ميسون عدوان
04-24-2009, 06:27 PM
دراسة تاريخية في اصل المرأة من ناحية اسطورية
هذه الدراسة لفتت انتباهي بأهميتها فارتأيت ان أنقلها لكم لنستفيد منها جميعا .
سأخوض الموضوع من ناحية تاريخية/ أسطورية.. فهي أجمل من الواقع.. وتعطينا فكرة واضحة عن التغييرات التي حدثت منذ 100.000 سنة ق.م وحتى هذه اللحظة... ولنعتبر هذه المادة حلقة أولى..
سأقدم الشكر في البداية للمفكر العربي السوري/ فراس السواح على دراسته الرائعة في المرأة باسم " لغز عشتار، الالوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة" والحقيقة أن هناك جزء كبير مما قيل هنا مقتبس من هذه الدراسة الضخمة.. بل إن الدراسة هنا ما هي إلا تصغير للدراسة الأضخم لغز عشتار التي تشكل تلخيصاً واقعياً حول المرأة قديماً..
اسمحوا لي أولاً بتحديد الخطوط العريضة لهذه الدراسة.. كي نكون أكثر تركيزاً في حديثنا المتشابك..
- الأنثى/ الأسطورة
المجتمع الأمومي§
الأم الكبرى§
أنثى§ الديانات
تقديـــم
[ أنا أم الأشياء جميعاً، سيدة العناصر وبادئة العوالم، حاكمة ما في السماوات من فوق وما في الجحيم من تحت، مركز القوة الربانية، أنا الحقيقة الكامنة وراء الآلهة والالهات، عندي يجتمعون في شكل واحد وهيئة واحدة، بيدي أقدر أجرام السماء وريح البحر وصمت الجحيم. يعبدني العالم بطرق شتى وتحت أسماء شتى، أما اسمي الحقيقي فهو (إيزيس) به توجهوا إليّ بالدعاء ]
إيزيس تتحدث عن نفسها..
من أحد النصوص في الفترة الرومانية..
الحلقة الأولى: الأنثى/ الأسطورة
§ المجتمع الأمومي
أخيراً بدأت الحضارة، انفصل الإنسان عن المملكة الحيوانية محاولاً إثبات وجوده - كجنس مميز له وضعيته المستقلة - دون أن يدري.. إذ أن مرحلة الوعي لم تكن في كامل نضجها تلك الفترة..
هناك أربع تحولات أساسية في التاريخ الإنساني.. كل منها أعطى للحضارة جزءاً ضخماً ونقلها من منطقة إلى أخرى.. باختصار شديد هناك..
1. العصر البليستوسيني الأعلى... ( امتد من عام 100.000 ق.م وحتى 10.000 ق.م) وفي هذا العصر بدأ الإنسان يحس بانفصاله الفعلي عن الحيوان وبدأ يدرك إمكانيات البيئة من حوله... (يطلق على هذه الفترة الممتدة عبر 90.000 سنة بالثقافة الباليوتية Paleolithic أي ثقافة العصر الحجري المعروف.
2. أواخر الألف التاسع وأوائل الألف الثامن قبل الميلاد وذلك عندما بدأت ثلاث عوامل جديدة بالظهور...
أ. الاستقرار في الأرض وبناء المستوطنات الثابتة
ب.اكتشاف الزراعة والبداية المنظمة لإنتاج الغذاء
ج. تدجين الماشية
وقد أحدث هذا التحول تغيراً كبيراً في التاريخ البشري وأعطاها الدفعة الأولى للبدء ببناء الحضارة... أطلق على هذا التحول الهام اسم "الثورة النيوليتية" والتي فتحت الطريق لثقافة العصر النيوليتي Neolithic والذي امتد بين 8500 ق.م وحتى 4500 ق.م وانتهى بظهور أول المدن في تاريخ البشرية.
3. إنشاء المدن الأولى في وادي الرافدين، بتنظيماتها المدنية والاجتماعية والسياسية... وهو التحول الذي أطلق عليه اسم “الثورة المدنية" والذي كان بداية لعصرنا هذا.
4. اقرب التحولات إلينا وأكثرها أهمية وهو التحول المعروف باسم "الثورة الصناعية" في القرن التاسع عشر، والذي أحدث انقلاباً جذريا في شكل العالم ومضمونه...
