع الأخرى المتعارف عليها كأدب المرأة وأدب الطفل والأدب المهجري الخ الخ!؟.

وهل كانت أمي وبدون دراية منها -وهي تخط رسائلها إلي- تكتب أدباً متعارفاً عليه وله هوية وشروط؟... ومن وضع شروط وعلامات ودلائل هذا الأدب؟... وهل وجدت الرسائل قبله؟... أم هي من فرضت شروطها وقوانينها وأعطت له ملامحها المتعارف عليها الآن!؟.

وأنا وقبل أن أغوص -من خلال هذه الدراسة المتواضعة- في تفاصيل هذا الأدب، خاصة وان المصادر المكتوبة حوله شحيحة للغاية وليست كافية في وصفه وتحديد هويته... أحب أن أعود قليلاً إلى الوراء عندما كان الإنسان الأول يخط أولى حروفه ويرسم أول صوره مستخدماً ابسط وأقدم أداة عرفها وهي الفحم وأقدم لوح وهو جدران الكهوف والصخور، ليعبر عن شيء ما يهمه -مع غياب اللغة للتخاطب- كتحديد أنواع الحيوانات الأليفة التي يعتاش عليها... أو المفترسة التي يجب أن يخشاها... والبيئة الطبيعية التي تحتاجها كالأشجار والأعشاب والمياه... بحيث ساعدته بلا شك للتواصل مع أقرانه، وكانت وسيلته لتحديد الأنواع التي ستتواجد في مواسم الصيد أو الجفاف، ووضع الخطط اللازمة للتعامل معها، والاستفادة منها، ونوع الأسلحة التي تناسب قنصها... قبل أن يبدأ بتسجيل أعدادها... وتصوير الاحتفالات والأعياد التي كان يقيمها فرحاً بصيد أو غنيمة أو نصر!.

إذاً استخدم الإنسان الأول وسيلته الأولى للتعبير وهي الرسم للتخاطب مع أهله، دون أن يدرك بأنه سيترك أثراً فنياً، ينقل من خلاله رسالة بليغة إلى الأجيال التالية، تكون بمثابة تحفة فنية تؤرخ عصره قد لا تقدر بثمن!؟.

ومن البديهي آلا يفكر هذا الإنسان بالناحية الجمالية أو الفنية في هذه الوسيلة الجديدة التي اكتشفها للتخاطب مع الغير إلا متأخراً!.

وبأن الإتقان في تصوير أعماله ما هي إلا نتيجة لمهارة اكتسبها -ببعض الفطنة والخيال- مع الوقت!.

وهكذا كانت البداية مع وسائل التخاطب من رسوم ونقوش ورسائل... حاجة ملحة تعهد لمن ملك المقدرة على الكتابة والتعبير (حيث كانت من اختصاص الطبقة المتعلمة التي تجيد الكتابة من الحكماء والكهنة) وتجلت في أروع صورها في قوانين وألواح وخطب الأنبياء والرسل الذين كانوا جميعا من نخبة وخيار الأمة، يتمتعون بالأمانة والحكمة والبلاغة وقوة الحجة، التي منحها الله لهم، ليكونوا وسيلته في إبلاغ رسائله إلى أقوامهم وشعوبهم... ولهذا أطلق عليهم لقب الرسل، والديانات اسم الرسائل السماوية (قانون حامورابي - صحف إبراهيم وموسى (ألواح موسى - الوصايا العشرة) - كلام وخطب النبي عيسى عليه السلام (الإنجيل) - وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورسائله وحجته بنزول الوحي وتسطير القرآن.

وكما كانت وسيلة الإنسان الأول للتخاطب مع الغير عبر الرسم وقد حكمتها الفطرة... كانت رسائل الأنبياء وقد سيطر عليها الوحي والفطنة!.

الرسائل الأدبية:

عرفت المراسلات منذ أول ظهور لها -بعد توسع الفتوحات العربية الإسلامية وتأسيس الدولة- تحت اسم أدب المكاتبات، وقد صنفت من حيث الموضوع إلى ثلاثة أنواع: الرسمية والأهلية أو الإخوانية والعلمية

النوع الأول: المكاتبات الرسمية أو رسائل الدواوين، وهي تلك التي كانت تتم بين مختلف دوائر ومكاتب الدولة، أو بين الدولة ودول أخرى، منها رسائل النبي محمد عليه الصلاة والسلام إلى ملوك وأباطرة عصره، والتي دعاهم فيها إلى الإسلام، وقد كانت تلك الرسائل مباشرة وصريحة وموجزة خالية من الحشو، بعيدة عن التكلف.

مع اتساع أركان الدولة العربية الإسلامية صارت المكاتبات فناً مهماً صبغت بفصاحة وبلاغة لسان العرب الذي اشتهروا به، وهم أمة اللغة والشعر ومعجزة القرآن الكريم، وقد جمعت -حسب المناسبات التي كتبت لها- بين اللين والحزم... والشدة والرحمة... وفيها الكثير من النصح، ولم تخلو قط من الشعر به ننذر ونحذر... وننصر ونستبشر. كمكاتبات الخلفاء المسلمين لأمراء الأقاليم وقادة الجند والأئمة والقضاة وعامة الشعب.

أو كتلك التي كان يكاتب بها الخلفاء ملوك وأباطرة عصرهم، بها يعقدون الاتفاقيات والمعاهدات، ومن خلالها تفرض الإتاوات والشروط.

فكان لا بد من تأسيس دواوين خاصة لهذه المراسلات، وتعيين كتاب مهرة يجمعون ما بين بلاغة اللغة وفصاحة اللسان، وقوة الحجة وشواهد من الشعر والسنة والقرآن.

وقد اشتهر في كل عصر عدد من الكتاب، من أمثال عبد الحميد الكاتب، المتوفى سنة 132هـ، وأبو الفضل بن العميد، المتوفى سنة 360هـ، والقلقشندي، المتوفى سنة 821هـ، وهو صاحب كتاب "صبح الأعشى في صناعة الإنشا"، الذي يقع في بضعة عشر مجلداً، وهو أضخم موسوعة في أدب الإنشاء والمراسلات، الذي يصعب حصر ما اشتمل عليه من معلومات ومعارف تتصل بفن المكاتبات.

النوع الثاني: الرسائل الأهلية "وتعرف برسائل الأشواق هي ما دارت بين الأقارب والأصدقاء وأسفرت عن مكنون الوداد وسائر الفؤاد ولا حرج على الكاتب إذا بسط فيها الكلام على أحواله وأخفى السؤال في أحوال أصحابه، وتتفرد هذه الرسائل بأن يطلق الكاتب فيها العنان للأقلام ويتجافى عن الكلفة ويعدل عن الانقباض: وقد قيل: الأنس يذهب المهابة والانقباض يضيع المودة. هذا: ولابد من مراعاة مقتضى الحال والاعتصام بركن الفطنة"(1)

أو الإخوانية وهي التي يكتبها الأدباء في شتى المناسبات كمقامات بديع الزمان الهمذاني، المتوفى سنة 398هـ، وكان أحد روادها، وقد ترك لنا تراثاً غزيراً من الرسائل في مختلف الموضوعات ليكون بذلك أول رائد لفن المقالة في الأدب العربي.

وهي تنقسم إلى عدة فصول:



رتب العلامة المصري أحمد الهاشمي في كتابه جواهر الأدب، أدب الرسائل في عدة فصول، بحيث ضم إلى كل فصل من فصولها، أجمل ما وقع عليه اختياره من هذه الرسائل عبر تاريخ العرب والمسلمين، وأروع ما انتظمت فيه شواهد البلاغة، وأرقى ما أبدعت به أقلام الكبار. (اقرأ نماذج عنها)

وهي كالتالي:

1-رسائل الشوق.

2-رسائل التعارف قبل اللقاء.

3-رسائل الهدايا.

4-الرسائل المتداولة: هذه الرسائل تتفرع إلى ثلاثة أقسام باعتبار الغرض المقصود:

فأما أن تقصد بها أمور الكاتب

وأما أمور المكتوب إليه

وأما غرضاً ثالثاً.

ومنها القسم الأول:

1- رسائل تجارية الطلب والشكر

2- رسائل الاستعطاف والاعتذار.

3-رسائل حسن التقاضي.

القسم الثاني:

4-رسائل النصح والمشورة.

5-رسائل الملامة والعتاب.

6-رسائل الشكوى.

7-رسائل العيادة.

8-رسائل التهاني.

9-رسائل التعازي والتأبين.

10-الأجوبة.

القسم الثالث:

11-الوصايا والشفاعات.

12- التنصل والتبرؤ. (اقرأ نماذج عنها)

النوع الثالث: الرسائل العلمية وهي المقالات التي يكتبها العلماء في شتى الميادين العلمية (علوم الأحياء، طب، فلك، رياضيات) أو الأدبية (شعر، رواية، مسرح، قصة، الخاطرة والمقالة) أو الفلسفية والروحية (العلوم الفلسفية والدينية).

ويسلك فيها كاتبها مناهج البحث والتدقيق وذكر المراجع، ويسترسل فيها بالشرح ويستخدم المخاطبة البليغة.

وأنا سأحاول هنا إلقاء الضوء على نوع واحد منها -هو محور دراستي- وهو الرسائل الأهلية أو الاخوانية.

الرسائل الأهلية:

عرف العلامة المصري أحمد الهاشمي المولود سنة 1878م، في كتابه المشهور "جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب" الرسائل بأنها (مخاطبة الغائب بلسان القلم، وقال عنها: إنها ترجمان الجنان، ونائب الغائب في قضاء أوطاره، ورباط الوداد مع تباعد البلاد.) قال إبراهيم بن محمد الشيباني إذا احتجت إلى مخاطبة أعيان الناس أو أوساطهم أو سوقتهم فخاطب كلا على قدر أبهته وجلالته وعلو مكانته وانتباهه وفطنته. وقال آخر: إن بلاغة الرسالة تستفاد من ملاحظة مقامات الكلام وأوقاته ومراعاة أحوال المخاطبين بالنسبة إلى المتكلم واعلم أن لكل مقام مقال.(1)

وهي حسب تعريفي ترجمة للمشاعر والوجدان، وقاضية للحاجات بين الأهل والأقرباء والأصدقاء وقد فرقت بينهم الغربة، فتقرب فيما بينهم بما حوته بين سطورها من جميل العبارات، وتعيد الصلات المقطوعة، وترمم خواطر الأحبة الملتاعة بالشوق والحنين، وتمنح السلام والأمان والاطمئنان للقلوب المجروحة.

وهي في غالبها نابعة من الفطرة


ليس بالضرورة أن تحمل الرسائل صفة الرسائل الأدبية



موضوع عجبني جدا حبيت اتشاروكنني بيه

هناء الجلبي
05-16-2009, 05:55 PM
رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة

نيويورك 2 كانون الثاني

حضرة الأديبة الفاضلة.

قد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت بدون خطاب ولا جواب ولكنه لم يخطر على بالي كونك " شريرة" أما الآن وقد صرّحت لي بوجود الشر في روحك فلا يجمل بي سوى تصديقك فأنا أصدق وأثق بكل كلمة تقولينها لي ! أنت بالطبع تفتخرين بقولك – أنا شريرة – ويحق لك الافتخار لأن الشر قوة تضارع الخير بعزمها وتأثيرها . ولكن اسمحي لي أن أقول لك مصرحاً بأنك مهما تماديت بالشر فلا تبلغين نصف ما بلغته فأنا شرير كالأشباح الساكنة في كهوف الجحيم بل أنا شرير كالروح السوداء التي تحرس أبواب الجحيم ! وأنت بالطبع ستصدقين كلامي هذا !.
غير أنني للآن لم أفهم الأسباب الحقيقية التي دعتك إلى استخدام الشر ضدي فهلا تكرمت بافهامي ؟ قد أجبت على كل رسالة تكرمت بها عليّ واسترسلت متعمقاً بمعاني كل لفظة تعطفت بهمسها في أذني فهل هناك أمر آخر كان يجب عليّ أن أفعله ؟ أو لم تبدعي لي من " لا شيء" ذنباً لتبيني لي مقدرتك على الاقتصاص ؟ لقد فلحت وأحسنت البيان , أما أنا فقد آمنت باقنومك الجديد الكلي المطلق الجامع بين أسياف " كالي" ربة الهند وسهام " ديانا" معبودة الأغريق .
والآن وقد فهم كل منا ما في روح الآخر من الشر والميل إلى الاقتصاص فلنعد إلى متابعة الحديث الذي ابتدأنا به منذ عامين . كيف أنت وكيف حالك ؟ هل أنت بصحة وعافية ( كما يقول سكان لبنان )؟ هل خلعت ذراعاً ثانية في الصيف الماضي أم منعتك والدتك من ركوب الخيل فعدت إلى مصر صحيحة الذراعين ؟ أما أنا فصحتي أشبه شيء بحديث السكران وقد صرفت الصيف والخريف متنقلاً بين أعالي الجبال وشواطئ البحر ثم عدت إلى نيويورك أصفر الوجه نحيل الجسم لمتابعة الأعمال ومصارعة الأحلام – تلك الأحلام الغريبة التي تصعد بي إلى قمة الجبل ثم تهبط بي إلى أعماق الوادي .
وقد سررت باستحسانك مجلة الفنون فهي أفضل ما ظهر من نوعها في العالم العربي , أما صاحبها فهو فتى عذب النفس دقيق الفكر وله كتابات لطيفة وقصائد مبتكرة ينشرها تحت اسم " ليف" ومما يستدعي الإعجاب بهذا الشاب هو أنه لم يترك شيئاً مما كتبه الافرنج إلا وعرفه حق المعرفة . أما صديقنا أمين الريحاني فقد ابتدأ بنشر رواية جديدة طويلة في مجلة فنون وقد قرأ لي أكثر فصولها فوجدتها جميلة للغاية ولقد أخبرت صاحب الفنون بأنك سوف تبعثين إليّ بمقالة ففرح وبات يترقب .
بكل أسف أقول انني لا أحسن الضرب على آلة من آلات الطرب ولكنني أحب الموسيقى محبتي الحياة ولي ولع خاص بدرس قواعدها ومبانيها والتعمق بتاريخ نشأتها وارتقائها , فان ابقتني الأيام سأكتب رسالة طويلة في الدوائر العربية والفارسية وكيفية ظهورها وتدرجها وتناسخها .
ولي ميل للموسقى الغربية يضارع ميلي للأنغام الشرقية فلا يمر أسبوع إلا وأذهب مرة أو مرتين إلى الأوبرا غير أني أفضل من البيان الموسيقي الأفرنجي تلك المعروفة بالسنفوني والسوناتا والكنتاتا على الأوبرا والسبب في ذلك خلوّ الأوبرا من البساطة الفنية التي تناسب أخلاقي وتتمايل مع أميالي . واسمحي لي الآن أن أغبط يدك على عودك وعودك على يدك وأرجوك أن تذكري اسمي مشفوعاً باستحساني كلما ضربت نغم النهوند على الأوتار فهو نغم أحبه ولي رأي فيه يشابه رأي " كارليل في النبي محمد ". ( كارلايل : أديب ومؤرخ انكليزي درس بعضا من العربية في جامعة كمبردج سنة 1795 وكتب عن النبي محمد فصلا ضمنه إعجابه بشخصيته البطولية في مؤلفه " الأبطال , عبادة الأبطال , والبطولة في التاريخ "
وهلا تكرمت بذكري أمام هيبة أبي الهول ؟ عندما كنت في مصر كنت أذهب مرتين في الأسبوع واصرف الساعات الطوال جالساً على الرمال الذهبية محدقاً بالأهرام وكنت في ذلك العهد صبياً في الثامنة عشرة ذا نفس ترتعش أمام المظاهر الفنية ارتعاش الأعشاب أمام العاصفة , أما أبو الهول فكان يبتسم لي ويملأ قلبي بحزن عذب وندبات مستحبة .
أنا معجب مثلك بالدكتور شميل فهو واحد من القليلين الذين انبتهم لبنان ليقوموا بالنهضة الحديثة في الشرق الأدنى وعندي أن الشرقيين يحتاجون إلى أمثال الدكتور شميل حاجة ماسة كرد فعل للتأثير الذي أوجده الصوفيون والمتعبدون في القطرين مصر وسوريا .
هل قرأت الكتاب الفرنساوي الذي وضعه خير الله افندي خير الله ؟ أنا لم أره بعد وقد أخبرني صديق أن في الكتاب فصل عنك وفصل آخر عني فإذا كان لديك نسختان تكرمي بإرسال نسخة منهما إليّ وأجرك على الله .
ها قد انتصف الليل فليسعد الله مساءك ويبقيك للمخلص .

جبران خليل جبران

نيويورك 24 كانون الثاني 1919

حضرة الأديبة الفاضلة الآنسة ماري زيادة المحترمة .

سلام على روحك الطيبة الجميلة . وبعد فقد استلمت اليوم أعداد المقتطف التي تفضلت بإرسالها إليّ فقرأت مقلاتك الواحدة أثر الأخرى وأنا بين السرور العميق والإعجاب الشديد . ولقد وجدت في مقالاتك سرباً من تلك الميول والمنازع التي طالما حامت حول فكرتي وتتبعت أحلامي ولكن هناك مبادئ ونظريات أخرى وددت لو كان بامكاننا البحث فيها شفاها . فلو كنت الساعة في القاهرة لاستعطفتك لتسمحي لي بزيارتك فنتحدث مليا في " أرواح الأمكنة " وفي " العقل والقلب " وفي بعض مظاهر " هنري برغسن" ( هنري برغسن فيلسوف فرنسي حاز على جائزة نوبل عام 1927 وهو صاحب نظرية الروحانية ضد هجمات المذاهب المادية . من مؤلفاته " المادية والذاكرة" و " التطور والأخلاق" .) غير أن القاهرة في مشارق الأرض ونيويورك في مغاربها وليس من سبيل إلى الحديث الذي أوده وأتمناه .
إن مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك وغزارة إطلاعك وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب , وعلاوة على ذلك فهي تبين بصورة جلية اختباراتك النفسية الخاصة – وعندي أ، الاختبار أو الاقتناع النفسي يفوق كل علم وكل عمل – وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية .
ولكن لي سؤال استأذنك بطرحه لديك وهو هذا : ألا يجيء يوم يا ترى تنصر فيه مواهبك السامية من البحث في مآتي الأيام إلى إظهار أسرار نفسك واختباراتها الخاصة ومخبآتها النبيلة ؟ أفليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين ؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها أفضل من رسالة في الشعر و الشعراء ؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن اقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول مثلا من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون المصرية وكيفية تدرجها من عهد إلى عهد ومن دولة إلى دولة لأن بنظمك قصيدة في ابتسامة أبي الهول تهبيني شيئاً نفسياً ذاتياً أما بكتابتك رسالة في تاريخ الفنون المصرية فانك تدلينني على شيء عمومي عقلي . وكلامي هذا لا ينفي كونك تستطيعين اظهار اختباراتك النفسية الذاتية في كتابة تاريخ الفنون المصرية بيد أني أشعر بأن الفن – والفن اظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح- هو أحرى وأخلق بمواهبك النادرة من البحث – والبحث اظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في الاجتماع . ليس ما تقدم سوى شكل من الاستعطاف باسم الفن .
فأنا استعطفك لأني أريد أن استميلك إلى تلك الحقول السحرية حيث سافو ( شاعرة اغريقية ولدت في مدينة ليزبوس في أوائل القرن السادس قبل الميلاد , لها تسع دواوين من الشعر الغنائي والاناشيد لم يصلنا منها سوى بضع قصائد ) وايليزبيت براوننغ ( شاعرة بريطانية مبدعة تمتاز قصائدها بالعمق والرقة والنزعة الصوفية . وهي زوج الشاعر الانكليزي روبيرت براوننغ الذي أحبها من خلال قصائدها قبل أن يتعرف إليها ثم زارها في بيتها فأحبته حباً عارماً جعلها تتغلب على مرض عضال كان قد أقعدها .) وأليس شراينر ( كاتبة انكليزية دعت في مؤلفاتها إلى تحرير النساء ) وغيرهن من أخواتك اللواتي بنين سلّما من الذهب والعاج بين الأرض والسماء .
أرجوك أن تثقي بإعجابي وأن تتفضلي بقبول احترامي الفائق والله يحفظك للمخلص.
جبران خليل جبران
نيويورك في 7 شباط 1919
عزيزتي الآنسة مي .
لقد أعادت رسالتك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها موكباً إثر موكب . تلك الأشباح التي ما ثار البركان ( يقصد بذلك الحرب العالمية الأولى ) في أوربا حتى انزوت محتجبة بالسكوت – وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله .
هل تعلمين يا صديقتي أنني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأنني كنت أقول لذاتي هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي تخفره جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلاداً لها وقومي قوماً لها , هل تعلمين بأنني كنت أهمس هذه الأنشودة في إذن خيالي كلما وردت عليّ رسالة منك ؟ لو علمت لما انقطعت عن الكتابة إليّ- وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة .
أما مقالة أبي الهول فالسماء تعلم بأنني لم أطلبها منك إلا بعد إلحاح مستمر من صاحب مجلة الفنون – سامحه الله . فان من طبعي استهجان اقتراح المواضيع على الأدباء خصوصاً تلك الفئة القليلة التي لا تدون إلا ما توحيه الحياة إليها – وأنت من تلك الفئة القليلة – وفوق ذلك فأنا أعلم أن الفن يطلب ولا يطلب منه , وأن في نفس اقتراح المواضيع شيئاً مانعاً عن الإجادة فيها , فلو كتبت إلي في ذلك الزمن قائلة " لا ميل لي الآن إلى كتابة مقالة في أبي الهول " لقلت مترنماً :
" لتعش ميّ طويلا فهي ذات مزاج فني لا غش فيه " الخلاصة أنني سأسبقك في كتابة مقالة , في ابتسامة أبي الهول ! وبعد ذلك سأنظم قصيدة في ابتسامة ميّ ولو كان لدي صورتها مبتسمة لفعلت اليوم , ولكن عليّ أن أزور مصر لأرى ميّ وابتسامتها . وماذا عسى أن يقول الكاتب في ابتسامة المرأة؟ أفلم يقل ليونردو دافنشي آخر كلمة في الموضع عندما انتهى من صورة " لا جوغندا " ؟ , ولكن, أليس في ابتسامة الصبية اللبنانية سر لا يستطيع ادراكه واعلانه غير اللبناني , أم هي المرأة لبنانية كانت أم ايطالية تبتسم لتخفي أسرار الأبدية وراء ذلك النقاب الرقيق الذي تحوكه الشفاه .
والمجنون ( أول مؤلفات جبران باللغة الانكليزية ) وماذا يا ترى أقول لك عن المجنون ؟ أنت تقولين أن فيه ما يدل على " القسوة" بل وعلى " الكهوف المظلمة" . وأنا الآن لم أسمع مثل هذا الانتقاد مع انني قرأت الكثير مما نشرته جرائد ومجلات اماركا وانكلترا في هذا الكتاب الصغير . والغريب أن أكثر الأدباء الغربيين قد استحسنوا القطعتين :
My Minds
و
The Sleep Walkers
( مقالتان لجبران , عقلي والسائرون في نومهم )
واستشهدوا بهما أو ذكروهما بصورة خاصة . أما أنت يا صديقتي فقد وجدت فيهما القسوة – وماذا ينفع الانسان إذا ربح استحسان العالم وخسر استحسان ميّ ؟ وقد يكون ارتياح هؤلاء الغربيين إلى المجنون واخيلته ناتجاً عن مللهم أخيلة نفوسهم وعن ميلهم الطبيعي إلى الغريب والغير مألوف خصوصاً إذا كان شرقي المظاهر . أما تلك الأمثال والقصائد المنثورة التي نشرت في الفنون فقد ترجمها عن الأصل الانكليزي أديب محبته لي أوسع قليلا من معرفته بدقائق البيان الانكليزي .
ولقد رسمت بالحبر الأحمر دائرة حول لفظة " اشمئزاز" التي جاءت في كلامك عن المجنون , فعلت ذلك لعلمي بأنك إذا وضعت كلمات
The Sleep Walkers
بين شفاه الأمس والغد بدلا من وضعها على لسان أم وابنتها لأبدلت لفظة الاشمئزاز بلفظة أخرى – أليس كذلك ؟.
وماذا أقول عن كهوف روحي ؟ تلك الكهوف التي تخيفك – اني التجئ إليها عندما أتعب من سبل الناس الواسعة وحقولهم المزهرة وغاباتهم المتعرشة. إني أدخل كهوف روحي عندما لا أجد مكاناً آخر أسند إليه رأسي , ولو كان لبعض من أحبهم الشجاعة لدخول تلك الكهوف لما وجدوا فيها سوى رجل راكع على ركبتيه وهو يصلي .
أما استحسانك الرسوم الثلاثة في المجنون فقد سرني ودلني على وجود عين ثالثة بين عينيك , وقد طالما عرفت أن وراء أذنيك آذان خفية تسمع تلك الأصوات الدقيقة الشبيهة بالسكوت – تلك الأصوات التي لا تحدثها الشفاه والألسنة بل ما وراء الألسنة والشفاه من الوحدة العذبة , والألم المفرح , والشوق إلى ذلك العالم البعيد الغير معروف .
وأنت تسألين ما إذا كنت أريد أن يفهمني أحد بعد قولي :
For those who understand us enslave something in us
" لأن الذين يدركون خبايا نفوسنا يأسرون شيئا منها"
لا , لا أريد أن يفهمني بشري إذا كان فهمه إياي ضرياً من العبودية المعنوية . وما أكثر الذين يتوهمون أنهم يفهموننا لأنهم وجدوا في بعض مظاهرنا شيئاً شبيهاً بما اختبروه مرة في حياتهم . وليتهم يكتفون بادعائهم ادراك أسرارنا – تلك الأسرار التي نحن ذواتنا لا ندركها – ولكنهم يصموننا بعلامات وأرقام ثم يضعوننا على رف من رفوف أفكارهم واعتقاداتهم مثلما يفعل الصيدلي بقناني الأدوية والمساحيق ! أوليس ذلك الأديب الذي يقول بأنك تقليدينني في بعض كتاباتك من هؤلاء البشر الذين يدعون فهمنا ومعرفة خفايانا؟ وهل تستطيعين اقناعه بأن الاستقلال هو محجة الأرواح وإن أشجار السنديان والصفصاف لا تنمو في ظلال بعضها البعض ؟
ها قد بلغت هذا الحد من رسالتي ولم أقل كلمة واحدة مما قصدت أن أقوله عندما ابتدأت . ولكن من يا ترى يقدر أن يحول الضباب اللطيف إلى تماثيل وانصاب ؟ ولكن الصبية اللبنانية التي تسمع ما وراء الأصوات سترى في الضباب الصور و الأشباح .
والسلام على روحك الجميلة ووجدانك النبيل وقلبك الكبير والله يحرسك .
المخلص

جبران خليل جبران

نيويورك 11 حزيران – 1919
عزيزتي الآنسة ميّ.

