مشاهدة النسخة كاملة : دراسات واراء بتاريخنا ....
بثينه عبدالعزيز
04-12-2009, 11:35 AM
إعادة ترتيب التاريخ الإسلامي
المستشار محمد سعيد العشماوي
جرى العرف على تقسيم التاريخ الإسلامي إلى ست مراحل:
1.. فهو يبدأ بعهد النبي (صلى الله عليه وسلم) من 610 إلى 632م.
2.. ويلي ذلك عصر الخلافة الراشدة من 634 إلى 660م، (10 – 41 هـ).
3.. ويتبع ذلك عصر الخلافة الأموية من 661 إلى 745م، (41 – 127 هـ).
4.. ويتبع ذلك عصر الخلافة العباسية من 750 إلى 1516م، (132 – 922 هـ).
5.. وخلال هذه الخلافة قامت الخلافة الفاطمية، التي حكمت مصر والشام أساسا من 909 – 1160م (793 – 555 هـ).
6.. وانتهى الأمر إلى السلطنة العثمانية التي كانت قد بدأت 1281م واستمرت حتى 1517م (680 – 918 هـ)، وهى سلطنة عادية، ثم شرعت تدعى أنها السلطنة الإسلامية، التي ورثت الخلافة من 1517 – 1924م (927 – 1343 هـ).
غير أن هذا التقسيم فيه كثير من العمومية والإبهام والإضغام، مما أدى إلى التعميم والتخليط والتفريط في فهم التاريخ الإسلامي، سواء لدى الفرد العادي أم لدى الكُتاب والدارسين.
وفى سبيل تقديم إيضاح أوفى فقد كنا قد نشرنا في إحدى المجلات المصرية مقالة عنوانها (الأمة والدولة في المفهوم الإسلامي)، ثم نُشرت هذه المقالة مع مقالات أخرى في الكتاب الذي صدر عن سلسلة (اقرأ) وعنوانه (من وحى القلم).
وفى هذه المقالة قدمنا تفصيلا أكثر لعدد الإمارات أو السلطنات أو الدول (تجاوزا) التي حكمت مدى التاريخ الإسلامي، لكنا في هذه الدراسة نعيد ترتيب عصور الخلافة الإسلامية، فيما بعد عهد النبي وعصر الخلفاء الراشدين، على نحو آخر، لعله أجدى وأفيد وأنفع في بيان خفايا التاريخ وعناصر حركته وعوامل مده وجزره، أو ارتفاعه وانهياره.
(1) العصر الأموي: ويتضمن حكم معاوية ابن أبى سفيان ثم يزيد ابن معاوية ثم معاوية ابن يزيد (166_683 م)، 41 _ 64 هـ.
(2) العصر المروانى، ويبدأ بمروان ابن الحكم وينتهي بمروان ابن محمد (683_ 745 م)، 64 _127 هـ
(3) العصر العباسي الأول، ويبدأ من قيام الخلافة العباسية إلى سيطرة الترك على الحكم (750_ 842 م)، (132 _ 232 هـ)، ويمكن أن يسمى بالعصر الفارسي الأول.
(4) العصر العباسي الثاني، ويبدأ بخلافة المتوكل على الله العباسي وينتهي بظهور الدولة البويهية (847 _ 944 م)، (232 _ 334 هـ)، ويمكن أن يسمى بالعصر التركي الأول.
(5) العصر العباسي الثالث، ويبدأ باستقرار الدولة البويهية وينتهي بدخول السلاجقة إلى بغداد 946 _ 1055 م، (334 _ 447 هـ)، ويمكن أن يسمى بالعصر الفارسي الثاني.
(6) العصر العباسي الرابع، ويبدأ بدخول السلاجقة إلى بغداد وينتهي بدخول المغول إليها (1055 _ 1256 م)، (447 _ 656 هـ) ويمكن أن يسمى بالعصر التركي الثاني.
هذا بالإضافة إلى الخلافة الفاطمية، وهى من البربر والصقليين، والسلطنة العثمانية وهى من الترك.
كان أهم فرعين في قبيلة قريش، هم الأمويون بزعامة أبى سفيان ابن حرب والهاشميون بزعامة العباس عم النبي (صلعم)، وكان الفرع الأموي أكثر ثراء وأشد دهاء. وقد سكت هذا الفرع، وهو يتربص للحكم والسلطان، مدى وجود النبي (خاصة وأن أبا سفيان لم يسلم إلا عند فتح مكة سنة 8 هـ)، وخلال خلافة أبى أبكر وعمر ابن الخطاب، فلما وُلى عثمان ابن عفان الخلافة، طابت لهم الحال واستوى فيهم الأمر، فبدءوا يظهرون على الجميع ويسيئون استغلال السلطة والاستيلاء على أموال المسلمين، وقد استسلم عثمان لمروان ابن الحكم فكان أكبر مستشاريه، خاصة وقد زوجه عثمان ابنته وجعل له خمس غنائم أفريقية.
وبسبب جنوح عثمان ابن عفان إلى عشيرته من الأمويين (ولأسباب أخرى) فقد ثار عليه الثوار وقتلوه، وبويع لعلى ابن أبى طالب بالخلافة، ووقعت أحداث الفتنة الكبرى، إلى أن قُتل على ابن أبى طالب، فبدأت الكفة تميل تمام لصالح الأمويين، حتى بويع معاوية بالخلافة (41 هـ).
وفى عصر ما قبل الإسلام، المسمى بالعصر الجاهلي، كانت العصبية تضرب بين القبائل بسبب الأنساب، التي تعود إلى القبيلة والعشيرة والبطن فيها والفرع منها، وهكذا، وعمل الإسلام على إنشاء أمة (جماعة) من المؤمنين تربطهم ببعضهم البعض وشيجة الإيمان التي أذابت بحرارتها عرى القبليّة وقطعت حبالها، فلما بدأ العصر الأموي حدث انقلاب جذري في الإسلام، مفهوما ومضمونا، نظاما وتطبيقا، فقد كانت الخلافة من قبله مدنية تصدر عن المسلمين، ثم صارت من بعده مُلكا عضودا وقيصرية في الواقع والحقيقة، وكان الحكم شورى فأصبح غلبة وإرثا، وكان المال مال المسلمين فغدا مال الخليفة، يأخُذ منه ما يشاء ويعطى ما فضل عنه، فضلا منه على الناس.
ومع هذا الاستبداد مع المسلمين، فقد تعصب الأمويون للعرب واختصوا أنفسهم بالخير وظلت خشونة البادية ظاهرة على حكمهم غالبة في سياستهم، مما أثار عوامل الحسد في نفوس القبائل المسلمة التي كانت ذات شأن في الجاهلية وصدمها أن ذهب شأنها وضاع فضلها في هذا الجو القبلي البغيض، فانقسم المسلمون إلى جانب يضم المهاجرين من قريش، وقبائل كنانة وثقيف وهذيل، وأهل مكة والمدينة، وجانب يضم قبائل بكر ابن وائل وعبد القيس من ربيعة، وكندة والأزد من اليمن، وتميم وقيس من مصر. فكان القرشيون، وبالأحرى، الأمويون يترفعون ويتسيدون على غيرهم، ومعهم من ظاهرهم، بينما يبغض الجانب الآخر من القرشيين ومظاهريهم. ومع الوقت تحول الصراع إلى نزاع وحروب بين اليمنية القحطانية (العرب العاربة)، وبين العدنانيين النزاريين (العرب المستعربة)، وظل هذا الصراع يحكم التاريخ الإسلامي، مدى طويلا، في الشام والعراق ومصر وخراسان وأفريقيا والأندلس.
وإذ كان معاوية، مؤسس الخلافة الأموية خبيثا داهية، فقد عمد لتثبيت ملكه، وتحويله إلى الإرث، إلى أن يصانع الكثيرين ويتألفهم بالمال، حتى آل الملك إلى المروانية، مروان ابن محمد ثم عبد الملك ابن مروان ثم الوليد فسليمان، فإذا النزعة القبلية والنعرة العصبية تعلو بشدة وتحكم بقوة وتعمل بسفور، مما دعا الجاحظ _ فيما بعد أن يصف هذه الخلافة بأنها عربية أعرابية،والأعراب _ كما جاء في القرآن ((أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله))، سورة التوبة 9 : 97 ذلك أن الأعراب أجلاف، يعرفون الإسلام على حرف، ويطبقون تعاليمه بسطحية وتأويل يناسب أغراضهم ولا يلتزم القصد الحقيقي أو الجوهر الصحيح. في هذا المناخ القبلي الوخيم رأت العرب أن الإسلام دين خاص بها هي، تستند في ذلك إلى آيات من القرآن ((إنا أنزلناه قرآنا عربيا)) سورة يوسف 12: 2، ((وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم)) سورة إبراهيم 14: 4، ((نزله الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين)).. ((ولو أنزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به بمؤمنين)) سورة الشعراء 26: 196 _ 198. ونتيجة لذلك فإنهم كانوا يفرضون الجزية على أي بلد (مدينة أو قرية) يغزونها دون أن يعرضوا الإسلام على أهله، ما داموا من غير العرب، ويكفى للتدليل على ذلك تقديم مثلين، يغنيان عن كثير: _
(أ) فيما يسمى بوقعة الولجة ببلاد فارس فقد قام خالد ابن الوليد - في الناس الذين جاءوا معه - خطيبا يرغبهم في بلاد العجم ويزهدهم في بلاد العرب، وقال : ألا ترون إلى الطعام..وباالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش، لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولى الجوع والإقلال.. وسار خالد في الفلاحين بسيرته فلم يقتلهم (حتى يظلوا في فلاحة الأرض) وسبى ذرارى (أولاد) المقاتلين ومن أعانهم، ودعا أهل الأرض إلى الجزية وأن يصيروا من أهل الذمة (رغم أنهم ليسوا من أهل الكتاب)، (تاريخ الطبري) _ الجزء الثالث _ طبعة دار المعارف _ ص 354).
(ب) كتب معاوية إلى عمر ابن الخطاب يرغّبه في ركوب المسلمين البحر لغزو قبرص، وهو يقول في ذلك (إن بالشام قرية يسمع أهلها نباح كلاب الروم وصياح ديوكهم) يقصد بذلك قبرص (مع انها تبعد عن الشام كثيرا فلا يمكن أن يسمع من بالشام نباح كلابها وصياح ديوكها). ورفض عمر أن يركب المسلمون البحر، غير أن معاوية غزا قبرص في عهد عثمان، ثم صالح أهلها على جزية قدرها سبعة آلاف دينار يؤدونها إلى المسلمين كل سنة، دون أن يعرض عليهم الإسلام (المرجع السابق _ الجزء الرابع _ ص 262).
ومع ذلك فإن أعدادا غفيرة من غير العرب شرعت تدخل في الإسلام لأسباب مختلفة، وأنفت العرب أن يتساوى هؤلاء بهم فسموهم الموالي، واشترطوا على كل منهم أن يتخذ له من العرب وليا له، يكون من حقه التصرف في كل شئونه، وكانت الجزية ترفع عمن يسلم من هؤلاء الموالى، حتى هال بعض الحكام دخول الناس في الإسلام فرارا من الجزية (التي كانت مع قلة مبلغها تفيد معنى الذل والمهانة عند من يُجبرَون على دفعها)، وكتب عمال الحجاج ابن يوسف الثقفي أشهر ولاة عبد الملك ابن مروان، والمروانية عموما يقولون له (إن الخراج قد انكسر، وأن أهل الذمة قد أسلموا، ولحقوا بالأمصار) فأمر الحجاج بأن تؤخذ منهم الجزية مع إسلامهم (ابن الأثير، جزء 4، ص 179).
وعندما وُلى عمر ابن عبد العزيز أمر الخلافة (717 _ 719 م، 99 _ 101 هـ) أسقط الجزية عن المسلمين من غير العرب، وقال في ذلك (إن محمدا قد أرسل هاديا ولم يرسل جابيا)، غير أن العرب لم تقبل صلح عمر ابن عبد العزيز (وهو حفيد عمر ابن الخطاب) ولم ترتض فهمه للإسلام على أنه عقيدة وشريعة وليس جزية واستعبادا، ومن ثم فقد دسوا السم للخليفة عمر ابن عبد العزيز، فمات ولم يحكم إلا عاما واحدا وتسعة أشهر، وبعد وفاة عمر أُعيد فرض الجزية على المسلمين من غير العرب.
مفاد ذلك أنه وإن كانت الفترة الأموية _ بالنهج الذي اتبعناه _ فيها تعصب للعرب عامة، وللعدنانيين خاصة، ولقريش بصفة أخص، وللأمويين بما هو أخص الأخص، فإن الفترة المروانية أضافت إلى عصبية المروانيين ونعرتهم الاستعلائية اضطهادا لغير العرب، حتى وإن أسلموا، ففرضت عليهم الجزية، بما في ذلك من معاني التبعية والعبودية والإذلال، حتى من مسلم لمسلم.
أدت العصبية العربية إلى عصبية الموالى، والفرس خاصة، وغلبت القوميات (وهى العنصرية بالمفهوم المعاصر) روح الدين السمحة الإنسانية، واستغل الهاشميون، من عباسيين وعلويين، غضب الفرس من العرب ورغبتهم في خلع نيرهم، فاستثاروهم حتى استطاعوا بقيادة أبى مسلم الخراساني (الفارسي)، القضاء على الحكم المروانى وإحلال الحكم العباسي بدلا منه، وكان هذا الحكم مختلفا عن الحكم الأموي والحكم المروانى، اختلافا بينا.
فينما كانت الخلافة الأموية، بعصريها،، عربية، أعرابية (بدوية) فقد صارت الخلافة العباسية فارسية أممية، وفى حين كانت عاصمة الخلافة الأموية المروانية في دمشق على حدود بادية العرب، وكان الخلفاء عرب الآباء والأمهات، وكان القادة والولاة والجنود والقضاة والكتاب ورجال الحكم عربا، فإن العباسيين اتخذوا الوزراء والقواد والولاة من الفرس غالبا واتخذوا بغداد عاصمة لهم، وهى على حدود بلاد فارس، وفتحت البلاد أبوابها للناس جميعا فتقاطر إليها، وأقام فيها، جمع كثير من مختلف الجنسيات والشرائع، فصارت بغداد بهذه الروح، وذلك العمران بؤرة العلم ومجمع العلماء ومركز التسامح، وانتقلت هذه الحال إلى كثير من الحواضر الإسلامية كالفسطاط ودمشق وقرطبة، والقيروان وغيرها، فأدت إلى ظهور واستقرار الحضارة الإسلامية.
كان من نتائج هذا الانقلاب أن الموالى، أي المسلمين غير العرب صاروا محور الحكم وأساس النهضة، فبعد أن كان الأمويون يزرون عليهم، قربهم العباسيون، وفيهم الخراسانيون الذين نصروهم في تقويض الحكم المروانى وتأسيس خلافتهم، وقدموا سائر الموالى واستخدموهم في أمور الحكم، وكان من أشهر الحكام الفرس آل برمك وآل الفضل، وبادل الموالى هذا التسامح معهم بتسامح آخر من جانبهم، ذلك أنه مع بقاء الفرس عامة على لسانهم الفارسي حتى اليوم، فإن من عاش منهم في بغداد وفى كنف العباسيين، وفى ظلال الحكم غير لسانه وبدل إسمه، فصارت لغتهم هي العربية وصارت أسماؤهم عربية كذلك، حتى إنه ليصعب على غير الدارس أن يميز الفارسي من العربي، حين يسمع عنه أو يقرأ له، وخاصة في وقتنا الحالي.
وكان من دواعي ابتداء النهضة، وإنشاء الحضارة، نقل العلوم والفنون والآداب اليونانية والفارسية والهندية، والكلدانية والنبطية والبابلية والمصرية وغيرها إلى العربية، وساهم الجميع في وضع أسس الحضارة ورفع ألوية التمدن.
فمن الموالى (الفرس) في الشعر، بشار ابن برد والحسن ابن هاني (أبو نُوَاس)، وإسماعيل ابن القاسم ابن سويد (أبو العتاهية) والحسين ابن الضحاك. ومنهم في علم النحو سيبويه (أبو بشر عمرو ابن عثمان) والكسائى (على ابن حمزة) والفرَاء (أبو زكريا يحيى ابن زياد الديلمى) وابن السكيت (أبو يوسف يعقوب ابن إسحاق).
وفى الآداب عبدالله ابن المقفع (مترجم كتاب كليلة ودمنة) وسهل ابن هارون (الذي كان الجاحظ يأتم به).
وفى الفقه أبو حنيفة (النعمان ابن ثابت).
وفى الحديث ابن جريح وسفيان ابن عيينه، والواقدى وابن نافع الصنعانى، وفى التاريخ الواقدى (أبو عبدالله محمد ابن عمر ابن واقد) ومحمد ابن إسحاق.