كلام طويل ومتعب... لا بأس... كان من الضروري الحديث عن هذه النقطة قبل البدء في التشريح الفعلي لتاريخ المجتمع الأمومي..
كان الاعتقاد سائداً حتى فترة قريبة أن العائلة بشكلها الأبوي/ الذكوري - القائم اليوم - قديمة قدم المجتمع الإنساني، إلا أن هذه النظرية قد تهاوت أمام النقد العلمي الذي بحث بتوسع في الانطولوجيا (علم الوجود) والانتروبولوجيا ( علم الإنسان) والميثولوجيا ( علم الأساطير).. هذه الدراسات تقدم الأدلة الكافية على وجود شكل أقدم من الشكل الحالي الذكوري الذي لا يقوم على فيم الذكورة وسلطة الأب بل على قيم الأنوثة ومكانة الأم.. إن التجمع البشري الأول لم يكن بقيادة الرجل المحارب الصياد، بل تبلور بشكل تلقائي حول الأم، هذا الكيان الذي يحتوي على العاطفة الأصلية الوحيدة، عاطفة ألام نحو أولادها، هذه العاطفة التي يأتي كل ما عداها بالاكتساب والتعلم، المبدأ الأمومي الذي يجمع ويوحد أمام المبدأ الأبوي الذي يفرق ويضع الحواجز والحدود، المبدأ الامومي بمفاهيم المشاعة والعدالة والمساواة أمام المبدأ الأبوي الذي يعتبر مبدأ تملك وتسلط وتمييز.. الامومية توحد مع الطبيعة وخضوع لقوانينها، الأبوية خروج عن مسارها وخضوع لقوانين مصنوعة)
في المجتمع الأمومي، اسلم الرجل القيادة للمرأة لا لتوافقها الجسدي بل لتقدير أصيل لخصائصها الإنسانية وقواها الروحية وقدراتها الخلاقة وإيقاع جسدها المتناغم مع إيقاع الطبيعة.. فبالإضافة إلى عجائب جسدها الذي بدأ للإنسان القديم مرتبطاً بالقدرة الإلهية، كانت بشفافية روحها اقدر على التوسط بين عالم البشر والآلهة.. فكانت الكاهنة الأولى والعرافة والساحرة الأولى، وبهذه الأسلحة مضى الجنس الأضعف جسدياً وتبوأ عرش الجماعات الإنسانية دينياً وسياسياً واجتماعياً.. وكان للمرأة الدور الاقتصادي الأكبر، فهي المنتج الأول، والمسئولة عن حياة الأطفال وتأمين سبل عيشهم، وكانت مسئولة عن تحضير جلود الحيوانات وتحويلها إلى ملابس وكانت النساجة الأولى والخياطة، وأول من صنع الأواني الفخارية، وبسبب قضائها وقتاً طويلاً في البحث عن الجذور والأعشاب الصالحة للأكل تعلمت خصائص الأعشاب السحرية في شفاء الأمراض، فكانت الطبيبة الأولى، وكانت من يبني البيت ويصنع أثاثه، وكانت من تقايض بمنتجاتها منتجات الآخرين، ومن وجود شعلة النار المقدسة في معابد الحضارات المتأخرة، وقيام عذراوات المعبد بحراستها والإبقاء عليها مشتعلة، نستنتج أن شعلة النار الأولى قد أوقدتها امرأة وكانت أول حارس حافظ على أسرارها، وأخيراً توجت المرأة دورها الاقتصادي الكبير باكتشاف الزراعة ونقل الإنسان من مجتمع الصيد إلى مجتمع منتج للغذاء.. كل هذا بينما الرجل في مكانه التقليدي في الصيد والبحث عن الطرائد الكبيرة..
من الجدير بالذكر أن دور الرجل خلال المجتمع الأمومي المشاعي لم يكن دور التابع، وذلك أن الرجل قد أعطى المرأة مكانها احتراماً وتقديراً لا خضوعاً.. ورجال العصر الامومي كانوا أكثر عزة وأنفة وفروسية من رجال العصرا لبطريركي، يأتي أرسطو ليؤكد على ذلك في كتابه السياسة فيشمل هذه الظاهرة عندما يقول أن اغلب الشعوب العسكرية الميالة إلى القتال هي شعوب منقادة إلى النساء، وهذا لم يأت من فراغ فالمرأة رغم طبيعتها المسالمة، تسلك سلوك اللبوة الكاسرة إذا تعرض أشبالها للخطر.