رجعت اليوم من سفره مستطيلة إلى البرية فوجدت رسائلك الثلاث والمقال الجميل الذي تفضلت بنشره في جريدة المحروسة . ولقد علمت من خادمي أن هذه الرسائل بل هذه الثروة الجليلة قد وصلت معاً منذ أربعة أيام . الظاهر أن البريد المصري قد توقف عن اصدار الرسائل من القطر مثلما حجز الرسائل الواردة إليه .
ولقد انصرفت عن كل ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لأصرف نهاري مصغياً إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبة والتعنيف – أقول التعنيف لأنني وجدت في رسالتك الثانية بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحة أن تتألم لتألمت منها . ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابة في سماء صافية مرصعة بالنجوم ؟ وكيف أحول عيني عن شجرة مزهرة إلى ظلّ من أغصانها ؟ وكيف لا أقبل وخزة صغيرة من يد عطرة مفعمة بالجواهر ؟ إن حديثنا الذي أنقذناه من سكوت خمسة أعوام لا ولن يتحول إلى عتاب أو مناظرة , فأنا أقبل بكل ما تقولينه لاعتقادي بأنه يجمل بنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا ألا نضيف فتراً واحداً إلى هذه المسافة الشاسعة بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا من الميل إلى الجميل والشوق إلى المنبع والعطش إلى الخالد . يكفينا يا صديقتي ما في هذه الأيام وهذه الليالي من الأوجاع والتشويش والمتاعب والمصاعب . وعندي أن فكرة تستطيع الوقوف أمام المجرد المطلق لا تزعجها كلمة جاءت في كتاب أو ملاحظة أتت في رسالة. إذا فلنضع خلافاتنا , وأكثرها لفظية – في صندوق من ذهب ولنرمي بها إلى بحر من الابتسامات .
ما أجمل رسائلك يا ميّ وما أشهاها , فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي , بل هي كقيثارة اورفيوس ( شاعر وموسيقي تحدثت عنه أساطير اليونان , سحر بأنغامه وحش الغاب وآلهة الجحيم .) تقرب البعيد وتبعد القريب وتحول بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة . إن يوماً يجيئني منك برسالة واحدة لهو من الأيام بمقام القمة من الجبل فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل ؟ ذلك يوم انتحى فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولا في إرم ذات العماد.
وبما أجيب على سؤالاتك؟ وكيف أستطيع متابعة الحديث وفي النفس مالا يسيل مع الحبر ؟ ولكن لا بد من متابعة الحديث . فما بقي صامتاً ليس بالغير مفهوم لديك .
تقولين في رسالتك الأولى " لو كنت أنا في نيويورك لكنت زرت مكتبك الفني في هذه الأيام " أفلم تزوري مكتبي قط ؟ أليس رواء أثواب الذكرى الظاهرة جسد خفي للذكرى ؟ انما مكتبي هيكلي وصديقي ومتحفي وجنتي وجحيمي . هو غاب تنادي فيه الحياة الحياة وهو صحراء خالية أقف في وسطها فلا أرى سوى بحر من رمال وبحر من أثير . إن مكتبي يا صديقي هو منزل بدون جدران وبدون سقف .
ولكن في مكتبي هذا أشياء كثيرة أحبها وأحافظ عليها . أنا مولع بالآثار القديمة وفي زوايا هذا المكتب مجموعة صغيرة من طرائف الأجيال وبعض نفائسها كتماثيل وألواح مصرية ويونانية ورومانية وزجاج فينيقي وخزف فارسي وكتب قديمة العهد ورسوم ايطالية وفرنسية وآلات موسيقية تتكلم وهي صامتة . ولا بد من الحصول يوما ما على تمثال كلداني من الحجر الأسود . إني أميل بكليتي إلى كل شيء كلداني فأساطير هذا الشعب وشعره وصلواته وهندسته بل وأصغر أثر أبقاه الدهر من فنونه وصنائعه ينبّه في داخلي تذكارات غامضة بعيدة ويعود بي إلى الماضي الغابر ويجعلني أرى الحاضر من نافذة المستقبل . أحب الآثار القديمة وأشغف بها لأنها من أثمار الفكرة البشرية السائرة بألف قدم من الظلام نحو النور – تلك الفكرة الخالدة التي تغوص بالفن إلى أعماق البحار وتصعد به إلى المجرة .
أما قولك " ما أسعدك أنت القانع بفنك " فقد جعلني أفتكر طويلاً , لا يا ميّ لست بقانع ولا أنا بسعيد . في نفسي شيء لا يعرف القناعة ولكنه ليس كالطمع , ولا يدري ما السعادة غير أنه لا يشابه التعاسة . في أعماقي خفقان دائم وألم مستمر ولكنني لا أريد ابدال هذا ولا تغيير ذاك – ومن كان هذا شأنه فهو لا يعرف السعادة ولا يدري ما هي القناعة ولكنه لا يشكو لأن في الشكوى ضرباً من الراحة وشكلاً من التفوق .
وهل أنت سعيدة وقانعة بمواهبك العظيمة ؟ أخبريني يا ميّ هل أنت قانعة وسعيدة ؟ أكاد أسمعك هامسة : " لا لست بقانعة ولا أنا بسعيد " إن القناعة هي الاكتفاء والاكتفاء محدود وأنت غير محدودة .
أما السعادة فهي أن يملأ المرء نفسه من خمرة الحياة ولكن من كان كأسه سبعة آلاف فرسخ بالطول و سبعة آلاف فرسخ بالعرض لا ولن يعرف السعادة حتى تنسكب الحياة بكاملها في كأسه . أفليس كأسك يا ميّ سبعة آلاف فرسخ وفرسخ ؟
وماذا أقول عن " جوي المعنوي؟" لقد كانت حياتي منذ عام أو عامين لا تخلو من الهدوء والسلامة أما اليوم فقد تبدل الهدوء بالضجيج والسلامة بالنزاع . إن البشر يلتهمون أيامي ولياليّ ويغمرون أحلامي بمنازعهم ومراميهم فكم مرة هربت من هذه المدينة الهائمة إلى مكان قصيّ لأتخلص من الناس ومن أشباح نفسي أيضاً . إنما الشعب الأماركي جبار لا يكل ولا يمل ولا يتعب ولا ينام ولا يحلم , فإذا بغض هذا الشعب رجلا قتله بالإهمال وإذا أحبه قتله بالانعطاف فمن شاء أن يحيى في نيويورك عليه أن يكون سيفاً سنيناً ولكن في غمد من العسل : السيف لروع الراغبين في قتل الوقت والعسل لارضاء الجائعين !
وسوف يجيء يوم أهرب فيه إلى الشرق . إن شوقي إلى وطني يكاد يذيبني ولولا هذا القفص الذي حبكت قضبانه بيدي – لاعتليت متن أول سفينة سائرة شرقاً . ولكن أي رجل يستطيع أن يترك بناءً صرف عمره بنحت حجارته وصفّها ؟ حتى وإن كان ذلك البناء سجناً له فهو لا يقدر أو لا يريد أن يتخلص منه في يوم واحد .
سامحيني أيتها الصديقة العزيزة فقد أزعجتك بالكلام عن نفسي وبشكواي من أمور أدعى إلى الجهاد منها إلى التذمر .
إن استحسانك " المواكب" قد جعلها عزيزة لديّ . أما قولك بأنك ستستظهرين أبياتها فمنّة أحني أمامها رأسي , غير أنني أشعر بأن حافظتك خليقة بقصائد أسمى وأبلغ وأنبل من كل ما جاء في المواكب , بل ومن كل ما كتبته وأكتبه . وأما قولك في رسوم الكتاب " أنتم أهل الفن تبرزون هذه البدائع بقوى أثيرية احتفظتكم عليها ملوك الجوزاء فنأتي بغباوتنا أشقياء مظلومون ونحن بها أشقياء خاسرون " فكلام لا أقبله بل إني استميحك بالتمرد عليه و ( ما أكثر تمردي) – أنت يا ميّ منا وفينا . بل وأنت بين بنات الفن وأبنائه كالوردة بين أوراقها . إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في " المحروسة" عن رسوم المجنون لأكبر دليل على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة وبصيرة نفاذة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس . ولست بمبالغ إذا قلت بأنك أول صبية شرقية مشت في غابة " الأخوات التسع ( إشارة إلى الآلهات التسع في الميثولوجيا الاغريقية المشرفات على الآداب والفنون وقد عرفن بأسماء عديدة في عصور التاريخ القديم .) بقدم ثانية ورأس مرفوع وملامح منفرجة كأنها في بيت أبيها . ألا فأخبريني كيف عرفت كل ما تعرفين وفي أي عالم جمعت خزائن نفسك وفي أي عصر عاشت روحك قبل مجيئها إلى لبنان ؟ إن في النبوغ سراً أعمق من سر الحياة .
وأنت تريدين أن تسمعي ما يقوله الغربيون عني , فألف شكر لك على هذه الغيرة وهذا الاهتمام القومي . لقد قالوا الشيء الكثير وكانوا مبالغين في أقوالهم متطرفين في ظنونهم متوهمين وجود الجمل في وكر الأرنب . ويعلم الله يا صديقتي بأنني ما قرأت شيئاً حسناً عني إلا ونحت في قلبي . إن الاستحسان نوع من المسؤولية يضعها الناس على عواتقنا فتجعلنا نشعر بضعفنا . ولكن لا بد من المسير حتى ولو قوّص الحمل الثقيل ظهورنا , ولا بد من استنباط القوة من الضعف . أنا باعث إليك في غلاف آخر بشيء من أقوال الجرائد والمجلات وستعلمين منها أن الغربيين قد ملوا أشباح أرواحهم وضجروا من ذواتهم فأصبحوا يتمسكون بالغريب الغير مألوف خصوصاً إذا كان شرقياً . هكذا كان الشعب الأثيني بعد انقضاء عصره الذهبي . لقد بعثت منذ شهر أو أكثر بمجموعة من أقوال الصحف في المجنون إلى اميل زيدان ( تولى رئاسة تحرير مجلة الهلال سنة 1914 التي أسسها والده الأديب العلامة جرجي زيدان .) وهو بالطبع من أصدقائك .
أحمد الله وأشكره على انقضاء الأزمة عندكم . ولقد كنت أقرأ أخبار تلك المظاهرات فأتخيلك هائبة فأهاب , مضطربة فاضطرب . ولكنني كنت أردد في الحالين قول شكسبير :
Do not fear our person .
There’s such divinity doth hedge a king
That treason can but peep to what it would
Acts little of his will .
لا تخافي منا
فالملك تحيط به هالة من القداسة
وليس في مقدور الخيانة
أن تبلغ ما ترمي إليه
أو تحد من عزيمته
وأنت يا ميّ من المحروسين وفي نفسك مَلَكٌ يحميه الله من كل مكروه .
وتسألين ما اذا كان لكم من صديق في ربوعنا ؟
أي والحياة وما في الحياة من حلاوة جارحة ومرارة مقدسة إن لكم في ربوعنا صديقاً إرادته تدافع عنكم ونفسه ترغب في الخير لكم وابعاد السوء عنكم وتحميكم من كل أذى . وقد يكون الصديق الغائب أدنى وأقرب من الصديق الحاضر . أفليس الجبل أكثر هيبة وأشد وضوحاً وظهوراً لسائرٍ في السهل منه لساكنيه ؟
ها قد غمر المساء هذا المكتب بوشاحه فلم أعد أرى ما تخطه يدي . وألف تحية لك وألف سلام عليك والله يحفظك ويحرسك دائماً .
صديقك المخلص
جبران خليل جبران
نيويورك 25 تموز 1919
عزيزتي الآنسة ميّ
منذ كتبت إليك حتى الآن وأنتِ في خاطري . ولقد صرفت الساعات الطوال مفكراً بكِ مخاطباً إياكِ مستجوباً خفاياك مستقصياً أسراركِ . والعجيب أنني شعرت مرات عديدة بوجود ذاتك الأثيرية في هذا المكتب ترقب حركاتي وتكلمني وتحاورني وتبدي رأيها في مآتيَّ وأعمالي .
أنت بالطبع تستغربين هذا الكلام ، وأنا أستغرب حاجتي واضطراري إلى كتابته إليك . وحبذا لو كان بامكاني معرفة ذلك السر الخفي الكائن وراء هذا الاضطراب وهذه الحاجة الماسة .
قد قلت لي مرةً " ألا إن بين العقول مساجلةً وبين الأفكار تبادلاً قد لا يتناوله الإدراك الحسي ولكن من ذا الذي يستطيع نفيه بتاتاً من بين أبناء الوطن الواحد ؟".
إن في هذه الفقرة الجميلة حقيقة أولية كنت فيما مضى أعرفها بالقياس العقلي ، أما الآن فإني أعرفها بالاختيار النفسي . ففي الآونة الأخيرة قد تحقق لي وجود رابطة معنوية دقيقة قوية غريبة تختلف بطبيعتها ومزاياها وتأثيرها عن كل رابطة أخرى ، فهي أشد وأصلب وأبقى بما لا يقاس من الروابط الدموية والجينية حتى والأخلاقية . وليس بين خيوط هذه الرابطة خيط واحد من غزل الأيام والليالي التي تمر بين المهد واللحد . وليس بين خيوطها خيط غزلته مقاصد الماضي أو رغائب الحاضر أو أماني المستقبل ، فقد تكون موجودة بين اثنين لم يجمعهما الماضي ولا يجمعهما الحاضر – وقد لا يجمعهما المستقبل .
وفي هذه الرابطة يا ميّ , في هذه العاطفة النفسية ، في هذا التفاهم الخفي ، أحلام أغرب وأعجب من كل ما يتمايل في القلب البشري – أحلام طيّ أحلام طيّ أحلام .
وفي هذا التفاهم يا " ميّ" أغنية عميقة هادئة نسمعها في سكينة الليل فتنتقل بنا إلى ما وراء الليل ، إلى ما وراء النهار ، إلى ما وراء الزمن ، إلى ما وراء الأبدية .
وفي هذه العاطفة يا ميّ غصّات أليمة لا تزول ولكنها عزيزة لدينا ولو استطعنا لما أبدلناها بكل ما نعرفه ونتخيله من الملذات والأمجاد .
لقد حاولت في ما تقدم ابلاغك ما لا ولن يبلغك إياه إلا ما يشابهه في نفسك . فإن كنت قد أبنت سراً معروفاً لديك كنت من أولئك الذين قد حبتهم الحياة وأوقفتهم أمام العرش الأبيض . وإن كنت قد أبنت أمراً خاصاً بي وحدي فلكِ أن تطعمي النار هذه الرسالة .
استعطفك يا صديقتي أن تكتبي إليَّ ، واستعطفك أن تكتبي إليَّ بالروح المطلقة المجردة المجنحة التي تعلو فوق سبل البشر . أنت وأنا نعلم الشيء الكثير عن البشر ، وعن تلك الميول التي تقربهم إلى بعضهم البعض ، وتلك العوامل التي تبعد بعضهم عن البعض . فهلا تنحينا ولو ساعة واحدة عن تلك السبل المطروقة ووقفنا محدقين ولو مرة واحدة بما وراء الليل ، بما وراء النهار ، بما وراء الزمن ، بما وراء الأبدية ؟
والله يحفظك يا ميّ ويحرسك دائماً
صديقك المخلص

جبران خليل جبران

نيويورك 9 تشرين الثاني 1919

عزيزتي الآنسة "مي"

أنتِ حاقدة عليّ , ناقمة عليّ , ولك الحق , ومعك الحق , وما عليّ سوى الامتثال فهلا نسيت إثماً اقترفته وأنا بعيد عن عالم المقاييس والموازين ؟ هلا وضعت في " صندوق الذهب" ما لا يستحق الحفظ في الصندوق الأثيري ؟
إن ما يعرفه الحاضر يجهله الغائب وليس من العدالة أن تحسب جهل الغائب جريمة فالجرائم لا تكون الا في موضع الإدراك والمعرفة , وأنا لا أريد أن أسكب سهواً قليلاً من الرصاص المذوب أو الماء الغالي على أصابع العارفين المدركين لعلمي أن الجريمة نفسها عقاب المجرمين وأن مصائب أكثر الناس في ما أسند إليهم من الأعمال .
لقد استأنست بذلك العنصر الشفاف الذي تتلاشى أمامه المسافة والحدود والحواجز , والنفس المستوحشة لا تستأنس إلا بذلك العنصر ولا تستصرخ سواه ولا تستنجد غيره . وأنتِ – أنتِ التي تعيشين كثيراً في عالم المعنى تعلمين أن العنصر الشفاف فينا يتنحى عن جميع أعمالنا ويبتعد حتى وعن أجمل ميولنا البيانية وأنبل رغائبنا الفنية , فهو وإن جاور الشاعرية فينا لا ينظم ذاته نشيداً غنائياً ولا يضع خفاياه في الخطوط والألوان . كل بشري يستطيع التكلف بمنازعه واللعب بمطامعه والمتاجرة بأفكاره ولكن ليس بين البشر من يستطيع التكلف بوحشته أو اللعب بألمه أو المتاجرة بجوعه وعطشه . ليس بين الناس من يقدر أن يحول أحلامه من صورة إلى صورة أو ينقل أسرار نفسه من مكان إلى مكان . وهل بإمكان الضعيف والصغير فينا أن يؤثر على القوي والعظيم فينا ؟ هل بإمكان الذات المقتبسة وهي من الأرض أن تحور وتغير الذات الوضعية وهي من السماء ؟ إن تلك الشعلة الزرقاء تنير ولا تتغير وتحول ولا تتحول وتأمر ولا تأتمر . وهل تظنين حقيقةً , وأنت أبعد الناس فكراً , أن " التهكم الدقيق " ينبت في حقل يفلحه الألم وتزرعه الوحشة ويحصده الجوع والعطش ؟ هل تظنين أن "النكتة الفلسفية " تسير بجانب الميل إلى الحقيقة والرغبة في المجرد المطلق ؟ لا يا صديقتي , أنت أرفع من الشك والارتياب . الشك يلازم الخائفين السلبيين والارتياب يلاحق من ليس لهم الثقة بنفوسهم , أما أنت فقوية إيجابية ولكِ الثقة التامة بنفسك فهلا كنتِ مؤمنة بكل ما تضعه الأيام في راحتيك ؟ هلا حولتِ عينيكِ عن المظاهر الجميلة إلى الحقيقة الجميلة ؟
قد صرفت شهور الصيف في منزل منفرد منتصب كالحلم بين البحر والغاب فكنت كلما أضعت نفسي في الغاب أذهب إلى البحر فأجدها وكلما فقدتها بين الأمواج أعود إلى ظل الأشجار فألتقي بها . إن غابات هذه البلاد تختلف عن غابات الأرض كافةً , فهي غضة كثيفة متعرشة تعود بالذكرى إلى الأزمنة الغابرة , إلى البدء اذ كان الكلمة عند الله وكان الكلمة لله ! أما بحرنا فبحركم وذلك الصوت المجنح الذي تسمعونه على شواطئ مصر نسمعه نحن على هذه الشواطئ , وذلك القرار الرهاوي الذي يملأ صدوركم بهيبة الحياة وهولها يملأ صدرنا بهول الحياة وهيبتها . لقد أصغيت إلى نغمة البحر في مشارق الأرض ومغاربها فكانت ولم تزل هي هي الأغنية الأزلية الأبدية التي تعلو وتهبط بالروح فتكسبها تارةً الحزن وطوراً الطمأنينة . لقد أصغيت إلى تلك النغمة حتى وعلى رمال الإسكندرية – نعم على رمال الإسكندرية – وكان ذلك في صيف 1903 فسمعت اذ ذاك حديث الدهور من بحر المدنية القديمة مثلما سمعته بالأمس من بحر المدنية الحديثة , ذلك الحديث الذي سمعته للمرة الأولى وأنا في الثامنة فاحترت بأمري وألبست عليّ حياتي فأخذت أحارب بسؤالاتي الكثيرة صبر المرحومة أمي وجلدها , ذلك الحديث الذي أسمعه اليوم فأطرح السؤالات ذاتها ولكن على الأم الكلية فتجيبني بغير الكلام وتفهمني أموراً كلما حاولت اظهارها للآخرين تحولت الألفاظ في فمي إلى سكوت عميق . أنا اليوم , وقد صرت في (الثمانين؟؟؟؟) مثلما كنت وأنا في الثامنة , أجلس على شط البحر وأنظر إلى أبعد نقطة من الأفق الأزرق وأسأل ألف سؤال وسؤال : " ترى هل لنا من مجيب في ربوعكم ؟" ترى هل تتفتح الأبواب الدهرية ولو لدقيقة واحدة لنرى ما ورائها من الأسرار والخفايا ؟ أليس بامكانكم أن تقولوا لنا كلمة واحدة عن تلك الأنظمة السرية النافذة حولنا في الحياة قبل أن يضع الموت نقابه الأبيض على وجوهنا ؟" وأنت تسألين ما اذا كنت لا " أستطيب الفائدة في التفكهة بلا اجهاد " إني أستطيب الفائدة , أستطيبها إلى درجة قصوى ولكن بعد أن أترجم لفظها إلى لغتي الخاصة !!! أما الاجهاد فسلّم نصعد عليه لنبلغ العليّة . أنا بالطبع أفضل الصعود إلى عليتي طائراً ولكن الحياة لم تعلّم جانحيّ الرفرفة والطيران فماذا أفعل ؟ وأنا أفضل الحقيقة الخفية على الحقيقة الظاهرة , وأفضل الحاسة الصامتة اكتفاءً واقتناعاً على الحاسة التي تحتاج إلى التفسير والتعليل . غير أنني وجدت أن السكوت العلوي يبتدئ دائما بكلمة علوية .
إني أستطيب الفائدة , بل وأستطيب كل شيء في الحياة إلا الحيرة , فإذا جاءت الفائدة وعلى منكبيها غمر من الحيرة أغمضت عينيَّ وقلت في سري " هذا صليب آخر علي أن أحمله مع المئة صليب التي أحملها " وليست الحيرة بذاتها من الأمور المكروهة ولكنني قد رافقتها حتى مللتها – قد أكلتها خبزاً وشربتها ماءً وتوسدتها فراشاً ولبستها رداءً حتى صرت أتبرم من لفظ اسمها وأهرب من ظل ظلها .
أظن أن مقالتك في " المواكب" هي الأولى من نوعها باللغة العربية . هي أول بحث في ما يرمي إليه الكاتب بوضع كتاب . حبذا لو كان بإمكان أدباء مصر وسوريا أن يتعلموا منكِ استجواب أرواح الكتب دون أجسادها واستفسار ميول الشعراء النفسية قبل استقصاء مظاهر الشعر الخارجية . يجب عليّ أن لا أحاول اظهار امتناني الشخصي على تلك المقالة النفيسة لأنني أعلم أنها كتبت وأنت منصرفة عن كل شيء شخصي . وإذا ما حاولت اظهار امتناني القومي بصورة عمومية أوجب عليّ ذلك كتابة مقالة في تلك المقالة وهذا أمر يحسبه الشرقيون في الوقت الحاضر من الأمور التي لا تجاور الذوق السليم ! ولكن سيجيء يوم أقول فيه كلمتي في " مي " ومواهبها , وستكون كلمتي هائلة ! وستكون طويلة عريضة ! وستكون صادقة لأنها ستكون جميلة .
إن الكتاب الذي سيصدر في هذا الخريف هو كتاب رسوم خالٍ من " ضجيج التمرد والعصيان ." ولولا اضراب العمال في المطابع لظهر منذ ثلاثة أسابيع . وفي السنة القادمة سيصدر كتابان الأول " المستوحد " وربما دعوته باسم آخر " وهو مؤلف من قصائد وأمثال والثاني كتاب رسوم رمزية باسم " نحو الله " وبهذا الأخير انتهي من عهد وابتدئ بعهد آخر . وأما " النبي " فكتاب فكرت به منذ ألف سنة ولكنني لم أكتب فصلاً من فصوله حتى أواخر السنة الغابرة . وماذا عسى أقول لك عن هذا النبي ؟ هو ولادتي الثانية ومعموديتي الأولى . هو الفكرة الوحيدة التي تجعلني حرياً بالوقوف أمام وجه الشمس . ولقد وضعني هذا النبي قبل أن أحاول وضعه , وألفني قبل أن أفكر بتألفيه , وسيرني صامتاً وراءه سبعة آلاف فرسخ قبل أن يقف ليملي عليّ ميوله ومنازعه .
أرجوك أن تسألي رفيقي ومعاوني العنصر الشفاف عن هذا النبي وهو يقص عليك حكايته . اسألي العنصر الشفاف , اسأليه في سكينة الليل عندما تنعتق النفس من قيودها وتتملص من أثوابها وهو يبوح لكِ بأسرار هذا النبي وبخفايا من تقدمه من الأنبياء أجمعين .
أنا أعتقد يا صديقي أن في العنصر الشفاف من العزم ما لو وضعنا ذرةً منه تحت جبل لانتقل من مكان إلى مكان آخر , واعتقد , بل واعلم , أننا نستطيع أن نمد ذلك العنصر سلكاً بين بلاد وبلاد فنعلم بواسطته كل ما نريد أن نعلمه ونحصل على كل ما نشوق إليه ونبتغيه .
ولدّي أمور كثيرة أريد أن أقولها عن العنصر الشفاف وغيره من العناصر ولكن عليّ أن أبقى صامتاً عنها . وسوف أبقى صامتاً حتى يضمحل الضباب وتنفتح الأبواب الدهرية ويقول لي ملاك الرب " تكلم , فقد ذهب زمن الصمت وسر فقد طال وقوفك في ظلال الحيرة ."
أي متى يا ترى تنفتح الأبواب الدهرية ؟ هل تعلمين ؟ هل تعلمين أي متى تتفتح الأبواب الدهرية ويضمحل الضباب ؟
والله يحفظك يا " مي" ويحرسك دائماً
المخلص

جبران خليل جبران

نيويورك 15 تشرين الثاني 1919

وفي 15 تشرين الثاني 1919 تلقت مي زيادة رسالة يحمل مغلفها التاريخ الآنف الذكر كانت عبارة عن بطاقة دعوة لمعرض فني كبير أقيم في نيويورك لفنانين أجانب وأميركان . وقد كتب جبران على تلك البطاقة إلى مي العبارة التالية :
( هذه دعوة إلى وليمة فنية فهلا تكرمت وشرّفتينا !!)
نيويورك 30 تشرين الثاني 1919
وبعد أسبوعين , أي بتاريخ 30 تشرين الثاني 1919 استنادا إلى ختم البريد في مصر المسجل على المغلف تلقت مي رسالة أخرى تتضمن دعوة من نادي " ماكدويل" في نيويورك , كما هو واضح في الصورة اللاحقة , لحضور أمسية فنية أدبية في 2 كانون الأول 1919 يقرأ فيها جبران بعضاً من حكاياته وأمثاله , وينشد فيها " ويتر باينرز " بعضاً من أناشيده , وقد كتب جبران على هامش البطاقة بالانكليزية ما يلي :
Would that you were here to lend wings to my voice and turn my mutterings into songs . Yet I shall read knowing that among the " strangers" an invisible " friend" is listening and smiling sweetly and tenderly
( حبذا لو كنت هنا لتعيري أجنحة إلى صوتي وتحيلي همهماتي إلى تراتيل . ومع ذلك فسوف أقرأ وأنا واثق أن لي بين الغرباء صديقاً لايُرى يسمعني ويبتسم لي بعذوبة وحنان .")