أدت غلبة الفرس في العصر العباسي الأول، وخاصة في شئون الحكم والسياسة، إلى أن يُطبقوا على كل شيء ويحكموا قبضتهم على الناس والمال، حتى قيل إن هارون الرشيد كان يطلب المال (أو الشىء) فلا يحصل عليه بسهولة نتيجة شدة قبضة البرامكة (وزرائه) على أزمّة الأمور وخزائن المال، مما كان أحد الأسباب التي أدت به إلى نكبتهم، وتطرقت هذه النكبة إلى تحوط الخلفاء من الفرس وتخوف الفرس من الخلفاء. وفى عهد المعتصم الابن الثالث لهارون الرشيد والذي ولى الخلافة بعد الأمين والمأمون بدأ الاستغناء عن الفرس والاستكثار من الترك، الذين سرعان ما استبدوا بالحكم في عهد المتوكل، وانتهى الأمر بأن قتلوه.
بهذا بدأ العنصر التركي يظهر على مسرح السياسة في العالم الإسلامي، وظل عاملا فعالا شديد الفعالية، منذ هذا الوقت، وحتى مارس سنة 1924، الأمر الذي يقتضى بيانا علميا واضحا وافيا عن هؤلاء الترك.
الترك اصطلاح يطلق في معناه الواسع على الشعوب التي تتكلم اللغة التركية في تركيا وفى الجمهوريات التركستانية التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي، وفى تركستان الصينية، وشرق إيران.
وثم أكثر من نظرية عن المكان الذي بدأت فيه هذه الشعوب، فنظرية ترى أنهم بدؤوا من شمال كوريا وشمال الصين ثم اندفعوا إلى الغرب مع بقاء عناصر منهم حول المنطقة التي بدؤوا فيها، ونظرية أخرى ترى أنهم عاشوا أصلا في جنوب سيبريا وفى تركستان (منطقة وسط آسيا) ثم توسعوا في الانتشار جنوبا وغربا.
وهذه الشعوب (أو القبائل) هي التتار : وهى من أرومة (أصول مغولية)، ونظرا لأن لفظ التتار اكتسب في التراث البشرى معنى سيئا، يفيد القضاء على الزرع والضرع، مثلما يفعل الجراد، فقد حرص التتار على أن يُسموا أنفسهم الترك، نسبة إلى اللغة التي يتكلمونها، وحتى يخفوا حقيقة أمرهم كتتار، ومن ثم فقد قيل عنهم إنهم ترك، ومن هؤلاء التتار قبائل غزت آسيا الصغرى، وسموا أنفسهم العثمانيين، نسبة إلى قائدهم آنذاك عثمان ابن أرطغرل ابن سليمان شاه (1281 _ 1325 م). وفيما عدا تركيا، فإن التتار يتركزون في العصر الحالي، فيما يسمى تركستان الغربية، وتركستان الشرقية.
وتركستان الغربية تضم الجمهوريات التى استقلت حديثا عن الاتحاد السوفيتى، وصارت تكون ما يعرف بجمهوريات آسيا الوسطى وهى : تركمانستان، وأوزبكستان، وتادجكستان، وقرغيرستان، وقازاقستان.
أما تركستان الشرقية أو الصينية فهى مقاطعة سكيانج بالصين.
ومنطقة تركستان الغربية كانت على مر العصور، ومازلت معبرا يربط الشرق بالغرب، وطريقا سلكه كثير من الغزاة والشعوب والقبائل المهاجرة، وقد ظهر فيها البترول، مما يؤذن بأنها سوف تكون منطقة مهمة للغاية، وقد تلعب دورا ملحوظا في المستقبل العالمى.
التتار من ثم اسم عام يطلق على شعوب اكتسحت أجزاء من آسيا وأوربا بزعامة المغول (وهم أصول التتار) في القرن الثالث عشر، وقد استولت قبائل منهم على الروسيا، وظلت منطقة سيبيريا تعرف ببلاد التتار (ترتارى)، كما زحفوا على منطقة القرم، وهى شبة جزيرة على الساحل الشمالى للبحر الأسود وظلت هذه المنطقة تعرف ببلاد التتار الصغرى.
والمغول شعب أسيوى منتشر حالا (حاليا) في منغوليا وشرق منشوريا وغربها، وفى جنوب ووسط سيبيريا.
وقد ظهر المغول، على المسرح العالمى، وهم يقودون جحافل يشكل التتار القوة الأساسية منها، ويتزعمهم جنكيزخان (1167_ 1227) وخلفاؤه ومنهم باطوخان وقبلاى خان، ففتح منغوليا وأسس بها عاصمة له في قرقورم، ثم هاجم سنة 1213 إمبراطورية الشان شمال الصين، وفى سنة 1215 استولى على أغلب أراضى الصين بما فى ذلك العاصمة يتشنج (بكين الحالية)، وفتح خلال سنى 1218 _ 1224 تركستان الشرقية وبلاد ما وراء النهر وأفغانستان، وأغار على فارس ومنطقة تركستان الغربية، ثم ظهر منهم تيمورلنك (حوالى 1336 _ 1405) وادعى أنه من سلالة جنيكيزخان، فاستولى على منطقة تركستان الغربية وسيطر عليها تماما سنة 1369، واتخذ من سمرقند عاصمة له، ومنها غزا فارس وجنوب الروسيا وجنوب الهند واستولى على مدينة دلهى، وفى سنة 1400 اكتسح بلاد الكرج ثم اكتسح شمال سوريا، وإستولى على مدينة حلب، فانتهبها وخربها هو وجحافله، ثم سقطت في يده دمشق، فنقل عنوة طائفة من أفضل علمائها، وأمهر صناعها وفنانيها إلى سمرقند (كما فعل خلفه وصنوه سليم الأول، فيما بعد، حين استولى على مصر سنة 1517،وزحف بعد ذلك على بغداد، فدخلها للمرة الثانية (وكان التتار من أسلافه قد دخلوها ودمروها من قبل سنة 1242..ثم والى الزحف إلى آسيا الصغرى، وهزم العثمانيين أولاد عمومته فى موقعة أنقرة سنة 1402 وأسر سلطانهم بايزيد.
هؤلاء هم الترك الذين هم فى الحقيقة تتار من أرومة (أصول) مغولية، قادهم المغول في حروب ضارية وحملات قاضية على الشعوب وعلى الحضارة،فأصبح لإسمهم، تتار أو مغول، وقع بشع في آذان الناس وأسماع التاريخ، مما دفعهم، ودفع المؤرخين الموالين لهم، إلى أن يسبغوا عليهم وصف الترك، وهو اسم اللغة التي يتكلمون بها، وليس إسما لشعوبهم وقبائلهم، حتى يتخفوا وراء هذا الاسم فلا يعرف الناس حقيقتهم ولا يذكر التاريخ أصولهم. كيف إذن اتصل هؤلاء التتار بالإسلام،فصار أغلبهم مسلمين (كما أن قبائل منهم اعتنقت اليهودية، هم قبائل الخزر، وصاروا هم اليهود الأشكيناز الذي أقام غالبهم في شرق أوربا)؟.
فى عهد عمر ابن الخطاب، وبعد فتح مدن من فارس، اتجه الغزو إلى طبرستان فكتب قائد جيوش المسلمين إلى حاكمها كتابا جاء فيه، (إنك آمن.. وتتقى من ولى فرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك)، أي إن دفعت من غلة أرضك هذا المبلغ ؛ وبعد طبرستان سارت جيوش الغزو إلى أذربيجان ففتحوها وفرضوا عليها الجزية، ثم تلى ذلك غزو أرمينيا.
بذلك شرع المسلمون يدخلون مناطق التتار ويدخلونهم إلى عالم الإسلام.
.......... تتمه لاراء المستشار العشماوي
إعادة ترتيب التاريخ الإسلامي
المستشار محمد سعيد العشماوي
منذ عهد المعتصم (أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد) سنة 833م بدأت الخلافة تعتمد على التتار (وقد قيل إنهم ترك) بدلا من الفرس، الذين كانت قد ركنت إليهم الخلافة العباسية الأولى، منذ أن بدأت.
بعد المعتصم تولى الخلافة الواثق بالله ابنه، ثم المتوكل على الله ابن الواثق سنة 847م وفى هذا المدى القصير (عشر سنوات)، ارتفع شأن التتار (الترك) واشتد بأسهم وغلب استبدادهم، فسلبوا المتوكل كل سلطة وجعلوه مجرد صورة، لا عمل لها ولا نفع منها، حتى قال المتوكل يصف حاله تلك:
أليس من العجائب أن مثلي
يرى ما قل ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا
وما من ذاك شيء في يديه
فإذا كان الخليفة العباسي قد صار إلى هذه الحال التي يصفها بنفسه، فيقول ما يعني إن التتار (الترك) يأخذون الدنيا كلها بإسمه، ويداه صفر من كل شىء وأي شيء أخذوه بإسمه ذاك، فكيف يقال إن هذا العصر هو ذات العصر العباسي، ولا يوصف بوصفه الحقيق، وهو العصر التتاري (التركي) الأول؟
لقد كانت في نفوس هؤلاء التتار غصص منذ استذلتهم العرب، فما إن سنحت لهم الفرصة، حتى قبضوا عليها بشدة، وركبوا الموجة بحدة، وبدأ بهم عهد أدنى إلى عهود الإرهاب، فلقد أغووا المنتصر – أو أغراهم هو – بقتل أبيه المتوكل فقتلوه، وولوا المنتصر خليفة، ولم يحكم غير بضعة أشهر، وولوا بعده المستعين بالله، ثم المعتز بالله الذي قتلوه شر قتلة، وولوا الخليفة المستكفى ثم سملوا عينيه وحبسوه حتى مات، ومنعوا عن القاهر أي زاد أو مؤونه حتى أنه تكفف الناس يسألهم ما يعينه على المعاش، بعد أن خلعه التتار.
وزاد على ذلك أنه لم يعد الأمر في يد قادة الجيش وجنوده، بل وأصبح للخدم سلطان بالغ، واستكثر الخلفاء من هؤلاء الخدم ليستعينوا بهم حتى أنه كان للمقتدر بالله (908-932م) من الخدم والخصيان 11 ألف شخص وكان يقدم هؤلاء الخدم ويستعين بهم، وولاهم قيادة الجند وغيرها من الرياسات، وأدى ذلك إلى استشراء الفساد والرشوة، وإلى تبادل المصادرات والإغتيالات بين الخلفاء من جانب والوزراء والقواد من جانب أخر، فضعف شأن السلطة المركزية في بغداد، وطمع العمال والولاة في أعمالهم وولاياتهم فبدأ استقلال الإمارات والممالك، وظلت الحال في هذا التردي، تزداد سوءا على سوء، حتى انهار حكم التتار في أيام المستكفى (944-946م) فدخل الديلم الفرس بغداد، وبدأ عصر الفرس الثاني.
في العصر العباسي الثاني، كالعصر السابق له، كان للموالي باع طويل في العلوم والشعر والتاريخ والترجمة.
فمنهم في الشعر، ابن الرومي (أبو الحسن على ابن العباس ابن جريج) وفى الأدب: الجاحظ (أبو عثمان عمرو ابن بحر)، وابن أبى الدنيا (أبو بكر عبيد الله ابن محمد) وكان مؤدب المكتفى بالله، وقدامة ابن جعفر، وابن عبد ربه (أبو عمر أحمد ابن محمد القرطبي)، وأبو بكر الصولى (محمد ابن يحيى).
وفى النحو: أبو العباس ثعلب (أحمد ابن يحيى ابن زيد)، وابن ولاد (المصري)، وأبو جعفر النحاس (أحمد ابن محمد ابن إسماعيل)، وأبو القاسم الزجاجي (عبد الرحمن ابن إسحاق).
وفى التاريخ: ابن عبد الحكم (عبد الرحمن ابن عبد الله)، البلاذرى (أبو جعفر أحمد ابن يحيى)، محمد ابن حبيب (أبو جعفر)، وعمر ابن شبه (أبو زيد عمر)، وابن طيفور (أبو الفضل أحمد ابن أبى طاهر)، واليعقوبى (أحمد ابن أبى يعقوب)، والطبري (أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري)، وأبو زيد البلى (أحمد ابن سهل).
وفى الجغرافيا: ابن خرداذبة (أبو القاسم عبيد الله ابن أحمد)، وابن رسته (أبو على أحمد ابن عمر)، وابن فضلان.
وفى الحديث: البخاري (أبو عبد الله محمد ابن أبى الحسين مسلم ابن الحجاج)، ابن ماجه (محمد ابن يزيد).
وفى الفلسفة: الفارابي (محمد ابن طرخان).
وفى الطب: ابن ماسيويه (أبو زكريا يوحنا)، ابن سهل (سابور ابن سهل)، والرازي (أبو بكر محمد ابن زكريا).
غلبة التتار (الترك) على الحكم والسلطان كان من نتائجها أن ظهر بين العلماء والأدباء، في عصرهم ذلك، تتار منهم، أشهرهم هو البخاري صاحب أهم صحيح في كتب الحديث، إذ هو من بخارى وتقع في جمهورية أوزبكستان وعاصمتها سمرقند، من بلاد التركمستان الغربية، وكذلك مسلم تلميذه فهو من نيسابور التي تقع بالقرب من بخارى.
هذا مع بقاء الموالي، أو المسلمين غير العرب، مهيمنين ومسيرين لحركة الفكر والفكر الديني، ومنهم الطبري، صاحب تاريخ الطبري الشهير وتفسير القرآن، فهو من طبرستان، وكانت منطقة بين بلاد فارس والتتار، وهى الآن في إيران.
وفى هذا العصر (العباسي الثاني التتاري التركي) ترجم سعيد الفيومي (282هـ) وهو إسرائيلي من مصر، كتب موسى الخمسة من التوراة إلى العربية، كما ترجم سفري أشعيا وأيوب.
لما ضعفت سلطة الخلفاء ووهنت قوتهم، استقلت بعض المماليك بالحكم، فقامت في العراق وفارس المملكة البويهية، ملوكها آل بويه من فارس، وهم من الشيعة العلوية، والمملكة السامانية في تركستان، والمملكة الزيادية في طبرستان، والمملكة الغزنوية بأفغانستان والهند، والخلافة المروانية بالأندلس، والخلافة الفاطمية بمصر.
واستطاعت المملكة البويهية أن تسيطر على الخلافة في بغداد في عصر المستكفى (944-946) فبدأ بذلك العصر الفارسي الثاني، وهو عصر شيعى علوى، رفع منار التشيع وأحيا معالم دعواه ونتج عن هذا العصر تقويض نفوذ التتار (الترك) واستمرار ضعف سلطة الخلافة.
وفى بيان وضع وفضل الفرس في هذا العصر، يقول الشاعر (أبو الفضل السكري):
من مثل الفرس ذوى الأبصار
الثوب رهن في يد القصار
وتوالى بروز دور الموالى وتكاثرت أنشطتهم في الشعر والآداب والعلوم، ففي الشعر ظهر كشاجم (أبو الفتح محمود ابن الحسين)، وابن هاني الأندلسي (أبو القاسم محمد)، ومهيار الديلمى (أبو الحسن مهيار).
وفى الأدب والرسائل: ابن العميد (أبو الفضل محمد)، والأصبهانى (أبو بكر محمد ابن العباس)، وبديع الزمان الهمذانى (أبو الفضل أحمد ابن الحسين)، والثعالبي (أبو منصور عبد الملك ابن محمد)، والأجهانى (على ابن الحسين أبو الفرج) والقيرواني (أبو العباس حسن ابن رشيق).
وفى النحو: ابن خالويه (أبو عبد الله الحسين)، والزبيدى (أبو بكر محمد) وابن جنى (أبو الفتح عثمان).
وفى اللغة: المطرز البارودي (أبو عمر محمد ابن عبد الواحد)، وأبو أحمد العسكري، وابن فارس (أبو الحسين أحمد ابن فارس)، والجوهري (أبو نصر إسماعيل ابن حماد)، والقزاز (أبو عبد الله محمد ابن جعفر القيرواني)، وابن سيده (الحافظ أبو الحسن المرسى الأندلسي).
وفى التاريخ: الأصفهاني (حمزة ابن حسن)، ومكسويه (أبو على الخازن)، والعتبى (أبو النصر محمد ابن عبد الجبار)، وهلال الصابى (أبو الحسن ابن المحسن)، وفى الجغرافيا: الأصطرخى (أبو اسحاق الفارسي).
وفى الفلسفة والعلوم: ابن سيناء (أبو على الحسين ابن عبد الله)، والبيروني (أبو الريحان محمد أحمد).