مر المجتمع الأمومي عبر تاريخه الطويل بمراحل متعددة انتهت باستلام الرجل القيادة مؤسساً المجتمع الذكوري البطريركي.. لكي نستطيع تتبع هذه المراحل سنتتبع أشكال العائلة الامومية ونمط العلاقة الجنسية القائم بين المرأة والرجل في كل شكل.. في البدايات السحيقة للتجمعات البشرية كانت العلاقة حرة تماماً دون ضابط أو قانون، حيث كان كل امرأة لكل رجل وكل رجل لكل امرأة، أطوار تالية أتت بحالة من التنظيم الذي لا يأتي إلا بعد حالة من الفوضى وانعدام النظام، يأتي نظام رابطة الدم كشكل أول، في نطاق القبيلة كانت هناك ثلاث حلقات، حلقة الجدود والجدات وحلقة الآباء والأمهات وحلقة الأبناء والبنات، وكانت الخطوة الجيدة آنذاك هي تحريم العلاقة بين الآباء والأبناء، لكن تحريم العلاقة بين الأخوة والأخوات تأخر قليلاً عن الخطوة السابقة، بعد ذلك ظهرت العائلات بشكل أضيق، وبما انه في ظل الجماعات الزوجية الكبيرة لا يمكن معرفة الأب فقد كان الأولاد ينتسبون لأمهاتهم ويعرف كل واحد باسم أمه لا أبيه، وهذا ما أطلق عليه الباحثون اسم "حق الأم". وفي النهاية ظهر الشكل الرابع من أشكال العائلة وهو العائلة الثنائية المنتظمة، التي تكونت من خلال الشكل الأسبق، فكان لكل رجل زوجة رئيسية داخل مجموعة من الزوجات ( وقد استمرت هذه الفكرة طويلاً جداً، وبقيت ولكن بطريقة مختلفة قليلاً حتى الفترة التي سبقت الثورة الصناعية، فكرة السبايا والجواري وما ملكت اليمين في العهد الإسلامي على سبيل المثال) وفي النهاية تحولت هذه المساكنة إلى زواج ثنائي وعائلة صغيرة مؤلفة من زوجين وأبناءها المباشرين..وفي هذا الزواج كانت المرأة متميزة أيضاً، فكانت حرة في فصل الزواج متى شاءت، ويعود الأولاد إليها لا للزوج الذي يخرج من البيت صفر اليدين، وظل الأولاد ينسبون إلى أمهم وعشيرتها لا إلى أبيهم الذي كان يُنظر إليه دوماً كغريب.. وبالتالي وبناء على "حق الأم" كان الأولاد يرثون أمهم بينما كانت تركة الوالد تعود إلى أخوته وأقرباءه.. وعندما تغيرت الأوضاع اقتصادياً وزاد مركز الزوجة وثروتها ومكانتها في الجماعة، قام الذكور بالتفكير جدياً بقلب نظام الوراثة القديم لصالحهم ولصالح أولادهم، ونجحوا في القضاء على حق الأم وإحلال "حق الأب" وظهرت العائلة الأحادية التي تقوم على سلطة الأب وسيادته في المراحل الأخيرة التي سبقت ظهور المدن الأولى.. وهكذا كان إسقاط "حق الأم" هزيمة تاريخية وعالمية للجنس النسائي، بدأ تاريخ استذلال المرأة واستعبادها)
الجنس النسائي لم يهزم دون مقاومة، ورغم أن التاريخ لم يحفظ لنا آثار ونتائج الصراع المباشر بين الجنسين، إلا أن الأسطورة تستطيع أن تزودنا بهذه النقطة، ومن هذه الأساطير وأكثرها شهرة وهي أسطورة " النساء الأمازونيات"
فالأمازونيات وفق الرواية الإغريقية كن قبيلة من النساء المحاربات، أتين من شواطئ البحر الأسود وسكن على أطراف بلاد الإغريق، وأسسن مجموعة من المدن التي تحكمها ملكة، وتتعبد للآلهة "ارتيميس" وبسبب عداوتهن للرجال كان مجتمع الأمازونيات وقفاً على النساء وحدهن، اللواتي إذا أردن الإنجاب يذهبن إلى بلاد مجاورة ويضاجعن الرجال ويعدن من حيث أتين. حتى إذا وضعت مواليدهن قتلن الذكور في المهد وابقين على الإناث، اللواتي يتم منذ الصغر تدريبهم على فنون الحرب وكره الرجال، ويقال أنهن كن يقطعن النهد الأيمن في صدورهن ليستطعن استعمال القوس بسهولة..ودعي أكثر من بطل أسطوري إغريقي لقتالهن والقضاء على ملكتهن مثل هرقل وثيسيوس..