نيويورك 28 كانون الثاني 1920

عزيزتي الآنسة مي

تريدين أن تعلمي بالضبط معنى ندامتي وماورء طلبي المغفرة منك من الأسرار النفسية . وإليك بالضبط البسيط ما كان وسيكون وراء تلك الندامة وتلك المعاني وتلك الأسرار وتلك النفسيات .
لم أندم على كتابة تلك الرسالة المعروفة لديك " بالنشيد الغنائي " - ولن أندم .
لم أندم على أصغر حرف فيها لا ولا على أكبر نقطة فيها - ولن أندم .
لم أكن في ضلال لذلك لم أر داعياً للاهتداء.
وكيف يا ترى أندم على أمر موجود الآن في نفسي مثلما كان موجوداً إذ ذاك ؟
وأنا لست ممن يندمون على وضع ما في نفوسهم بين شفاههم .
ولست ممن ينفون في يقظتهم ما يثبتونه في أحلامهم , لأن أحلامي هي يقظتي ويقظتي هي أحلامي , لأن حياتي لا تقسم إلى خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء .
أما الاثم الذي اقترفته - أو توهمت بأني اقترفته وأنا بعيد عن عالم الموازين والكمية - فهو هذا : بعد أن قرأت كلامك عن ذلك اللبناني الذي زارك قبل مغادرتك القاهرة إلى رمال الاسكندرية - أعني ذلك الرجل الذي " بكل أسف لم تسكبي سهواً بعض قطرات من الماء الغالي على يده " معاقبة له على " أمر غير محمود" - بعد أن قرأت كلامك هذا انتبهت لشيء كان من الواجب عليَّ أن أفطن له قبل أن أضع تلك الرسالة في صندوق البريد , فظننت أو تخيلت , أو تصورت , أن تلك الرسالة قد سببت لك بعض الانزعاج من هذه الوجهة . ومن منا لا يتأفف ويتبرم إذا علم أن الأشياء المختصة به دون سواه قد مرت بين أصابع وأمام عيون من ليس لهم الحق بمعرفتها ؟
هذا هو الأمر الذي انتبهت له فندمت وهذا هو الشيء الوحيد الذي طلبت إليك وضعه في صندوق النسيان . وقد دعوت " قلم المراقبة " والأسباب التي أوجدته والنتائج التي أوجدتها " بعالم الموازين والكمية "- دعوته بهذا الاسم لبعده عن العالم الذي كان يشغل فكري حينئذ بعد الجحيم عن غابة الحق .
ولقد عرفت في العام الغابر عن " قلم المراقبة" ما يضحك البوم بين القبور ! فقد كان بعض الفتيان الموظفين في تلك الادارة النبيلة يفتحون الرسائل الواردة إليّ من الشرق ويذيلونها بالحواشي والسلامات والتحيات والملاحظات السياسية والعمرانية والأدبية وبعضهم كان يطلب مني المال لأغراض لم أسمع بمثلها .
وأغرب من هؤلاء جميعهم مراقب في دمشق وجد فسحة بيضاء واسعة في رسالة موجهة إليّ فنمقها وطرزها بقصيدة طويلة يمدحني بها! ولو أخبرتك حكاية تلك القصيدة بتمامها لغضبت عليّ .
أما تلك الرسالة المعروفة " بالنشيد الغنائي " فهي مني وبي وفيّ , وهي أنا مثلما كنت ومثلما سأكون , وهي الآن مثلما كانت بالأمس ومثلما ستكون في الغد فهلا آمنت وصدقت يا توما ( هو القديس توما أحد رسل المسيح الاثني عشر . لم يؤمن بقيامته الا بعد أن رأى آثار جراحاته ووضع فيها اصبعه . وهو الذي أدخل المسيحية إلى الهند .) أتريدين وضع اصبعك في الجرح يا ميّ ؟
واسمحي لي أن أقول ثانية أنني أكره التهكم الدقيق والغير دقيق بين الأصدقاء , وأكره النكتة الفلسفية والغير فلسفية بين المتفاهمين بالروح , وأكره التكلف والتصنع في كل أمر حتى وفي الصعود إلى السماء . وأما سبب كرهي هذه الأشياء فهو ما أراه حولي في كل دقيقة من مظاهر هذه المدنية الآلية ونتائج هذا الاجتماع السائر على دواليب لأنه بدون أجنحة .
أظن أن السبب الذي يجعلك أن تعزي إليّ " التهكم الدقيق " هو بعض ما جاء في " المجنون" وإذا صح ظني أكون أول ضحايا ذلك الكتاب لأن " المجنون" ليس أنا بكليتي , والأفكار والمنازع التي أردت بيانها بلسان شخصية ابتدعتها ليست كل ما لدي من الأفكار والمنازع , واللهجة التي وجدتها مناسبة لميول ذلك المجنون ليست اللهجة التي اتخذها عندما أجلس لمحادثة صديق أحبه وأحترمه . ولكن إذا كان لا بد من الوصول إلى حقيقتي بواسطة ما كتبته فما عسى يمنعك عن اتخاذ فتى الغاب في كتاب " المواكب " لهذه الغاية بدلا من " المجنون" ؟ إن روحي يا مي أقرب بما لا يقاس إلى " فتى الغاب" ونغمة نايه منها إلى " المجنون" وصراخه . وسوف يتحقق لديك بأن " المجنون" لم يكن سوى حلقة من سلسلة طويلة مصنوعة من معادن مختلفة . لا أنكر أن " المجنون" كان حلقة طويلة مصنوعة من معادن مختلفة . لا أنكر أن " المجنون" كان حلقة خشنة مصنوعة من حديد , ولكن هذا لا يدل على أن السلسلة بكليتها ستكون من الحديد الخشن . لكل روح فصول يا مي , وشتاء الروح ليس كربيعها , ولا صيفها كخريفها .
قد سررت جداً لانتسابك إلى عائلة لاويّة ( نسبة إلى لاوي الابن الثالث ليعقوب وقد خرج اللاويون , كهنة بني اسرائيل, من سبطة) , سررت إلى درجة قصوى وسبب هذا السرور الهائل هو هذا أنا ابن كاهن ماروني!! نعم فقد كان جدي , والد أمي, كاهنا متعمقاً بالأسرار اللاهوتية ! ( بيد أنه كان مولعاً بالموسيقى الكنائسية والغير كنائسية ولهذا قد غفرت له كهنوتيته.) وقد كانت أمي أحب أبنائه إليه أشبههم به . والغريب أنها عزمت واستعدت وهي في ربيع العمر للدخول إلى دير القديس سمعان للراهبات في شمال لبنان . أما أنا فقد ورثت عن أمي تسعين بالمئة من أخلاقي وميولي ( لا أقصد بذلك أنني أماثلها من حيث الحلاوة والوداعة وكبر القلب ) ومع أنني أشعر بشيء من البغضاء نحو الرهبان فأنا أحب الراهبات وأباركهن في قلبي . وقد يكون حبي لهن ناتجاً عن تلك الرغائب السرية التي كانت تشغل خيال أمي في صباها . وإني أذكر قولها لي مرة , وقد كنت في العشرين :
لو دخلت الدير لكان ذلك أفضل لي وللناس
فقلت لها:
- لو دخلتِ الدير لما جئت أنا .
فأجابت :
- أنت مقدّر يا ابني .
فقلت :
- نعم , ولكن قد اخترتكِ أماً لي قبل أن أجيء بزمن بعيد .
فقالت :
- لو لم تجىء لبقيت ملاكاً في السماء .
فقلت
- لم أزل ملاكاً !
فتبسمت وقالت :
- أين جوانحك ؟
فوضعتُ يدها على كتفي قائلاً :
- هنا
فقالت:
- متكسرة !
بعد هذا الحديث بتسعة أشهر ذهبت أمي إلى ما وراء الأفق الأزرق . أما كلمتها " متكسرة" فظلت تتمايل في نفسي ومن هذه الكلمة قد غزلت ونسجت حكاية " الأجنحة المتكسرة ".
لا يامي لم أكن قط من جدود جدود أمي . لقد كانت ولم تزل أما لي بالروح . وإني أشعر اليوم بقربها مني وتأثيرها عليّ ومساعدتها لي أكثر مما كنت أشعر به قبل أن تذهب - أكثر بما لا يقاس . ولكن هذا الشعور لا ينفي الروابط الأخرى الكائنة بيني وبين أمهاتي وأخواتي بالروح , وليس هناك من فرق بين شعوري نحو أمي وشعوري نحو أمهاتي سوى الفرق الموجود بين الذكرى الواضحة والذكرى الضئيلة .
هذا شيء قليل عن أمي . واذا جمعتنا الأيام أخبرتك الشيء الكثير عنها , وإني لا أشك بأنك ستحبينها . ستحبينها لأنها تحبك . والأرواح السابحة هناك تحب الأرواح الجميلة السائرة هنا . وأنت يا مي روح جميلة اذاً لا تستغربي قولي " إنها تحبك"
أما الوجه الآخر الذي نشر في " الفنون" فهو وجهها في حالة الألم النفسي . والوجه المنشور في أول صفحة من " عشرون رسماً" ( عنوان لكتاب يتضمن رسوماً بريشة جبران كتبت مقدمته اليس رافائيل نشر في نيويورك سنة 1919 .) هو وجهها أيضاً , ولقد دعوته " نحو اللانهاية" لأنه يمثلها في آخر دقيقة من حياتها هنا وأول دقيقة من حياتها هناك .
وأما من جهة عائلة والدي فإني أستطيع أن أتبجح وأتباهى بثلاثة أو أربعة من الكهان مثلما تباهيتِ وتبجحتِ بكهنة وقسس بيت زيادة !!!! أقرّ لك بميزة واحدة وهي وجود القسس عندكم , إن شجرتنا لم تثمر من هذا النوع ! ولكن قد ظهر عندنا خور و" سقفس" أي خوري ونصف خوري , فهل ظهر عندكم من هذا الجنس ؟ ولقد كان هذا الخوروسقفس أو هذا المونسنيور الجبراني , يصلي ويبتهل لله ليرجعني إلى حضن الكنيسة الجامعة الرسولية مثلما ارجع الابن الشاطر إلى أبيه! وحضن الكنيسة كما تعلمين يشابه صدر أبينا ابراهيم - الأول لراحة الخطأة والثاني لراحة الأموات . والمسيحي المسكين لا يتملص من هذا حتى يهبط في ذاك وأنا والحمد للسماء لم أكن من الخطأة ولن أصير من الأموات ! بيد أنني أشفق على ابراهيم إجمالاً وعلى صدر ابراهيم خصوصاً ...
هذا ولا يغرب عن بالكِ أن نصف سكان شمال لبنان من الكهنة والقساوسة والنصف الثاني من أبناء وأحفاد الكهنة ! فهل في بلدكم - وأظنها غزير- ( قرية في لبنان تقع بالقرب من مسقط رأس مي زيادة أي من قرية شحتول , كانت تؤمها للاصطياف.) مثل ذلك ؟ أما في بلدنا - بشري ( مسقط رأس جبران) فمن الصعوبات احصاء عدد الكهان والرهبان !
أجل لنتحدث عن كتاب "دمعة وابتسامة" فأنا لست بخائف! ظهر هذا الكتاب قبل نشوب الحرب بمدة قصيرة . وقد بعثت إليك بنسخة منه يوم صدوره . نعم قد بعثت إليك بنسخة من كتاب " دمعة وابتسامة" يوم صدوره من مطبعة الفنون ولكنني لم أسمع منك كلمة واحدة عن وصولها فتأثرت ولم أزل متأثراً !!
أما مقالات " دمعة وابتسامة " فهي أول شيء نشر لي في الجرائد . هي من حصرم كرمي وقد كتبتها قبل " عرائس المروج " بزمن ولقد شاء نسيب عريضة فجمعها واضاف إليها مقالتين كتبتا في باريس منذ 12 سنة . سامحه الله ! لقد كتبت ونظمت قبل " دمعة وابتسامة" أعني بين الطفولية والشباب المجلدات الضخام ! ولكنني لم أقترف جريمة نشرها , ولن أفعل . وأنا باعث إليك بنسخة ثانية من " دمعة وابتسامة " مع الأمل بأنك ستنظرين إلى روحها لا إلى جسدها .
أنا من الميالين إلى شارل جيران ( شاعر فرنسي له عدة دواوين من الشعر العاطفي الرقيق .) ولكنني أشعر أن المدرسة التي ينتمي إليها أو الشجرة التي هو غصن من غصونها لم تكن في الغابة العلوية . إن الشعر الافرنسي في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين كان خاتمة لشيء وجد بدلاً من أن يكون بداية لشيء غير موجود - أعني غير موجود في عالم الحواس . ففي عقيدتي أن رودان النحات ( وهو المثال الافرنسي المشهور الذي تأثر به جبران.) وكيريار المصور ( رسام افرنسي اشتهرت لوحاته بأنها كانت تعتمد على أرضية من الضباب .) وديبوسي الموسيقي ( من أشهر مؤلفي الموسيقى ومجدديها في القرن العشرين.) قد ساروا على سبل جديدة فكانوا حقيقة من العظام . ولكن جيران ورفاقه كانوا وما برحوا يسيرون حتى الساعة على السبل التي رسمتها لهم الحالة المعنوية في أوربا قبل زمن الحرب . ومع أنهم يشعرون بجمال الحياة وما في الحياة من الألم والغبطة والمظاهر والأسرار فهم يمثلون مساء عهد بدلاً من صباح عهد آخر . وعندي أن كتاب وشعراء العالم العربي في أيامنا هذه يمثلون , ولكن بصورة مصغرة جداً , نفس الفكرة ونفس الحالة ونفس العهد .
وعلى ذكر العالم العربي فإني أسألك : لماذا يا ترى لا تعلمّي كتاب وشعراء مصر المسير على السبل الجديدة؟ أنتِ وحدكِ قادرة على ذلك فماذا يمنعك ؟ أنتِ يا مي من بنات الصباح الجديد فلماذا لا تنبهي الراقدين ؟ إن الصبية الموهوبة كانت وستكون بمقام ألف رجل موهوب . وإني لا أشك بأنكِ إذا ناديتِ تلك النفوس الضائعة الحائرة المستعبدة بقوة الاستمرار أيقظتِ فيها الحياة والعزم والميل إلى الصعود نحو الجبل . افعلي هذا وثقي بأن من يسكب الزيت في السراج يملأ بيته نوراً - أفليس العالم العربي بيتك وبيتي ؟
أنت تتأسفين لأنك لم تستطيعي الحضور إلى " الوليمة الفنية " وأنا أستغرب أسفك هذا , أستغربه جداً أفلا تذكرين ذهابنا سوية إلى المعرض ؟ هل مسيت انتقالنا من صورة إلى صورة ؟ هل نسيت كيف سرنا ببطء في تلك القاعة الواسعة نبحث وننتقد ونستقصي ما وراء الخطوط والألوان من الرموز والمعاني والمقاصد ؟ هل نسيت كل ذلك ؟ الظاهر أن " العنصر الشفاف" فينا يقوم بكثير من الأعمال والمآتي على غير معرفة منا , فهو يسبح مرفرفاً إلى الجهة الثانية من الأرض ونحن في غرفة صغيرة نقرأ جرائد المساء . ويزور الأصدقاء البعيدين ونحن نجالس ونحدث الأصدقاء القريبين , ويسير في حقول وغابات بعيدة سحرية لم ترها عين بشري ونحن نسكب الشاي في فنجان سيدة تخبرنا عن الاحتفال بعرس ابنتها .
ما أغرب العنصر الشفاف فينا يا مي وما أكثر أعماله المجهولة لدينا . ولكن عرفناه أو لم نعرفه فهو أملنا ومحجتنا . وهو مصيرنا وكمالنا . وهو نحن في الحالة الربانية .
هذا و أنا أعتقد بأنكِ إذا أجهدتِ حافظتكِ قليلاً تتذكرين زيارتنا إلى المعرض فهلا فعلت ؟
لقد طالت رسالتي - ومن يجد لذةً في شيء أطاله .
قد ابتدأت بهذا الحديث قبل نصف الليل وها قد صرت بين نصف الليل والفجر ولكنني للآن لم أقل كلمة واحدة مما أردت أن أقوله عندما ابتدأت . إن الحقيقة الوضعية فينا , ذلك الجوهر المجرد , ذلك الحلم الملتف باليقظة لا يتخذ غير السكوت مظهراً وبياناً .
نعم كان بقصدي أن أسألك ألف سؤال وسؤال وها قد صاح الديك ولم أسألك شيئاً . كان بقصدي أن أسألكِ مثلاً ما اذا كانت لفظة " سيدي" موجودة حقيقة في قاموس الصداقة ؟ لقد فتشت عن هذه اللفظة في النسخة الموجودة لديّ من هذا القاموس ولم أجدها .. فاحترت بأمري غير أنني أشعر أن نسختي هي النسخة المصححة - ولكن قد أكون غير مصيب !
هذا سؤال صغير , أما السؤالات الكبيرة فسأتركها إلى فرصة أخرى - إلى ليلة أخرى- فليلتي هذه قد شاخت وهرمت , وأنا لا أريد أن أكتب إليك في ظلال الليالي المسنة .
وإني أرجو أن يملأ العام الجديد راحتيك بالنجوم .
والله يحفظك يا مي ويحرسك

صديقك المخلص
جبران خليل جبران

بعد أن ختمت هذه الرسالة فتحت نافذتي فوجدت المدينة متشحة برداء أبيض والثلج يتساقط بهدوء وعزم وغزارة, فتهيبت لهذا المشهد الجليل بطهره ونقاوته , وعدت بالفكر إلى شمال لبنان , إلى أيام حداثتي عندما كنت أصنع التماثيل من الثلج ثم تطلع الشمس فتذيبها.
إني أحب عواصف الثلج محبتي لكل أنواع العواصف . وسأخرج في هذه الدقيقة وأمشي تحت هذه العاصفة البيضاء. ولكنني لا ولن أمشي وحدي .
جبران
نيويورك 3 تشرين الثاني 1920