في 1055 سنة 447 بدأ عهد جديد للتتار الترك السلاجقة، فقد وهنت مع الأيام قوة وسلطة البويهيين في بغداد وفارس، كما ضعفت أحوال الفاطميين في مصر، وكلاهما من الشيعة، فالبويهيون شيعة إمامية علوية، والفاطميون شيعة إسماعيلية، وفى ذلك الوقت ظهرت أمة (جماعة) ذات سلطان وبطش في منطقة تركستان الغربية (التتارية) يتزعمها سلجوق ابن بكباك، وهو أمير تتاري تركي، ولكي يحقق مطامعه في السيطرة على الخلافة الإسلامية فقد أسلم (رئاء) هو ورجاله، وقاد جيشا جرارا من التتار، فقطعوا نهر جيجون وهم يقتحمون ويكتسحون حتى امتد سلطانهم من أفغانستان إلى البحر المتوسط (الأبيض) ثم تقطعوا في إمارات، فالسلاجقة العظام حكموا من 429-552هـ، وسلاجقة كرمان من 433-583هـ.وسلاجقة الشام من 487-511هـ، وسلاجقة العراق وكردستان من 511-590هـ، وسلاجقة بلاد الروم من 470-700هـ، أي إن السلاجقة حكموا مناطق متعددة وشاسعة نحو ثلاثة قرون، وبلغ اتساع مملكتهم من حدود الهند إلى آخر حدود الشام، ودخلوا بغداد سنة 447هـ-1055م، فبدأ بذلك عهد التتار (الترك) الثاني، على ما سلف. وكان أهم وزرائهم نظّام الملك وهو الذي كان الدافع الحقيق لما كتبه أبو حامد الغزالي، بما فيه من تناقض وتهاتر ووهن (يراجع في ذلك كتابنا: العقل في الإسلام)
وخلال فترة سيطرة التتار على الخلافة العباسية (التي كانت مجرد دمى ومحض صور) بدأت الحملات الصليبية، فسيطر الصليبيون على بلاد الشام مدة 90 عاماً (492-582هـ).
وفى أواخر عصر السلاجقة ظهر جنكيزخان القائد المغولي فحمل على بلاد العالم الإسلامي – على ما أنف بيانه – فخرب مدنها وأحرق مكاتبها وقتل أهلها بما لم يسبق له مثيل، ثم ظهر بعد منه هولاكو التتاري الذي غزا بغداد وخربها وقتل الخليفة المستعصم (656هـ-1258م). وكان نتيجة هذا الإضطراب السياسي، وما أدى إليه من تخريب وتحريق، أن عمد بعض العلماء إلى حفظ ما بقى من الكتب، واكتنازها بالتلخيص والجمع، مع حذف الأسانيد والمراجع، حتى يمكن جمع كثير من الحقائق في حجم صغير، ويكون الكتاب الواحد زبدة عشرات من الكتب، وهذا ما فعله ياقوت بمعجمه، وابن خليكان بوفياته، وابن أبى صبيعة بطبقاته. وهكذا.
وكانت ثمة نتيجة أخرى مهمة هي انتقال جانب كبير من الشعر وغيره إلى مصر، خاصة في نهاية حكم الفاطميين، وسلطان الأيوبيين (567-650هـ).
فظهر في مصر من الشعراء ابن قلاقس (أبو الفتوح نصر الله الملقب بالقاضي الأغر)، وابن سناء الملك (هبة الله ابن القاضي الرشيد والملقب بالقاضي السعيد)، وابن النبيه (على ابن محمد ابن الحسين كمال الدين)، وابن شمس الخلافة (أبو الفضل جعفر)، وعمر ابن الفارض (أبو حفص عمر ابن أبى الحسن)، وجمال الدين ابن مطروح، وسيف الدين البار وقى، وبهاء الدين زهير (أبو الفضل ابن محمد ابن على المهلبى).
وظهر في الإنشاء: القاضي الفاضل (عبد الرحيم ابن على) وفى النحو: ابن ما يشار، ومن الذين ظهروا في بغداد: الزمخشرى (أبو القاسم محمود) وهو تتاري من خوارزم، وكان إمام عصره في اللغة والنحو والبيان والتفسير والحديث، وناصر المطرزى (أبو الفتح ناصر) وهو تتاري من خوارزم كذلك.
وظهر فيها -كما سلف- أبو حامد الغزالي (محمد ابن محمد ابن أحمد) وهو فارسي ولد في طوس ونشأ فيها ثم انتقل إلى بغداد، والشهرستانى (صاحب كتاب الملل والنحل)، ومحى الدين ابن عربي (وقد ولد بمرسية بالأندلس) ثم نزح إلى بغداد، هذا فضلا عن ابن رشيد (أبو الوليد محمد ابن أحمد) المولود بقرطبة بالأندلس.
سقطت بغداد في قبضة المغول (وجحافلهم من التتار) 656هـ-1258م، وبذلك صارت أكثر بلاد العالم الإسلامي في قبضة المغول والتتار (الذين يسمون خداعا بالترك)، فقد امتدت سلطة المغول (التتار) من حدود الهند شرقا إلى حدود سوريا غربا، تتخللها بلاد في سيادة الفرس فترة قصيرة، وبلاد تحت حكم المماليك، وهم تتار وشراكسة وقوقاز.
فقد كانت مصر والشام في حوزة السلاطين المماليك من 648م-938هـ، وكانت آسيا الصغرى في حوزة السلاجقة ثم أخذها العثمانيون، وكلاهما من التتار (الترك)، وكانت العراق وفارس في سلطة السلطنة الألخانية، وهى مغولية (تتارية)، ثم صارت فارس إلى الحكم التيمورى، وهو مغولي (تتاري)، وتخلل ذلك فترات صارت فيها الأحوال إلى إمارتين في فارس (الجلايرية والمظفرية) وإمارتين في آسيا الصغرى (القراقيونلية والأقاقيونلية)، وكانت تركستان وأفغانستان في يد الشفطائية، ثم صارتا إلى قبضة التيمورية، وكلتاهما مغولية (تتارية).
ونظراً لسيادة المغول (التتار) على بلاد العالم الإسلامي بأجمعها فقد انحصرت سيادة العرب في اليمن والمغرب، ذلك أن اليمن تجزأ في إمارات صغيرة هي زبيد وصنعاء وعدن، وأما المغرب فقد تقطع في ممالك هي تونس والجزائر ومراكش وغرناطة، بعضها يحكمه العرب وبعضها في سيادة البربر، أما الهند فلم يفتح المغول منطقة دلهي، إلا بعد ذهاب هذا العصر.
وفى 897هـ-1492م فر من غرناطة بالأندلس (جنوب أسبانيا) أبو عبد الله محمد آخر ملوك الطوائف.
فاكتساح المغول (التتار) للعالم الإسلامي نحّى العنصر العربي، وهدد اللغة العربية ذاتها، لولا أن القرآن هو الذي أبقاها حية فعالة، خاصة وقد ترتبت عليه علوم عدة كالتفسير والتاريخ والحديث والفقه وغيره.
في 1516 استولى العثمانيون على بلاد الشام، وفى 1517 استولوا على مصر، ونقلوا الخلافة إلى أسرتهم، وإن ظلوا يلقبون بالسلاطين، والعثمانيون – كما سلف – هم في الأصل تتار (من تركستان الغربية) أو شراكسة (من بلاد الشركس)، وهى منطقة تقع في جنوب شرق الروسيا الأوربية، بين البحر الأسود ونهر كوبال من جهة، ومنطقة القوقاز الكبرى من جهة أخرى. وقد ترك الشركس المسيحية واعتنقوا الإسلام في القرن 17، وكانت تركيا تقوم بحكم شركسيا، أي بلاد الشركس، حتى نزلت عنها للروسيا 1829.
وظلت مصر في حكم المماليك، الذين كانوا يدفعون جزية إلى السلطنة العثمانية (وهى جزية ظلت مصر تدفعها وتسمى الصدّة، ربما من قبيل السهو والخطأ، حتى 1955) إلى أن تولى محمد على الكبير حكم مصر 1805، فبدأت مصر الحديثة، وهو ما تداعى إلى باقي البلاد العربية التي شرعت تباعا في الإستقلال وإقامة نظام الدولة الوطنية.
من العرض السالف، على إيجازه، يخلص أن إعادة ترتيب أوارق التاريخ الإسلامي، والنظر إليها من خلال أسلوب علمي نظامي، واضح ومطرد، لابد أن يؤدى إلى تغيير كثير من المفاهيم، وتبديل عديد من المعاني، وتقويض وفير من الدعاوى ؛ وهو أمر مع لزومه وضرورته، قد يصدم مشاعر غير سوية، ويفجر عواطف غير ناضجة، ويرهق عقولا غير متزنة، فضلا عن أنه لابد أن بستثير أصحاب الدعاوى التي تقوم على الجهالات وتتحرك بالشعارات وتستفيد من الضلالات.
فنتيجة للفهم والتقييم (التقويم) العلمى النظامى الواضح المطرد، ينتهى النظر في التاريخ الإسلامي إلى ما يلي:
(أولاً) السلطة السياسية (الخلافة أو السلطنة أو الإمارة أو غيرها) لم تكن إسلامية أبدا، بعد عهد الخلفاء الراشدين، بل وكانت ضد تعاليم الإسلام، ما دام قوامها العنصرية وأساسها الشمولية وصميمها العدوانية.
فالخلافة الأموية المروانية كانت عربية أعرابية، تعصبت للعنصر العربي، وحكمت بكل جلافة البدو وكل صلافة الجهل، حتى أنها قصَرت الإسلام على العرب وحدهم، ولم تفهمه أو تُعمله كشريعة إنسانية عامة، مما تأدى بها إلى أن تفرض الجزية على المسلمين من غير العرب، بإعتبارهم عبيدا لهم وتُبَّعاً، لا يحررهم الإسلام من الجزية التي لا تفرض بنص القرآن إلا على غير المسلم، إن رغب أن يدخل في عهد أو ذمة المسلمين.
والخلافة العباسية قامت بجهود وحروب الفرس الموالى، الذين ثاروا على الخلافة الأموية المروانية، كرد فعل للعنصرية العربية والجهالة البدوية، ورغبة منهم في رفع نير الذل والإستعباد الذي فرضته عليهم، وعلى غيرهم من المسلمين غير العرب، خلافة بدوية جافية ظالمة.
ولما نجح الفرس في إقامة الخلافة العباسية سيطروا عليها تماما، في عهدها الأول، فكانت عباسية اسما وفارسية فعلا، وفى هذا الحكم الفارسي تجلت النعرة العنصرية وتبدت الجفوة الإنتقامية، من العرب ابتداء، ثم من غيرها تباعا.
وسقط الحكم الفارسي فحل محله الحكم التتاري (الذي يقال إنه حكم الترك، دون بيان للحقيقة أو إيضاح للواقع)، لقد بدأ العرب بغزو بلاد التتار (تركستان الغربية) واستولوا عليها وتسيدوا على شعوبها، غير أن هؤلاء التتار أدركوا قوانين اللعبة، واستعدوا للمنازلة والمصارعة، فاعتنقوا الإسلام (ولو ظاهريا) ثم نفذوا إلى سدة الحكم وشدة السلطة، فقبضوا عليهما بقوة، وحولوا الخلفاء إلى دمى في أيديهم وصور أمام الناس.
وتداول السلطة، في الخلافة العباسية، كل من الفرس والتتار، حتى آلت إلى السلاجقة التتار، ثم إلى العثمانيين التتار كذلك. (ثانياً) أن العنصر الذي حكم البلاد الإسلامية أطول فترة هو العنصر التتاري، سواء قيل إنه المغول (فالتتار من أرومة وأصول مغولية، أي إن المغول تتار، وأن التتار مغول. أو على الأقل فإن المغول قادوا التتار زمنا، حتى انفرد التتار بمسرح التاريخ) أو قيل إنه العنصر التركي، فالتركية لغة أطلق منها اسم التحرك على المتحدثين بها، بعد أن اتخذ لفظ التتار معنى سيئا نتيجة ما كانوا يفعلونه في الحروب من قضاء على الزرع والضرع، بما يشبه عمل الجراد عندما يحط على مناطق مزروعة خضراء فيتركها وقد صارت أعوادا يابسة، غير أنه من المؤكد أن دولة تركيا الحديثة، والتى أصبح الفهم الدارج يتصور أن الترك متصلون بها أو قادمون منها، لم تكن قد نشأت في العصر العباسي الثاني – عصر التتار – وقد قامت كدولة في أسيا الصغرى من قبائل تتارية نازحة 1281م، 680هـ.
فالتتار – الذين قيل إنهم ترك – حكموا عصرين إبان الخلافة العباسية، ثم نزعوا الخلافة من العباسيين ونقلوها إليهم إثر غزو مصر 1517م، هذا فضلا عن أن المماليك الذين حكموا مصر والشام وامتد نفوذهم إلى أرض الحجاز هم تتار في الأغلب، أو شراكسة (وهم أبناء عمومة التتار)، أما العثمانيون فهم تتار نزحوا إلى آسيا الصغرى واستولوا عليها، والسلطنة الغزنوية في أفغانستان وفى سلطنة دلهي هي سلطنة مغولية (أي تتارية) وهكذا دواليك، على نحو ما سلف.
(ثالثاً) أن نسبة التاريخ الإسلامي إلى الإسلام ذاته إهانة للدين وإساءة للشريعة. فهذا التاريخ هو تاريخ صراع القبائل، وتاريخ العنصر التتاري، وهو بهذه المثابة مرحلة من مراحل الترايخ الإسلامي، لا ينبغى أن يفرض على الإسلام ذاته، ويصبح هو النموذج الديني والمثل الشرعى، حتى لا يؤدى بالمسلمين إلى أن يأتموا بأعمال التتار وأن يتطبعوا بسلوكياتهم الوحشية العدوانية الفتاكة. (رابعاً) أن أهم الأشخاص الذين أثروا في الفكر الإسلامي وصاغوا عقلية المسلمين، ولم يزالوا مؤثرين فعالين هم فرس أو تتار، فمن الفرس أو حامد الغزالى والطبري، ومن التتار (الترك) البخاري ومسلم، هذا فضلا عن أن ابن سينا من أفغانستان وقد نزح إلى بخارى التتارية، وأن كلا من الجوهرى (واضع قاموس الصحاح) والزمخشرى تتاري.
(خامساً) أن إخفاء الحقائق بتغيير لفظ التتار إلى لفظ الترك (وهو في الأصل إسم للغة لا للجنس)، أو بإستعارة أسماء عربية بدلا من الأسماء الفارسية أو التتارية وضع مضلل وحال مبلبل، إذ أدى ويؤدى بالمسلمين إلى فهم المسائل على غير حقيقتها وتقدير الوقائع تقديراً مخالفاً لأصولها – فحين يقال عن التتار خطأ بأنهم ترك فإن ذلك يوحى بأنهم من الترك العثمانيين الذين أقاموا سلطنة في آسيا الصغرى، وصاروا خلفاء المسلمين من 1517 حتى 1924م مما فرض على المسلمين احترامهم، بحسبانهم الخلفاء وحماة الحرمين، ورسب في نفوس عامة تقديراً لهم ينسحب بطبيعة الحال إلى من يوصفون خطأ بأنهم أتراك، وهم في الحقيقة تتار، كما أن العثمانيين أنفسهم تتار.
وحين يقرأ المسلم العادي اسم أبى حامد الغزالي أو إبن جرير الطبري أو أبى عبد الله البخاري أو أبى الحسين مسلم القشيري، وغير ذلك من أسماء يقر في نفسه أنهم مسلمون عرب، فيأخذهم على هذا المحمل، ويقدر أفكارهم في ذلك الإطار، مع أن معرفة مكان الميلاد والنشأة وحقيقة الجنس واللغة الأم أمور وشروط لابد منها – في صحيح العلم وصحيح الفهم – لتقدير أعمال الكاتب أو الباحث أو الفيلسوف، إذ قد يكون قد تشرب أفكارا من بيئته الأولى خلال طفولته أثرت في مفاهيمه ووجهت كل تقديراته، حتى وإن لم يدرك هو ذلك، كأن تترسب في أعماق الفارسي أفكار وممارسات فولكولورية فيها الكثير من الزرادشتية أو المجوسية فينقلها إلى الفكر الإسلامي، بوعي منه أو دون وعي ؛ هذا بالإضافة إلى أن بعض الفرس وبعض التتار كان يحمل بغضا شديدا للعرب، ربما دفعه إلى التأثير السلبى على الفكر الإسلامي ذاته تنفيسا عن ذلك تقاة أو يتصور خلافه عماء.