إن كثيراً من أساطير الشعوب تحتوي عناصر تاريخية واضحة تشير إلى الانقلاب الذكري وإحلال حق الأب محل الأم وهنا سنذكر أسطورة إغريقية أخرى حول أصل مدينة أثينا..
في صباح احد الأيام وقبل أن يطلق على مدينة أثينا اسمها المعروف – - أفاق أهل المدينة على حادث عجيب، فمن باطن الأرض نبتت في ليلة واحدة شجرة زيتون ضخمة لم يروا شبيهاً لها من قبل - وعلى مقربة منها انبثق من جوف الأرض نبع ماء غزير لم يكن موجوداً من قبل أيضاً، وقد أدرك الناس أن وراء ذلك سراً إلهياً ورسالة تأتي من الغيب، فأرسل الملك إلى معبد (دلفي) يستطلع عرافته ويطلب منها تفسيراً، فجاءه الجواب أن شجرة الزيتون هي الآلهة أثينا – - وأن نبعة الماء هي الإله (بوسيدون) وان الإلهين يخبران أهل المدينة أي من الاسمين يطلقون على مدينتهم، عند ذلك جمع الملك كل السكان واستفتاهم في الأمر، فصوتت النساء إلى جانب أثينا وصوت الرجال إلى جانب بوسيدون، ولما كان عدد النساء أكبر من عدد الرجال كانت الغلبة لهن، وتم إطلاق اسم الآلهة أثينا على المدينة، وهنا غضب بوسيدون فأرسل مياهه المالحة العاتية فغطت أراضي أثينا وتراجعت تاركة أملاحها التي حالت دون زراعة التربة وجني المحصول، ولتهدئة خواطر الإله الغاضب، فرض الرجال على النساء ثلاث عقوبات: اولأ لن يتمتعن بحق التصويت العام بعد اليوم، ثانياً لن ينسب الأولاد إلى أمهاتهم بعد اليوم بل لآبائهم، وثالثاً لن تحمل النساء لقب الأثينيات ويبقى ذلك وقفاً على الرجال..
يقول السواح" أن أي نص تاريخي موثوق صحيح الإسناد وفق المنهج التاريخي الصارم، لا يمكن أن يحمل من صدق الخبر ما تحمله هذه الأسطورة التي تؤرخ فعلاً لانتزاع حقوق المرأة المدنية والسياسية والاجتماعية عند جذور التاريخ الإغريقي"
سأختم هذا الجزء الشيق فعلاً والطويل بمقارنة بين وضع المرأة تاريخياً من خلال صكوك الزواج.
في أحد صكوك الزواج الذي يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، يقول الزوج موجهاً كلامه إلى سيدة المستقبل
منذ اليوم، أقر لك بجميع الحقوق الزوجية، ومنذ اليوم لن أفوه لك بكلمة تعارض هذه الحقوق، لن أقول أمام الناس بأنك زوجة لي، بل سأقول بأني زوج لك، منذ اليوم لن أعارض لك رأياً، وتكونين حرة في غدوك ورواحك دون ممانعة مني، كل ممتلكات بيتك لك وحدك، وكل ما يأتيني أضعه بين يديك.. >>
وبعد ألفي عام من هذا الصك، نجد المرأة في صك آخر يعود تاريخه إلى الفترة البطلمية
تقول لزوج المستقبل إذا تركتك في المستقبل لكرهي لك أو لمحبتي لرجل آخر، فإنني أتعهد أن أدفع لك مكيالين ونصف من الفضة وأعيد لك هدايا الزواج...
وهكذا نرى التطور التاريخي للمرأة ...وبداية العصر الذكوري الذي لازال للأن .
ولي عودة للنقاش ولوضع الجزء الثاني من هذه الدراسة
تحياتي للجميع ...