يا صديقتي يا مي

لم يكن سكوتي في الآونة الأخيرة سوى الحيرة والالتباس ولقد جلست مرات بين حيرتي والتباسي في هذا " الوادي" لأحدثك وأعاتبك ولكنني لم أجد ما أقوله لك . لم أجد ما أقوله يا مي لأنني كنت أشعر بأنك لم تتركي سبيلاً للكلام . ولأنني أحسست بأنك تريدين قطع تلك الأسلاك الخفية التي تغزلها يد الغيب وتمدها بين فكرة وفكرة وروح وروح .
جلست مرات في هذه الغرفة ونظرت طويلاً إلى وجهك ولكنني لم أتلفظ بكلمة . أما أنت فكنت تحدقين بي وتهزين رأسك وتبتسمين ابتسامة من يجد لذة في تلبك وتشويش جليسه .
وماذا أقول لك الآن ورسالتك العذبة أمامي ؟ إن هذه الرسالة العلوية قد حولت حيرتي إلى الخجل . أنا مخجول من سكوتي ومخجول من ألمي ومخجول من الكبرياء التي جعلتني أضع أصابعي على شفتي وأصمت . كنت بالأمس أحسبك " المذنبة" أما اليوم وقد رأيت حلمك وعطفك يتعانقان كملاكين فقد صرت أحسب نفسي المذنب .
ولكن اسمعي يا صديقتي فأخبرك عن أسباب سكوتي وألمي :
حياتي حياتان , حياة أصرفها بالعمل والبحث ومخالطة الناس ومصارعة الناس واستقصاء السر الخفي في أعماق الناس , وحياة أخرى أصرفها في مكان قصي هادئ مهيب مسحور لا يحده مكان ولا زمان . ففي العام الغابر كنت أن بلغت ذلك المكان البعيد ألتفت فأرى روحاً ثانية جالسة بجانب روحي تبادلها ما هو أدق من الأفكار وتشاركها بما هو أعمق من العواطف . فعزوت هذا الأمر في البداية إلى أوليات بسيطة اعتيادية , ولكن لم يمر شهران إلا وتقرر لديّ أ، هناك سراً أبعد من الأوليات وأدق من الاعتياديات . والغريب أنني كنت أعود من هذه السفرات النفسية شاعراً بيد شبيهة بالضباب تلامس وجهي , وفي بعض الأحايين كنت أسمع صوتاً دقيقاً ناعماً كلهاث الطفل متموجاً في أذني .
يقول بعض الناس أنني من " الخياليين" , وأنا لا أعرف ماذا يعنون بهذه الكلمة ولكنني أعرف أنني لست بخيالي إلى درجة الكذب على نفسي . ولو حاولت الكذب على نفسي فنفسي لا تصدقني .
النفس يا ميّ لا ترى في الحياة إلا ما بها , ولا تؤمن إلا باختباراتها الخصوصية , وإذا ما اختبرت أمراً صار غصناً في شجرتها . وأنا قد اختبرت أمراً في العام الغابر . قد اختبرته ولم أتخيله . اختبرته مرات عديدة . اختبرته بنفسي وعقلي وحواسي . اختبرته وكان بقصدي أن أكتمه كشيء خصوصي . ولكنني لم أكتمه , بل أظهرته لصديقة لي . أظهرته لها لأنني شعرت إذ ذاك بحاجة ماسة إلى إظهاره . وهل تعلمين ماذا قالت لي صديقتي ؟ قالت لي على الفور " هذا نشيد غنائي "! لو قيل لوالدة تحمل طفلها على منكبيها " هذا تمثال من الخشب وأنت تحملينه " بعياقة" فبماذا يا ترى تجيب تلك الوالدة ؟ وبماذا تشعر ؟
ومرت الشهور وهذه الكلمة " نشيد غنائي" تحفر في قلبي . ولم تكتفي صديقتي ! لم تكتفي بل ظلت واقفة لي بالمرصاد , فلم أقل كلمة إلا وذيلتها بالتعنيف , ولم أحدق بشيء إلا وأخفته وراء القناع , ولم أمد يداً إلا وثقبتها بمسمار .
بعد ذلك قنطت . وليس بين عناصر النفس عنصر أمر من القنوط . ليس في الحياة شيء أصعب من أن يقول المرء لنفسه " لقد غُلبت " .
والقنوط يا مي جزر لكل مد في القلب . والقنوط يا مي عاطفة خرساء . لذلك كنت أجلس أمامك في الشهور الأخيرة وأنظر طويلاً إلى وجهك بدون أن أنبث ببنت شفة . لذلك لم أكتب بدوري . لذلك كنت أقول في سري ( لم يبق لي دور) .
ولكن في قلب كل شتاء ربيع يختلج , ووراء نقاب كل ليل صباح يبتسم . وها قد تحول قنوطي إلى شكل من الأمل .
ما أقدس تلك الساعة المهيبة التي رسمت فيها صورة " نحو اللانهاية" . وما أعذب وأهيب الامرأة التي تضع شفتيها على عنق امرأة أخرى وتناجيها . وما أبهى ذلك النور الذي يتكلم في أعماقنا , ما أبهى ذلك النور يا مي .
وماذا أقول عن رجل أوقفه الله بين امرأتين امرأة تحوك من أحلامه اليقظة وامرأة تحوك من يقظته الأحلام ؟ ماذا أقول عن قلب وضعه الله بين سراجين ؟ ماذا أقول عن هذا الرجل ؟ هل هو كئيب ؟ لا أدري , ولكنني أعلم أن الأنانية لا تجاور كآبته . هل هو سعيد ؟ لا أدري , ولكنني أعلو أن الأنانية لا تقترب من سعادته . هل هو غريب عن هذا العالم ؟ لا أدري , ولكنني أسألك ما إذا كنت تريدين أن يبقى غريباً عنك ؟ هل هو غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسه ؟ لا أدري , ولكنني أسألك ما إذا كنت لا تريدين محادثته بلغة أنت أعرف الناس بها ؟
أو لست أنت أيضاً غريبة عن هذا العالم ؟ ألست بالحقيقة غريبة عن محيطك وعن كل ما في محيطك من الأغراض والمنازع والمآتي والمرامي ؟ أخبريني , أخبريني يا مي هل في هذا العالم كثيرون يفهمون لغة نفسك ؟ كم مرة يا ترى لقيتِ من يسمعك وأنت ساكتة ويفهمك وأنت ساكتة ويطوف معك في قدس أقداس الحياة وأنت جالسة قبالته في منزل بين المنازل ؟
أنت وأنا من الذين حباهم الله بالأصدقاء والمحبين والمريدين الكثيرين . ولكن قولي لي هل يوجد بين هؤلاء الغيورين المخلصين من يستطيع الواحد منا أن يقول له " ألا فاحمل صليبي عني يوماً واحداً " هل بينهم من يعرف أن وراء أغانينا أغنية لا تسجنها الأصوات ولا ترتعش بها الأوتار ؟ هل بينهم من يعرف الفرح في كآبتنا والكآبة في فرحنا ؟
تقولين لي " أنت فنّي وأنت شاعر ويجب عليك أن تكون سعيداً مقتنعاً لأنك فنّي وشاعر " ولكن يا مي أنا لست بفني ولا بشاعر . قد صرفت أيامي وليالي مصوراً وكاتباً ولكن " أنا" لست في أيامي ولياليَّ . أنا ضباب يا مي . أنا ضباب وفي الضباب وحدتي وفيه وحشتي وانفرادي وفيه جوعي وعطشي . ومصيبتي أن هذا الضباب , وهو حقيقي , يشوق إلى لقاء ضباب آخر في الفضاء . يشوق إلى استماع قائل يقول " لست وحدك , نحن اثنان , أنا أعرف من أنت "
اخبريني , اخبريني يا صديقي , أيوجد في هذا العالم من يقدر ويريد أن يقول لي " أنا ضباب آخر أيها الضباب , فتعال نخيم على الجبال وفي الأودية . تعال نسير بين الأشجار وفوقها , تعال نغمر الصخور المتعالية . تعال ندخل معاً إلى قلوب المخلوقات وخلاياها , تعال نطوف في تلك الأماكن البعيدة المنيعة الغير معروفة " قولي لي يا مي , أيوجد في ربوعكم من يريد ويقدر أن يقول لي ولو كلمة واحدة من هذه الكلمات ؟
وأنتِ تريدين أن ابتسم " وأعفو"
لقد ابتسمت كثيراً منذ هذا الصباح . وها أنا ابتسم في أعماقي , وابتسم في كليتي , وابتسم طويلاً , وابتسم كأنني لم أخلق الا للابتسام . أما " العفو" فكلمة هائلة فتاكة جارحة أوقفتني مخجولاً متهيباً أمام الروح النبيلة التي تتواضع إلى هذا الحد , وجعلتني أحني رأسي طالباً منها العفو . أنا وحدي المسيء . قد أسأت في سكوتي وفي قنوطي لذلك استعطفك أن تغتفري ما فرط مني وتسامحيني .
كان الأحرى بنا تصدير هذا الحديث بالكلام عن كتاب " باحثة البادية " ( اسم مستعار اتخذته الكاتبة المصرية ملك حفني ناصيف واتخذته مي عنوانا للسيرة التي وضعتها عن ملك ونشرتها عام 1920 ) ولكن للخصوصيات دالة علينا , وفي الخصوصيات قوة تجتذبنا إليها من أقصى الأمور وأجلها .
ما قرأت قط كتاباً عربياً أو غير عربي مثل كتاب " باحثة البادية" . لم أر في حياتي صورتين مرسومتين بمثل هذه الخطوط وهذه الألوان . لم أر في حياتي صورتين في إطار واحد , صورة امرأة أديبة مصلحة وصورة امرأة أكبر من أديبة وأعظم من مصلحة . لم أر في حياتي وجهين في مرآة واحدة – وجه امرأة يخفي نصفه ظل الأرض , ووجه امرأة يغمره نور الشمس . قلت " وجه امرأة يخفي نصفه ظل الأرض " لأنني شعرت منذ أعوام ولم أزل أشعر بأن باحثة البادية لم تتملص من محيطها المادي ولم تتجرد عما يساورها من المؤثرات القومية والاجتماعية حتى حل الموت قيودها . أما الوجه الثاني , الوجه اللبناني المغمور بكليته بنور الشمس , فهو في عقيدتي وجه أول امرأة شرقية تعالت حتى بلغت ذلك الهيكل الأثيري حيث تنزع الأرواح أجسادها المصنوعة من غبار التقاليد والعادات والزوائد وقوة الاستمرار .
هو وجه أول امرأة شرقية أدركت وحدة الوجود بما في الوجود من الخفي والظاهر ومن المعروف وغير المعروف . وغداً , بعد أن يطرح الزمن ما يكتبه الكتاب وينظمه الشعراء في ( هوة) النسيان يظل كتاب " باحثة البادية" موضوع اعجاب الباحثين والمفكرين والمستيقظين . أنت يا مي صوت صارخ في البرية . أنت صوت رباني , والأصوات الربانية تبقى متموجة في الغلاف الأثيري حتى نهاية الزمن .
والآن عليّ أن أجيب عن كل سؤال من سؤالاتك اللذيذة . عليّ أن لا أنسى شيئاً . أولاً " كيف أنا؟" – لم أفكر في الآونة الأخيرة بكيفية أنا , بيد أنني أرجح أنني في حالة حسنة رغم ما في حياتي اليومية من الرفاصات المتباينة والدواليب المختلفة بالصورة والحجم . " وماذا أكتب؟" – أكتب سطراً أو سطرين بين كل مساء وصباح . قلت بين كل مساء وصباح لأنني في الوقت الحاضر أصرف نور نهاري مهموكاً برسوم زيتية كبيرة عليّ اتمامها قبل نهاية هذا الشتاء . ولولا هذه الصور والمعاهدة التي تربطني بها لكنت صرفت هذا الشتاء بين باريس والشرق . " وهل اشتغل كثيراً؟"- اشتغل دائماً , اشتغل حتى وفي نومي , اشتغل وأنا جامد كالصخر . ولكن شغلي الحقيقي ليس بالكتابة أو التصوير , في أعماقي يا مي حركة أخرى لا علاقة لها بالكلام ولا بالخطوط والألوان . فالشغل الذي ولدت له لا يتناول الريشة والقلم . " وما لون البذلة التي ارتديها اليوم ؟" – من عوائدي أن ارتدي بذلتين في وقت واحد , بذلة من نسج الناسجين وخياطة الخياطين وبذلة من لحم ودم وعظام ! أما اليوم فإني أرتدي ثوباً واحداً طويل الأذيال واسع الجوانب عليه أثر الحبر والألوان وهو بالإجمال لا يختلف عن ملابس الدراويش إلا بنظافته ! أما الثوب الثاني المصنوع من لحم ودم وعظام فهو مطروح في الغرفة المحاذية , لأني أفضل محادثتك وبعيد بعيد عني . " وكم سيجارة دخنت منذ الصباح؟" ما أعذب هذا السؤال وما أصعب الجواب عليه ! هذا يا مي يوم تدخين بتدخين فقد حرقت منذ صباحه أكثر من عشرين سيجارة ! والتدخين عندي لذة لا عادة قاهرة , فقد يمر بي الأسبوع الكامل بدون سيجارة واحدة . نعم , دخنت اليوم أكثر من عشرين سيجارة . والحق عليك ! فلو كنتُ وحدي في هذا " الوادي" لما دخنت أبداً !! ولكنني لا أريد أن أكون وحدي . أما بيتي فلم يزل بدون سقف ولا جدران , وأي منا يا ترى يريد أن يكون مسجوناً ؟ وأما بحار الرمل وبحار الأثير فهي اليوم مثلما كانت بالأمس – عميقة كثيرة الأمواج وبدون شواطئ . والسفينة التي أخوض بها هذه البحار تسير ولكن ببطء . من يقدر ويريد أن يضيف شراعاً جديداً إلى شراع سفينتي ؟ ليت شعري من يقدر ويريد ؟ أما كتاب " نحو الله" فما برح في المعمل السديمي وأفضل رسومه لم تزل خطوطاً في الهواء وعلى وجه القمر . وأما " المستوحد " فقد ظهر منذ ثلاثة أسابيع باسم " السابق" ( كتابه الانكليزي الثاني فيه يظهر المنحى الجديد الذي بدأه في المجنون وتظهر نزعته الصوفية العميقة , نشره عام 1920 ) وقد بعثت إليك بنسخة منه . وفي البريد نفسه بعثت إليك بنسخة من " العواصف" ( مجموعة باللغة العربية من المقالات والقصص القصيرة والقصائد النثرية كانت قد نشرت في الصحف والمجلات ما بين 1912 و 1918 ) وبنسخة ثالثة من حصرم كرمي " دمعة وابتسامة" , ولم أرسل إليك القائمة التي يصدرها في الصيف ناشر كتبي لأنني في الصيف كنت في البرية البعيدة – وهناك سبب آخر !! وأما الرسوم , والخزف , والزجاج والكتب القديمة والآلات الموسيقية والتماثيل المصرية واليونانية والغوطية فهي كما تعهدينها , مظاهر للروح الأزلية الأبدية , كلمات منثورة من كتاب الله . وكم جلست أمامها مفكراً بالشوق الذي أوجدها , كم حدقت بها حتى غابت عن نظري وحل مكانها أشباح الأزمنة التي نقلتها من عالم الغيب إلى عالم المرئيات . لم أحصل بعد على التمثال الكلداني من الحجر الأسود . ولكن في الربيع الغابر كتب إليّ صديق انكليزي موجود في العراق مع الحملة البريطانية وقال " إذا وجدت شيئاً فهو لك "
قد أجبت على جميع سؤالاتك ولم أنس شيئاً . وقد بلغت الحد من هذه الصفحة قبل أن أقول كلمة مما أردت قوله عندما ابتدأت في رأس الصفحة الأولى . لم ينعقد ضبابي قطراً يا مي وتلك السكينة , تلك السكينة المجنحة المضطربة لم تتحول إلى ألفاظ . ولكن هلا ملأت يدك من هذا الضباب ؟ هلا أغمضت عينيك وسمعت السكينة متكلمة ؟ وهلا مررت ثانية بهذا الوادي حيث الوحشة تسير كالقطعان وترفرف كأسراب الطيور وتتراكض كالسواقي وتتعالى كأشجار السنديان ؟ هلا مررت ثانية يا مي ؟ والله يحفظك ويحرسكِ .
جبران
بوسطن 11 كانون الثاني 1921

يا ميّ

ها قد بلغنا قمة عالية فظهرت أمامنا سهول وغابات وأودية , فلنجلس ساعة ولنتحدث قليلاً . نحن لا نستطيع البقاء هنا طويلاً لأني أرى عن بعد قمة أعلى من هذه وعلينا أن نصل إليها قبل الغروب , ولكننا لن نترك هذا المكان إلا وأنتِ فرحة , ولن نخطو خطوة إلا وأنتِ مطمئنة .
قد قطعنا عقبة صعبة المسالك , قطعناها بشيءٍ من التلبك , وإني أعترف لكِ بأنني كنت ملحّاً لجوجاً غير أن إلحاحي كان نتيجة مقررة لشيءٍ أقوى مما ندعوه إرادة . وأعترف لكِ بأنني لم أكن حكيماً في بعض الأمور ولكن أليس في الحياة مالا تبلغه أصابع الحكمة ؟ أليس فينا ما تتحجر الحكمة أمامه ؟ ولو كانت اختباراتي يا ميّ تماثل بوجه من الوجوه ما اختبرته في ماضيّ لما أعلنتها , ولكنها جاءت جديدة غريبة وعلى حين غفلة . ولو كنت إذ ذاك في القاهرة وأظهرتها لكِ شفاهاً وبصورة بسيطة مجردة خالية مما في الشخصيات من المرامي الذاتية لما حدث بيننا سوء تفاهم . ولكن لم أكن إذ ذاك في القاهرة , ولم يكن لدي من وسيلة إلا المراسلة – والمراسلة في هذه "المواضيع" تلبس أبسط الأمور ثوباً من المركبات وتسدل على وجه المجردات نقاباً كثيفاً من الكلفة . فكم مرة نريد أن نبدي فكرة بسيطة فنضعها في ما يتيسر لنا من الألفاظ , تلك الألفاظ التي تعودت أقلامنا سكبها على الورق , فينتج عن كل ذلك " قصيدة منثورة" أو " مقالة خيالية" . أما السبب فهو أننا نشعر ونفكر بلغة أصدق وأصح من اللغة التي نكتب بها . نحن بالطبع نحب القصائد المنثورة والمنظومة ونحب المقالات الخيالية وغير الخيالية , بيد أن العاطفة الحية الحرة شيء والبيان في المراسلات شيء آخر . مذ كنت صبياً في المدرسة وأنا ابتعد بقدر استطاعتي عن التعابير القديمة المتداولة لأنني كنت ولم أزل أشعر بأنها تخفي الفكر والعاطفة أكثر مما تظهرهما , ولكن يبدو لي الآن أنني لم أتملص مما أتبرم منه – يبدو لي أنني كنت منذ سنة ونصف سنة حيث كنت وأنا في الخامسة عشر , ودليلنا على ذلك ما أثمرته رسائلي من سوء التفاهم .
أقول ثانية أنني لو كنت في القاهرة لوقفنا أمام اختباراتنا النفسية وقوفنا أمام البحر أو أمام النجوم أو أمام شجرة تفاح مزهرة . ومع كل ما في اختباراتنا من الغرابة فهي ليست بأغرب من البحر أو من النجوم أو من الشجرة المزهرة , ولكن من العجائب أننا نمتثل ونستسلم إلى معجزات الأرض والفضاء وفي الوقت نفسه نستصعب تصديق ما يظهر في أرواحنا من المعجزات .
كنت أعتقد يا ميّ , وما برحت أعتقد , أن بعض الاختبارات لا تحدث إلا إذا اشترك بها اثنان في وقت واحد . وربما كان هذا الاعتقاد سبباً أولياً لتلك الرسائل التي جعلتك أن تقولي لنفسكِ "يجب أن نقف هنا" الحمد لله لأننا لم "نقف هناك" . الحياة يا مي لا تقف في مكان من الأمكنة , وهذا الموكب الهائل بجماله لا يستطيع سوى المسير من لا نهاية إلى لا نهاية . ونحن , ونحن الذين نقدس الحياة ونميل بكل قوانا إلى الصالح والمبارك والعذب والنبيل في الحياة , نحن الذين نجوع ونعطش إلى الثابت الباقي في الحياة لا نريد أن نقول أو نفعل ما يوعز الخوف أو ما "يملأ الروح شوكاً وعلقماً" . نحن لا نريد ولا نقدر أن نلمس جوانب المذبح إلا بأصابع طهرت بالنار . ونحن إذا احببنا شيئاً يا ميّ نحسب المحبة نفسها محجة لا واسطة للحصول على شيء آخر , وإذا خضعنا خاشعين أمام شيء علوي نحسب الخضوع رفعة والخشوع ثواباً وإذا تشوقنا إلى شيء نحسب الشوق بحد ذاته موهبة ونعمة . ونحن نعلم أن أبعد الأمور هو أخلقها وأحقها بميلنا وحنيننا , ونحن – أنت وأنا- لا نستطيع حقيقةً أن نقف في نور الشمس قائلين " يجب أن نوفر على نفوسنا عذاباً نحن بغنى عنه " لا يا ميّ , نحن لسنا بغنى عما يضع في النفس خميرة قدسية , ولسنا بغنى عن القافلة التي تسير بنا إلى مدينة الله , ولسنا بغنى عما يقربنا من ذاتنا الكبرى , ويرينا بعض مافي أرواحنا من القوى والأسرار والعجائب . وفوق كل ذلك فنحن نستطيع أن نجد السعادة الفكرية في أصغر مظهر من مظاهر الروح , ففي الزهرة الواحدة نشاهد كل ما في الربيع من الجمال والبهاء , وفي عيني الطفل الرضيع نجد كل ما في البشرية من الآمال والأماني . لذلك لا نريد أن نتخذ أقرب الأشياء وسيلة أو مقدمة للوصول إلى أبعدها , كما أننا لا نريد ولا نقدر أن نقف أمام الحياة ونقول مشترطين "أعطنا ما نريد أو لا تعطينا شيئاً – إما ذاك وإما لا شيء" لا يامي , نحن لا نفعل ذلك لأننا نعلم أن الصالح والمبارك والثابت في الحياة لا يسير كما نشاء بل يسيرنا كما يشاء . وأيّ مطمع لنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا , في إعلان سر من أسرار أرواحنا سوى التمتع بإعلان ذلك السر ؟ وما هي غايتنا من الوقوف بباب الهيكل سوى مجد الوقوف ؟ ماذا يا ترى يبغي الطائر إذا ترنم والبخور إذا احترق ؟ أو ليس في هذه النفوس المستوحدة سوى المنازع المحدودة ؟
ما أعذب تمنياتك لي في يوم مولدي وما أطيب أريجها . ولكن اسمعي يا مي هذه الحكاية الصغيرة واضحكي قليلاً على حسابي! شاء نسيب عريضة أن يجمع " دمعة وابتسامة" في كتاب , وذلك قبل زمن الحرب , وشاء أن يحشر مقالة " يوم مولدي" بين تلك القطع الضئيلة , ورأى أن يضع التاريخ مع العنوان ولم أكن حينئذ في نيويورك , فأخذ يبحث – وهو بحّاثة لا يكل ولا يمل – حتى وجد تاريخ ذلك اليوم البعيد باللغة الانكليزية فترجم " JANUARY 6 th " إلى " 6 كانون الاول"! وهكذا خصم من سني حياتي سنة وأخر يوم مولدي الحقيقي شهراً ! ومنذ ظهور كتاب دمعة وابتسامة حتى اليوم وأنا أتمتع في كل سنة بيوميّ مولدي , الأول أوجدته غلطة في الترجمة أما الثاني فلا أدري أي غلطة في الأثير أوجدته ! وتلك السنة التي سُرقت مني – يعلم الله وأنتِ تعلمين أنني اشتريتها غاليةً , اشتريتها بنبضات قلبي , اشتريتها بسبعين وزنة من الألم الصامت والحنين إلى ما لا أعرفه , فكيف أسمح لغلطة في كتاب أن تسلبني إياها ؟
أنا بعيد عن "الوادي" يا مي . جئت هذه المدينة – بوسطن – منذ عشرة أيام لعمل تصويري , ولو لم يبعثوا إليّ ببقجة من الرسائل الواردة إلى عنواني في نيويورك لعشت عشرة أيام أخرى بدون رسائلك , هذه الرسالة التي حلت ألف عقدة في حبل روحي , وحولت الانتظار , وهو صحراء , إلى حدائق وبساتين . الانتظار حوافر الزمن يا ميّ , وأنا دائما في حالة الانتظار . يخال لي في بعض الأحايين أنني أصرف حياتي مترقبا حدوث ما لم يحدث بعد , وما أشبهني بأولئك العمي والمقعدين الذين كانوا يضطجعون بقرب بركة " بيت حسدا" في أورشليم " لأن ملاكاً كان ينزل أحيانا في البركة ويحرك الماء فمن نزل أولا بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه". ( بيت حسدا : إشارة إلى اليعازر وقيامته من الموت في انجيل متى .)
أما اليوم , وقد حرك ملاكي بركتي ووجدت من يلقيني في الماء , فإني أسير في ذلك المكان المهيب المسحور وفي عيني نور وفي قدمي عزم . أسير بجانب خيال أجمل وأطهر لبصيرتي من حقيقة الناس كافة , أسير وفي يدي يد حريرية الملامس ولكنها قوية وذات إرادة خاصة , ولينة الأصابع ولكنها تستطيع رفع الأثقال وتكسير القيود . وبين الآونة والأخرى ألتفت فأرى عينين مشعشعتين وشفتين تداعبهما ابتسامة جارحة بحلاوتها .
قلت لكِ مرة إن حياتي مقسومة إلى حياتين وإني أصرف الواحدة منهما بين العمل والناس والثانية في الضباب . قد كان ذلك بالأمس , أما اليوم فقد توحدت حياتي وصرت اشتغل في الضباب وأجتمع بالناس في الضباب , وأنام وأحلم ثم استيقظ وأنا في الضباب . هي نشوة محاطة بحفيف الأجنحة , فالوحدة فيها ليست بالوحدة , وألم الحنين إلى غير المعروف أطيب من كل شيء عرفته . هي غيبوبة ربانية يا ميّ , هي غيبوبة ربانية تدني البعيد وتبين الخفي وتغمر كل شيء بالنور . أنا أعلم الآن أن الحياة بدون هذا الانجذاب النفسي ليست سوى قشور بغير لباب . وأحقق أن كل ما نقوله ونفعله ونفكر به لا يساوي دقيقة واحدة نصرفها في ضبابنا .
وأنت تريدين كلمة " نشيد غنائي" أن تحفر في قلبي ! تريدينها أن تنتقم لك من هذا الكيان الخافت الذي يحملني وأحمله . لندعها تحفر وتحفر وتحفر , بل لننادي جميع الأناشيد الغنائية الهاجعة في الأثير , ولنأمرها أن تنتشر في هذه البلاد الواسعة لتحفر الترعات , وتمد السبل وتبني القصور والأبراج والهياكل , وتحول الوعر إلى حدائق وكروم لأن شعباً من الجبابرة الفاتحين , وفي الوقت نفسه أنت ابنة صغيرة في السابعة تضحك في نور الشمس و تركض وراء الفراشة وتجني الأزهار وتقمز فوق السواقي . وليس في الحياة شيء ألذ وأطيب لديّ من الركض خلف هذه الصغيرة الحلوة والقبض عليها ثم حملها على منكبي ثم الرجوع بها إلى البيت لأقص عليها الحكايات العجيبة الغريبة حتى تكتحل أجفانها بالنعاس وتنام نوماً هادئاً سماوياً .
جبران

نيويورك مساء السبت 21 أيار 1921

يا مي يا صديقتي"