فهل يمكن أن تكون هذه الدراسة مفتاحاً لمنهج جديداً يبدأ به المسلمون إعادة فهم تاريخهم وتقييم أفكارهم!؟ لعل وعسى.
saidalashmawy*************
القاهرة
بثينه عبدالعزيز
04-14-2009, 08:53 AM
النزعة المركزية الإسلامية
عادل الحريرى
adilelhariry*************
على مستوى التاريخ
1 - يوجد لدى الثقافة الإسلامية السائدة قديما وحديثا اعتقاد راسخ بأن العالم لم يعرف فترة مثالية من تاريخه سوى عصر سيادة الإسلام. ومع الانتقادات التى وُجهت للدولة الإسلامية صار من المعترف به فى الفكر الإسلامى أن الدولة الإسلامية بحق هى دولة الرسول والخلفاء “الراشدين” (نحو 40 سنة فقط) ويقصرها البعض على عهدى أبى بكر وعمر بالإضافة طبعا لعصرمحمد. وقد شهدت هذه الفترة من تاريخ الإسلام ما عُرف باسم حرب الردة البالغة الضراوة ثم الغزوات الإسلامية الكبرى وما صاحبها من أعمال عنف رهيبة فى الشرق الأوسط كله، ومما يُعرف ب”الفتنة الكبري”فى آخر فترة حكم عثمان ابن عفان بسبب الفساد المعمم بإقرار معظم ُكتاب التاريخ المسلمين، الذى حكم لمدة 12 عاما متضمنة حروبا دموية بين المسلمين فى معركة الجمل ومعركة صفين اللتين قُتل فيهما عشرات الألوف من المسلمين، والمعارك الدموية بين الدولة والخوارج، وانقسام الإسلام إلى سنة وشيعة وخوارج وغيرها من المذاهب المتحاربة،. وما يميز هذه الفترة من وجهة النظر الإسلامية السنية أن الحكام قد تم اختيارهم وفقا لمبدأ الشورى كما كانوا يلتزمون بتطبيق الشرع الإسلامى فعليا، وبالتالى كان العدل مطبقا بالمفهوم الإسلامى للعدل. بعد ذلك جاءت الدولة الأموية كملك عضوض ولم يعد الحكام يلتزمون بالشريعة بل راحوا يستخدمون الفقهاء لصالحهم وتغلبت المصالح "الدنيوية" على تصرفات الحكام. وقد تناول أبو الحسن الندوى هذه القضية بالتفصيل فى كتابه سابق الذكر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟، مقارنا بين فترة حكم الخلفاء "الراشدين"، شاملين عمر ابن عبد العزيز، وبقية العصور السابقة على الإسلام واللاحقة على ما أسماه بانحطاط المسلمين معتبرا العصر الإسلامى هو العصر الذهبى للعالم. وتتبنى الثقافة الإسلامية بوجه عام الأفكار المطروحة بالكتاب المذكور، ويجتر الإسلاميون نفس الكلام لدى مقارنتهم تاريخ الإسلام بتاريخ الشعوب المختلفة وخصوصا تاريخ الغرب.
2 - إن تحديد فترة 40 سنة فقط (42 إذا شملت فترة حكم عمر ابن عبد العزيز) كتاريخ الإسلام أمر فيه تعسف واضح. ولا يلتزم عموم الإسلاميين بهذا بل يلجأ الكثيرون تلقائيا للافتخار بعصور لاحقة شاملة أحيانا كثيرة العصر العثمانى. بل وبالافتخار بإنجازات علماء “مسلمين” من "الكفار"أو المتهمين ب"الكفر" من قبل الرأى العام المسلم. فتحديد تاريخ الإسلام يتم وفقا لمعايير مختلفة حسب الظروف؛فهو تاريخ الحاكمية تارة وتاريخ الثقافة الإسلامية تارة أخرى. ويستمر نفس المنهج الانتقائى حين يقوم الإسلاميون بترشيح (filteration) التاريخ الإسلامى، فما هو مشابه لتاريخ أمم "الكفار" يُعد انحرافا عن الإسلام وكثيرا ما يُعد “تأويلا خاطئا” إذا كان يمس الصحابة، ويفسر “الانحراف” إما بأن المسلمين قد تخلوا عن دينهم أو أن "الكفار" قد تآمروا عليهم واندسوا وسطهم ودفعوهم للانحراف. أما الفكرة الإسلامية غير المطبقة إلا لأربعين سنة فلم تخل من “الأخطاء” بسبب العناصر المندسة من "الكفار" (مثل عبد اللـه ابن سبأ المزعوم) أو حسن النية الزائد (مثلما يُفسر مثلا فساد عثمان ابن عفان ومعاوية ابن أبى سفيان) . وتستمر الانتقائية حين تتم محاولات البرهنة على عظمة تاريخ الإسلام بمجرد ضرب أمثلة متناثرة وفردية وتتعلق بشخص الحاكم أحيانا لا بالنصوص أو بنصوص لم تُطبق أصلا، دون الانتباه لأمثلة مضادة كثيرة للغاية تتعلق بنفس الموضوع.
3 - لقد انتصر الإسلام على “كفار” العرب ثم توسعت دولته. ومن الأمور الشائعة لدى المؤرخين أن التاريخ يكتبه المنتصرون، لذا فقد سادت كتابة المسلمين لتاريخ الإسلام وصراعه مع المنهزمين من أعدائه وقليل هى كتابات المهزومين لهذا التاريخ وهى شهادات متناثرة بينما اعتمد المستشرقون أساسا على المصادر الإسلامية. ومع ذلك جاء التاريخ الإسلامى ليصور الدولة الإسلامية تصويرا غير مثالى على الإطلاق. ومع ذلك تتصور الثقافة الإسلامية المعاصرة أن هذا التاريخ كان فى مجمله تحقيقا للقيم النبيلة والمثل الفاضلة بعكس تاريخ الغرب الذى يتم عرضه إسلاميا عادة بصورة بشعة. كما لجأ المنتصرون وحتى الإسلاميون المعاصرون إلى عرض حياة العرب قبل الإسلام فى صورة منفرة وتصويرهم كقوم من الهمج قليلى الحيلة غير المتحضرين، لطمس عصر ما قبل الإسلام من جهة وللبرهنة على إعجاز الدين الجديد الذى نشأ حسب هذا التصوير للعرب بدون أساس اجتماعى مهد له من جهة أخرى. وهو أمر لا يمكن تصوره مع وجود هذه اللغة المتماسكة والفصاحة والشعر الذى أنتجه “كفار” العرب. وقد لجأ المنتصرون إلى كل ما من شأنه طمس التراث العربى القديم من أشياء كان يمكن أن تُعد من الآثار، مثل اللهجات العربية بخلاف لهجة قريش ولغات العرب الأخرى غير العربية، ذلك أنها لغات "الكفار"، فالمنتصرون قد اعتبروا لغة القرآن هى “اللغة” وما عداها مجرد رطانة وأن لغة قريش هل اللغة العربية الجيدة وفقا لسيبويه حسب ما ذكر جواد على الذى نقل أيضا عن الرافعى قوله: “ اعتبروا لهجات العرب لعهدهم كأنها أنواع منحطة خرجت عن أصلها القرشى بما طرأ عليها من تقادم العهد وعبث التأريخ، فلم يجيئوا ببعضها إلا شاهداً على الفصاحة الأصلية فى العربية وخلوّها من التنافر والشذوذ، وتماماً على الذى جمعوه من أصول العربية، وتفصيلاً لكل شيء إلا التأريخ“.
ومن المؤكد أن العرب لم يكونوا من الشعوب المتقدمة ولكن لم يكونوا أيضا مجرد همج، وقد ظهرت لديهم دول وحكومات مثل كندة والحيرة ودولة الغساسنة وغيرها على سواحل الخليج بخلاف ممالك اليمن، بل وعرفت مكة نفسها شكلا من الحكومة الديموقراطية إلى حد كبير. ولم يكونوا مجرد قتلة ولصوص بل كانت مكة مركزا تجاريا عالميا ومورست أشكال من التنظيم الاجتماعى المتماسك إلى حد ما وعرفوا قدرا كبيرا للغاية من التسامح الدينى والانفتاح الثقافى وإن لم يظهر لديهم فلاسفة ومفكرون بل “حكماء” اعتمدوا على نشر أفكارهم بالشعر. كل هذا يوجد متناثرا وعرضا أحيانا فى كتب التراث الإسلامى نفسها. فى الواقع يمكن تتبع بدايات الإسلام فى أديان العرب السابقة نفسها بل وكذلك الكثير للغاية مما أتى به من قيم وطقوس للعبادة ومن نافلة القول أن الدولة الإسلامية قد أُقيمت بسواعد العرب أنفسهم ولم تأتى ملائكة لإنشائها وإذا كانت قد نفت ونقضت أوضاعا سابقة فقد احتفظت أيضا بالكثير مما كان. ولذلك ننظر إلى محاولات الإسلاميين تصوير الأمر كأن الإسلام قد حول العرب من كائنات دنيا إلى ملائكة على أنها مجرد محاولة لإبراز المصدر الإلهى للإسلام الذى جاء – زعما – ليستبدل الظلام بالنور.. تضخيما لدور الإسلام على حساب السابقين؛"الكفار". ورغم احتفاظ الإسلام بالكثير من ثقافة "الجاهلية" مثل كثير من طقوس الحج، تعدد الزوجات وإن كان قد وضع حدا أقصى، تقديس الكعبة والحجر الأسود.. إلخ، يصر الإسلاميون قديما وحديثا على قلب هذه الحقيقة؛فيُقال أن تلك الطقوس والعادات كانت فى الأصل من الإسلام فى مرحلة النبى إبراهيم وأن العرب الوثنيين احتفظوا بها رغم ردتهم من دين إبراهيم إلى الوثنية وأن الإسلام بالتالى لم يأخذ شيئا من الجاهلية بل حافظ على ما كان من دين ابراهيم. رغم أنه لم يثبت فى التاريخ أن هناك شخصا نبيا اسمه ابراهيم أصلا ولا أن ديانته المزعومة تضمنت الطقوس المذكورة وكل ما هو معروف أن العرب الوثنيين كانت لهم طقوس وعادات احتفظ بها الإسلام. إنهم حتى ينفون أن الإسلام قد أخذ شيئا من الآخرين رغم وضوح ذلك ويصرون على العكس على أن"الكفار" هم الذين أخذوا بعض طقوسهم عن إسلام قديم مفترض.
4 - وبينما وُجد فى الغرب كثيرون ينتقدون التاريخ الأوربى ويدينون ما ارتكبه أجدادهم من أعمال وحشية لا نصادف فى العالم العربى والإسلامى من يفعل نفس الشيء إلا نادرا. وكثيرا ما يتم اختزال تاريخ الإسلام فى الأربعين سنة الأولى بعد الهجرة النبوية تفاديا للاعتراف بالمساواة بين تاريخ الإسلام وتاريخ الغرب. ويُصور تاريخ الأربعين سنة كما لو كان المجتمع الإسلامى محكوم ب”قوانين”تختلف عن تلك التى تحكم المجتمعات الأخرى. فالصراعات الاجتماعية والدولية للمجتمع الإسلامى محكومة بأهداف مثالية عليا أما بالنسبة للآخرين فتتحكم المصالح المادية بل ويحركها الحقد الأعمى على الإسلام بلا مبرر واضح.
5 - ليس المجال هنا لتحليل تاريخ الإسلام وما يعنينا هو إبراز كيف يستخدم الفكر الإسلامى معيارين للحكم على كل من تاريخ الإسلام وتاريخ الشعوب الأخرى، زعما أن الأول يتحرك وفقا لأهداف نبيلة وقيم فاضلة بعيدا عن المصالح "الدنيوية"، بينما يتحرك الآخرون وفقا لمصالح مادية ومنافع عابرة، ويُضاف لذلك من حين لآخر ما يُسمى الحقد الأعمى على الإسلام. وبذا يتصور الفكر الإسلامى أنه مثلما يقسم هو البشر إلى مسلمين و”كفار” ينقسم مسار التاريخ البشرى وتنقسم”قوانين”المجتمع إلى نوعين؛ منظومة للمسلمين وأخرى لل”كفار”. ومن الغريب أن الفكر الإسلامى القديم كان أكثر صراحة من الإسلام المعاصر حيث قدم المؤرخون المسلمون القدامى الوقائع بقدر من الحيادية وفسروا التاريخ الإسلامى أحيانا تفسيرا “دنيويا”؛نقصد واقعيا؛لا غيبيا، إلى حد ما. ونحن لا يعنينا هنا أن نقدم نقدا لتاريخ الإسلام وكل ما نريده هو إبراز كيف يتعامل الفكر الإسلامى المعاصر خصوصا مع التاريخ بمكيالين، وكيف يقوم بالتغطية على وحدة التاريخ البشرى من حيث طبيعة التحولات وارتباطها بمصالح اجتماعية وسياسية معينة؛أى "دنيوية". وسوف نقدم بعض الأمثلة العملية:
يتبع ............
- مثل أية دولة شهدت الدولة الإسلامية ذات الأربعين سنة عددا من الحروب الداخلية. منها حروب محمد وحروب الردة التى ارتكبت فيهما وفقا للمؤرخين المسلمين- أعمال شديدة القسوة منها: تبادل القتل بين المسلمين و"الكفار" حرقا أو إلقاءً من أعلى الجبال، وقد ذكر ابن الأثير عن خالد ابن الوليد فى حروب الردة: ولم يقبل من أحد من أسد وغطفان وطيئ وسليم وعامر إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على الإسلام فى حال ردتهم فأتوه بهم فمثل بهم وحرقهم ورضخهم بالحجارة ورمى بهم من الجبال ونكسهم فى الآبار وأرسل إلى أبى بكر يعلمه ما فعل وأرسل إليه قرة ابن هبيرة ونفرًا معه موثقين، كما قتل جيش أبى بكر كثيرا من الأسرى وأسر المدنيين من النساء والأطفال رغم أن بعضهم كانوا مسلمين مثل بنى جزيمة الذين قتلهم جيش خالد ابن الوليد وهم أسري والذى قتل أيضا بنى يربوع؛ قوم مالك ابن نويرة وسبى أهله حتى أفرج عنهم أبو بكر وسلمهم لأخى مالك؛متمم ابن نويرة مع الدية. واستمر كثير من النساء أسرى فى عهد أبى بكر الصديق حيث أفرج عنهم عمر ابن الخطاب حين صار خليفة، قائلا إنه لقبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضًا وقد وسع اللـه عز وجل وفتح الأعاجم. وأطلق سراح سبايا العرب إلا امرأة ولدت لسيدها وجعل فداء لكل إنسان ستة أبعرة أو سبعة إلا حنيفة وكندة فإنه خفف عليهم لقتل رجالهم فتتبع النساء بكل مكان .