منقول ،،،
هذه الدراسة لفتت انتباهي بأهميتها فارتأيت ان أنقلها لكم لنستفيد منها جميعا .
سأخوض الموضوع من ناحية تاريخية/ أسطورية.. فهي أجمل من الواقع.. وتعطينا فكرة واضحة عن التغييرات التي حدثت منذ 100.000 سنة ق.م وحتى هذه اللحظة... ولنعتبر هذه المادة حلقة أولى..
سأقدم الشكر في البداية للمفكر العربي السوري/ فراس السواح على دراسته الرائعة في المرأة باسم " لغز عشتار، الالوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة" والحقيقة أن هناك جزء كبير مما قيل هنا مقتبس من هذه الدراسة الضخمة.. بل إن الدراسة هنا ما هي إلا تصغير للدراسة الأضخم لغز عشتار التي تشكل تلخيصاً واقعياً حول المرأة قديماً..
اسمحوا لي أولاً بتحديد الخطوط العريضة لهذه الدراسة.. كي نكون أكثر تركيزاً في حديثنا المتشابك..
- الأنثى/ الأسطورة
المجتمع الأمومي§
الأم الكبرى§
أنثى§ الديانات
تقديـــم
[ أنا أم الأشياء جميعاً، سيدة العناصر وبادئة العوالم، حاكمة ما في السماوات من فوق وما في الجحيم من تحت، مركز القوة الربانية، أنا الحقيقة الكامنة وراء الآلهة والالهات، عندي يجتمعون في شكل واحد وهيئة واحدة، بيدي أقدر أجرام السماء وريح البحر وصمت الجحيم. يعبدني العالم بطرق شتى وتحت أسماء شتى، أما اسمي الحقيقي فهو (إيزيس) به توجهوا إليّ بالدعاء ]
إيزيس تتحدث عن نفسها..
من أحد النصوص في الفترة الرومانية..
الحلقة الأولى: الأنثى/ الأسطورة
§ المجتمع الأمومي
أخيراً بدأت الحضارة، انفصل الإنسان عن المملكة الحيوانية محاولاً إثبات وجوده - كجنس مميز له وضعيته المستقلة - دون أن يدري.. إذ أن مرحلة الوعي لم تكن في كامل نضجها تلك الفترة..
هناك أربع تحولات أساسية في التاريخ الإنساني.. كل منها أعطى للحضارة جزءاً ضخماً ونقلها من منطقة إلى أخرى.. باختصار شديد هناك..
1. العصر البليستوسيني الأعلى... ( امتد من عام 100.000 ق.م وحتى 10.000 ق.م) وفي هذا العصر بدأ الإنسان يحس بانفصاله الفعلي عن الحيوان وبدأ يدرك إمكانيات البيئة من حوله... (يطلق على هذه الفترة الممتدة عبر 90.000 سنة بالثقافة الباليوتية Paleolithic أي ثقافة العصر الحجري المعروف.
2. أواخر الألف التاسع وأوائل الألف الثامن قبل الميلاد وذلك عندما بدأت ثلاث عوامل جديدة بالظهور...
أ. الاستقرار في الأرض وبناء المستوطنات الثابتة
ب.اكتشاف الزراعة والبداية المنظمة لإنتاج الغذاء
ج. تدجين الماشية
وقد أحدث هذا التحول تغيراً كبيراً في التاريخ البشري وأعطاها الدفعة الأولى للبدء ببناء الحضارة... أطلق على هذا التحول الهام اسم "الثورة النيوليتية" والتي فتحت الطريق لثقافة العصر النيوليتي Neolithic والذي امتد بين 8500 ق.م وحتى 4500 ق.م وانتهى بظهور أول المدن في تاريخ البشرية.
3. إنشاء المدن الأولى في وادي الرافدين، بتنظيماتها المدنية والاجتماعية والسياسية... وهو التحول الذي أطلق عليه اسم “الثورة المدنية" والذي كان بداية لعصرنا هذا.
4. اقرب التحولات إلينا وأكثرها أهمية وهو التحول المعروف باسم "الثورة الصناعية" في القرن التاسع عشر، والذي أحدث انقلاباً جذريا في شكل العالم ومضمونه...