كثيراً وبحنو – كثيراً وبحنو" , هذه حقيقة بسيطة ظهرت لي منذ حين فانفتحت في روحي نوافذ وأبواب جديدة , ولما قررتها رأيتني واقفاً أمام مشاهد ما كنت أحلم بوجودها في هذا العالم.
" كثيراً وبحنو – كثيراً وبحنو" , ومن هذا الكثير وهذا الحنو قد تعلمت الصلاة بفرح والحنين بطمأنينة والامتثال بدون انكسار. لقد عرفت أن الرجل المستوحد يستطيع أن يغمر وحدته بنور " الكثير" ويزيل الاجهاد في عمله بحلاوة " الحنو" . وعرفت أن الغريب المستوحش يستطيع أن يكون أباً وأخاً ورفيقاً وصديقاً- وفوق كل ذلك أن يكون طفلاً فرحاً بالحياة. " كثيراً وبحنو" إن في هذا الكثير وهذا الحنو أجنحة تخيم وأيادٍ تبارك. صحتي اليوم أحسن مما كانت عليه منذ شهر , لكنني لم أزل مريضاً, وهذا الجسم الضعيف ما برح بدون نظام وبدون وزن وبدون قافية. وأنت تريدين أن أقول لك مم أشكو , فإليك خلاصة ما قاله الأطباء :
" اضطراب عصبي سببه الاجهاد ونقص في التغذية أدى إلى اضطراب في الجهاز العام للقلب فكان تسرع النبض نتيجة حتمية له, وقد بلغت نبضاته 115 في الدقيقة في حين أن النبض الطبيعي هو في حدود (80)."
أي يا ميّ, ففي العامين الغابرين قد حمّلت جسمي فوق طاقته, فكنت أصور ما دام النور وأكتب حتى الصباح وألقي المحاضرات وأختلط بجميع أنواع البشر – وهذا العمل الأخير هو أصعب شيء أمام وجه الشمس- وكنت اذا جلست إلى مائدة الطعام أشغل نفسي بالكلام والمتكلمين حتى تحضر القهوة فأتناول منها الشيء الكثير وأكتفي بها طعاماً وشراباً. وكم مرة عدت إلى منزلي بعد منتصف الليل وبدلاً من الخضوع إلى سنة الله في أجسامنا كنت أنبّه ذاتي بالحمامات الباردة وبالقهوة القوية وأصرف ما بقي من الليل كاتباً أو مصوراً – أو على الصليب. ولو كنت شبيهاً بقومي سكان شمال لبنان لما قبضت عليّ العلة بهذه السرعة. هم كبار الأجسام أقوياء البنية أما أنا فبعكس ذلك ولم أرث عن أولئك الأشداء حسنة واحدة من حسناتهم الجسدية. ها قد أشغلت فسحةً كبيرة بالكلام عن مرضي, وكان الأحرى بي أن لا أفعل – ولكن ما العمل وأنا لا أستطيع إلا الجواب على كل سؤال من سؤالاتك الممنطقة بحلاوة الاهتمام " والرغبة والتمني".
أين الرسالة الطويلة المقطعة المكتوبة بقلك رصاص وعلى ورق بلدي مربع التسطير في حديقة جميلة أمام صف من الذهبيات؟ أين رسالتي يا مي؟ لماذا لم تبعثي بها إلي؟ أريد الحصول عليها, أريدها بكلياتها وجزئياتها. أتعلمين مقدار رغبتي في الحصول على تلك الرسالة بعد أن قرأت نتفة منها- تلك النتفة القدسية التي جاءت فجراً ليوم جديد. أتعلمين أنه لولا خوفي من كلمة " وبجنون" لكنت بعثت إليك ليلة أمس برقية أرجوك فيها تسليم الرسالة إلى البريد؟
أترين فيَّ الطيبة يا ميّ؟ وهل أنت بحاجة إلى الطيبة؟ هذا كلام جارح بعذوبته فبما أجيب عليه؟ إذا كان في كياني يا صديقتي ما أنت في حاجة إليه فهو لك بكليته . ليست الطيبة فضيلة بحد ذاتها أما عكسها فجهالة- وهل تقطن الجهالة حيث " كثيراً وبحنو"؟
إذا كانت الطيبة في محنة الجميل وفي التهيب أمام النبيل وفي الشوق إلى البعيد والخفي- إذا كانت الطيبة في هذه الأشياء فأنا إذن من الطيبين, أما إذا كانت في غير هذه الأشياء فأنا لا أدري ما ومن أنا. وإني أشعر يا مي أن المرأة السامية تستلزم وجود الطيبة في روح الرجل حتى ولو كان جاهلاً.
حبذا لو كنت الساعة في مصر. حبذا لو كنت في بلادي قريباً ممن تحبهم نفسي. أتعلمين يا مي أنني في كل يوم أتخيل ذاتي في منزل في ضواحي مدينة شرقية وأرى صديقتي جالسة قبالتي تقرأ في آخر مقالة من مقالاتها التي لم تنشر بعد, فنتحدث طويلاً في موضوعها ثم نتفق على إنها أحسن ما كتبته حتى الآن. وبعد ذلك أنتشل من بين مساند فراشي بعض الأوراق وأقرأ قطعة كتبتها أثناء الليلة الغابرة فتستحسنها صديقتي قليلاً ثم تقول في سرها " يجب ألا يكتب وهو في هذه الحالة. إن تراكيب هذه القطعة تدل على الضعف والوهن والتشويش- عليه ألا يأتي بعمل فكري حتى يتعافى تماماً"- تقول صديقتي هذا في سرها وأنا أسمعه في سري فأقتنع بعض الاقتناع ثم لا ألبث أن أقول بصوت عالٍ " أمهليني قليلاً, أمهليني أسبوعاً أو أسبوعين فأتلو عليك قطعة جميلةً , جميلة للغاية". فتجيبينني بصراحة " يجب أن تمتنع عن الكتابة والتصوير وكل عمل آخر عاماً أو عامين, وإن لم تمتنع فأنا عليك من الساخطين!" – تلفظ صديقتي كلمة " الساخطين" بلهجة ملؤها " الاستبداد المطلق" ثم تبتسم كالملاكة فأحتار دقيقة بين سخطها وابتسامها, ثم أجدني فرحاً بسخطها وابتسامها- وفرحاً بحيرتي.
وعلى ذكر الكتابة – أتدركين مقدار سروري وابتهاجي وافتخاري بما ظهر لك من المقالات والحكايات في الشهور الأخيرة؟ ما قرأت لك قطعة إلى وشعرت بنمو وتمدد في قلبي, وما قرأتها ثانية إلا وتحولت عمومياتها إلى شيء شخصي فأرى في الأفكار والقوالب ما لم يره سواي وأقرأ بين السطور سطوراً لم تكتب إلا لي. أنت يا مي كنز من كنوز الحياة, بل وأكثر من ذلك- أنتِ أنتِ, وإني أحمد الله لأنك من أمة أنا من أبناها ولأنك عائشة في زمن أعيش فيه. كلما تخيلتك عائشة في القرن الماضي أو في القرن الآتي رفعت يدي وخفقت بها الهوا كمن يريد أن يزيل غيمة من الدخان من أمام وجهه.
بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أذهب إلى البرية فأسكن بيتاً صغيراً منتصباً كالحلم بين البحر والغابة – وما أجمل تلك الغابة , وما أكثر أطيارها وأزهارها وينابيعها. كنت في الأعوام الغابرة أسير وحيداً منفرداً في تلك الغابة. وكنت أذهب عشية إلى البحر وأجلس كئيباً على الصخور أو أرمي بنفسي إلى الأمواج كمن يريد أن يتملص من الأرض وأشباحها. أما في هذا الصيف فسأسير في الغابة وأجلس أمام البحر وفي روحي ما ينسيني الوحدة وفي قلبي ما يشغلني عن الكآبة.
أخبريني يا ميّ ما أنت فاعلة في هذا الصيف؟ أذاهبة إلى رمل الاسكندرية أم إلى لبنان؟ أذاهبة وحدك إلى لبناننا؟ أي متى يا ترى أعود إلى لبنان؟ أتستطيعين أن تقولي لي أي متى أتخلص من هذه البلاد ومن القيود الذهبية التي حبكتها منازعي حول عنقي؟
أتذكرين يا مي قولك لي مرة أن صحفياً في بيونيس آيريس قد بعث إليك برسالة يطلب فيها رسمك ومقالة من مقالاتك؟ لقد فكرت مرات عديدة في طلب هذا الصحفي وفي ما يطلبه جميع الصحفيين وكنت في كل مرة أقول متحسراً " لست بصحفي! لست بصحفي! لذلك يتعذر عليّ أن أطلب ما يطلبه الصحفيون. لو كنت صاحب مجلة أو محرر جريدة لطلبت رسمها بكل حرية, وبدون خجل, وبدون وجل, وبدون توطئة منسوجة من الألفاظ المرتعشة" كنت ولم أزل أقول هذا في قلبي, فهل سمع الذين اتخذوا قلبي وطناً لهم؟
ها قد انتصف الليل وللآن لم أخط الكلمة التي تلفظها شفتي وتلفظها تارة همساً وطوراً بصوت عالِ. إني أضع كلمتي في قلب السكينة فالسكينة تحتفظ على كل ما نقوله بحنو وحرقة وإيمان. والسكينة يا ميّ تحمل صلاتنا إلى حيث نريد أو ترفعها إلى الله.
أنا أذهب إلى فراشي. وسوف أنام الليلة طويلاً . وسوف أقول لكِ في الحلم ما لم أخطه على هذه الورقة. مساء الخير يا مي. الله يحرسكِ

جبران
نيويورك صباح الاثنين 30 أيار 1921

يا مي , يا ماري , يا صديقتي

( ماري هو اسم مي الأصلي , إلا أنها اختارت الثاني مختصرة اسم ماري إلى مي وهو الاسم العربي الجميل الذي تغنى به الشعراء. وقد غلب عليها واشتهرت به وأصبح اسمها الأدبي والشخصي.)
استيقظت الساعة من حلم غريب. ولقد سمعتك تقولين لي في الحلم كلمات حلوة ولكن بلهجة موجعة, والأمر الذي يزعجني في هذا الحلم ويزعجني جداً – هو أنني رأيت في جبهتك جرحاً صغيراً يقطر دماً. ليس في حياتنا شيء أدعى إلى التفكير والتأمل من الأحلام. وأنا من الذين يحلمون كثيراً, بيد أنني أنسى أحلامي إلا إذا كانت ذات علاقة بمن أحبهم. لا أذكر أنني حلمت في ماضيَّ حلماً أوضح من هذا الحلم, لذلك أراني مشوشاً مضطرباً مشغول البال في هذا الصباح. ماذا تعني رنة التوجع في كلماتكِ الجميلة؟ وما معنى الجرح في جبهتكِ؟ و أيّ بشري يستطيع أن يخبرني مفاد انقباضي وكآبتي؟
سوف أصرف نهاري مصلياً في قلبي. أصلي لأجلكِ في سكينة قلبي. وسوف أصلي لأجلنا.
والله يباركك يا ميّ ويحرسك
جبران

نيويورك 9 أيار 1922

صديقتي الفاضلة.

تسألينني يا سيدتي ما إذا كنت وحيد الفكر والقلب والروح , فبما يا ترى أجيبك؟ أشعر أن وحدتي ليست بأشد ولا أعمق من وحدة غيري من الناس. كلنا وحيد منفرد. كلنا سر خفي. كلنا محجوب بألف نقاب ونقاب, وما الفرق بين مستوحد ومستوحد سوى أن الأول يتكلم عن وحدته والثاني يظل صامتاً. وقد يكون في الكلام بعض الراحة, وقد يكون في الصمت بعض الفضيلة.
لا أدري يا سيدتي ما إذا كانت وحدتي بما فيها من الكآبة مظهراً " لهوى بعض شخصياتي" أو برهاناً على عدم وجود شخصية في هذا الكائن الذي أدعوه " أنا" , لا, لا أدري. ولكن إذا كانت الوحدة عنوان الضعف فأنا بدون شك أضعف الناس.
أما مقالة" نفسي مثقلة بثمارها" فلم تكن " أنة شاعر في ساعة غمّ عابرة" بل " صدى لعاطفة عمومية قديمة مستتبة شعر ويشعر بها الكثيرون", وسيدتي تعلم أن ميلنا إلى سكب ما في أرواحنا في كؤوس الآخرين لأشد بما لا يقاس من الرغبة في الارتواء مما يسكبه الآخرون في كؤوسنا. تلك صفة لا تخلو من الغرور في بعض الأحايين ولكنها طبيعية.
ما أحسن قولكِ" إن كربة الوحدة وتباريحها تشتد وسط الجماهير". هذه حقيقة أولية . فكم مرة يجلس الواحد منا بين أترابه ومريديه فيحدثهم ويجادلهم ويشاركهم بالأقوال والأعمال- يفعل كل ذلك بإخلاص ومسرة, ولكن فعله لا يتعدى حدود الذات المقتبسة من عالم المظهر , أما ذاته الأخرى, ذاته الخفية, فتبقى ساكنة مستوحدة في عالم المصدر.
الناس, وأنا منهم, ميالون إلى الدخان والرماد, أما النار فيخافونها لأنها تبهر العين وتحرق الأصابع. الناس, وأنا منهم, منصرفون إلى درس ثنايا قشور بعضهم بعضاً , أما اللباب فيتركونه وشأنه لأنه لا يقع تحت حواسهم. وكيف يستطيع اللباب أن يظهر إلا بكسر القشرة؟ وليس من الأمور الهينة أن يمزق المرء قلبه ليرى الناس مكنونات قلبه. وهذه هي الوحدة يا سيدتي, وهذه هي الكآبة.
قد أسأت التعبير- وبشيء من القصد- عندما قلت لكِ في أواخر الصيف الغابر " منذ ستة أسابيع وأنا أحاول الكتابة إليكِ" كان يجب أن أقول" من ستة أسابيع وأنا أستأجر بعض الناس للاهتمام برسائلي لأن أعصاب يميني لم تكن صالحة للكتابة" ولم أحلم قط بأن لفظة " أحاول" ستتحول إلى مبضع في يد صديقتي. كنت أتوهم أن الأرواح المجنحة لا تسجن في قفص من الألفاظ. وكنت أتوهم أن الضباب لا يتحجر وكنت أتوهم وأتوهم وأجد الراحة والطمأنينة في أوهامي, حتى إذا ما طلع الفجر واستيقظت وجدتني جالساً على رابية من رماد وفي يدي قصبة مرضوضة وعلى رأسي اكليل من الشوك.. لا بأس فأنا المخطىء , أنا , أنا المخطىء يا " مي" .
أرجو أن تحقق الأيام رغبتك في السفر إلى أوربا . سوف تجدين , خصوصاً في إيطاليا وفرنسا, من مظاهر الفن والصناعة ما يسرك ويبهجك. هناك المتاحف والمعاهد, وهناك الكنائس القديمة الغوطية, وهناك آثار نهضة القرنين – الرابع عشر والخامس عشر , وهناك أفضل ما تركته الأمم المغلوبة والأمم المنسية. أوربا يا سيدتي مغارة لص غاوي خبير يعرف قيمة الأشياء النفيسة ويعرف كيف يحصل عليها.
كان بقصدي الرجوع إلى الشرق في الخريف الآتي. ولكن بعد قليل من التفكير وجدت أن الغربة بين الغرباء أهون من الغربة بين أبناء وبنات أمي. وأنا لست ممن يميلون إلى الهيّن ولكن القنوط فنون كالجنون.
تفضلي بقبول تحيتي مشفوعة بأحسن تمنياتي والله يحفظك.
المخلص

جبران خليل جبرا

نيويورك 5 تشرين الأول 1923

لا يا مي , ليس التوتر في اجتماعاتنا الضبابية بل في اجتماعاتنا الكلامية. ما لقيتكِ في ذلك الحقل البعيد الهادئ إلا وجدتك الصبية العذبة العطوفة التي تشعر بكل الأشياء وتعرف كل الأشياء وتنظر إلى الحياة بنور الله وتغمر الحياة بنور روحها. لكن ما اجتمعنا بين سواد الحبر وبياض الورق إلا رأيتكِ ورأيتني أرغب الناس في الخصام والمبارزة – المبارزة العقلية المفعمة بالقياسات المحدودة والنتائج المحدودة.
الله يسامحكِ. لقد سلبتني راحة قلبي, ولولا تصلبي وعنادي لسلبتني إيماني.من الغريب أن يكون أحب الناس إلينا أقدرهم على تشويش حياتنا.
يجب ألا نتعاتب , يجب أن نتفاهم. ولا نستطيع التفاهم إلا إذا تحدثنا ببساطة الأطفال. أنتِ وأنا نميل إلى الإنشاء بما يلازم الإنشاء من المهارة والتفنن والتنميق والترتيب. قد عرفنا, أنتِ وأنا, أن الصداقة والإنشاء لا يتفقان بسهولة. القلب يا مي شيء بسيط ومظاهر القلب عناصر بسيطة, أما الإنشاء فمن المركبات الاجتماعية. ما قولكِ في أن نتحول عن الإنشاء إلى الكلام البسيط؟
" أنت تحيين فيَّ وأنا أحيا فيكِ , أنتِ تعلمين ذلك وأنا أعلم ذلك".
أليست هذه الكلمات القليلة أفضل بما لا يقاس من كل ما قلناه في الماضي؟ ماذا يا ترى كان يمنعنا عن التلفظ بهذه الكلمات في العام الغابر؟ أهو الخجل أم الكبرياء أم الاصطلاحات الاجتماعية أم ماذا؟ منذ البدء عرفنا هذه الحقيقة الأولية فلماذا لم نظهرها بصراحة المؤمنين المخلصين المتجردين؟ لو فعلنا لكنا أنقذنا نفسينا من الشك والألم والندم والسخط والمعاكسات, المعاكسات , المعاكسات التي تحول عسل القلب إلى مرارة وخبز القلب إلى تراب. الله يسامحك ويسامحني.
يجب أن نتفاهم , ولكن كيف نستطيع ذلك بدون أن يقابل الواحد منا صراحة الآخر بالتصديق التام؟ أقول لكِ يا ماري, أقول لك أمام السماء والأرض وما بينهما, أنني لست ممن يكتبون " القصائد الغنائية" ويبعثون بها إلى الشرق وإلى الغرب كرسائل خصوصية, ولست ممن يتكلمون صباحاً عن نفوسهم المثقلة بالأثمار وينسون مساءً نفوسهم وأثمارها وأثقالها, ولست ممن يلمسون الأشياء المقدسة قبل أن يغسلوا أصابعهم بالنار, ولست ممن يجدون في أيامهم ولياليهم الفسحات الفارغة فيشغلونها بالمداعبات الغزلية, ولست ممن يستصغرون أسرار أرواحهم وخفايا قلوبهم فينشرونها أمام أية ريح تهب, أنا كثير الأشغال مثل بعض الرجال الكثيري الأشغال, أنا أتوق إلى العظيم والنبيل والجميل النقي مثل بعض الرجال الذين يتوقون إلى العظيم والنبيل والجميل والنقي, وأنا غريب مستوحد مستوحش مثل بعض الرجال المستوحدين المستوحشين رغم سبعين ألف صديقة وصديق. وأنا مثل بعض الرجال, لا أميل إلى البهلوانيات الجنسية المعروفة عند الناس بأسماءٍ حسنة ونعوت أحسن, وأنا يا مي مثل جاركِ وجاري, أحب الله والحياة والناس, ولحد الآن لم تطلب مني الأيام أن ألعب دوراً لا يليق بجاركِ أو بجاري.
لما كتبت إليك في البداية كانت رسالتي دليلاً على ثقتي بك, لما جاوبتني كان جوابك دليلاً على الشك. كتبت إليك مضطراً فأجبتني متحذرة. حدثتك عن حقيقة غريبة فأجبتني بكل لطف قائلة " عافاك يا شاطر, ما أحسن قصائدك الغنائية." أنا أعلم جيداً أنني لم أتبع إذ ذاك السبل المألوفة. وأنا لم أتبع ولن أتبع السبل المألوفة. وأنا أعلم أن تحذرك كان من الأمور المنتظرة, وهذا, هذا هو سبب ألمي , لأنني لم أنتظر المنتظر. لو كتبت لغير ميّ لكان عليّ أن أنتظر المنتظر. ولكن هل كان بإمكاني إظهار تلك الحقيقة لغير ميّ ؟
والغريب أنني لم أندم بعد ذلك. لا لم أندم بل بقيت متمسكاً بحقيقتي راغباً في إظهارها لكِ, فكتبت إليكِ مرات عديدة وكنت أحصل بعد كل مرة على الجواب اللطيف, ولكن من غير ميّ التي أعرفها. كنت أحصل على الجواب اللطيف من كاتمة أسرار ميّ , وهي صبية ذكية تعيش في القاهرة بمصر. ثم ناديت وناجيت, وكنت أحصل على الجواب نعم كنت أحصل على الجواب ولكن ليس من تلك التي " أحيا فيها وتحيا فيَّ " بل من امرأة متحذرة متشائمة تأخذ وتعطي معي كأنها المدّعي العمومي وكأنني المُدّعى عليه.
وهل أنا ناقم عليكِ؟
كلا , لكنني ناقم على كاتمة أسراركِ.
وهل حكمت عليك حكماً عادلاً أم غير عادل؟
كلا, لم أحكم أبداً. إن قلبي لا ولن يسمح بإيقافك أمام منصة القضاء, قلبي لا ولن يسمح لي بالجلوس عليها. إن ما بنا يا ميّ يقصينا عن جميع المحاكم. ولكن لي رأي في كاتمة أسراركِ وهو هذا :
كلما جلسنا لنتحدث تدخل علينا حضرتها وتجلس قبالتنا كمن يستعد لتدوين وقائع جلسة من جلسات مؤتمر سياسي. اسألك, اسألك يا صديقتي, هل نحن بحاجة إلى كاتمة الأسرار؟ هذا سؤال مهم. إذا كنتِ حقيقةً بحاجة إلى كاتمة أسراركِ فعليَّ إذاً أن أستدعي كاتم أسراري لأنني أنا أيضاً أريد تسيير أشغالي على الطراز الأول! أتريدين كاتم أسراري أن يكون معنا؟
انظري يا ميّ: ههنا طفلان جبلاويان يمشيان في نور الشمس, وهناك أربعة أشخاص امرأة وكاتمة أسرارها ورجل وكاتم أسراره. ههنا طفلان يسيران يداً بيد, يسيران بإرادة الله إلى حيث يريد الله, وهناك أربعة أشخاص في مكتب يتجادلون ويتحاجون ويقومون ويقعدون وكل منهم يحاول إثبات ما يظنه حقاً له على حساب ما يظنه بُطلاً في الآخر. ههنا طفلان, وهناك أربعة أشخاص, فإلى أية جهة يميل قلبك؟ قولي لي إلى أية جهة؟
آه لو كنتِ تعلمين مقدار تعبي مما لا لزوم له. لو كنت تعلمين مقدار حاجتي إلى البساطة. لو كنت تعلمين مقدار حنيني إلى المجرد, المجرد الأبيض, المجرد في العاصفة , المجرد على الصليب, المجرد الذي يبكي لا يستر دموعه , المجرد الذي يضحك ولا يخجل من ضحكة- لو تعلمين , لو كنت تعلمين.
" وماذا أنا فاعل في هذا المساء"؟
ليس الوقت مساءً. نحن في الساعة الثانية بعد منتصف الليل فإلى أي مكان تريدين أن نذهب في هذه الساعة المتأخرة ؟ الأفضل أن نبقى هنا , هنا في هذه السكينة العذبة. هنا نستطيع أن نتشوق حتى يدنينا الشوق من قلب الله. وهنا نستطيع أن نحب البشرية حتى تفتح لنا البشرية قلبها.
ها قد قبّل النعاس عينيك.
لا تنكري أن النعاس قد قبل عينيك. لقد رأيته يقبلهما. قد رأيته يقبلهما هكذا, هكذا كما يقبلون , فالقي رأسك هنا, إلى هذه الجهة ونامي, نامي صغيرتي, نامي فأنت في وطنكِ.
أما أنا فسوف أسهر , سوف أسهر وحدي . علي أن أبقى خافراً حتى الصباح. قد ولدت لأبقى خافراً حتى الصباح.
الله يحرسكِ. الله يبارك سهري . الله يحرسك دائماً.
جبران