ثم جاءت موقعة الجمل بين على ابن أبى طالب وحلف من عائشة بنت أبى بكر وطلحة والزبيرالمبَشران بالجنة وانتهت بهزيمة الحلف المذكور وقد قدرت مصادر التاريخ الإسلامى عدد القتلى بالآلاف، فذكر ابن كثير رقم عشرة آلاف بخلاف الجرحى الذين قال إنهم لا يُحصون كثرة، وذكرت مصادر أخرى رقما 13 و 20 ألفا من القتلى المسلمين، ومما ذكر ابن كثير بشأنها أنه “لم تر وقعة أكثر من قطع الأيدى والأرجل فيها من هذه الوقعة”. وتلتها معركة صفين بين على ابن أبى طالب والأمويين قُتل فيها حسب المصادر الإسلامية 70 ألف مسلم، بخلاف ما حدث من خداع وكذب بين المسلمين طلبا للسلطة وهو مطلب “دنيوي”. بل ولم تكن معركة الحسين مع يزيد ابن معاوية سوى صراعا على السلطة من قبل الطرفين الذى يُعد أولهما مقدس لدس الشيعة وإلى حد ما لدى السنة والقصة مروية بكل تفاصيلها فى عشرات من كتب التاريخ التراثية. فهل من الممكن تصور أن هذه الحروب الدموية كانت فى سبيل مباديء عليا مزعومة بينما كانت الحروب الأهلية فى بقية العالم ذات طابع دنيوي؟
مع هذا رفض معظم أهل السنة محاكمة هذه المعارك محاكمة واقعية، أو “دنيوية” مثلما يحللون الصراعات التى شهدها الغرب. فيحرمون مثلا انتقاد “الصحابة”ومنهم المشاركين فى الحروب الأهلية المذكورة أعلاه، ويعتبرون أن الأطراف المتقاتلة فى الجمل وصفين قد تأول كل منهم وأن من تأول فأصاب له أجران ومن تأول فأخطا فله أجر حسب الحديث النبوى الشهير. إن القتل والخدع فى الحرب الأهلية واستخدام الدين كستار وغير ذلك من الأعمال البشعة لم تُدان إلا من الشيعة والمعتزلة خصوصا، وأقل القليل من أهل السنة. والمبرر الذى يُساق هنا شكلى تماما. فيستند علماء السنة إلى آيات من القرآن أو أحاديث تمتدح الصحابة عموما وتصفهم بأنهم أفضل البشر وتبشر بعضهم بالجنة مقدما، أى قبل حساب الملكين. وعلى أساس ذلك تُفسر كافة أفعالهم -أو أفعال بعضهم- كمجرد تأويلات حسنة النية. وهناك من السنة العملية ما يدعم مثل هذا المنطق. فعلى سبيل المثال رفض أبو بكر الصديق توقيع أية عقوبة على خالد ابن الوليد حين قتل كثيرا من المسلمين فى حروب الردة منهم مالك ابن نويرة، الذى قُتل رغم إعلانه الإسلام “وجعل رأسه – حسب رواية- أحد أثافى قدر طبخ فيها طعام” وتزوج زوجته، معتبرا إياه قد “تأول فأخطأ”. ومن قبل لم يعاقبه محمد نفسه حين قتل عددا كبيرا من المسلمين من بنى جزيمة لثأر شخصى كما قيل معتبرا إياه قد أخطأ ومقدما الدية لأهل القتلى دون حتى أن يعزل خالد ابن الوليد. ومن المعروف أن خالد كان قائدا عسكريا فذا حقق انتصارات كبرى للمسلمين فى المعارك فلم تكن خسارته أمرا يسيرا، وعلى هذا الأساس ُفسر عدم عقابه من قبل بعض الفقهاء بأنه من المصالح المرسلة)
بل ومن الطريف أن من القرآن والأحاديث ما تم التغاضى عنه علنا فيما يخص قتال المسلمين معا، منها الحديث القائل: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار (البخاري-31) ، فاعتُبر غير منطبق على المتحاربين من الصحابة. إذن يحق للصحابة ارتكاب أى عمل وكل ما فعلوه شاملا الفساد الواسع فى عهد عثمان وإنشاء الدولة الأموية بالسيف.. إلخ يجب تفسيره على أساس افتراض حسن النية بغض النظر عن آثاره فى التاريخ. إن إسالة الدماء والأعمال الوحشية والخيانات والغدر والصراع على السلطة والثروة تُفسر بمبدأ إذا كان هذا يتم فى عالم الصحابة المقدس وبمبدأ آخر إذا تم خارج هذا العالم، خصوصا إذا حدث فى بلاد "الكفار".
أما بعد الأربعين سنة فحدث الشيء نفسه وعلى نطاق أوسع فى العصر العباسى: فاقت جرائم العباسيين سابقيهم من الأمويين، اذ بدأوا عهدهم بمجازر بشعة ضد الأمويين فى الشام ومناطق أخرى ناهيك عن قمع الثورات والانحلال الأخلاقى الذى تفشى فى ذاك العصر ونهب الأموال والإسراف والتبذير واكتناز الأموال. ومن الأمثلة الفاضحة حسب روايات إسلامية أن الخليفة هارون الرشيد خلف من الجواهر والأثاث والأمتعة سوى الضياع والدور ما قيمته مائة مليون و35 ألف دينار.
أما مقتل أربعة من خمسة خلفاء “راشدين” ثلاثة منهم على أيدى مسلمين: عثمان وعلى وعمر ابن عبد العزيز، وأحدهم فى ثورة شعبية ومقتل نصف العشرة المبشرين بالجنة أربعة منهم بأيدى مسلمين، فلا يلفت انتباه الإسلاميين بما فيه الكفاية، وتُفسر هذه الوقائع وفقا لنظرية المؤامرة على الإسلام مع أن القتلة فى حالة عثمان وعلى وعمر ابن عبد العزيز كانوا مسلمين، وإن قتل الخلفاء بهذا المعدل لينقض الادعاء بالطابع المثالى لدولة “الراشدين”. ومما اعتاد أن يرد به الإسلاميون على منتقدى تاريخ الدولة الإسلامية أن يتهمونهم بسرد وقائع محدودة من ذلك التاريخ مهملين مجمل ما حدث فيه، بينما هم الذين يفعلون ذلك، ضاربين أمثلة فردية وجزئية ومقطوعة من السياق العام، وهى أمثلة يحفظها طلاب المدارس المسلمون لقلتها
يتبع ...............
- شهدت الدولة الإسلامية طوال تاريخها فى الأربعين عاما وما بعدها عشرات الحروب الأهلية الدينية وغيرها وصراعات على السلطة والثروة قُتل فيها مالايُحصى من المسلمين و"الكفار".. مثلها مثل أية دولة أخرى. ومن أسباب تلك الحروب تسلط الحكام والتفاوتات الطبقية الهائلة واضطهاد المعارضين واضطهاد غير العرب فى العصر الأموى واضطهاد أهالى المستعمرات معظم الوقت، وأقيمت محاكم التفتيش وما يشبهها فى عدة عهود وابتدأت منذ عهد الخلفاء الأمويين المتأخرين والعباسيين المبكرين: المهدى والهادى والرشيد ثم المأمون والمعتصم الذين جندوا الجنود لمكافحة “الزنادقة”وقتلهم وحرق كتبهم، ومنها الفترة التى سيطر فيها فكر المعتزلة، العقلانيين المسلمين الذين اضطهدوا وقتلوا من لا يقول بخلق القرآن ثم اضُطهدوا هم أنفسهم وقُتل بعضهم بسبب قولهم بخلق القرآن!. كل هذا مذكور بكل التفاصيل فى كتب التراث الإسلامية ولا توجد مصادر بديلة تعطى صورة مختلفة. ولكن يقف الفكر الإسلامى عاجزا عن تبرير ذلك أو الاعتراف بمغزاه "الدنيوي" بشجاعة. وعادة ما يتم التشكيك فى كُتاب التاريخ وفى نية بعضهم. ومن الأمثلة الملفتة للنظر إنكار أحمد صبحى منصور، الإسلامى المستنير جدا لمذبحة قبيلة بنى قريظة اليهودية مدعيا أنه تم إجلاؤها مثل القبيلتين اليهوديتين الأخرتين وهو شيء لم يأت له ذكر فى أى مصدر إسلامى أو غير إسلامى.. وهو يستند فقط إلى النص المقدس؛ مستنتجا التاريخ من النص رغم أن حدثا كبيرا مثل ترحيل أو تصفية بنى قريظة ليس من السهل أن يُنسى من ذاكرة الرواة. كذلك أنكر مفكر مستنير مثل محمد سعيد العشماوى الإسلامى أيضا حوادث اغتيال المعارضين "الكفار" فى عهد محمد وبأوامر منه معتبرا أن هذا لا يمكن أن يصدر من نبى رغم أن تفاصيل التفاصيل لهذه الوقائع قد كُتبت بأيدى المؤرخين المسلمين الذين لم يشك أحد فى نياتهم تجاه الإسلام. ويشعر أبو عبد اللـه الذهبى بالمرارة أو يصاب بخيبة الأمل – على حد تعبيره- “و هو يتابع تفاصيل العصر الراشدى، وهو العصر الذهبى فى تاريخ الإسلام، فى حشود الروايات التى تقدمها مصادرنا القديمة، وعلى رأسها تاريخ الرسل والملوك للإمام الطبرى، فيجد البون شاسعاً بين ما يعهده من عدالة صحابة رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، من سلامة فى الاعتقاد واستقامة فى السلوك، وما كانوا عليه من خلق كريم، وبين ما تصوره الروايات التى نقلها الرواة والإخباريين على أنه الواقع التاريخي”.. أنه لا يستطيع أن يستخدم الوقائع للحكم على الناس بل يستند إلى النص المقدس القائل بعدالة الصحابة وحسن أخلاقهم، وهو لم يقدم معلومات تاريخية أخرى .
- مثل أية دولة تنشأ على مبادئ مثالية شهدت الدولة الإسلامية فى البداية شيئا من البساطة خصوصا فى علاقة الحكام والمحكومين. ومن هذه المرحلة يستخدم الإسلاميون بعض الأمثلة للبرهنة على اختلاف الدولة الإسلامية عن غيرها مثل قصة جلد ابن عمرو ابن العاص وقصة مثول على ابن أبى طالب واليهودى أمام القاضى، وغيرهما. ولكن مع تبلور مؤسسات الدولة ومصالح الجماعات المختلفة بدأت تظهر أشكال من التمايز والصراعات الاجتماعية العنيفة كان أهمها الثورة التى حدثت فى آخر ولاية عثمان ابن عفان الذى رفض التنازل عن الحكم قائلا: “لا أخلع قيمصًا ألبسنيه اللـه عز وجل”.
وقد ذكرت مصادر التاريخ الإسلامية الكثير عن مظاهر الثراء التى استشرت فى عهد الخلفاء "الراشدين" لجماعات معينة، خصوصا من الصحابة حيث تفاوتت “العطايا” التى قدمها الخلفاء من شخص لآخر ابتداء من عمر ابن الخطاب الذى غير سنة أبى بكر فى هذا وتراكمت بالتالى ثروات طائلة لدى معظم الصحابة خصوصا فى عهد عثمان ابن عفان. فعلى سبيل المثال ذكر المسعودى والذهبى وابن سعد نقلا عن آخرين أن عثمان ترك ثلاثين مليون وخمسمائة ألف درهم ومائة ألف دينار فانتهبت وخلف خيلاً كثيراً وإبلاً. وترك ألف بعير بالربذة وترك صدقات كان تصدق بها ببراديس وخيبر ووادى القرى بقيمة مائتى ألف دينار.
وبعد سداد ديونه تبقى لورثة الزبير ابن العوام حسب ما ذكر ابن سعد خمسة وثلاثون مليون ومائتا ألف. وذكر المسعودى أن ماله بلغ بعد وفاته خمسين ألف دينار، كما خلف ألف فرس، وألف عبد وأمة.
طلحة ابن عبيد اللـه التيمى: كانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشراة أكثر من ذلك، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر وابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت
أما عبد الرحمن ابن عوف فترك ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً، وكان فيما ترك ذهب ُقطع بالفؤوس ومما يدل على كثرة ماله أنه لما حضرته الوفاة أوصى بألف فرس وبخمسين ألف دينار فى سبيل الله، كما قيل إنه وقتئذ بكى بكاء شديداً فسُئل عن بكائه فقال: إن مصعب ابن عمير كان خيراً منى توفى على عهد رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم ولم يكن له ما يكفن فيه وإن حمزة ابن عبد المطلب كان خيراً منى لم نجد له كفناً وإنى أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته فى حياة الدنيا وأخشى أن أحتبس عن أصحابى بكثرة مالي
أما عمرو ابن العاص فقد ترك عند موته سبعين بهارًا دنانير، والبهار: جلد ثور ومبلغه أردبان بالمصري، ولم يكن له مال قبل أن يولى أمر مصر. وذكر المسعودى أنه خلف “من العين ثلثمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار، ومن الورق ألف درهم وغلة مائتى ألف دينار بمصر وضيعته المعروفة بمصر بالوهط قيمتُها عشرة آلاف ألف درهم”، وذكرالذهبى أنه” خلف من الذهب قناطير مقنطرة”، وقد اتهمه عمر ابن الخطاب باستغلال منصبه فى جمع الأموال وصادر نصف ماله لحساب بيت المال مثلما صادر نصف أموال بقية عماله على الأمصار متهما إياهم: "أما بعد فإنكم معشر العمال قعدتم على عيون الأموال فجبيتم الحرام وأكلتم الحرام وأورثتم الحرام".
وعن طلحة ابن عبيد اللـه أنه باع أرضا له بسبعمائة ألف وكان يغل بالعراق نحو أربعمائة ألف ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار (وكان يرسل إلى عائشة كل سنة بعشرة آلاف) وقيل إن غلته كل يوم ألف واف ودانقين، وترك بعد موته مليونين ومائتى الف درهم، ومائتى الف دينار، وقومت أصوله وعقاره بثلاثين مليون درهم وترك مائة بهار فى كل بهار ثلاث قناطر ذهب، والبهار جلد ثور.
وقد ذكر المسعودى نقلا عن سعيد ابن المسيب أن زيد ابن ثابت حين مات خلف الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار. وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا سافر، فقلما رجع إلا أقطعه حديقة من نخل.
ومات يعلى ابن منية، وخلف خمسمائة ألف دينار، وديوناً عند الناس، وعقارات، وغير ذلك من التركة ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
وبنى سعد ابن أبى وقاص داره بالعقيق.
واستولى فى النهاية الأمويون على المناصب وبالتالى مصادر الثروات مما أدى إلى الثورة واختيار على ابن أبى طالب الأيديولوجى النقى والمتشدد لمواجهة الأمويين الذين هزموه سياسيا فى النهاية رغم انتصاره عسكريا فى البداية.
وفى العصور التالية لعصر “الراشدين” استمر توزيع الثروات يتسم بالتفاوت الشديد وتحدثنا المصادر الإسلامية عما يفوق الخيال من ترف الحكام والطبقات الغنية وفقر العامة خصوصا من أبناء الشعوب من غير العرب، والفساد الشديد فى البلاط وجهاز الدولة، مما لا سر فيه ولا يحتاج منا للشرح.
يتبع ............
يدين الفكر الإسلامى بمرارة الاستعمار الأوربى، ولكنه يقف بإجلال أمام ما يسميه بالفتوحات الإسلامية. وقد أسماها بعض الإسلاميين بالاستعمار الإسلامى، مثل أبى الحسن الندوى: “ فالإسلام استعمارى إن كان لا بد من هذا التعبير، ولكن هذا النوع من الاستعمار ليس مدفوعاً بحب الحكومة والاستيلاء، وليس من الأثرة الاقتصادية للقومية فى شيء، ولم يكن يحفز المجاهدين الأولين إلى الجهاد طمع فى خفض من العيش ورخائه على حساب الناس الآخرين، ولم يقصد منه إلا بناء إطار عالمى لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي”، وكذلك حسن البنا الذى اعتبر أن الاستعمار الإسلامى لم يشبهه أى استعمار فى التاريخ أبدا، لا فى غايته ولا فى مسالكه وإدارته ولا فى نتائجه وفائدته، فإن المستعمر المسلم إنما كان يفتح الأرض حين يفتحها ليعلى فيها كلمة الحق، كما وصفه باستعمار الأستاذية والإصلاح. وهذه المسألة بالذات تحتاج بعض الاهتمام نظرا لأهميتها الكبيرة فى الفكر الإسلامى المعاصر
* فهذا الادعاء قال به كل استعمار
فالاستعمار الأوربى زعم أنه ما دخل البلاد الأخرى إلا لنشر الحضارة أو الأخلاق المسيحية، ويزعم الأمريكيون أنهم يريدون نشر الديموقراطية، وما قامت الحروب الصليبية التى تثير كره الإسلاميين بشدة إلا تحت شعارات دينية.. هذا هو أحد أوجه التشابه بين الاستعمارين. فالحرب الصليبية إذا صدقنا أنها كانت حربا دينية هى بالضبط “الجهاد”المسيحى، والجهاد هو حرب صليبية (أى مقدسة) إسلامية.. ولكن الفكر الإسلامى يدين الحروب الصليبية ويصفها بكل الصفات البشعة بينما يغض النظر عن الجهاد وما فعله من سبى ونهب وهدم لدور العبادة وقتل وأعمال إبادة جماعية أحيانا كما ذكرت كتب التاريخ الإسلامية نفسها
* لم تكن الغزوات الإسلامية تتم دائما تحت شعارات دينية صرفة، ومنذ عهد محمد وعد أصحابه بكنوز كسرى وقيصر ودعا قريش لاتباعه واعد إياهم بأخذ الجزية من "العجم" حسب ما ُذكر من حديثه لعمه أبى طالب: أريدهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية (مسند أحمد -3417) .
كما بشر أصحابه باحتلال الأراضى: إن اللـه زوى لى الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لى منها (الأحاديث الصحيحة للألباني )
بل لم يخل الأمر من إغراء بالنساء: اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم، نسب الحديث لمحمد فرد عليه شخص اسمه الجد ابن قيس قائلا: ائذن لنا ولا تفتنا بالنساء، يقصد ائذن لنا بعدم المشاركة فى الغزو. وحين قرر عمر ابن الخطاب غزو الشام قام فى المسجد وقال: “إنكم قد أصبحتم فى غير دار مقام بالحجاز، وقد وعدكم النبى صلى اللـه عليه وسلم فتح بلاد كسرى وقيصر؛ فسيروا إلى أرض فارس”.