كلام طويل ومتعب... لا بأس... كان من الضروري الحديث عن هذه النقطة قبل البدء في التشريح الفعلي لتاريخ المجتمع الأمومي..
كان الاعتقاد سائداً حتى فترة قريبة أن العائلة بشكلها الأبوي/ الذكوري - القائم اليوم - قديمة قدم المجتمع الإنساني، إلا أن هذه النظرية قد تهاوت أمام النقد العلمي الذي بحث بتوسع في الانطولوجيا (علم الوجود) والانتروبولوجيا ( علم الإنسان) والميثولوجيا ( علم الأساطير).. هذه الدراسات تقدم الأدلة الكافية على وجود شكل أقدم من الشكل الحالي الذكوري الذي لا يقوم على فيم الذكورة وسلطة الأب بل على قيم الأنوثة ومكانة الأم.. إن التجمع البشري الأول لم يكن بقيادة الرجل المحارب الصياد، بل تبلور بشكل تلقائي حول الأم، هذا الكيان الذي يحتوي على العاطفة الأصلية الوحيدة، عاطفة ألام نحو أولادها، هذه العاطفة التي يأتي كل ما عداها بالاكتساب والتعلم، المبدأ الأمومي الذي يجمع ويوحد أمام المبدأ الأبوي الذي يفرق ويضع الحواجز والحدود، المبدأ الامومي بمفاهيم المشاعة والعدالة والمساواة أمام المبدأ الأبوي الذي يعتبر مبدأ تملك وتسلط وتمييز.. الامومية توحد مع الطبيعة وخضوع لقوانينها، الأبوية خروج عن مسارها وخضوع لقوانين مصنوعة)
في المجتمع الأمومي، اسلم الرجل القيادة للمرأة لا لتوافقها الجسدي بل لتقدير أصيل لخصائصها الإنسانية وقواها الروحية وقدراتها الخلاقة وإيقاع جسدها المتناغم مع إيقاع الطبيعة.. فبالإضافة إلى عجائب جسدها الذي بدأ للإنسان القديم مرتبطاً بالقدرة الإلهية، كانت بشفافية روحها اقدر على التوسط بين عالم البشر والآلهة.. فكانت الكاهنة الأولى والعرافة والساحرة الأولى، وبهذه الأسلحة مضى الجنس الأضعف جسدياً وتبوأ عرش الجماعات الإنسانية دينياً وسياسياً واجتماعياً.. وكان للمرأة الدور الاقتصادي الأكبر، فهي المنتج الأول، والمسئولة عن حياة الأطفال وتأمين سبل عيشهم، وكانت مسئولة عن تحضير جلود الحيوانات وتحويلها إلى ملابس وكانت النساجة الأولى والخياطة، وأول من صنع الأواني الفخارية، وبسبب قضائها وقتاً طويلاً في البحث عن الجذور والأعشاب الصالحة للأكل تعلمت خصائص الأعشاب السحرية في شفاء الأمراض، فكانت الطبيبة الأولى، وكانت من يبني البيت ويصنع أثاثه، وكانت من تقايض بمنتجاتها منتجات الآخرين، ومن وجود شعلة النار المقدسة في معابد الحضارات المتأخرة، وقيام عذراوات المعبد بحراستها والإبقاء عليها مشتعلة، نستنتج أن شعلة النار الأولى قد أوقدتها امرأة وكانت أول حارس حافظ على أسرارها، وأخيراً توجت المرأة دورها الاقتصادي الكبير باكتشاف الزراعة ونقل الإنسان من مجتمع الصيد إلى مجتمع منتج للغذاء.. كل هذا بينما الرجل في مكانه التقليدي في الصيد والبحث عن الطرائد الكبيرة..
من الجدير بالذكر أن دور الرجل خلال المجتمع الأمومي المشاعي لم يكن دور التابع، وذلك أن الرجل قد أعطى المرأة مكانها احتراماً وتقديراً لا خضوعاً.. ورجال العصر الامومي كانوا أكثر عزة وأنفة وفروسية من رجال العصرا لبطريركي، يأتي أرسطو ليؤكد على ذلك في كتابه السياسة فيشمل هذه الظاهرة عندما يقول أن اغلب الشعوب العسكرية الميالة إلى القتال هي شعوب منقادة إلى النساء، وهذا لم يأت من فراغ فالمرأة رغم طبيعتها المسالمة، تسلك سلوك اللبوة الكاسرة إذا تعرض أشبالها للخطر.