نيويورك بين 1 و 3 كانون الأول 1923

ما أعذب رسالتكِ في قلبي . ما أحلاها في قلبي يا ميّ .
ذهبت إلى البرية منذ خمسة أيام , ولقد صرفت الأيام الخمسة مودعاً الخريف الذي أحبه, ورجعت إلى هذا الوادي من ساعتين , رجعت مثلجاً , مجلداً , ذلك لأنني قطعت مسافةً أطول من تلك المسافة الكائنة بين الناصرة وبشرّي في سيارة مكشوفة ... ولكن ... ولكن رجعت فوجدت رسالتكِ , وجدتها فوق رابية من الرسائل , وأنتِ تعلمين أن جميع الرسائل تضمحل من أمام عينيَّ عندما أتناول رسالة من محبوبتي الصغيرة , فجلست وقرأتها مستدفئاً بها . ثم أبدلت أثوابي . ثم قرأتها ثانيةً , ثم ثالثةً , ثم قرأتها ولم أقرأ شيئاً سواها . وأنا يا مريم لا أمزج الشراب القدسي بعصير آخر .
أنت معي في هذه الساعة . أنتِ معي يا مي , أنتِ هنا , هنا , وأنا أحدثكِ ولكن بأكثر من هذه الكلمات, أحدث قلبكِ الكبير بلغة أكبر من هذه اللغة , وأنا أعلم أنكِ تسمعين, أعلم أننا نتفاهم بجلاءٍ ووضوح , وأعلم أننا أقرب من عرش الله في هذه الليلة منا في أيّ وقت من ماضينا.
أحمد الله وأشكره . أحمد الله وأشكره , فقد رجع الغريب إلى وطنه وعاد المسافر إلى بيت أمه وبيه .
في هذه الدقيقة مرّت بخاطري فكرةٌ جليلة , جليلة جداً . فاسمعي يا صغيرتي الحلوة : إذا تخاصمنا في المستقبل ( هذا إذا كان لا بد من الخصام) يجب أن لا نفترق مثلما كنا نفعل في الماضي بعد كل معركة. يجب أن نبقى, برغم الخصام, تحت سقف بيت واحد حتى نملّ الخصام فنضحك , أو يملنا الخصام فيذهب هازّاً رأسه.
ما قولك في هذا الرأي؟
لنتخاصم ما شئنا وشاء الخصام, فأنت من إهدن وأنا من بشري, ويبدو لي أن المسافة إرثية! ولكن مهما جرى في أيامنا الآتية علينا أن نبقى ناظرين إلى وجهينا حتى تمرّ الغمامة. وإذا جاءت كاتمة أسرارك وجاء كاتم أسراري, وهما دائماً سبب خصامنا, يجب أن نخرجهما من بيتنا بكل لطف, ولكن بأسرع وسيلة.
أنت أقرب الناس إلى روحي , أنتِ أقرب الناس إلى قلبي ونحن لم نتخاصم قط بروحينا أو بقلبينا. لم نتخاصم بغير الفكر والفكر شيءٌ مكتسب , شيءٌ نقتبسه من المحيط , من المرئيات , من مآتي الأيام . أما الروح والقلب فقد كانا فينا جوهريين علويين قبل أن نفتكر.
وظيفة الفكر الترتيب, وهي وظيفة حسنة ولازمة لحياتنا الاجتماعية ولكن لا مكان لها في حياتنا الروحية القلبية . يستطيع الفكر " الجليل" أن يقول " إذا تخاصمنا في المستقبل يجب ألا نفترق" , يستطيع الفكر أن يقول كلمة واحدة عن المحبة لا يستطيع أن يقيس الروح بمقاييس كلامه ولا يستطيع وزن القلب بموازين منطقه.
أحبُّ صغيرتي, غير أنني لا أدري بعقلي لماذا أحبها, ولا أريد أن أدري بعقلي. يكفي أنني أحبها. يكفي أنني أحبها بروحي وقلبي, يكفي أنني أسند رأسي إلى كتفها كئيباً غريباً مستوحداً فرحاً مدهوشاً مجذوباً , يكفي أن أسير إلى جانبها نحو قمة الجبل وأن أقول لها بين الآونة والأخرى " أنتِ رفيقتي , أنتِ رفيقتي".
يقولون لي يا ميّ أنني من محبّي الناس, ويلومني بعضهم لأنني أحب جميع الناس , نعم , أحب جميع الناس, وأحبهم بدون انتخاب وبدون غربلة, وأحبهم كتلةً واحدة , أحبهم لأنهم من روح الله ولكن لكل قلب قبلة خاصة , لكل قلب وجهة ذاتية يتحول إليها ساعات انفراده , لكل قلب صومعة يختلي فيها ليجد راحته وتعزيته, لكل قلب قلب يشتاق إلى الاتصال به ليتمتع بما في الحياة من البركة والسلامة أو لينسى ما في الحياة من الألم.
شعرتُ منذ أعوام بأنني وجدت وجهة قلبي , وكان شعوري حقيقة بسيطة واضحةً جميلة, لذلك تمردت على القديس توما عندما جاء مشككاً مستفحصاً. وسوف أتمرد على القديس توما وبنصر القديس توما حتى يتركنا في خلوتنا السماوية مستسلمين إلى إيماننا السماوي.
ها قد بلغنا ساعةً متأخرة من الليل ولم نقل بعد سوى القليل القليل مما نريد أن نقوله. الأفضل أن نتحدث ساكتين حتى الصباح . وعند الصباح ستقف صغيرتي المحبوبة بجانبي أمام أعمالنا الكثيرة . وبعد ذلك, بعد إنقضاء النهار ومشاكله , سنعود ونجلس أمام هذا الموقد ونتحدث.
والآن قرّبي جبهتك , كذا, والله يباركك , والله يحرسكِ
جبران

مساء الأحد

نيويورك 2 كانون الأول الساعة العاشرة

لقد كان يومنا هذا مفعماً بالأعمال. منذ الساعة التاسعة صباحاً حتى هذه الساعة ونحن نودع قوماً لنسلم على قوم آخرين. غير أنني كنت أنظر نحو رفيقتي بين الدقيقة والدقيقة وأقول لها: أحمد الله وأشكره، أحمد الله وأشكره فقد تلاقينا ثانيةً في غابتنا وفي جيب كل منا رغيف من الخبز بدلاً من كتاب أو لوح تصوير. أحمد الله وأشكره فقد عدنا لنرعى قطيعنا في الوادي الهادئ بعد أن كنا أستاذين في مدرسة! أحمد الله وأشكره لأن مريم الحلوة تسمعني صامتاً مثلما أسمعها صامتةً، وتفهمني مشغوفاً مثلما أفهمها عطوفة.
لقد حمدت الله وشكرت النهار وطوله لأن مي كانت طول النهار تتكلم بلساني وتأخذ بيدي وتعطي بيدي. وكنت طول النهار أنظر بعينيها فأرى اللطف في وجوه الناس، وأصغي بأذنيها فأسمع العذوبة في أصواتهم.
وأنتِ تسألين عن صحتي، وعندما تسألين عن صحتي تتحول بنيّتي إلى أم كلها حنان. صحتي جيدة جداً. فقد ذهبت تلك العلة وتركتني قوياً متحمساً رغم البياض الذي تركته في شعر صدغيَّ! والغريب أنني دوايت نفسي بنفسي فكنت عملياً اجرائياً بعد أن تقرر لدي أن الأطباء خياليون هائمون في أودية الظنون والتخمين. لقد كانوا يهتمون بدرس النتائج ويحاولون ازالتها بالعقاقير أما الأسباب فلم يحفلوا بها. ولما كان "صاحب البيت أدرى بالذي فيه" ذهبت إلى البحر والغاب وصرفت بينهما ستة أشهر متوالية فزالت الأسباب وزالت النتائج.
ما قولك في وضع كتاب في "الطب الحديث"؟ هل تشاركيني بتأليفه؟...
أمامنا الآن مسألة مهمة علينا أن نبحث فيها: تذكرين طبعاً أنكِ أظهرت لي منذ أسابيع "سراً" هائلاً. وتذكرين أنك لم تظهري " السر" إلا بعد أن أقبل " شروطكِ" ، والغريب أنني قبلتها قبل أن أعرفها. فما هي تلك الشروط؟ تفضلي يا ستي مريم وقولي لي ما هي شروطك فأنا مستعد لتنفيذها. لقد ترددت كثيراً في إماطة النقاب عن " السر" فأصبحتِ بدون شك مشتاقةَ إلى تمزيق النقاب عن الشروط. قولي ماذا تريدين؟ وما هي الضمانات أو التعويضات التي ترغبين فيها؟ إنما الشروط شروط، وعلى المغلوب قبولها وتنفيذها- يكفي العالم مشكلة الروهر. ( نهر في ألمانيا يجتاز منطقة صناعية غنية بمناجم الفحم والمعادن معروفة باسمه وقد احتلتها فرنسا نتيجة لعدم تنفيذ بنود معاهدة فرساي.)
ولكن – ولكن لا أخفي عنكِ أنني بعد تحقيق تلك الشروط سأنظر في أمر هذه النقرة، أو شبه النقرة، التي تضحك من ذقني! أتظنين أنني أصبر على شيء منخفض في ذقني يضحك مما برز منها؟ كلا !
سوف أستر هذه النقرة الشريرة التي لا تحترم محيطها "الموقر بجموده ونقمته" ، سوف أدفنها في لحية كثيفة وطويلة، سوف أكفنها بما ابيضّ من شعري ثم أضعها في تابوت مما بقي من سواده. نعم سوف أثأر لنفسي من هذه النقرة الوقحة التي تجهل أنها ملتصقة بمن إذا غضب غضبت الكائنات، وإذا ابتسم ابتسمت معه!
سنعود غداَ إلى حديثنا، أما الآن فلنصعد إلى السطح ونقف أمام نجوم الليل هنيهةً.. قولي لي يا صغيرتي المحبوبة، هل الليل أعمق وأروع من قلب الانسان؟ وهل مواكب النجوم أهيب وأجمل مما يتمشى في قلب الانسان؟ وهل في الليل أو بين النجوم أقدس من هذه الشعلة البيضاء المرتعشة في يد الله؟
3 كانون عند منتصف الليل
بما أجيب على كلماتك بشأن كتاب " النبي"؟ ماذا أقول لكِ؟ ليس هذا الكتاب سوى القليل من الكثير الذي رأيته وأراه في كل يوم في قلوب الناس الصامتة وفي أرواحهم المشتاقة إلى البيان. لم يقم في الأرض من استطاع أن يأتي بشيء من عنده كفرد واحد منفصل عن الناس كافةً. وليس بيننا من يقد على أكثر من تدوين ما يقوله الناس له على غير معرفة منهم.
إنما " النبي" يا مي أول حرف من كلمة.. توهمت في الماضي أن هذه الكلمة لي وفيَّ ومني، لذلك لم أستطيع تهجئة أول حرف من حروفها، وكان عدم استطاعتي سبب مرضي، بل وكان سبب ألم وحرقة في روحي. وبعد ذلك شاء الله وفتح عينيّ فرأيت النور، ثم شاء الله وفتح أذنيَّ فسمعت الناس يلفظون هذا الحرف الأول، شاء الله وفتح شفتيّ فرددت لفظ الحرف: رددته مبتهجاً فرحاً لأنني عرفت للمرة الأولى أن الناس هم هم كل شيء وأنني بذاتي المنفصلة لست شيئاً. وأنتِ أعرف الناس بما كان في ذلك من الحرية والراحة والطمأنينة، أنتِ أعرف الناس بشعور من وجد نفسه فجأة خارج حبس ذاتيته المحدودة.
وأنتِ يا ميّ، أنتِ صغيرتي الكبيرة، تساعدينني الآن على الإصغاء إلى الحرف الثاني، وسوف تساعدينني على لفظه، وستكونين معي دائماً.
قربي جبهتك يا مريم، قربيها ففي قلبي زهرة بيضاء أريد أن أضعها على جبهتك. ما أعذب المحبة عندما تقف مرتعشة مخجولة أمام نفسها.
والله يباركك. الله يحرس صغيرتي المحبوبة، والله يملأ قلبها بأناشيد ملائكته
جبران

نيويورك 31 كانون الأول 1923

تلقت مي مغلف صدر بتاريخ 31 كانون الأول 1923 يتضمن بطاقة بريدية تحمل رسالة قصيرة بدأها في أسفل الصورة وأتمها على ظهرها هذا نصها:
كان هذا الوادي في الصيف الغابر يذكرني بأودية لبنان الشمالي.
لا، لا أعرف عيشاً أهنأ من عيش الأودية. وأحب الأودية يا ماري في الشتاء، ونحن أمام موقد، ورائحة السرو المحروق تملأ البيت، والسماء تنثر الثلوج خارجاً، والريح تتلاعب بها، وقناديل الجليد مدلاة وراء زجاج النوافذ، وصوت النهر البعيد وصوت العاصفة البيضاء يتآلفان في مسامعنا.. ولكن إذا لم تكن صغيرتي المحبوبة قريبة مني فلا كان الوادي، ولا الثلج، ولا رائحة عود السرو، ولا بلور قناديل الجليد ولا أنشودة النهر، ولا هيبة العاصفة... بعدا " لها كلها" إذا كانت صغيرتي المباركة بعيدة عنها وعني.
وأسعد الله مسا الوجه الحلو المحبوب
جبران
حاشية- كنت في الماضي أحصل على قصاصات الورق من " مكتب القصاصات". وقد قطعت اشتراكي بهذا المكتب في العام الغابر. كنت قد مللت الجرائد وأقوالها، وفي الملل شيء من النعاس الروحي. فسامحيني، سوف أحاول الحصول على بعض القصاصات.

نيويورك 26 شباط 1924

نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة، وأنتِ تعلمين يا ماري أنني أحب جميع العواصف خصوصاً العواصف الثلجية. أحب الثلج، أحب بياضه وأحب هبوطه وأحب سكوته العميق. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهولة حيث يتساقط مرفرفاً ثم يتلألأ بنور الشمس ثم يذوب ويسير منشداً أغنيته المنخفضة.
أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع.
ما ألطف قول من قال:
يا ميّ عيدك يوم *** وأنت عيد الزمان
وما أعظم الفرق بين هذا البيت العربي و "بيتٍ" لشاعر أماركي من قصيدة بعث بها إليَّ في الآونة الأخيرة، قال:
Your Honour and reward *** That you
shall be crucified
" في الصلب شرفك وثوابك"
لا بأس- على أنني أخشى بلوغ النهاية قبل الحصول على هذا الشرف وهذا الثواب.
لنعد هنيهة إلى "عيدك" أريد أن أعرف في أي يوم من أيام السنة قد ولدتْ صغيرتي المحبوبة. أريد أن أعرف لأنني أميل إلى الأعياد وإلى التعييد. وسيكون لعيد ماري الأهمية الكبرى عندي. ستقولين لي " كل يوم يوم مولدي يا جبران" وسأجيبك قائلاً " نعم، وأنا أعيّد لك كل يوم، ولكن لا بد من عيد خصوصي مرة كل سنة".
سررت بإبلاغك إياي أن ذقني ليست لي. سررت جداً جداً، وأظن أن تسليم ذقني أول تلك " الشروط" الدولية. لقد كانت هذه الذقن مسرحا للاهتمام غير اللازم وللتعب غير اللازم. والآن وقد صارت ذقني في حوزة سواي عليَّ أن أرفع عنها يدي- ومنجلي! فليحتمل من يملكها مسؤولياتها. بارك الله فيها لمن يملكها. ولي من ذكائك المدهش ما يوقفني عن الإسهاب في هذا الموضوع الزراعي.
كذا- أما بخصوص الخلاف الذي كان بين إهدن وبشري فقد زال بكليته، ولقد قرأت في بعض الصحف أن "جمعية الشبيبة البشراوية" دعت " جمعية الشبيبة الإهدنية" إلى وليمة في مار سركيس بشري، وبعد ذلك بأيام دعت الشبيبة الإهدانية البشراوية إلى وليمة في مار سركيس إهدن. أنا أعتقد أن الخصام قد ابتدأ بالسركسيين القديسن، غفر لهما الله، وظل الخصام على قدم وساق حتى قام من البلدتين فتيان لا يعرفون شيئاً عن السراكيس. ولكن الوفاق بين إهدن وبشري لا يعني أننا ( أنتِ وأنا) لن نحتاج في المستقبل إلى صندوق الذهب "الحلو المليح" لا ، لا يعني هذا أبداً، فأنت وأنا سنبقى متكلين على صندوق الذهب حتى يتكل كل منا على رفيقه.
انظري يا محبوبتي العذبة كيف قادنا المزاح إلى قدس أقداس الحياة: عندما بلغتُ هذه الكلمة " رفيقة" ارتعش قلبي في صدري فقمت ومشيت ذهاباً وإياباً في هذه الغرفة كمن يبحث عن رفيقه. ما أغرب ما تفعله بنا كلمة واحدة في بعض الأحايين- وما أشبه تلك الكلمة الواحدة برنين جرس الكنيسة عند الغروب. إنها تحول الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، ومن العمل إلى الصلاة.
تقولين لي أنك تخافين الحب. لماذا تخافينه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مدَّ البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لما يا ترى تخافين الحب؟.
أنا أعلم أن القليل في الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني. أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كل شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري أن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلاً من أظلال الله فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.
لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.
اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب. ولقد ولدتْ هذه الرغائب عندما ولدتُ. وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار، وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرَّين طليقين نحو قمة الجبل؟
والآن قربي جبهتكِ. قربي جبهتك الحلوة- كذا، كذا. والله يبارككِ والله يحرسكِ يا رفيقة قلبي الحبيبة.
جبران

نيويورك 2 تشرين الثاني 1924

يا ماري- أنتِ تعرفين سبب سكوتكِ أما أنا فأجهله. وليس من العدالة أن يكون جهل المرء مصدرا لتشويش أيامه ولياليه.
الأعمال والأقوال بالنيات، ولقد كانت نيتي ولم تزل في راحة الله. أخبريني يا صغيرتي المحبوبة عما حدث لك أثناء العام الغابر. أخبريني واكسبي أجري.
والله يحرسك ويملأ قلبك من أنواره.
جبران

نيويورك 9 كانون الأول 1924

ما أعذب صغيرتي المحبوبة تذكرني في صلاتها كل يوم. ما أعذبها وما أكبر قلبها وما أجمل روحها.
ولكن ما أغرب سكوت صغيرتي المحبوبة، ما أغرب سكوتها. ذلك السكوت الطويل كالأبدية العميق كأحلام الآلهة- ذلك السكوت الذي لا يترجم إلى أية لغة بشرية. ألا تذكرين أنه لما جاء دورك في الكتابة لم تكتبي؟ أولا تذكرين أننا تعاهدنا على معانقة الصلح والسلام قبل أن يعانق الليل الأرض؟
وأنت تسألين عن حالي، وعن "خاطري"، وعن الأمور التي تشغلني، أما حالي فهو مثل حالكِ تماماً يا ماري. أما خاطري فلم يزل في الضباب حيث اجتمعنا- أنتِ وأنا- منذ ألف سنة. أما الأمور التي تشغلني في هذه الأيام فهي من الأمور المضطربة المشوشة، تلك الأمور التي لا بد لمن كان مثلي من اجتيازها، رغب فيها ، أو لم يرغب.
الحياة يا مريم أغنية جميلة، فبعضنا يجيء نبرةَ في تلك الأغنية وبعضنا يجيء قراراً. ويبدو لي يا مريم أنني لست بالنبرة ولست بالقرار. يبدو لي أنني لم أزل في الضباب، في ذلك الضباب الذي جمعنا منذ ألف سنة.
على أنني رغم كل شي أشتغل مصوراً أكثر الأيام وفي بعض الأيام أهرب إلى مكان بعيد في البرية وفي جيبي دفتر صغير- وسوف أبعث إليك بشيء من ها الدفتر يوماً ما.
هذا كل ما أعرفه الآن عن "أنا" فلنعد إن شئتِ إلى موضوعنا المهم، لنعد إلى حبيبتنا الحلوة: كيف حالك وكيف حال عينيكِ؟ وهل أنت سعيدة في القاهرة مثلما أنا سعيد في نيويورك؟ وهل تمشين ذهاباً وإياباً في غرفتك بعد منتصف الليل؟ وهل تقفين بجانب نافذتك بين الآونة والأخرى وتنظرين إلى النجوم؟ وهل تلتجئين بعد ذلك إلى فراشك، وهل تجففين ابتسامات ذائبة في عينيك بطرف لحافكِ- هل أنتِ سعيدة في القاهرة مثلما أنا سعيد في نيويورك؟
أفكر فيك يا ماري كل يوم وكل ليلة، أفكر فيك دائماً وفي كل فكر شيء من اللذة وشيء من الألم. والغريب أنني ما فكرت فيك يا مريم إلا وقلت لك في سري " تعالي واسكبي جميع همومك هنا، هنا على صدري" وفي بعض الأحيان أناديك بأسماء لا يعرف معناها غير الآباء المحبين والأمهات الحنونات.
وها اني أضع قبلة في راحة يمينكِ، وقبلة ثانية في راحة شمالكِ، طالباً من الله أن يحرسك ويبارككِ ويملأ قلبكِ بأنواره، وأن يبقيكِ أحب الناس إلى
جبران

نيويرك 12 كانون الثاني 1925

يا ماري- كنت في السادس من هذا الشهر أفكر فيك كل دقيقة بل كل لحظة، وكنت أترجم كل ما يقوله لي القوم إلى لغة ماري وجبران- وتلك لغة لا يفهمها من سكان هذا العالم سوى ماري وجبران... وأنت تعلمين طبعاً أن كل يوم من أيام السنة هو يوم مولد كل واحد منا...
إن الأماركيين أرغب شعوب الأرض في التعييد وفي إرسال الهدايا والحصول عليها. ولِسرٍّ خفي عني يعطف الأماركيون عليّ خلال هذه المواسم، وفي السادس من هذا الشهر أوقعتني شدة عطفهم مخجولاً أمام نفسي مغموراً بعرفان الجميل. ولكن يعلم الله أن الكلمة الحلوة التي جاءتني منك كانت أحب لدي وأثمن عندي من كل ما يستطيع الناس جميعهم أن يفعلوا أمامي. الله يعلم ذلك، وقلبك يعلم.
وبعد التعييد جلسنا، أنت وأنا، بعيدين إلا عما بنا وتحدثنا طويلاً، وقلنا مالا يقوله سوى الحنين، وقلنا مالا يقوله سوى الأمل. ثم حدقنا بنجم بعيد وسكتنا. ثم عدنا إلى الكلام فتحدثنا حتى الفجر. وكانت يدكِ المحبوبة فوق هذا المكان الدقاق حتى الفجر.
والله يرعاك ويحرسك يا مريم. والله يسكب أنواره عليك. والله يحفظك لمحبك.
جبران
نيويورك 6 شباط 1925

وتلقت مي مغلفاً بتاريخ 6 شباط 1925 يتضمن بطاقة بريدية تمثل القديسة "آن" بريشة " ليوناردو دافنشي" خط جبران على ظهرها رسالة هذا نصها:
يا ماري ما رأيت أثراً من آثار "ليوناردو دافنشي" إلا وشعرت بقوة سحره تتمشى في باطني، بل وشعرت بجزء من روحه يتسرب إلى روحي. كنتُ صبياً عندما رأيت للمرة الأولى بعض رسوم هذا الرجل العجيب. تلك ساعة سأذكرها ما حييت فقد كانت من تلك الأيام بمقام الأبرة المغنطيسية من سفينة تائهة في ضباب البحر.
وجدت هذه البطاقة اليوم بين أوراقي فرأيت أن أبعث بها إليكِ لتخبرك عن بعض تلك العوامل التي كانت تسيّر شبابي في أودية الكآبة والوحدة والشوق إلى مالا أعرفه.
والله يحرسك
جبران

نيويورك 23 آذار 1925

يا ماري
قد سببت لك تلك المحفظة الصغيرة القلق والانزعاج، فاغفري لي. ولقد توهمت أنني أرسلتها على أحسن السبل وأسهلها فجاءت النتيجة بالعكس، فسامحيني يا صديقتي الحلوة واكسبي أجري.
إذاً قد قصصت شعرك؟ قد قصصت تلك الذوائب الحالكة ذات التموجات الجميلة؟ ماذا يا ترى أقول لك؟ ماذا أقول وقد سبق المقص الملام؟ لا بأس، لا بأس. عليّ أن أصدق ما قاله لك ذلك المزين الروماني ... رحم الله آباء جميع الرومانيين...
ولم تكتفي صديقتي المحبوبة بأنها أخبرتني عن تلك الخسارة الفادحة بل شاءت أن تزيد "على الطين بلة" فأخذت تحدث "فناناً شاعراً شغف بشعر الحضارة والشقرة، فهو لا يروقه إلا الشعر الذهبي، ولا يترنم إلا بجمال الشعر الذهبي، ولا يحتمل في الوجود إلا الرؤوس ذات الشعر الذهبي"
ربي وإلهي، اغفر لماري كل كلمة من كلماتها وسامحها واغمر هفواتها بأنوارك القدسية. أرها بالحلم أو باليقظة كثوليكية عبدك جبران في كل ما يتعلق بالجمال. إبعث رباه ملكاً من ملائكتك ليقول لها إن عبدك هذا يسكن صومعة ذات نوافذ عديدة، وإنه يرى مظاهر حسنك وجمالك في كل مكان وفي كل شيء. وإنه يترنم بجمال الشعر الحالك مثلما يترنم بالشعر الذهبي. وإنه يتهيب أمام العيون السوداء مثلما يتهيب أمام العيون الزرقاء، وأطلب إليك ربي وإلهي أن توعز إلى ماري ألا تهين وتحتقر الشعراء والفنانين بشخص عبدك جبران... آمين.
وبعد هذه الصلاة أتحسبين أنني أستطيع الكلام عن الذقون المطبوعة؟ كلا! غير أنني سوف أبحث في هذه المدينة عن مزين روماني وأسأله ما إذا كان بإمكانه تحويل الذقون المطبوعة إلى ذقون سهلة مستديرة- على البيكار! هذا ولما كنت ضليعاً بفن الجراحة فأنا لا أخشى عملية جراحية!
لنعد الآن إلى حال عينيك.
كيف حال عينيكِ يا ماري؟ أنتِ تعلمين، أنتِ تعلمين بقلبك أن حال عينيك يهمني إلى درجة قصوى. وكيف تسألين هذا السؤال وأنت تشاهدين بعينيك ما وراء الحجاب.أنت تعلمين أن القلب البشري لا يخضع إلى نواميس القياسات والمسافات وأن أعمق وأقوى عاطفة في القلب البشري تلك التي نستسلم إليها ونجد في الاستسلام لذة وراحة وطمأنينة مع أننا، مهما حاولنا لا نستطيع تفسيرها أو تحليلها. يكفي أنها عاطفة عميقة قوية قدسية. فلم السؤال ولم الشك؟ ومن منا يا ماري يستطيع أن يترجم لغة العالم الخفي إلى لغة العالم الظاهر؟ من منا يستطيع أن يقول "في روحي شعلة بيضاء أما أسبابها فكذا وكذا، وأما معناها فكذا وكذا، وأما نتائجها فستكون كذا وكذا"؟ كفى المرء أن يقول لنفسه " في روحي شعلة بيضاء".
قد سألت عينيك يا ماري لأنني كثير الاهتمام بعينيك، لأنني أحب نورهما، وأحب النظرات البعيدة فيهما، وأحب خيالات الأحلام المتموجة حولهما.
ولكن اهتمامي بعينيك لا يدل على أنني قليل الاهتمام بجبهتك وأصابعك.
الله يباركك يا ماري المحبوبة، ويبارك عينيك وجبهتك وأصابعك والله يحفظك دائماً
جبران

نيويورك 30 آذار 1925

يا ماري
نعم. قد كنت صامتاً أثناء أربعة أسابيع، أما السبب فهو الحمى الاسبانية – لا أقل ولا أكثر.
أنا أستصعب، أستصعب جداً، الشكوى من علة تلم بي. فإذا مرضت رغبت في أمر واحد وهو الاختفاء عن عيون الناس- حتى عن عيون الذين أحبهم ويحبونني. وفي شرعي أن أحسن دواء للداء هو الانفراد التام.
أما صحتي الآن فهي حسنة، بل أكثر من حسنة، ولا أكتمك أنها قد صارت بهموطية! ( هكذا كان جبار بشراوي يصف صحته عندما يسأله الناس عنها)
السائح ( جريدة مهجرية ) الممتاز قد صدر متأخراً كالعادة. وقد خاطبت صاحب السائح هذا الصباح بواسطة التلفون فقال لي إنه قد بعث إليك، ولم يزل يبعث إليك، أعداد جريدته ممتازة كانت أم غير ممتازة.
أما قولك يا مريم الحلوة أن صاحب " السائح" ناقم عليك لأنك لم تبعثي إليه بمقال لعدده الممتاز فمن المبالغة الهائلة. أتظنين أن رجلاً في نيويورك ينقم عليك طالما وأنا في نيويورك؟ قد قلت ألف مرة ومرة " نحن لسنا بمعامل أدبية. نحن لسنا آلات تلقمونها الحبر والورق من جهة لتستخرجون المقالات والقصائد من جهة ثانية. نحن نكتب عندما نريد أن نكتب، لا عندما تريدون أنتم، فاعملوا المعروف معنا واتركوننا وشأننا، فنحن في عالم وأنتم في عالم آخر، فلا منكم إلينا ولا منا إليكم."- ما قولك في هذه اللهجة السربستية؟- ولكن فعلاً- بدون مزاح- ألا ترين أن أكثر أصحابي المجلات والجرائد يتوهمون أن فكرة الكاتب مثل الفونوغراف ذلك لأنهم ولدوا بفكرة فونوغرافية؟
نحن هنا في أوائل الربيع، ففي الهواء سحر ويقظة. وفي الروح فجر وشباب. أما الذهاب إلى البرية فشبيه بزيارة كهان وكاهنات عشتروت وتموز مغارة أفقا.
وبعد أيام معدودة سيقوم يسوع من بين الأموات ليعطي الحياة لمن في القبور، فتزهر أشجار اللوز والتفاح، وتعود الأنغام إلى السواقي والأنهار.
ستكونين معكي كل يوم من أيام نيسان. وستكونين معي بعد أن ينقضي نيسان- كل يوم وكل ليلة.
والله يحرسك ويحفظك يا مريم المحبوبة.