ومما نُسب لعائشة بنت أبى بكر أنها قالت بعد فتح خيبر: الآن نشبع من التمر، فكان هذا هو ما لفت نظرها. ولا يمكن لأى باحث موضوعى أن يفصل بين الغزوات الإسلامية والكميات الهائلة من الأموال التى تدفقت على الدولة الإسلامية التى بُنيت وعاشت على الخراج المستقطع من الأراضى المفتوحة. ولا يمكن التغاضى عن اعتبار أشرف مصادر المال فى الإسلام هو الغزو. كما لا يمكن النظر إلى اعتبار السبى من الأطفال والنساء مالا للمسلمين أنه يحمل معانى أو أهدافا أخلاقية ودينية رفيعة، ومن الوقائع التى لا يمكن اعتبارها غير مشينة أن من شروط صلح المسلمين مع كثير من البلدان التى غزوها تضمنت تسليم رهائن من أبنائهم لضمان التزامهم بدفع الجزية والالتزام بشروط الصلح الأخرى وأحيانا تضمنت الشروط دفع عدد من العبيد كجزية، ومن أمثلة ذلك الاتفاق مع أهل النوبة بعد فشل الغزو فى احتلالها على أن يعطوا المسلمين 360 من العبيد كل عام، ربما يكونوا من أبناءهم، وحسب البلاذرى أن هذا مقابل أن يقدم لهم المسلمون طعاما بنفس القدر.. وذكر عن أبى عبيد عن عبد اللـه بن صالح عن الليث بن سعد قال إنما الصلح بيننا وبين النوبة على أن لا نقاتلهم ولا يقاتلونا وأن يعطونا رقيقًا ونعطيهم بقدر ذلك طعامًا فإن باعوا نساءهم لم أر بذلك بأسًا أن يشترى... وأن الخليفة المهدى "أمر بإلزام النوبة فى كل سنة ثلاث مئة رأس وستين رأسًا وزرافة على أن يعطوا قمحًا وخل خمرٍ وثيابًا وفرشا أو قيمته"[46]، كما أجبر أهل برقة من مدينة أنطابلس على دفع الجزية إما مالا أو ببيع أبنائهم لتسديدها. أما بلاد المشرق من فارس والهند ودول آسيا الأخرى فكانت أعمال القتل أوسع وأكثر فظاعة مما شهدت الشام وبلاد أفريقيا، كما كانت أعداد السبايا أكثر، دون أى اعتداء من قبل أهل هذه البلاد الذين كانت كل جريرتهم أنهم رفضوا الاستسلام بسهولة للغزاة العرب، وتمردوا بقدر أكبر من غيرهم. وكيف نصف جلوس عشرات الألوف من العرب المسلمين بالجزيرة العربية فى عهد “الراشدين” للتسلية بالجنس والأكل بينما يأتى إليهم “العطاء” من أموال الجزية والخراج شاملة السبى من النساء والأطفال.. هل يمكن الكشف عن أية قيمة إنسانية رفيعة لهذا الوضع؟!ألا يمكن القول أن العرب حين صاروا مسلمين حولوا صراعاتهم الداخلية بغرض النهب والسلب إلى صراع بينهم وبين الشعوب الأخرى بنفس المنطق؟. وإن مشاركة “كفار”أحيانا فى الغزوات الإسلامية (بالطبع طمعا فى المغانم) ليشكك بوضوح فى المأرب الدينى لهذه الغزوات.
لقد مارست القبائل العربية أعمال الإغارة والسلب والسبى واعتبر الإسلام أن المال الآتى من الغزو فى سبيل اللـه أشرف المال، ثم اتجه العرب الجدد؛المسلمون، لغزو "العجم" وممارسة نفس اللعبة: النهب والسبى، ولكن صار هذا يتم باسم اللـه
وإن هجرة مئات الألوف من الأعراب؛الأشد كفرا ونفاقا حسب القرآن نفسه (التوبة: 97) واستيطانهم فى الأراضى المفتوحة لا يمكن فهمه كعمل ذو أهداف أخلاقية. وإذا عدنا لقراءة المراسلات بين عمر ابن الخطاب وعمرو ابن العاص والخلاف بينهما على خراج مصر لرأينا بوضوح أن اعتصار البلاد المفتوحة كان هدفا للطرفين وما الخلاف إلا على أفضل معدل للنهب، فكان الخليفة يطالب بأكبر كمية من الأموال ولكن عمرو ابن العاص كان يرى أن يأخذ من السكان ما يمكن بحيث يحفظ لهم ما يكفى لمعاشهم حتى يحافظ على قوة العمل وبالتالى يضمن الخراج فى الأعوام التالية، وهو المنطق الذى استخدمه عمر ابن الخطاب نفسه مع أهل العراق والشام، ويبدو أنه تعلمه من ابن العاص وغيره، فأوصى بألا تحمل الأرض "بأكثر مما تحتمل" على حد التعبير المسند إليه وبفرض الجزية، بنسبة يمكن للسكان تحملها، وتقسيمها بين المسلمين كما أوصى بأهل الذمة أن يوفى لهم بعهدهم ولا يكلفوا فوق طاقتهم وأن يقاتل من ورائهم.. كذلك لم تكن عملية جمع الجزية والخراج وغيرهما من الضرائب تتسم بالنزاهة أو الالتزام حتى بعقد الذمة، حيث أن الخراج نفسه والضرائب الأخرى لم تدخل فى هذا العقد وكذلك تم أحيانا زيادة الجزية عما نص عليه عقد الذمة فى مخالفة صريحة للعهد فقد فعلها مثلا معاوية ابن أبى سفيان حسب ما ذكر المقريزى: ”وكتب معاوية ابن أبى سفيان إلى وردان وكان قد ولى خراج مصر: أن زد على كل رجل من القبط قيراطًا فكتب إليه وردان: كيف نزيد عليهم وفى عهدهم أن لا يزاد عليهم شيء. فعزله معاوية وقيل فى عزل وردان غير ذلك”.
. كما أن فرض الجزية على الذين أسلموا من قبل الأمويين حتى ألغاها عمر ابن عبد العزيز وقد ُذُكر أن والى خراسان فى عهده، الجراح ابن عبد اللـه الحكمى، كان قد فرض الجزية على من أسلم من "الكفار" ويقول لهم أنتم أسلمتم فرارا منها، فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدوا الجزية، فعزله عمر. وأحيانا على الموتي، لا يمكن أن تُفسر دوافعه تفسيرا أخلاقيا. بل تمت فى أحيان كثيرة عمليات قتل من قبل الولاة، منهم عمرو ابن العاص، للاستيلاء على الذهب والأموال الأخرى، وهذه الوقائع متوفرة بكثرة هائلة فى المصادر الإسلامية، فذكر – كمثال- المقريزى نقلا عن ابن عبد الحكم أن عمرو ابن العاص لما فتح مصر قال: إن من كتمنى كنزًا عنده فقدرت عليه قتلته”ونفذ هذا فعلا ضد شخص اسمه بطرس فاعتبر الأقباط وأخرجوا ما لديهم من كنوز، ولنا أن نتساءل: لماذا يصادر الكنوز؟!.
يتبع .........
- لم تكن الغالبية العظمى للغزوات الإسلامية دفاعية أبدا، وهنا يختلف بعض الإسلاميين المعاصرين. والرأى السائد أنها كانت هجومية وهذا يتفق مع دعوة الإسلام للغزو. أما بعض الدعاة المعاصرين فيدعون بالطابع الدفاعى لكل الغزوات الإسلامية وهو رأى غير سائد فى الفكر الإسلامى. ولم يتبن الفقهاء الكبار فى الماضى هذا الزعم لأن الغزو هو أشرف الأعمال فى الإسلام ولم يجد الخلفاء الراشدون ولا النبى محمد أية غضاضة فى غزو البلاد الأخرى واستعمارها وأخذ خراجها. ولا يستطيع أى باحث نزيه أن يتصور أن احتلال الأراضى الممتدة من اسبانيا إلى غرب الصين من أعمال الدفاع عن النفس!. بل إن غزوة بدر نفسها لم تكن إلا عملا هجوميا. ولم تتحرج كتب التاريخ الإسلامية من ذكر تفاصيل الغزوات وأعمال القتل والسبى والنهب والسلب التى تمت فيها من قبل الجيش الإسلامى. وتفاصيل إرسال الجيوش ل”فتح” بلاد بعيدة وآمنة مدونة تفصيلا فى كتب التاريخ، فلم تعتد المدن الليبية والقبائل البربرية فى المغرب وأبناء الهند وغيرها على دولة الخلفاء، ولم تهاجم أسبانيا العالم الإسلامى بل العكس صحيح، ولم تعتد شعوب مصر والشام على عرب الجزيرة بل كانت شعوبا تخضع للاحتلال وحكمها العرب المسلمون بدلا من الروم والفرس ولم يسلموها إلى أهلها لكى يعيشوا أحرارا. إن الإسلاميين الذين يشكون من الخطاب الأمريكى الحالى الذى يعتبر المحتل مدافعا عن نفسه والمقاوم للاحتلال إرهابيا، قد سبقوه حين اعتبروا الاستعمار الإسلامى دفاعا عن الإسلام والمقاومين من حزب الشيطان. وقد سجل المؤرخون المسلمون كثيرا من وقائع الإبادة والمذابح والسبى التى تعرض لها أبناء البلاد "المفتوحة" بسبب دفاعهم عن أنفسهم وأحيانا دون أى مبرر، نسوق منها أمثلة:
- توجه ابن عامر إلى اصطخرعام 29 هجرية فقاتل أهلها فهزمهم وقتل فيها نحو مائة ألف. والمدينة فتحت 3 مرات على الأقل منذ 23 هجرية وفى كل مرة تعرض أهلها للقتل والسبى بسبب دفاعهم المستميت عن أنفسهم.
- توجه سعيد ابن عثمان ابن عفان إلى سمرقند عام 56 هجرية بأوامر الخليفة معاوية فخرج إليه أهل الصغد من الترك فقاتلهم وهزمهم وحصرهم فى مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهناً خمسين غلاماً يكونون فى يده من أبناء عظمائهم، فأقام بالترمذ ولم يف لهم، وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة.
- سنة 121 هجرية افتتح مروان ابن محمد بلاد صاحب الذهب، وأخذ قلاعه وخرب أرضه، فأذعن له بالجزية فى كل سنة بألف رأس يؤديها إليه، وأعطاه رهناً على ذلك.
- توجه يزيد الرويان إلى جرجان وكان أهلها قد ثاروا وقتلوا خليفته فدخلها وأهلها غافلون فقتل خلقًا من أهلها وسبى ذراريهم وصلب من قتل عن يمين الطريق ويساره.
- سنة 223 هجرية خرج الخليفة المعتصم إلى عمورية فقتل ثلاثين ألفاً وسبى مثلهم وحرقها بالنار.
- الملك محمود ابن سبكتكين فتح بعض من بلاد الهند وكسر صنم سومنات فى شعبان سنة 416 هجرية وأوقدت جيوشه النيران على الصنم وقتل خمسين ألفا من أهل البلد.
- افتتح موسى ابن نصير 84 سنة هجرية الأندلس وبلغ عدد السبى خمسين ألفاً. ومن الأمثلة على وحشية الغزاة المسلمين ما ذكره ابن عبد الحكم؛فوفقا لروايته حين نزل المسلمون جزيرة أسميت فيما بعد بأم حكيم أخذوا من بها ثم عمدوا إلى رجل منهم فذبحوه ثم عضوه (أى قطعوه) وطبخوه ومن بقى من أصحابه ينظرون، ثم أوحوا لهم بأنهم أكلوه بينما ألقوه جانبا وكانوا يأكلون لحما لحيوان، ثم أطلقوا سراحهم فأشاعوا فى الأندلس أن المسلمين يأكلون لحم البشر وذلك لإرهاب الناس.
- وفى فارس وخراسان بلغ عدد السبى فى عام ونصف فقط أربعين ألفا.
وهذه أمثلة قليلة جدا من كثير من أعمال الإبادة الجماعية واغتصاب النساء ونهب الثروات تكتظ بها كتب التاريخ المكتوبة بأيدى مسلمين فخورين بجرائم الحرب التى يشكى منها أحفادهم الآن
- يفهم المسلمون من النص المقدس ما يقدم تبريرا دينيا للغزو واستعمار أراضى الآخرين: وعد اللـه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم (النور: 55) . وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود هو كل الأرض أوكما قال الطبري” أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها”.
ولقد كتبنا فى الزبُور من بعد الذكر أن الأرض يرثُها عبادى الصالحون (الأنبياء: 105) . وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن المقصود هم المسلمون، أما الأرض ففيها ذهب البعض إلى أنها أرض الجنة وذهب آخرون إلى أنها الأرض كلها، أرض المسلمين و"الكفار"، وتأتى فكرة المهدى المنتظر لتستكمل مشروعية الغزو الإسلامى للعالم؛فيعتقد جل المسلمين خاصة وعامة عدا قلة قليلة من العقلانيين (منهم ابن خلدون ومحمد عبده ورشيد رضا) أن العالم سيشهد ظهور قائد مسلم (بالطبع) من أهل البيت النبوى يزيل الظلم ويملأ الأرض عدلا، وستكون الأرض كلها حينئذ تحت سيطرته، ثم يأتى المسيح ليستكمل الأمر بالغلبة النهائية والمطلقة للإسلام
وفى تعليق عمر ابن الخطاب على فتح فارس ما لا يحتاج للتعليق؛إذ قال: "ألا وإن ملك المجوسية قد ذهب فليسوا يملكون من بلادهم شبراً يضر بمسلم ألا وإن اللـه قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون"
يتبع ................
- ونحن لا نهتم بإدانة الغزوات الإسلامية ولكن فقط نوضح أن الدولة الإسلامية مثلها مثل أية دولة أخرى سواء فى عهد "الرشدين" أو غيرهم قد مارست سلوك الدولة؛أى عملت ما استطاعت لتحقيق مصالحها المادية بالوسائل الممكنة وقتها. ولكن الفكر الإسلامى يصر على الكيل بمكيالين فى هذا الموضوع بالذات. فالاستعمار الإسلامى كان “فتحا” أما الاستعمار الآخر فكان غزوا، مع ادعاء أن الأول لم تكن أهدافه دنيوية بل دينية والثانى كان هدفه المصالح المادية أو القضاء على الإسلام.
وفى هذا الموضوع يجرى التمييز مثلا بين تحرر أسبانيا من الاستعمار الاستيطانى العربي-الإسلامى، وتحرير فلسطين من الصليبيين. ومن الأمثلة البسيطة أن يُعتبر قاتل الجنرال كليبر (سليمان الحلبي) بطلا بينما يوصف أبو لؤلؤة قاتل عمر ابن الخطاب بأسوأ الصفات رغم أن كل منهما قتل مستعمرا أجنبيا لبلاده.
- وإذا كان الاستعمار الإسلامى قد أقام حضارات فى البلاد المستعمرة فقد قدم الاستعمار الغربى رغم ما ارتكب من جرائم ضد الإنسانية الكثير من التقدم والحضارة للمستعمرات، بل أقام أعظم حضارة فى التاريخ فى أمريكا بعد جريمة إبادة معظم سكانها الأصليين بفظاظة.
- أما اتهام الاستعمار الغربى بفرض ثقافته ومحو هوية الشعوب المستعمرة فلا يقارن الإسلام فى هذا، حيث تم تعريب شعوب بأكملها وطمس ثقافاتها بل وتحقيرها والتقليل من شأنها لصالح الثقافة الإسلامية. وبخصوص هذه النقطة نسوق ما كتبه المقريزى عن رأى الفاتحين العرب-المسلمين فى بعض الشعوب التى احتلوا أرضها:
ومن أخلاق أهل مصر قلة الغيرة ومن أخلاقهم: الانهماك فى الشهوات والإمعان من الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة. وقد روى عن عمر ابن الخطاب أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان وأخلاق سكانها فقال: إن اللـه تعالى لما خلق الأشياء - جعل كل شيء لشيء فقال العقل: أنا لاحق بالشام فقالت الفتنة: وأنا معك وقال الخصب: أنا لاحق بمصر فقال الذل: وأنا معك وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية فقالت الصحة: وأنا معك. ويقال: لما خلق اللـه الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان والحياء والنجدة والفتنة والكبر والنفاق والغنى والفقر والذل والشقاء فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن فقال الحياء: وأنا معك. وقالت النجدة: أنا لاحقة بالشام فقالت الفتنة : وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق فقال النفاق: وأنا معك... وعن ابن عباس : المكر عشرة أجزاء. تسعة منها فى القبط وواحد فى سائر الناس. ويقال: أربعة لا تعرف فى أربعة: السخاء فى الروم والوفاء فى الترك والشجاعة فى القبط والعمر فى الزنج. ووصف ابن العربية أهل مصر فقال: عبيد لمن غلب. أكيس الناس صغارًا وأجلهم كبارًا. وقال عبد اللـه ابن عمرو: لما أهبط إبليس وضع قدمه بالبصرة وفرخ بمصر. وقال كعب الأحبار: ومصر أرض نجسة كالمرأة العاذل يطهرها النيل كل عام. وقال معاوية ابن أبى سفيان: وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف: فثلث ناس وثلث يشبه الناس وثلث لا ناس. فأما الثلث الذين هم الناس: فالعرب والثلث الذين يشبهون الناس: فالموالى والثلث الذين لا ناس: المسالمة يعنى القبط
- أما موقف الفكر الإسلامى ممن أسموا بالشعوبية وهم المعادين لحكم العرب، فمعروف جيدا وهو العداء الشديد واتسم الرد عليهم بتحقير ثقافة غير العرب والربط بين العداء للعرب و"الكفر" والزندقة، ولنتذكر أن الإسلام قد تضمن ضرورة توقير العروبة لغة وشعبا. وقد كان الرد العربى –الإسلامى غير متوازن، عنصرى وتكفيري. ألا يتشابه هذا مع موقف الاستعمار الغربى والمركزية الأوربية؟؟.