مر المجتمع الأمومي عبر تاريخه الطويل بمراحل متعددة انتهت باستلام الرجل القيادة مؤسساً المجتمع الذكوري البطريركي.. لكي نستطيع تتبع هذه المراحل سنتتبع أشكال العائلة الامومية ونمط العلاقة الجنسية القائم بين المرأة والرجل في كل شكل.. في البدايات السحيقة للتجمعات البشرية كانت العلاقة حرة تماماً دون ضابط أو قانون، حيث كان كل امرأة لكل رجل وكل رجل لكل امرأة، أطوار تالية أتت بحالة من التنظيم الذي لا يأتي إلا بعد حالة من الفوضى وانعدام النظام، يأتي نظام رابطة الدم كشكل أول، في نطاق القبيلة كانت هناك ثلاث حلقات، حلقة الجدود والجدات وحلقة الآباء والأمهات وحلقة الأبناء والبنات، وكانت الخطوة الجيدة آنذاك هي تحريم العلاقة بين الآباء والأبناء، لكن تحريم العلاقة بين الأخوة والأخوات تأخر قليلاً عن الخطوة السابقة، بعد ذلك ظهرت العائلات بشكل أضيق، وبما انه في ظل الجماعات الزوجية الكبيرة لا يمكن معرفة الأب فقد كان الأولاد ينتسبون لأمهاتهم ويعرف كل واحد باسم أمه لا أبيه، وهذا ما أطلق عليه الباحثون اسم "حق الأم". وفي النهاية ظهر الشكل الرابع من أشكال العائلة وهو العائلة الثنائية المنتظمة، التي تكونت من خلال الشكل الأسبق، فكان لكل رجل زوجة رئيسية داخل مجموعة من الزوجات ( وقد استمرت هذه الفكرة طويلاً جداً، وبقيت ولكن بطريقة مختلفة قليلاً حتى الفترة التي سبقت الثورة الصناعية، فكرة السبايا والجواري وما ملكت اليمين في العهد الإسلامي على سبيل المثال) وفي النهاية تحولت هذه المساكنة إلى زواج ثنائي وعائلة صغيرة مؤلفة من زوجين وأبناءها المباشرين..وفي هذا الزواج كانت المرأة متميزة أيضاً، فكانت حرة في فصل الزواج متى شاءت، ويعود الأولاد إليها لا للزوج الذي يخرج من البيت صفر اليدين، وظل الأولاد ينسبون إلى أمهم وعشيرتها لا إلى أبيهم الذي كان يُنظر إليه دوماً كغريب.. وبالتالي وبناء على "حق الأم" كان الأولاد يرثون أمهم بينما كانت تركة الوالد تعود إلى أخوته وأقرباءه.. وعندما تغيرت الأوضاع اقتصادياً وزاد مركز الزوجة وثروتها ومكانتها في الجماعة، قام الذكور بالتفكير جدياً بقلب نظام الوراثة القديم لصالحهم ولصالح أولادهم، ونجحوا في القضاء على حق الأم وإحلال "حق الأب" وظهرت العائلة الأحادية التي تقوم على سلطة الأب وسيادته في المراحل الأخيرة التي سبقت ظهور المدن الأولى.. وهكذا كان إسقاط "حق الأم" هزيمة تاريخية وعالمية للجنس النسائي، بدأ تاريخ استذلال المرأة واستعبادها)
الجنس النسائي لم يهزم دون مقاومة، ورغم أن التاريخ لم يحفظ لنا آثار ونتائج الصراع المباشر بين الجنسين، إلا أن الأسطورة تستطيع أن تزودنا بهذه النقطة، ومن هذه الأساطير وأكثرها شهرة وهي أسطورة " النساء الأمازونيات"
فالأمازونيات وفق الرواية الإغريقية كن قبيلة من النساء المحاربات، أتين من شواطئ البحر الأسود وسكن على أطراف بلاد الإغريق، وأسسن مجموعة من المدن التي تحكمها ملكة، وتتعبد للآلهة "ارتيميس" وبسبب عداوتهن للرجال كان مجتمع الأمازونيات وقفاً على النساء وحدهن، اللواتي إذا أردن الإنجاب يذهبن إلى بلاد مجاورة ويضاجعن الرجال ويعدن من حيث أتين. حتى إذا وضعت مواليدهن قتلن الذكور في المهد وابقين على الإناث، اللواتي يتم منذ الصغر تدريبهم على فنون الحرب وكره الرجال، ويقال أنهن كن يقطعن النهد الأيمن في صدورهن ليستطعن استعمال القوس بسهولة..ودعي أكثر من بطل أسطوري إغريقي لقتالهن والقضاء على ملكتهن مثل هرقل وثيسيوس..