جبران

نيويورك أيار 1925

ما قولك في رجل يستيقظ من غفلته صباحاً فيجد إلى جانب فراشه "رسالة" من صديقة يحبها فيقول بصوت عالٍ "صباح الخير، أهلاً وسهلاً" ثم يفتح الرسالة بلجاجة العطشان- فماذا يجد؟ لا أكثر ولا أقل من قصيدة جغرافية لشوقي بك!!!-!!
لا بأس- سوف أبحث فأحصل على قصيدة عامرة طويلة ممتعة لناسج بردها حليم أفندي دموس فأشرحها شرحاً كافياً وافياً وأبعث بها إليك! " وأخذ الثار مش معيار"
لو جاءت قصيدة شوقي في أول نيسان لاستظرفت النكتة وقلت في سري: "ما أحسنها صبية، وما أعرفها بأحوال البريد الدولي"، ولكن القصيدة جاءت في أول أيار، شهر الورود، فماذا يا ترى أفعل سوى أن أعض شفتي حانقاً متوعداً مفعماً فضاء منزلي بالضجيج.
أجل، سوف أدرس فلسفة "سن بسن وعين بعين" فأبعث إليك بكل ما تتكرم علينا قرائح أمراء الشعر العربي.
أسألك الآن- كيف أستطيع أن أصرف ما بقي من هذا النهار كما يجب أن أصرفه قبل أن أغفر لك وأسامحك؟ إن قصيدة أمير شعرائكم قد ألقت حفنة من التراب في فمي، وعليّ أن أقرأ عشرين قصيدة لكيتس وشالي وبليك، وقصيدة واحدة لمجنون ليلى!!
وبالرغم من كل شيء، افتحي كفك... كذا، كذا، كما يفعلون؟؟؟

جبران


ارجو ان لا اكون قد اطلت عليكم

انا يوميا اقراء هذه الرسائل
واعيش كل كلمة فيها وكل حرف
كان الرسائل موجهة الي
فانا من عشاق جبران خليل

عادل الدرة
05-16-2009, 09:23 PM
هناء الجلبي المحترمة

الم اكن محقا عندما اسميتك (قمر المنتدى)
سلمت يمينك على هذه المواضيع فقد اغنيت المنتدى

تحياتي يا قمر

هناء الجلبي
05-18-2009, 10:35 AM
شرف كبير لي بان يلقبني اخي عادل الدرة بقمر المنتدى

ستجدني دوما في خدمة العلم وفي خدمة المنتدى

تحياتي لك وللجميع

هناء الجلبي
05-20-2009, 04:46 PM
رسائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم



أرسل رسول الإسلام محمد بن عبد الله إلى الملوك والرؤساء رسائل يدعوهم للإسلام تحقيقا لعالمية الإسلام كما جاء في قوله تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} سورة الفرقان:1، ثم توالت الآيات في السور المكية تؤكد عالمية الإسلام كقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} سورة سبأ:28، كما جاءت في معنى عالمية الإسلام آيات في سورة الأنبياء والأعراف وإبراهيم وبناء على هذه العالمية أرسل صلى الله عليه وسلم رسائله إلى ملوك عصره وأمراء عهده،


وتمتاز هذه الرسائل بالنقاط التالية:


تجاهل الرسول صلى الله عليه وسلم تماما التوسعات الاستعمارية التي كان يقوم بها الروم والفرس ضد بعض المناطق العربية وكتب صلوات الله وسلامه عليه لولاة هذه المناطق مباشرة فكتب لوالى الروم على دمشق والمقوقس والى مصر، وكتب إلى باذان والى الفرس على اليمن، وتعتبر هذه الخطوة رائعة ذات مغزى عظيم في الدلالة على عظمة الدعوة.

صيغت كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنتهى الحكمة والبراعة فالرسول فيها سمح يدعو ولا يهدد، يخاطب الملوك والرؤساء بألقابهم ويعترف بمكانتهم ويقرر أن سلطانهم في ظل الإسلام باق لهم، وهو بذلك يؤكد أنه ليس طالب ملك، ثم هو يذكر أن هناك زكاة في أموال الأغنياء ولكنه يؤكد أن الزكوات والصدقات لا تحل لمحمد ولا آل محمد، وإنما تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقرائهم، وهو بهذا يؤكد أنه ليس طالب مال.



كان عليه الصلاة والسلام يخاطب كل ملك حسب ظروفه، فإن كان من أهل الكتاب أشار إلى ما بين الأديان السماوية من روابط ، وإذا كان من غيرهم أشار إلى التزام البشرية بالعودة إلى الله وترك عبادة ما سواه.



اختير المبعوثون بحيث يعرف كل منهم لغة من سيرسل إليه.

امتدت فترة إرسال الرسل فيما بين الحديبية ووفاة الرسول.


ونذكر هنا نصوص بعض الرسائل:


كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم"

من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإنى أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم جميع الآريسيِّين". {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ،ولا نشرك به شيئا،ولا يتخذ بعضنا بعضا آربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} آل عمران:64.

كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى فارس


كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى فارس: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس.

كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس عظيم مصر

من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط: سلام على من أتبع الهدى، أما بعد فإنى أدعوك بدعوة الإسلام ، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ،ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ، فإن تولو فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} آل عمران:64. وتقول الرواية: إن المقوقس لما قرأ الكتاب سأل حامله (حاطب بن أبى بلتعة): ما منع صاحبك إن كان نبيا أن يدعو على من أخرجوه من بلده فيسلط الله عليهم السوء ؟ فقال حاطب: وما منع عيسى أن يدعو على أولئك الذين تآمروا عليه ليقتلوه فيسلط الله عليهم ما يستحقون ؟ قال المقوقس: أنت حكيم جئت من عند حكيم.


كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي


كتاب رسول إلى النجاشي: من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة: سلام عليك إنى أحمد الله إليك ،الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه كما خلق آدم بيده ، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل ، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحى، والسلام على من اتبع الهدى. وقد أدت الرسائل كلها مهمتها خير أداء.

المراجع:


1- الصحيحان: البخارى ومسلم. 2- تاريخ الأمم والملوك: الطبرى 2 /644-657. 3- تاريخ الواقدى: 2/ 33 وما بعدها. 4- الأموال: لأبى عبيد ص20-24. 5- زاد المعاد: ابن القيم 1/ 30-33. 6- الروض الأنف: السهيلى 1/ 250. 7- الأغانى الأصفهانى 6/ 348،349. 8- السيرة النبوية: ابن هشام 2/ 352،353. 9- فتوح مصر وأخبارها: ابن الحكم ص40 وما بعدها. 10- تهذيب الأسماء: 2/ 150 وما بعدها.



من كلام له عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب في غزوة الفرس


إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة وهو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعده وأمده حتى بلغ وطلع حيثما طلع ونحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده: ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً.

والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك.

إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا اصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكبلهم عليك وطعمهم فيك فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره: وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة.

ومن وصية له عليه الصلاة والسلام قالها بصفين


أما بعد فقد جعل الله عليكم حقاً بولاية أمركم ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف لا يجلاي لأحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه الأجرى له ولو كان لأحد أن يجر ي له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً اقترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ في وجوهها ويجب بعضها بعضاً ولا يستوجب بعضها إلا ببعض وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها سبحانه لكل على كل فجعلها نظاماً لألفتهم وعزاً لدينهم فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدجى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العجل وجرت على أذلالها السنن فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء وإذا غلبت الرعية وإليها وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور وكثر الإدغال في الدين وتركت محاج السنن فعمل بالهوى وعطلت الأحكام وكثر علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حق عطل ولا لعظيم باطل فهل فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار وتعظم تبعات الله عند العباد فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه فليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده لبالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة: ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته يفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.

فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته



فقال عليه السلام

إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله ولطف إحسانه إليه فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظماً وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء: وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من التقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لابد من إمضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي يفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلني إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.


ومن وصية له عليه السلام وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو


فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبيل الأشراف وسفاح الجبال أو أثناء الأنهيار فيما يكون لكم رداء ودونكم مرداً ولتكن مقالتكم من وجه واحد أو اثنين واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن: واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم وإياكم والتفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة ولا تذوقوا النوم إلا غراراً أو مضمضة.

ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات


انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ولا تروعن مسلماً ولا تجتازن عليه كارهاً ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل الله في أموالكم من حق فتأدوه إلى وليه فإن قال قائل لا فلا تراجعه: وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخفيه وتوعده أو تعسفه أو ترهقه فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له فإذا أتيتها فلا تدخل عليها متسلط عليه ولا عنيف به ولا نتفرن بهيمة ولا تفرعنها ولا تسؤن صاحبها فيها واصدع المال صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره فلا تزال بذلك حتى يبقى ما فيه لحق الله في ماله فاقبض حق الله منه فإن استقالك فأقله ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولاً حتى تأخذ حق الله في ماله ولا تأخذن عوداً ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقاً بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم ولا توكل بها غلا ناصحاً شفيقاً وأميناً حفيظاً غير معنف ولا مجحف ولا مغلب ولا متعب ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصبره حيث أمر الله فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصليها ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بولدها ولا يجدنها ركوباً وليعدل بين صواحبتها في ذلك وبينها: وليرفه على اللاغب وليستأن بالنقب والظالع وليوردها ما تمر به من الغدر ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطرق وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاف والأعشاب حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه ( فإن ذلك أعظم

لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله.


وقال عليه السلام وقد سمع رجلاً يذم الدنيا:


أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها المخدوع بأبلطيلها ثم تذمها أتغتر بالدنيا ثم تذمها أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك تبعي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك وقد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فيهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها مسجد أحباء الله ومتجر أولياء اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها وقد آذنت بينها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها فمثلت للهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها إلى السرور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ذكرتهم الدنيا فتذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا.


المصدر: كتاب جواهر الأدب

هناء الجلبي
05-24-2009, 08:43 PM
رسالتان من إبراهيم طوقان إلي أخته فدوى


بقلم الكاتب: إبراهيم طوقان




يجب أن تواظبي علـى حفظ القرآن الكريم.. والشعر


رسائل عديدة تلقتها الشاعرة الكبيرة فدوي طوقان من أخيها الشاعر الكبير ابراهيم طوقان، وتبدو العلاقة بينهما أكثر من علاقة أخت بأخيها الكبير، فهي علاقة شاعرة تتلمذ علي يد أستاذ مرموق.. هكذا كانت بداية فدوي طوقان ونتعرف علي المزيد منها من خلال نصائح أخيها لها ومن بين هذه النصائح حفظ القرآن الكريم وروائع الشعر العربي لكي تتهيأ الموهبة الغضة للتفتح.. نلتقي اليوم مع رسالتين من تلك الرسائل العديدة التي أرسلها ابراهيم طوقان من بيروت حيث كان يعمل مدرسا الي أخته فدوي في نابلس.






الرسالة الأولي - 14 أكتوبر - تشرين أول سنة 1930


أختي العزيزة والدرة المكنونة، القايمة من الجونة، القاعدة علي أذنيها.

بعد تقبيل وجنتيك الخضراوين، أخذت تحريرك الذي كتبته بمداد الشوق، وقد نزلت الي السوق وسألت عن الحبر لأكتب لك به أيضا ولكن لم أجده أبدا، فأرجوك إذا كان موجودا منه عند الحجاوي أن ترسلي اليّ زجاجة وأنا أدفع ثمنها.

يوجد في مكتوبك اغلاط يجب أن تتجنبيها في المكتوب التالي.

1- (مضي زمنا طويلا) غلط.

مضي زمن طويل صح. لأن الذي مضي هو الزمن فهو فاعل، والزمن هذا وصفه أنه طويل، والوصف يكون مثل ما قبله في الإعراب.

2- (ولكن القريحة لم تجود) غلط.

(ولكن القريحة لم تجد) صح بدون واو، مثل قولك ذكري تلك الأيام لم تمح .

فحذفت الألف المقصورة وهذا صح. لأن لم تجزم الفعل المضارع.

3- (أحتاج إلي كثير من التفكير لأن أحفظه) غلط.

(أحتاج الي كثير من التفكير حتي أحفظه أو لكي أحفظه أو كي أحفظه).

لا يوجد غير هذه الاخطاء وهذا جيد جدا وأنا مسرور كل السرور بإنشائك وأعتقد أن في الصف الثاني العلمي شبانا يغلطون أكثر منك في أقل من صحيفة.

بس شوفي مش يكبر راسك؟ يجب أن تقرأئي في الكتب الطيبة دائما، ويجب أن تواظبي علي حفظ القرآن الكريم والشعر، وفوق هذا كله يجب أن تكتبي نثرا وشعرا حتي تتمرني علي الكتابة، وإياك أن تهملي القواعد النحوية فهي مهمة.

إذا لم يساعدك أحد في كتابة المكتوب فأنا أهنئك علي إنشائك الجميل، اكتبي وأنا دائما مستعد لأصلح لك الاغلاط ولكي تدرسي هذا التصليح يجب أن تحفظي نسخة من التحرير الذي ترسلينه لتقابلي فيها الأغلاط، أنا الآن أعطيك موضوعا لتكتبي عنه وترسليه في التحرير القادم وهو ماهي فكاهات نبيهة ونزيهة وحنان في يوم .

هذا هو الموضوع فراقبيهن جيدا، واحفظي فكاهاتهن، ثم رتبيها للإنشاء، وأرسليها في تحرير.

أهنئكم علي الفوتوغراف، أنا منذ سافرت الي هذا اليوم لم أسمع شيئا، قولي الله يصبرك ويدبرك ولكن أنا أرقي منكم اليوم، أنا أحضر السينما الناطقة كل يوم سبت، وقد حضرت موريس شوفاليه وسمعته يغني أغنية انجليزية اسطوانتها موجودة عندكم وهي جميلة جدا جدا عندي مئة وتسعون تلميذا كلهم صاروا يحبون الشعر كثيرا، مئة وثلاثون منهم يدرسون الشعر القديم كامريء القيس وعنترة والخنساء، والستون الباقون منهم خمس بنات يدرسون الشعر العباسي هؤلاء البنات هن: ماري ديب، سلوي خوري، وداد خوري، صبيحة مقدادي، ميليا مالك. وان شاء الله بعد كم سنة نصير نذكر بيهن فدوي طوقان قولي الله كريم .

سألتيني عن أجنت لك الورد وأجنينك الورد،

الاثنتان صحيحتان والبيت:

أجنت لك الورد أغصان وكثبان

فيهن نوعان: تفاح ورمان

معناه: إن النساء الجميلات اللواتي قاماتهن كالاغصان والسمينات اللينات كتلال الرمل جعلنك تجني الورد أي تقطفه من التفاح وهو الخدود ومن الرمان وهو النهود المرة القادمة اكتبي لي الأبيات التي لم تفهمي معناها، واذا كان عندك قصيدة جديدة ارسليها، يلزم لك قاموس ان شاء الله سأرسل لك واحدا، الآن مشغول انتظري حتي اتفضي فأنزل الي السوق واشتريه، وصيتي لك: احفظي، اقرأئي تمرني علي الكتابة نثرا وشعرا.

قولي للوالدة انني مشتاق لها كثيرا، اشكري نجله علي لساني لأنها تعلمك، قولي لرحمي إنني سأكتب لأحمد عن مسألته: لأنه لا يوجد في بيروت ولا مطبعة يشتغل فيها ناس أوادم، كيف أخبار نمر؟ خبريني عنه.

سلامات: تقبيل أيادي العمة المحترمة الشيخة كريمة، السيدة المحترمة أم داود، الخالة العزيزة أم عبدالله، أم علي، أم موسي، سعادة الوالدة المحترمة، تقبيل وجنات أديبة نبيهة، حنان، نزيهة، سلامات الي آسية، ونجلاء وبندر وفتايا يخرب بيتكم ما أكثركم لا أدري كم واحدة نسيت منكم، وبالختام وفقك الله ودمت لأخيك المشتاق.




الرسالة الثانية - 26 أكتوبر 1930



بيروت - الجامعة الأمريكية


أختي العزيزة المجتهدة النشيطة فدوي دام بقاؤها

سلام وتحية، وقبلات وأشواق، نهار أمس أخذت تحريرك الجميل فسررت به جدا ولا سيما عندما أكدت لي فيه أنك تكتبين بدون مساعدة أحد، وسررت جدا فوق ذلك بنشاطك واجتهادك ومواظبتك علي الدروس والحفظ.

منذ ثلاثة أيام وأنا في شغل مستمر متعب، كنت أصلح دفاتر الانشاء للتلاميذ وعددها مئة وأربعون دفترا فتأملي ما أكبر هذه الكمية، ثم تفكري بصعوبة هذا العمل ومشقته عندما يكون أكثر التلاميذ ضعافا، كانت أعلي علامة ثلاثة وثمانين من مئة، وأقل علامة سبعة وخمسين، أي أن الذين أخذوا هذه العلامة الأخيرة سقطوا، وسأكتب لك بعض جمل منها لتصلحيها أنت وترسليها الي في التحرير القادم الجملة الآتية لفتاة اسمها كزين نشأت ولما ذهب نابليون الي مصر أمر أن لجنة من الإفرنسيون تذهب وتري أرض السويس لأن يجب حفر قناط هناك .

وكتب أحد التلاميذ هذه الجملة إن الاخوان رايت الانجليزيان اخترعا أول بالون الذي ظهر للعالم، فكان أول تجربة التي جربها الناس في الطيران .

صلحي هاتين الجملتين وارسليهما الي في التحرير القادم في تحريرك هذا غلطات بسيطة وهي أخف من غلطات التحرير السابق، فانتبهي لتصليحها الآن:

قلت: ولكن طالما يوجد من يساعدني فأنا بلا شك.. الخ!.

طالما لا تدخل علي الفعل المضارع بل علي الفعل الماضي، فالاضبط أن تقولي: ولكن طالما وجدت من يساعدني... الخ وهذه أيضا غلط من جهة المعني في المضارع وفي الماضي لأن معناها وجدت كثيرا وباللغة العامية يالطيف قديش وجدت كأنك تتعجبين من كثرة الذين وجدتهم، مع انك تريدين أن تقولي مادام يوجد من يساعدني أو مادمت قد وجدت من يساعدني فهل عرفت الفرق الآن؟

قلت: هذه هي الأبيات الغير مفهومة ويجب أن تقولي هذه هي الابيات غير المفهومة أعني خذي ال من غير وضعيها علي مفهومة فتصبح الجملة صحيحة وهذه غلطة شائعة كثيرا حتي بين الذين يكتبون في الجرائد والمجلات وبين المعروفين من الكتاب والأدباء.

قلت سخسخ المعلم من الضحك لا تستعملي سخسخ لأنها عامية وقولي وقهقه المعلم ضاحكا وكاد يستلقي... الخ .

قلت وقالت (أي نبيهة أريد كرسي.. كرسياً.. لماذا؟ جاوبيني علي سؤالي في التحرير القادم.

قلت فاشترت لها بندر ما طلبته وثمنه قرشا، وثمنه قرش لماذا؟ تذكري المبتدأ والخبر، التفاح ناضج، حنان جميلة، عمتي دلوعة، ثمنه قرش.

قلت ودقت عليه مسمارا ودقت فيهم مسمارا ومثل هذه أيضا هذا كرسيي وعليه مسمارا وفيه مسمار ومثل ثمنه قرش يجب أن تكون فيه مسمار بالرفع.

أين ابراهيم؟ فتؤشر علي غرفتك فتشير الي....

بواسطة لبانها الصغير كيف تشير بلبانها اللبان هو الصدر أليس كذلك؟ ولكن الكلمة التي تعني إصبع هي بنان ثم لا تقولي بواسطة بل ببنانها الباء وحدها تكفي.

فكاهتها ليست لذيذة لذيذة ليس مثل كان ومازال وأضحي وأمسي وأصبح وبات مثلا:

الجو معتكر كان الجو معتكرا وأمسي معتكرا وأصبح معتكرا... الخ.

وكذلك ليس الجو معتكرا، وكذلك قولك فليس مفهوم يجب أن تكون مفهوما انتبهي لهذه الأغلاط وأرجو ألا تعودي لمثلها.

الأدبيات الصعبة

مستظهرات برأي.. الخ صعوبة البيت في اسماء الاشخاص وكل واحد منهم له قصة قديمة مآلها انه كان ينصح قومه بالآراء الطيبة فلا يسمعون منه فتصيبهم المصائب، فابن الرومي يقول: إن النساء يتمسكن برأي لا يثنيه آراء قصير عمرو ولا عمرو ولا وردان وبعبارة مختصرة إن آراء النساء غير صائبة.

صدقن ما شئن... الخ معناه تقول لهن فيصدقن ما نقول، ولكن مع هذه السلطة التي لنا نحن الرجال عليهن لانزال تصطادنا تقنصنا عيونهن ويصير حبهن فينا إدمانا.

أنكي وأزكي... أي أشد نكاية واشتعالا من النار في قلوبنا، هؤلاء النساء المخلوقات من ماء للطفهن واللواتي ألوانهن كالنيران الخدود والشفاه الحمراء .

اذا ترقرقن .. عندما يتلطفن معنا وتكون وجوههن مشتعلة بالشباب والنضارة لا يستطيع الانسان إلا أن يبوح بسر حبه لهن، ماء ونار مثل البيت الثاني، أي أن الانسان يتعذب ويبكي من لطفهن واشتمال شبابهن، حران معناها مشوب كثير الحرارة، نعيم كل نهار معناه أن الواحدة منهن تشعل العود الطيب في مجامرها لكي تتعطر فيصعد الدخان فيصير النهار مملوءا بالغيوم نعيم من الغيم وهي من جمالها تجعل الليل ضحيان أي كالضخي.

كأنها وعثان الند... العثان = الدخان، أي عندما تفعل ما تفعله بالبيت السابق فينعقد فوقها دخان عود الند تصبح شمسا فوقها ضبابات غيوم وادجان ظلمات .

لما قلت لك في تحريري السابق عن القصائد الجديدة كنت أعني قصائدك التي نظمتها أنت، وأما التمرين علي الكتابة نثرا وشعرا فأعني به أن تلاحظي ما حولك من الامور التي تحدث أو الاشياء التي تقرأين عنها المجلات والجرائد والكتب فتكتبي عنها ما يخطر في بالك مثال ذلك: الاشياء التي تلاحظينها: الآن نحن في فصل الخريف، لاحظي كيف كانت الدنيا قبل شهر ثم تغيرت من السماء الصافية الي السماء المتلبدة بالغيوم وبعدما كانت الاشجار خضراء ناضرة، صارت أوراقها تصفر وتسقط هذه أشياء تحرك العاطفة فافتكري في وصفها بقصيدة أو انشاء، أما الاشياء التي تقرأينها فكثيرة ومنها ماهو مؤثر فانتبهي الي التي تتأثرين بها واكتبي عن هذا التأثير شعرا أو نثرا، هل فهمت قصدي؟

اكتبي شعرا أو نثرا عن الفتياني مثلا.