بثينه عبدالعزيز
04-14-2009, 08:57 AM
عادل الحريرى
adilelhariry*************
على مستوى الواقع المعاصر
ينتقد الإسلاميون الحضارة الحديثة؛ "الدنيوية" أو الجاهلية كما ينعتونها. وهذا يفعله أيضا كثير من المفكرين الغربيين. ولكن يتميز الإسلاميون بأنهم يعزون نفس ما ينتقدونه فى الغرب ويوجد فى بلاد الإسلام إلى الغزو الثقافى الغربى.. أما عالم الشرق الإسلامى فهو الأرقى أخلاقيا وقيميا وما انحرافه إلا شيء غير أصيل، دخيل عليه، مستورد من الخارج سواء فى إطار مؤامرة عالمية على الإسلام أو لانحراف الحكام وبعد المسلمين عن دينهم. فالمقارنة هنا ليست بين واقع وواقع بل بين واقع (الغرب) ونص (الإسلام) . وكأن الغرب يفتقد إلى النصوص الإنسانية للغاية بل إن الفكر الليبرالى والاشتراكى والنزعة الإنسانية قد نشأت هناك. وعادة ما يتناول الإسلاميون الحضارة الغربية المعاصرة كاشفين عن جذورها اليونانية والرومانية، الوثنية والمادية والتى تهتم بالمتعة واللذة.. إلخ. وهنا أيضا يتم تناسى الجذور الوثنية جدا للإسلام، الذى نشأ فى مجتمع يعبد الحجارة وحافظ على كثير من نفس الطقوس. هذا بخلاف التراث الوثنى لمختلف البلاد العربية والإسلامية والتى تركت بصماتها على الإسلام، منها تقديس الموتى بدرجة أو بأخرى والتعبد “لأولياء اللـه الصالحين”.
كما تُتهم الحضارة الحديثة بالإفلاس منذ عقود طويلة دون تقديم ما يدل على ذلك، والمقصود عادة هو الإفلاس المعنوى؛القيمى والأخلاقى.. المزعوم فيقارن بإنجازات الحضارة الإسلامية التى انهارت منذ قرون. وهنا تتم المقارنة بين حاضر وماضى، بغض النظر عن محتوى المقارنة. ويتم بالطبع التعامى عما قدمته الحضارة الحديثة من القيم الإنسانية والنضالات البطولية للشعوب الأوربية ضد الطغيان والفساد والأنظمة القمعية والثورات العديدة والتضحيات الجسام التى قدمتها تلك الشعوب والتى أسفرت فى النهاية عن إقامة أنظمة ومنظومات قيمية ليست مثالية حتما ولكنها تحترم بقدر ما حقوقا عديدة للناس وتحقق بعض أشكال المساواة والحريات الشخصية والعامة التى لم يعرفها عالم الشرق الإسلامى. ويصور الإسلاميون الإنسان الغربى غارقا فى الملذات الحسية التى يعدونها رخيصة ولا ندرى لماذا تُعد رخيصة أصلا، وكذلك متناسين أن هذا الإنسان يستمتع بجانب المتع الحسية كما ينعتونها بالأدب والموسيقى الرفيعة وأشكال أخرى كثيرة من الفنون الجميلة والهوايات المتعددة ناهيك عن تمتعه بالعلوم الحديثة واكتشافات الكون والآثار القديمة وتاريخ الشعوب الأخرى.. إلخ فأين الإفلاس المزعوم؟؟. وإذا كان الإسلاميون لا يستطيعون أن يروا فى رقص الباليه –مثلا- سوى حركات جنسية، فأبناء الحضارة الحديثة لا يرون فيه هذا إطلاقا بل معانى أعمق من هذا بكثير مما لا يفهمه أصحاب النظرة الضيقة -الجنسية للجسد الإنسانى. ونحن نشير إلى أن القيم الحديثة لا تتعلق فقط بالمتع الجسدية عكسما يصورها الإسلاميون للحط من شأنها-رغم أنها كما نعتقد ليست منحطة- لنكشف فقط عن لجوء هؤلاء إلى الكيل بمكيالين، ولكن الأهم من ذلك ما حللناه من قبل من اعتبار الإسلاميين قيمهم هى المعيار المطلق للحكم على قيم الآخرين
== يوجه العرب والإسلاميون كثيرا من الانتقادات للعنصرية الغربية والنظرة المتعالية للغرببين إلى الشعوب الأخرى والمركزية الأوربية عموما. ولكن يتناسون أن العرب المسلمون يتصرفون بنفس الطريقة: إن العداء الشديد للغرب ككل، رغم وجود اتجاهات غربية غير مركزية وغير عنصرية، والذى برز بشدة أيام الاحتلال الأوربى وتعمق بشدة مع صعود الناصرية والقومية العربية أمر واضح للعيان. أما قمع العرب المسلمين للأكراد وسكان جنوب السودان والبربر وال”بدون”، والتمييز العنصرى الصريح فى بلدان الخليج ومنها السعودية المسلمة للغاية ضد عرب آخرين والأجانب عموما وغير المسلمين فهى أمور تتحدث عنها الصحافة اليومية ويعرفها مئات الملايين من الناس. ومازالت الثقافة العربية –الإسلامية تتغنى بأصالة العرب وعظمتهم الفطرية وصفاتهم الفريدة كما كان يتكلم الجاحظ وابن تيمية بالضبط فى عنصرية صريحة حيث يُربط الإسلام بالعروبة بالتفوق على الآخر.
ولا ترى المركزية الإسلامية أن فى الغرب اتجاهات إنسانية وعالمية قوية بل والكثير من الناس هناك متعاطف مع العرب والمسلمين وليس الجميع كتلة واحدة معادية على طول الخط، اللهم إلا إذا اعتبر الجميع متفقون على تقسيم الأدوار فى إطار مؤامرة وهمية على المسلمين.
== لا يكف الإسلاميون عن الصراخ بخصوص مظاهر اضطهاد المسلمين فى أى مكان فى العالم كالشيشان، البوسنة، الصين، الفلبين، الهند.. إلخ. ولكن أولا لا يهتمون باضطهاد غير المسلمين: فى السودان مثلا، أقباط مصر، نيجيريا.. بل يميلون إلى إنكارها. وثانيا تتجه قوافل الإغاثة المسماة بالإسلامية إلى المسلمين المنكوبين بشكل أساسى، بينما تقوم منظمات دولية لل”كفار” بتقديم المساعدة للجميع من “كفار” ومسلمين: منظمة الصليب الأحمر الدولى، أطباء بلا حدود وغيرهما الكثير. ومما يلفت النظر أن الصوت الإسلامى كان عاليا للغاية فيما يخص مسلمى البوسنة بينما لم يحرك ساكنا إزاء مذابح أفريقيا التى تمت فى نفس الفترة تقريبا وراح فيها أعداد هائلة من القتلى، ببساطة لأنهم “كفار” ولأن البوسنة تقع فى أوربا، أرض العدو التاريخى، ولا نتصور أى تفسير آخر. وقد وجدنا الشعوب الإسلامية تقدم تبرعات ضخمة لتمويل الحرب فى أفغانستان والبوسنة والشيشان ولكنها بخلت تجاه إعصار تسونامى، وتحت الضغط الدولى والإحراج تبرعت الأسر الحاكمة فى الخليج بالمال فى محاولة لتجميل المسلمين ولكن كانت المحاولة فاشلة حين أعلن مصدر سعودى وقتها لتبرير التبرع أمام الرأى العام المسلم أن كثيرا من المتضررين مسلمين!!، والأغرب أن أحد كبار الإسلاميين؛زغلول النجار، أعلن مرارا أن ما حدث كان عقابا من اللـه للفجاروالعصاة فى شرق آسيا.
* فى الوقت الذى ينتقد فيه الإسلاميون الهيمنة الغربية ويطالب بعضهم الغرب بالاعتذار عن استعمار البلاد العربية والإسلامية لم يرتفع صوت ذو صدى فى العالم الإسلامى ينتقد الاستعمار الإسلامى القديم وأعمال النهب البشعة التى مارسها، ومازال الإسلاميون يدافعون عما يسمونه بالفتوحات الإسلامية مطالبين الآخرين بالاعتراف بأنها كانت إنجازا فى تاريخ البشرية،. والأدهى أن هناك الكثير من التيارات الإسلامية المعاصرة وجماهير مسلمة عريضة تحلم بالأيام الخوالى حين حكم الإسلام العالم بل يطمح البعض فى استعادة الأندلس مثلما نادى حسن البنا: " ونريد بعد ذلك أن تعود راية اللـه خافقة عالية على تلك البقاع التى سعدت بالإسلام حينا من الدهر ودوى فيها صوت المؤذن بالتكبير والتهليل، ثم أراد لها نكد الطالع أن ينحسر عنها ضياؤه فتعود إلى الكفر بعد الإسلام. فالأندلس وصقلية والبلقان وجنوب إيطاليا وجزائر بحر الروم، كلها مستعمرات إسلامية يجب أن تعود إلى أحضان الإسلام، ويجب أن يعود البحر الأبيض والبحر الأحمر بحيرتين إسلاميتين كما كانتا من قبل".
بثينه عبدالعزيز
04-15-2009, 11:06 AM
الديماجوجيا الإسلامية / عادل الحريري
"أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة وعنكم ذادة، نحكمكم بحق اللـه الذى أولانا وسلطانه الذى أعطانا وأنا خليفة اللـه فى أرضه وحارسه على ماله"
أبو جعفر المنصور
== يقود الكيل بمكياين دائما إلى عدم الاتساق وإذا تمادى فيه المرء يصبح مدفوعا – إذا تمسك بموقفه – أن يلجأ للتزييف، بدون وعى إذا افترضنا حسن النية، وبوعى وإدراك حين يتعرض موقفه لانتقادات قوية ويظل متمسكا بموقفه. ولما كان الإسلام هو عقيدة دينية يكون تجاوزها صعبا للغاية من قبل المؤمنين بها كما لا يتقبل أصحابها انتقادها باعتبارها مستمدة من نص مقدس. ومن هنا يلجأ الفكر الإسلامى للدعاية الديماجوجية وكثيرا ما يرتكب الإسلاميون الكذب الصريح. وما يعنينا هنا الكشف عن الديماجوجيا الإسلامية فيما يخص فقط علاقة الإسلام ب"الكفار"؛المركزية الإسلامية
لم يحتج المفكرون المسلمون للديماجوجيا كثيرا حين كانت الدولة الإسلامية قوية، كما لا يلجأ إليها الأصوليون والمتشددون المعاصرون لشعورهم بالقوة الزائفة ولكن يستخدمها بشكل يومى الدعاة والمفكرون المعاصرون الأكثر حنكة وبالتالى الأكثر اعتدالا حتى تسير بهم السفينة ويتفادوا الكراهية والاضطهاد، خصوصا فى فترات “الاستضعاف”ومع ذلك تصدر منهم من وقت لآخر التصريحات المستقيمة والواضحة فى لحظات الانتشاء أو الشعور بالقوة. ويفعل الشيء نفسه الإسلاميون الرسميون لدى حكومات شبه علمانية تستخدمهم فقط، من ذلك الأزهر.
والديماجوجيا الإسلامية ليست أكثر من طريقة لتقديم الفكر الإسلامى بلغة رقيقة خصوصا فيما يتعلق بالعلاقة مع الآخرين الأقوياء؛"الكفار". والحقيقة أن خطاب المعتدلين هو نفسه من حيث الجوهر خطاب المتشددين (وهو موضوع بحثه بعمق نصر حامد أبو زيد ودفع ثمنه) ولكن يختلف الشكل والتفاصيل فقط، فالكل يؤمن بمبدأ الحاكمية رغم أنه ُطرح بوضوح فى العصر الحديث، وبالفقه الإسلامى الذى قدمه الأئمة المعروفون، وبتفاسير القرآن القديمة مع تعديل محدود هنا وهناك.. والكل تقريبا يوافق على قتل المرتد وعلى غزو البلاد الأخرى إذا سمحت الظروف.. إلخ. وكل هذا ينفر "الكفار" من الإسلام وأهله ويخلق عداوات متزايدة لهم ولذلك وفى سبيل تسويغ الإسلام للآخرين الأقوياء الآن وفى سياق الدفاع عن النفس يلجأ المحنكون إلى الدمججة بطرق مختلفة.
يستند الإسلاميون بهذا المنطق إلى أسس موجودة فى النص المقدس نفسه وفى السنة العملية منها
- فكرة التقية الموجودة بعمق فى الثقافة الإسلامية سواء لدى الشيعة أو السنة، وهى لدى السنة مباحة للضرورة؛فى حالات الاضطرار أو الإكراه، أما شروطها لدى الشيعة ففضفاضة أكثر وتُعد تكليفا بل فريضة لدى الإمامية، فلا دين لمن لا تقية له. ففى القرآن: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ومن يفعل ذلك فليس من اللـه فى شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة (آل عمران: 28) . من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبُهُ مُطمئن بالإيمان (النحل: 106 )
والتقية – بمعناها الإسلامي- ببساطة هى الحذر من إظهار ما فى النفس من معتقد للغير أوإظهار المودة لل”كفار” وحتى إظهار "الكفر"حسب الآية الأخيرة، فيقى المسلم نفسه من العقوبة وإن كان يضمر خلاف ما يبطن إذا خاف من "الكفار". ووضع الفقهاء شروطا لممارسة التقية واختلفوا على مستوى الضرر والإكراه الذى يبيح للمسلم العمل بها ولكن لم يختلفوا على المبدأ.
فالمبدأ العام مقبول. ونسوق هنا رأى الرازى فى تفسيره لآية سورة آل عمران: 28وهو مفسر ُيعتد به، لصراحته الكاملة: “ اعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة نذكر منها: أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل فى قوم “كفار”، يخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان بأن لا يظهر العداوة باللسان بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض فى كل ما يقول، فإن للتقية تأثيرها فى الظاهر لا فى أحوال القلوب”. وقد كان ابن تيمية أكثر غلظة وهو يُسمى شيخ الإسلام؛ يقول: “إذا أقمت فى دار الكفر للتطبب أو التعلم أو التجارة، فأقم بينهم وأنت تضمر العداوة لهم”. ولم يكن التلميذ أقل وضوحا من أستاذه فذكر ابن القيم الجوزية فى تعليق له على آية سورة آل عمران سابقة الذكر: ” ومعلوم أن التقاة ليست بموالاة، ولكن لما نهاهم عن مولاة "الكفار" اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان فى كل حال، إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية، وليست التقية موالاة لهم. والدخول ههنا ظاهر فهو إخراج من متوهم غير مراد”
وشرحها ابن كثير كالآتى: ” أى إلا من خاف فى بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخارى عن أبى الدرداء: أنه قال: «إنا لنكشر فى وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم». وقال الثورى: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفى عن ابن عباس: إنما التقية باللسان”
أما سيد قطب فذكر: ” ويرخص فقط بالتقية لمن خاف فى بعض البلدان والأوقات.. ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل. قال ابن عباس - رضى اللـه عنهما - “ ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان “.. فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر – والكافرهو الذى لا يرضى بتحكيم كتاب اللـه فى الحياة على الإطلاق، كما يدل السياق هنا ضمنا وفى موضع آخر من السورة تصريحا - كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل فى صورة من الصور باسم التقية. فما يجوز هذا الخداع على اللـه !”. ولكن أقر أغلب الفقهاء أن الإكراه فى الفعل والقول سواء، أى التقية تكون أيضا بالعمل ولا تقتصر على القول، مثل الإكراه على ترك الصلاة أوعلى تناول الأطعمة والأشربة المحرمة أو الإفطار فى رمضان أو الزنا وحلف اليمين الكاذبة وشهادة الزور.