إن كثيراً من أساطير الشعوب تحتوي عناصر تاريخية واضحة تشير إلى الانقلاب الذكري وإحلال حق الأب محل الأم وهنا سنذكر أسطورة إغريقية أخرى حول أصل مدينة أثينا..
في صباح احد الأيام وقبل أن يطلق على مدينة أثينا اسمها المعروف – - أفاق أهل المدينة على حادث عجيب، فمن باطن الأرض نبتت في ليلة واحدة شجرة زيتون ضخمة لم يروا شبيهاً لها من قبل - وعلى مقربة منها انبثق من جوف الأرض نبع ماء غزير لم يكن موجوداً من قبل أيضاً، وقد أدرك الناس أن وراء ذلك سراً إلهياً ورسالة تأتي من الغيب، فأرسل الملك إلى معبد (دلفي) يستطلع عرافته ويطلب منها تفسيراً، فجاءه الجواب أن شجرة الزيتون هي الآلهة أثينا – - وأن نبعة الماء هي الإله (بوسيدون) وان الإلهين يخبران أهل المدينة أي من الاسمين يطلقون على مدينتهم، عند ذلك جمع الملك كل السكان واستفتاهم في الأمر، فصوتت النساء إلى جانب أثينا وصوت الرجال إلى جانب بوسيدون، ولما كان عدد النساء أكبر من عدد الرجال كانت الغلبة لهن، وتم إطلاق اسم الآلهة أثينا على المدينة، وهنا غضب بوسيدون فأرسل مياهه المالحة العاتية فغطت أراضي أثينا وتراجعت تاركة أملاحها التي حالت دون زراعة التربة وجني المحصول، ولتهدئة خواطر الإله الغاضب، فرض الرجال على النساء ثلاث عقوبات: اولأ لن يتمتعن بحق التصويت العام بعد اليوم، ثانياً لن ينسب الأولاد إلى أمهاتهم بعد اليوم بل لآبائهم، وثالثاً لن تحمل النساء لقب الأثينيات ويبقى ذلك وقفاً على الرجال..
يقول السواح" أن أي نص تاريخي موثوق صحيح الإسناد وفق المنهج التاريخي الصارم، لا يمكن أن يحمل من صدق الخبر ما تحمله هذه الأسطورة التي تؤرخ فعلاً لانتزاع حقوق المرأة المدنية والسياسية والاجتماعية عند جذور التاريخ الإغريقي"
سأختم هذا الجزء الشيق فعلاً والطويل بمقارنة بين وضع المرأة تاريخياً من خلال صكوك الزواج.
في أحد صكوك الزواج الذي يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، يقول الزوج موجهاً كلامه إلى سيدة المستقبل
منذ اليوم، أقر لك بجميع الحقوق الزوجية، ومنذ اليوم لن أفوه لك بكلمة تعارض هذه الحقوق، لن أقول أمام الناس بأنك زوجة لي، بل سأقول بأني زوج لك، منذ اليوم لن أعارض لك رأياً، وتكونين حرة في غدوك ورواحك دون ممانعة مني، كل ممتلكات بيتك لك وحدك، وكل ما يأتيني أضعه بين يديك.. >>
وبعد ألفي عام من هذا الصك، نجد المرأة في صك آخر يعود تاريخه إلى الفترة البطلمية
تقول لزوج المستقبل إذا تركتك في المستقبل لكرهي لك أو لمحبتي لرجل آخر، فإنني أتعهد أن أدفع لك مكيالين ونصف من الفضة وأعيد لك هدايا الزواج...
وهكذا نرى التطور التاريخي للمرأة ...وبداية العصر الذكوري الذي لازال للأن .
ولي عودة للنقاش ولوضع الجزء الثاني من هذه الدراسة
تحياتي للجميع ...
منقول ،،،