هذا ما لزم وسلامي لكل واحد وواحدة من اللذين الذين سميتهم ومن اللواتي.. سميتهن في تحريري السابق.

وفي الختام يلعن صفارك ياصفراء.

أخوك المشتاق ابراهيم طوقان

هناء الجلبي
06-15-2009, 06:51 PM
الكتابة على ورق المودة الأبيض

رسائل السياب إلى أدونيس


تقديم‏


تخرج الرسائل المتبادلة بين الأدباء عن أن تكون ذات طبيعة شخصية محض، كالذي يقع للمراسلات بين سواهم من الناس، فرسائل المبدعين ـ ولا سيما الكبار منهم ـ لا يشغلها الحيز الذاتي إلا بحدود موجزة لتخرج بعده إلى مجالات ذات طبيعة معرفية وإبداعية، وتفصح عن مناقشات مهمة في المجال الأدبي الذي يشغل المرسل والمرسل إليه معاً.‏



وإذ لا تكون تلك الرسائل بأدنى من المستوى التعبيري والوعي الثقافي المتحققين‏



لكل مبدع منهم،وبما يشكل سمات شخصيته وأسلوبه الكتابي واهتماماته الذاتية والعامة، فإن السمة اللافتة فيها أنها تقدم صاحبها من دون أية ادعاءات غير تلك التي هي أس شخصيته وتفوهاتها المباشرة، وسجيتها الحقيقية التي ربما غلفت ـ حين يكتب ذلك المبدع سواها من كتاباته ـ بشيء من التزويق والتخير اللفظي والفذلكة التعبيرية. ومرد تلك البساطة والتناول القريب أن أياً منهم ـ وهو يكتب تلك الرسائل ـ لم يدر بخلده أن سيأتي اليوم الذي ستصبح فيه رسائله مشاعة، يقرؤها الكثيرون وهو الذي كتبها مؤتمناً إياها شجونه، وشؤونه التي يبثها لشخص واحد من أصحابه الأدباء.‏



(1)‏

كان الأستاذ (ماجد السامرائي) قد جمع ما وقع تحت يديه من تلك الرسائل التي تبادلها الشاعر العربي الرائد بدر شاكر السياب مع عدد كبير من الأدباء والمثقفين العرب والعراقيين.‏



وقد نشرها السامرائي في كتاب اسماه "رسائل السياب" بعد أن قدم لها بقراءة مستفيضة، ووثقها ـ تواريخ وأسماء ومضامين ـ بهوامش وملاحظات مهمة(1).‏



وتستوقفنا ـ في هذه القراءة ـ من بين تلك الرسائل ما كان السياب قد بعثه إلى الشاعر العربي ا لكبير (أدونيس).. فبين العامين: (1959 ـ 1964م) كان السياب قد تبادل مع أدونيس رسائل كثيرة، أورد السامرائي فيما جمعه اثنتي عشرة رسالة منها كان اللافت للانتباه أن تكون أخراهن مرسلة من السياب قبل ثلاثة أشهر من يوم وفاته في 24/12/1964م. ولعلها آخر رسالة بعثها السياب في حياته(2).‏



(2)‏

ربما لن نكون بعيدين كثيراً عن تلك الرسائل حين نقوم ـ وقبل تفحصها المباشر ـ بلمّ جزئيات المشهد الذي يؤشر طبيعة الصداقة التي جمعت بين الشاعرين، والوقائع المخبرة عنها. لتكون الرسائل المتبادلة بينهما ارتكاناً حميماً إلى تلك الصداقة، وتمثلاً لقيمها، وإن تجلى لنا ذلك في ـ الرسائل ـ من وجهة نظر السياب ومشاعره المعبر عنها فيها.‏



كان مسعى السياب دائباً للخروج بقصائده من مجال انتشارها المحدود في العراق إلى أفق نشر عربي متسع، وقد واتته الفرصة حين ذكرّه بعض أصدقائه بإمكانية مراسلته لمجلة (الآداب) البيروتية وهو ما فعله السياب تماماً، ليجد الترحيب من الدكتور (سهيل إدريس) صاحب تلك المجلة التي نشرت له في أول ما نشرت، وفي أحد أعداد العام 1954م قصيدته الرائعة (أنشودة المطر)، لتتوالى قصائد السياب في أعدادها اللاحقة، وحتى العام 1957م الذي شهد تحوله ـ أي السياب ـ إلى النشر في مجلة بيروتية جديدة هي (شعر) التي نشرت له في ذلك العام والعام الذي يليه ثلاثاً من قصائده المتميزة(3).‏



لقد كانت (شعر) تضم في هيئة تحريرها مجموعة من الأدباء ـ الشعراء خاصة ـ ذوي التوجهات الرانية البصر والبصيرة نحو التجديد، وكان أدونيس من بينهم. ولعله، ومن تلك اللحظة تحقق للسياب أن يضع تجربته واهتماماته المعرفية في مسار من الوعي المتطور والنشاط الثقافي الأكثر حيوية، والذي سيكون لحضور الشاعر أدونيس مساحته الفاعلة فيه.‏



وإذا كنا لا نقول جديداً حين نشير إلى معرفة كلا الشاعرين ـ السياب وأدونيس ـ لبعضهما قبل ذلك، ومن خلال ما كان ينشر لهما على صفحات المجلات العربية واللبنانية، بوصفهما اسمين شعريين لهما تميزهما في المسار الجديد للشعرية العربية، ولكن صلة التعارف المباشر قد تمت بينهما ـ كما يبدو ـ حين دعت هيئة تحرير مجلة (شعر) السياب ـ وفي العام 1957م، وبعد نشرها لأولى قصائده ـ ليقدم إلى بيروت ويقضي هناك عشرة أيام، سكن بعضاً منها في بيت أدونيس(4)، وستزداد صلة الصداقة بينهما في السنوات اللاحقة عمقاً وحميمية، تؤشر ذلك اللغة الودود التي تفيض بها رسائل السياب، والموضوعات الاجتماعية الخاصة التي يبثها فيها، وما كان يطلبه من أشياء وأفعال، لا تكاد تطلب إلا من صديق ثقة في مودته، مطمئن إلى إخلاصه واستجابته غير المترددة، وهو ما كان عليه أدونيس مع السياب حقاً(5).‏



وفي العام 1960م كان السياب قد تعرض للفصل من وظيفته، وعاش وعائلته ظروفاً معيشية ونفسية ممضة، ما حدا بأدونيس إلى أن يدعوه للهجرة إلى لبنان، وذلك ما تحمس له السياب في بادئ الأمر، ثم ما لبث التردد أن غلب عليه، ليكتب إلى أدونيس مبدياً عزوفه عن ذلك كله(6)، وبديلاً عنه سيطلب من أودنيس ـ الذي يبدو أنه قد اقترح عليه جمع قصائده المتناثرة في أكثر من مجلة وصحيفة وإصدارها في ديوان جديد ـ أن يتولى ذلك، ولا سيما في لم شتات القصائد المنشورة في المجلات اللبنانية، والآداب خاصة(7)، وهو ما قام به أدونيس فعلاً، ليصدر للسياب ديوانه (أنشودة المطر) عن مجلة (شعر) ذاتها، ثم ليعلن فوز السياب عن ديوانه هذا بجائزة المجلة التي وضعت لأفضل ديوان، والتي تضمنت ـ فيما تضمنته ـ دعوة السياب مرة ثانية إلى بيروت التي قضى فيها شهراً كاملاً.‏



وحين دعي السياب للاشتراك في مؤتمر الأدب العربي الذي عقد في روما عام 1961م، ذهب من البصرة ـ التي كان قد نقل عمله إليها ـ إلى بغداد، ومنها إلى بيروت، ليطير من هناك ـ صحبة أدونيس ـ إلى المدينة التي عقد فيها ذلك المؤتمر.‏



وفي عام 1962م حصل السياب وبدعم ومسعى من صديقه أدونيس وآخرين، على زمالة دراسية في بريطانيا، ولكن مرضه المزمن كان قد بدأ حربه على جسمه النحيل، فغادر بغداد إلى بيروت، وأدخل هناك مستشفى الجامعة الأمريكية، ودامت فترة علاجه ثلاثة أشهر، عاد بعدها إلى بغداد، ليسافر لاحقاً إلى لندن، في مسعاه للدراسة هناك، وهو ما لم يسعفه المرض وبرد لندن على تحقيقه، فعاد أدراجه ليسكن في البصرة ينظم الشعر بغزارة لافتة للانتباه‏



(9)، ويكابد مرضه، ويراسل أصدقاءه، ومن بينهم أدونيس الذي كان قد تخلى عن مجلة (شعر)، فبارك لـه السياب ذلك في إحدى رسائله(10)، وقاطع المجلة نهائياً، واتجه إلى مجلة (حوار) التي صدرت حينها، لينشر فيها قصائده ومقالاته.‏



وفي العام 1964م كان المرض قد أمسك بتلابيب جسد السياب وأنهكها تماماً. فنقل إلى المستشفى الأميري في الكويت، ليرقد فيه مدة طويلة، من دون أية بارقة بالشفاء، لتكون آخر رسائله التي كتبها من هناك وقبل وفاته بثلاثة أشهر، هي تلك التي كتبها إلى أدونيس.‏



(2)‏

تتوزع الرسائل التي بعثها السياب إلى أدونيس عددياً، وبحسب الأعوام على النحو الآتي: اثنتان في العام 1959، وست في العام 1960، وثلاث في العام 1963، وواحدة في العام 1964.. ويبدو لافتاً للانتباه تواتر بعض السنوات التي لم يؤشر فيها أية رسالة من السياب إلى أدونيس كالذي نجده في العامين 1957 ـ 1958، اللذين شهد العام الأول منهما بداية الصلة الحميم بين الشاعرين كما أسلفنا، وكذلك في العامين 1961 ـ 1962، اللذين نجد فيهما رسائل عديدة قام السياب بإيرادها لأكثر من صديق، ليس أدونيس من بينهم.‏



وربما أمكن تبرير خلو العامين الأخيرين من المراسلات بين الشاعرين بسبب ظروف السياب وما تعرض لـه من اعتقال وفصل من الوظيفة ثم انتقاله إلى البصرة، فضلاً عن تكرر ذهابه خلالهما إلى بيروت لأكثر من مرة، سواء للعلاج أو لتقديم شعره وقراءته، أو للسفر منها إلى خارجها، وفي كل المرات ـ تقريباً ـ، كان يصحبه أدونيس فيها، بما أبعد الحاجة ـ كما يبدو ـ إلى التراسل بينهما.‏



أما العامان 57 ـ 58 فليس من تبرير نركن إليه أقرب من القول أن جامع تلك الرسائل لم يقع على ما يمكن أن يكون الشاعران قد تبادلاه من رسائل.‏



احتوت رسائل السياب إلى أدونيس موضوعات وأفكاراً شتى، فيها الذاتي الذي يخصه أو يخص صديقه، وفيها ما يود الإشارة إليه من الأمور الأدبية المتعلقة بشعره أو بشعر أدونيس، وغير ذلك من الأفكار الثقافية التي كانا يتبادلانها.‏



وفي الرسائل كلها فقد كان شوق السياب لأدونيس يتداخل مع اعتذاره له عن تأخره في الرد، بسبب ظروفه وهو يتعرض للفصل، أو وهو يبحث عن عمل، أو حين يتحدث عن مرضه الذي ورد في الرسائل على نحو متدرج، حتى آخر مراحله.‏



كانت محبة السياب لأدونيس ـ كما بدت في رسائله ـ شديدة وإعجابه بشخصيته كبيراً، يتواتر الحديث عنهما، ابتداء من إشارات الود والعرفان لـه صديقاً وفياً، من مثل: "جميل منك أن تتذكر أخاك الذي يحبك أقصى غاية الحب، ويقدرك ـ شخصاً وشاعراً ـ أعلى درجات التقدير" (الرسائل، ص 90)، أو قولـه: "إن الصديق يكون هبة عظيمة من السماء إذا كان طرازك أيها العزيز" (ص 98)، أو قولـه: "لماذا كنت شاعراً عظيماً إلى هذا الحد، وإنساناً طيباً إلى هذا الحد، وحبوباً إلى هذا الحد؟" (ص 135).‏



وكان إعجاب السياب بشاعرية أدونيس متصلاً بمحبته له، وهو ما كرر ذكره في أكثر من رسالة، كما أخبر عنه في رسائله لسواه من أصدقائه(11)، غير أن ذلك لم يمنع السياب من إبداء عدد من الملاحظات الناقدة لشعر أدونيس كقولـه عن إحدى قصائده: "كانت قصيدتك رائعة بما احتوته من صور لا أكثر. ولكن: هل غاية الشاعر أن يري قرَّاءه أنه قادر على الإتيان بمئات الصور؟ أين هذه القصيدة من (البعث والرماد)، تلك القصيدة العظيمة التي ترى فيها الفكرة وهي تنمو وتتطور، والتي لا تستطيع أن تحذف منها مقطعاً [من] دون أن تفقد القصيدة معناها: أما قصيدتك الأخيرة، فلو لم تبق منها سوى مقطع واحد لما أحسست بنقص فيها، ليس هناك من نمو للمعنى وتطور له" (ص 85). ولا يفوت السياب أن يأخذ على أدونيس مجانبته للشعر الإنجليزي: "ما زلت، أيها الصديق متأثراً بالشعر الفرنسي الحديث أكثر من تأثرك بالشعر الإنكليزي الحديث، هذا الشعر العظيم: شعر إيليوت وستويل، ودلن توماس وأودن وسواهم" (ص 86).‏



انشغل السياب ـ وفي كل رسالة من رسائله ـ بالإشارة إلى جوانب من تجربته الشعرية، حتى أخذ ذلك المساحة الأوفر منها.‏



وستكون أولى الملاحظات الدالة أن نكتشف أن كثيراً من قصائد السياب المتميزة كانت قد مرت عليها يد أودنيس تنقيحاً وتعديلاً، وبطلب من السياب نفسه(12)، الذي أخذت المسألة عنده مدى أوسع من ذلك حين وضع بين يدي أدونيس دواوينه المطبوعة في بيروت، يتولى جمع قصائدها وتبويبها، والحذف منها.‏



وكثيراً ما أشار السياب في رسائله إلى ما كان ينتاب مزاجه الشعري من تقلب، فيتدفق في فترة ما، أو يبدو نزراً في أخرى حد النضوب، لتتلبس السياب حالات من القلق، يبثها في رسائله إلى أدونيس.‏



يذكر السياب في أولى رسائله إلى أدونيس عام 1959 أن لديه شعراً كثيراً. وستكون المفارقة أن يكرر ذلك في آخر رسائله إليه العام 1964، حيث يكتب: "إن نفسي تتدفق بالشعر، لكنه يتدفق من ينبوع ألم عظيم ويأس" (ص 200)، وبين هذين التاريخين، فكثيراً ما تحدث السياب عن حالات من الركود الشعري كانت تنتابه، فيشكو ذلك إلى أدونيس، بقوله: "وأنا الآن في حالة ركود شعري" (ص 92)، أو "لم أكتب شيئاً منذ مجيئي من بيروت" (ص 146)، وقوله: "لا أكتب الآن شيئاً، إنني أمرّ في فترة ركود" (ص 171).‏



كان الحديث مع أدونيس ـ في بعض رسائل السياب ـ قد أفضى إلى تناول تجارب عدد من الشعراء بشيء من الملاحظات، فقد أشار السياب إلى ما عدّه انحداراً في الشعر، وهو ينتقي أسطراً من قصيدة للبياتي من دون أن يذكره بالاسم، "أما رأيت إلى الشعر الحر كيف استغله بعض المتشاعرين":‏

(1) (وعلى الرصيف‏



جوعان يبحث عن رغيف‏



والشارع الممتد يزخر بالجموع‏



من ثائرين مزمجرين‏



فليسقط المستعمرون‏



يا.. يسقط المستعمرون)‏

وإذا شاعت كتابة الشعر دون التقيد بالوزن(13)، فلسوف تقرأ أو تسمع مئات من القصائد التي تحيل (رأس المال) و(الاقتصاد السياسي)، وسواها من الكتب، ومن المقالات الافتتاحية للجرائد إلى شعر، وهو لعمري خطب جسيم" (ص 85).‏



وحين بلغ السياب أن (سليمان العيسى) قد بعث برسالة وقصيدة إلى مجلة (شعر) يكتب إلى أدونيس: "إذا كان الأمر كذلك فانشروهما، دون احتفال بالمستوى الفني، لأن أثرهما في صالح المجلة سيكون كبيراً" (ص 94).‏



(3)‏

لا يمكن لقراءة تتفحص الرسائل التي بعثها السياب لأدونيس أن تكتمل جدواها من دون الإجابة عن السؤال الآتي:‏



ما الذي يمكن لتلك الرسائل أن تضعه بين يدي المتأمل لتجربة السياب الشعرية ومنجزها؟‏



لعل أول ما يمكن قوله إن تلك الرسائل قد أفصحت عن جانب كبير من انشغالات السياب الإنسانية والثقافية والإبداعية التي عايشها في تلك المرحلة المهمة من عمره القصير، بما يمكن عدها فيه مستندات ذات موثوقية عالية لقراءة حياة السياب وشعره، وهي في خضم ذلك كله تعكس جانباً من شخصية السياب، الانفعالية التي تستجيب لمؤثرات اللحظة المباشرة والشخص الذي تنشد إليه فيها، فتبوح له بكل ما لديها، وتحب معه ما يحب ومن يحب، وتكره معه ما يأخذ منه ذلك الموقف، بل إنها لتباسطه بكل ما لديها لقد عززت ظروف السياب النفسية والحياتية ذلك في شخصيته إلى حد كبير.‏



وعلى صعيد التجربة الشعرية فقد عبرت تلك الرسائل عن مرحلة هي الأبرز حضوراً وعطاءً عند السياب من حيث الوعي المعرفي والجمالي الذي وضعه في قصائده المنشورة في خلال تلك المرحلة التي أفردت صوته الشعري وخلدته، كما شهدت فهمه الناضج لتقنية توظيف الأسطورة والرمز في الشعر وإغنائه بهما، فلقد حشد السياب في قصائده ومنذ بداية نشره لها في مجلة (شعر) وسواها رموزاً أسطورية ودينية كثيرة راح يستمدها من مصادر ثقافية متنوعة انهمك في الإطلاع عليها واستثمارها.‏



ولأننا منشدون إلى حديث رسائله إلى أدونيس فلعله أمر جدير بالوقوف عنده ذلك الذي يخص الرمز الأسطوري الفينيقي (أدونيس) الذي اتخذه الشاعر (علي أحمد سعيد) اسم شهرته الشعرية، في حين تبناه السياب ـ ولا نظن أن ذلك محض صدفة ـ رمزاً شعرياً، يستعيد خصب مضمونه في أكثر من قصيدة، وإن حاله إلى مماثله في التراث العراقي القديم ـ والبابلي خاصة ـ وهو الرمز (تموز) الذي استثمره السياب في تكوينات شعرية متلاحقة جسدت مرحلة مثيرة في مسار تجربته الشعرية(14).‏



ويبدو أن اكتشاف السياب لرمز (أدونيس) كان بمثابة الفتح المبين عنده، وهو ما أشار إليه (جبرا إبراهيم جبرا) الذي كان قد ترجم هذه الأسطورة ضمن ما ترجمه من كتاب (الغصن الذهبي) الذي ألفه (جيمس فريزر)، فكان جبرا على حد قوله: "يطلع السياب على ما ترجمه من أسطورة أدونيس أولاً بأول، وفي نفس الوقت كان شاعرنا (السياب) مبهوراً ومشغوفاً بها إلى حد أنه كان يستظهر لوحات منها ومشاهد عن ظهر قلب"(15).‏



(4)‏

لقد كان تعرف السياب أودنيس ومراسلته محطة خصبة في حياته، وحضوراً كان بحاجة شديدة إليه، ليستوعب جانباً من مساحة انشغالاته النفسية والثقافية والإبداعية، وهو ما أبانت عنه رسائله جلياً، غير أن تلك الرسائل بقيت في حدود مودة حميم واهتمامات إبداعية متقاربة، ولم يتجاوز السياب ذلك إلى ما عداه، فهو لم يقف مثلاً ليناقش الفكر السياسي الذي كان أدونيس يتبناه وقتها، حيث كان منتمياً إلى الحزب القومي السوري، بل كان السياب يذهب بفكره في تلك السنوات إلى ما هو نقيض ذلك، فقد تخلى عن انتمائه الماركسي، وصار على أقرب ما يكون من الطروحات العربية القومية.‏



ومع صلة السياب بأدونيس والآخرين من جماعة مجلة شعر ـ جبرا ويوسف الخال ومحمد الماغوط وسواهم، أولئك الذين كانوا يكتبون قصيدة النثر ويبشرون بها ـ فإنه لم ينجرف إلى تيارهم وبقي متمسكاً بقصيدة التفعيلة شكلاً تعبيرياً يكتب فيه نصوصه المتميزة متجاهلاً أمر قصيدة النثر، حتى إنه لم يقف عندها، أو يناقشها في رسائله، ولعل في ذلك جانباً من اعتداد السياب بثقافته وذائقته، والمسار الذي اختطه لتجربته الشعرية.‏



تبقى مسألة أخيرة أثارتها لدينا رسائل السياب هذه، حين بدت لنا أشبه ما تكون بالمنولوج المعلن، أو بالنص المونودرامي، فقد كان صوت السياب وبوحه هو ما نقرأه فيها، ليمسي ذلك مجالاً للإثارة والبحث عن النص الآخر المغيب بين سطورها الذي تمثله رسائل أدونيس التي جاءت رسائل السياب ـ في الغالب عليها ـ استجابة لها وسجالاً ودوداً معها.‏





هوامش وإحالات:‏

(1) ينظر: ماجد السامرائي، رسائل السياب، دار الطليعة، بيروت 1975.‏

(2) وضع السامرائي تاريخ إرسالها ومكانه على النحو الآتي: البصرة 17/9/1964. وإذا كان ذلك التاريخ صحيحاً فإنها ستكون قد أرسلت من الكويت التي كان السياب قد نقل إلى المستشفى الأميري فيها بتاريخ 6/7/1964. ويبدو أن الدكتور إحسان عباس قد رأى تلك الرسالة حين قال يصفها: "يبدو عليها بعض الاضطراب في الخط والسهو في غير موضع" (بدر شاكر السياب، دراسة في حياته وشعره، ص 167).‏

(3) ينظر: رسائل السياب، ص 84، وإحسان عباس، ص 211، وما بعدها.‏

(4) ينظر: المصدر نفسه.‏

(5) طلب السياب في إحدى رسائله أن يبعث له بكتاب (الأسطورة في الشعر المعاصر) لأسعد رزوق، ص 87. وطلب في ثانية ما كان الدكتور إحسان عباس قد كتبه عنه (ص 92). وفي ثالثة دعاه لأن يبحث له عن فرصة للعمل (التدريسي) في بيروت، (ص 90)، هذا فضلاً عما كان يتواتر في رسائله من طلبات لنشر هذه القصيدة أو تلك، بعد أن يقوم أدونيس بمراجعتها وتصحيحها وحذف ما لا يعجبه منها. ويبدو أن بعض رسائل السياب كانت تصله من خلال أدونيس، لا سيما الرسائل التي كان بعض الأدباء الغربيين يبعثونها إليه. فهو قد بعثها إلى الناقد الإنكليزي دنيس جونسن دافيس، قوله: "استلمت رسائلكم الكريمة طي رسالة من أدونيس، وبتاريخ 30 حزيران 1960م.‏

"بدر شاكر السياب، رسائل غير منشورة، مجلة عيون، دار الجمل ألمانيا، العدد 70، السنة الرابعة 1999، ص 5).‏

(6) رسائل السياب، ص 88.‏

(7) المصدر نفسه، ص 94.‏

(8) ينظر: علي حداد، بدر شاكر السياب قراءة أخرى، ص 20، ومصادره.‏

(9) كتب السياب في تلك السنة (1963) ثلاثاً وأربعين قصيدة.‏

(10) يقول السياب: "إنك ابتدأت من حيث الشهرة خارج نطاق جماعة (شعر) منذ الآن، وسوف يخلو لك الميدان، فلا منافس" (ص 171).‏

(11) يقول السياب في رسالة إلى يوسف الخال: "أذهلتني (أغاني مهيار الدمشقي). إن أدونيس، كما عرفت ذلك منذ مدة غير قصيرة، شاعر عظيم.. عظيم" (الرسائل، ص 137).‏

(12) تنظر رسائل السياب، ص 86، 87، 88، 89، 94.‏

(13) يبدو تحامل السياب على القصيدة واضحاً، و إلاَّ فهي من الشعر الحر الموزون، وعلى بحر الكامل.‏

(14) أورد السياب الرمز (تموز) في قصائده التي كتبها في العام 1956، ومنها قصيدته (أغنية في شهر آب)، ثم تواتر توظيفه في قصائد الأعوام اللاحقة: مدينة بلا مطر، سربروس في بابل، تموز جيكور (التي أشار فيها إلى واقعه تخص أدونيس (الذي طعنه الخنزير فقتله) ولكن السياب وابتداءً بالعنوان ينقل الحديث إلى (تموز) لا سيما حين يقرنه بذكر الآلهة عشتار.‏

(15) جبرا إبراهيم جبرا، الرحلة الثامنة، ص 24.‏