والواضح أن العمل بمبدأ التقية يمنح دعاة الإسلام مرونة كبيرة فى إخفاء وإبراز ما يريدون وتقديم الأفكار بأشكال تلائم موازين القوى التى يعملون فى ظلها. ورغم نفى التقية أو تحديد مجالها من قبل دعاة الإسلام السنى فإن خطاباتهم المتغيرة حسب الظروف والمتلونة حسب المواقف والتصريحات التى يعلنونها ثم ينفونها بعد أيام أحيانا.. إلخ تضج بوجود هذا المبدأ بعمق
ومن السنة العملية لبعض الصحابة الفتوى بخلاف الأحكام المعمول بها وهو ما يعنى إخفاء القناعة الحقيقية لمعالجة قضية وقتية ومن الأمثلة فتوى لابن عباس: "حين سأل سائل: ألِمَن قتل مؤمناً متعمداً توبة؟، قال: لا، إلا النار، فقال له جلساؤه بعد أن ذهب الرجل : كنت تفتينا يا ابن عباس: أن لِمَن قتل توبةً مقبولة، قال: أنى لأحسبه رجلاً مغضباً، يريد أن يقتل مؤمناً".
- وهناك مباديء أخرى عامة مدعومة بنصوص مقدسة أيضا تسوغ مخالفة لنصوص مقدسة أكثر تحديدا، منها مبدأ”الضرورات تبيح المحظورات”، واللجوء إلى “المصالح المرسلة” فى التشريعات الفقهية إذا لزم الأمر، وذهب بعض “العلماء”إلى أن المصالح تُقدم على النص، أسوة بتعطيل عمر ابن الخطاب لبعض النصوص إما للمصلحة العامة مثل تعطيل حد السرقة عام المجاعة أو لانتفاء الضرورة مثل إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، إنما الأعمال بالنيات، يريد اللـه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وقد يعطل البعض من حين لآخر قاعدة لا اجتهاد مع النص استنادا لما سبق..
- وهناك اعتقاد واسع الانتشار بل سائد تماما فى الإسلام القديم والمعاصر؛ أن آيات القرآن ُنسخت بعضها حسب الظروف وكذلك الأحاديث، بل هناك اعتقاد أقل انتشارا بأن الأحاديث نسخت آيات معينة من القرآن أيضا، قبل ذلك أبو حنيفة ورفضه الشافعي. ومن المهم أن نسجل ان كل الآيات التى تدعو المسلمين لمسالمة "الكفار" وموادعتهم ومودتهم قد نُسخت- حسب القائلين بالنسخ وهم أغلبية "العلماء"- بآيات تدعو لقتالهم وإكراههم على أداء الجزية “وهم صاغرون”وقتل من يرفض منهم. فسورة التوبة قد نسخت – كما ذهب جل المفسرين والفقهاء- ما قبلها، وآية السيف قد نسخت آيات الموادعة، وحتى القائلون بعدم النسخ يذهبون إلى أن الآيات قد تدرجت فى الأحكام أو صارت أكثر شمولا، مما لاينفى، بل يؤكد الأخذ بآيات القتال أو الموادعة حسب الظروف.
- وفى السنة العملية كان محمد ( ص ) شديد المرونة أحيانا وقبل حلولا وسطا كما قدم تنازلات أحيانا مثلما فى صلح الحديبية.
- فكرة “الستر” وفكرة “الكتمان“ عميقتا الجذور فى الثقافة الإسلامية. والحديث “الصحيح” يقول: كل أمتى معافىً إلا المجاهرين. وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يُصبح وقد سترهُ اللـه فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يسترُه ربه ويصبح يكشف ستر اللـه عنه (صحيح البخاري-5930 ومسلم- 7434) . من ستر مسلماً سترهُ اللـه يوم القيامة (البخارى -2399) من ستر أخاه المسلم، ستر اللـه عليه فى الدنيا والآخرة (صحيح ابن حبان-533) . وقد اتفق الفقهاء أن من شهد فعلا يستوجب إقامة أحد الحدود ، فالمستحب أن لا يشهد به؛ لأن الستر مفضل وأكثر ثوابا. والمعنى المفهوم هنا هو الجهر بالمعاصى وستر المعاصى، والجهر المقصود حسب شروحات الحديث هو المبالغة فيه والتحدث بالمعاصى دون ضرورة والتفاخر بها.. إلخ.. والواضح أن فكرة ستر النفس وستر الآخر المسلم تضاد فكرة”الاعتراف”فى المسيحية والتى تهدف إلى التطهر من المعاصى. والحدود بين المبالغة أوالتفاخر ومجرد الإعتراف ليست محددة مما يجعل من فكرة الستر حجة للتغطية والمداراة والمناورة، ومما يوضح فكرتنا المثل القائل”إذا بليتم فاستتروا”، وهو مثل منتشر وسط العرب قديما وحديثا. كما يدعو أيضا إلى الكتمان: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذى نعمة محسود
كل هذا يعطى الفرصة للتعامل بروح عملية وبراجماتية مع الواقع إذا تغيرت الظروف وإذا بدا أن التمسك الحرفى بالمباديء يضر الدعوة الإسلامية متمثلة بالطبع فيمن يدعو إليها. فإذا كان النص المقدس نفسه بهذه المرونة ويمنح الفرصة باللجوء إلى المحظورات أحيانا- فى حالة الاضطرار- فلننتظر من الفكر الإسلامى كثيرا من المرونة التى تخفى الأهداف أو النوايا الحقيقية، وهذا ما يفعله الإسلاميون المعتدلون والمؤسسات الإسلامية لحكومات شبه علمانية. وهذا مما يفسرجزئيا بعض اختلافات الإسلاميين المعتدلين والمتشددين وحتى "المستنيرين" فى مختلف مواقفهم من قضايا مثل الديموقراطية والعلاقة بين المسلمين و"الكفار" والموقف من العنف وحقوق الإنسان وغيرها.
تُستخدم الديماجوجيا من قبل الإسلاميين بخصوص علاقة الإسلام بالآخر على ثلاثة محاور:
1- محاولة نفى المركزية عن الفكر الإسلامي
2- تقديم الفكر الإسلامى فى صورة فكر إنسانى
3- تجميل وجه الممارسات الإسلامية فى الواقع والتاريخ مع تشويه الآخرين.
يتبع ..................
1- محاولة نفى النزعة المركزية عن الإسلام:
مسألة قبول الآخر:
يذهب بعض الدعاة المعاصرين إلى أن الإسلام يعترف بالآخر بينما لا يعترف الآخرون بالإسلام. ومن الأمثلة محمد عمارة الذى انسحب من الحوار الإسلامى المسيحى بهذه الحجة بالذات، زاعما (وكرر هذا الكلام فى حوار تلفزيوني) أن الحوار صار مستحيلا بين طرفين يعترف أحدهما بالآخر بينما يرفض الأخير منح الأول نفس الاعتراف. وتفصيل حجته كما شرحها أن الإسلام يعترف بالأنبياء الآخرين وبدياناتهم بينما يرفض المسيحيون واليهود الاعتراف بالنبى محمد وبالإسلام. ومنهم أيضا عبد الواحد بلقزيز الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامى الذى تحدث أمام المنتدى المشترك لمنظمة المؤتمر الإسلامى، والاتحاد الأوروبى حول الحضارة والإنسجام- التوافق السياسى، فى اسطنبول: 12 – 13 فبراير 2002، حيث ضمن ما قال: ”والإسلام دين التعارف بين الشعوب، وربط أواصر الوفاق والوئام معها، حيث يقول القرآن: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) . والإسلام دين الاعتراف بالديانات السماوية السابقة له، وأقربها له هى الديانة المسيحية – كما أسلفت - وباعتباره آخر ديانات السماء، فقد جمع الإسلام كل ما فى الديانات السابقة من فضائل ومحاسن”.
والمغالطة فى الكلام واضحة تماما:
1- فالآخر بالنسبة للإسلام عموما ليس هو المسيحى واليهودى بل كل "الكفار"، فهل يعترف الإسلام بكل "الكفار"؟وهل يعترف المتحدث المذكور نفسه ب"الكفار"؛هل ينفى عنهم صفة "الكفر"؟!وإذا كان الكلام عن الآخر يُقصد به المسيحى واليهودى فهل يعترف الفكر الإسلامى بهما أم يعتبرهما فى عداد "الكفار" المحرفين لكتبهم والعابدين لغير اللـه من أحبارهم؟!.
2- يتم هنا تمييع مفهوم الاعتراف بالآخر، فإذا كان المقصود هو الاعتراف بأن مبدأه هو الحق فلن يكون آخر.. أما الاعتراف بأن مبدأه المختلف هو وجهة نظر لها ما يبررها فهذا يرفضه الإسلام بتاتا لأنه – فى عرف المسلمين- الدين الحق وكل ما عاداه باطل وضلال. أما التعارف بين الشعوب فموضوع لا علاقة له البتة بقبول الآخر المختلف، والمختلف عن الإسلام هو بكل بساطة: "الكفار". ولم يتغير الخطاب الإسلامى عبر التاريخ بخصوص هذه النقطة، ولا تتمتع الآراء الأخرى بهذا الخصوص بأى نفوذ وسط عامة أو خاصة المسلمين
3- الإسلام لا يعترف – بالمعنى الذى تكلم به محمد عمارة وعبد الواحد بلقيز- بالأديان الموجودة بالفعل بل بالنسخة التى يعتبرها حقيقية، أما النسخ الموجودة فعلا فهى كما يرى مزورة ولا يعترف بها. فهل يعترف مثلا بأن المسيح هو الله؟؟! كما أنه لا يعترف ولا يتقبل الأديان “غير السماوية”.. فأين الاعتراف بالآخر؟.
4- إن الآخر؛"الكافر" بوجه عام فى البلاد الديموقراطية يتقبل أن يكون المرء مسلما على أساس حرية الاعتقاد وفصل الدين عن الدولة. ويتقبل الخطاب الليبرالى عموما ذلك. ولكن يأبى الإسلام إلا تطبيق شريعته حتى على غير المسلمين إلا فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، فالفكر الإسلامى السائد يرى الإسلام دينا ودولة.
5- إذا كان الإسلام يقبل وجود أهل الذمة فى البلاد الإسلامية فهو يقبل وجودهم على أساس أنهم “كفار” وأعداء للإسلام بالضرورة وليسوا مجرد أصحاب ديانات أخرى، مختلفة فحسب. أما تقبل وجود أصحاب ديانات أخرى أو ملحدين فأمر لا يتقبله الرأى العام المسلم ويختلف فيه الفقهاء.
6- لا يقبل الفكر الإسلامى السائد – باستثناء آراء نشاز- الآخر “المرتد”، وهو “آخر” لا شك، بل يرى قتله بعد استتابته.
إن هذا الادعاء يصور الإسلام على أنه فكر ليبرالى وإنسانى بل ومظلوم بعدم قبوله من الآخرين الذين يُطالبون بالتعامل معه باعتباره الدين الحق، أى يُطالبون بالإسلام.. فأين قبول الآخر؟. أما الآخر العلمانى واللادينى فيقبل الآخر المسلم كصاحب عقيدة له الحق فى الإيمان بها وليس الاعتراف بالآخر هو الاعتراف بأنه على حق كما يريد محمد عمارة من الآخرين الذين يكفرهم. أما الآخر المسيحى واليهودى فلا نتصور أنه قد يعترف بغيره إلا بالمعنى الذى ذكرناه توا.
ونقدم مثالا آخر من الدمججة، إذ حاول كاتب آخر أن يُظهر الإسلام فى صورة المعترف بغيره من الثقافات مستشهدا بأقوال آخرين: ”إن التعدد والتنوع الثقافى سنة الكون وناموس ثابت، فالحياة أساسها التنوع والتعدد... إن اختلاف الألسن يعنى تعدد القوميات، واختلاف الألوان يعنى تعدد الأجناس البشرية... وهذا يعنى تعدد الشرائع والأديان، وإذا كانت الحضارة تنشأ من فكرة دينية،... فإن الإيمان بتعدد الشرائع والأديان يفضى إلى الإيمان بتعدد الحضارات. وإذا كان هذا الاختلاف والتعدد من آيات اللـه، فإن الذى يسعى لإلغاء هذا التعدد يعد ساعيا إلى طمس آيات اللـه فى الوجود، بالشكل الذى يهدد الوجود الإنسانى على سطح المعمورة، مما يدفع بنا إلى التأكيد على ضرورة المحافظة على تنوع الهوية الثقافية لكونه يغنى الحياة الإنسانية. واحترامه أصبح أمرا واجبا لا إكراه فى الدين وجميع الأجناس متساوية، وكل تراث مجتمعى يسهم فى التراث الإنساني”.. إن الإسلام هو دين الحوار والاعتراف بالآخر[85] (التشديد من عندنا) .. ثم طالب الكاتب الغرب بعدم السعى للهيمنة على العالم كما دعا المسلمين إلى الحوار مع الآخرين دون التخلى عن الإسلام، ويستخدم آيات الموادعة كالعادة فى مثل هذه الكتابات منحيا آية السيف وآيات القتال العديدة. والواضح من مقاله الشعوربضعف الثقافة الإسلامية والخوف من سيطرة الغرب ولذلك راح يدعى أن الإسلام يعترف بالثقافات الأخرى ولكنه لم يسلم من التناقض الواضح حين اعتبر أساس الحضارات هو الدين متناسيا الحضارات اللادينية ومعتبرا أن اللـه هو مصدر كل الأديان متناسيا الأديان “غير السماوية”.. فهو إذن يخاطب الغرب الذى يعتبره مسيحيا، بينما هو ليس كذلك، مناشدا إياه أن يحترم الثقافة الإسلامية ولا يقصد العكس كما ادعى فى مقاله، فقد ادعى اعتراف الإسلام بالآخر؛"الكافر" طبعا، وهو يقصد أن يطالب الغرب باحترام الإسلام!ولم ينس وصف الغرب بالمسيحى حتى يبرر اعترافه به إسلاميا، وهو فى الحقيقة يعترف بالمسيحية المفترضة وغير الموجودة فعليا. فهو يعترف بشيء وهمى مدعيا أنه الغرب الموجود بالفعل، محولا الواقع إلى وهم كذبا وخداعا.
وفى الحقيقة يعتبر الإسلاميون أن الحوار مع الجاهليين لا يجب أن يهدف إلى أخذ أفكار منهم وإنما لدفعهم إلى الأخذ بالإسلام فالهدف هو تبييض صورة الإسلام أمامهم حتى يقبلوه. ذلك أن قيمة الأفكار فى الإسلام تأتى من مصدرها، فالأفكار ذات المصدر الإلهى هى الأفضل حتما وحتى إذا اتفقت بعض أفكار الإسلام مع بعض أفكار "الكفار" يُعتبر هذا الاتفاق شكليا فحسب، ف"الكفار" يطرحون أفكارهم من أنفسهم ولغرض المصلحة أما الإسلام فيطرح تعليمات اللـه نفسها ولغرض طاعته. وعلى ذلك ينبذ الإسلاميون مبدأ التفاعل الثقافى والحوار الفعلى، إلا بغرض دعوة "الكفار" إلى الإسلام وليس بغرض التوصل إلى أرضية مشتركة على أساس التفاعل الفكرى، فكيف يتفاعل دين اللـه مع فكر الجاهلية؟. إن مبدأ الحوار نفسه يتضمن المساواة بين أطراف الحوار، أى بين الإسلام و"الكفر" وقبول الآخر كما هو باعتباره صاحب وجهة نظر، وليس ضالا وفى قلبه مرض. ومن ثم يكون التفاعل بين المتحاورين بغرض التوصل لأفكار مشتركة، بغض النظر عن اختلاف مصدرها من “وحي” أو عقل بشرى، وإلى أفكار جديدة تتجاوز أفكر الطرفين قبل الحوار. وهذا ما يرفضه العقل الإسلامى بتاتا لأن فيه تنازلا عن قدسية الإسلام وعلو شأنه قياسا بأفكار "الجاهلية".
من هنا يتضمن الفكر الإسلامى دعوة مفتوحة لصراع الثقافات حتى تنتصر إحداها؛الإسلام، على الأخرى.. وهو ما يمهد لحرب دينية ممتدة. الحقيقة أن النص الإسلامى المقدس وغير المقدس مكتظ بنبذ وازدراء فكر الآخر؛"الكافر" وليس فى هذا أية مبالغة وهو ما يعترف به كثير من الإسلاميين الأكثر صراحة بوضوح شديد. وحتى الأقل صراحة يشيرون إلى ذلك مرارا، مثلما تكلم فهمى هويدى مثلا منتقدا ما أسماه “التقصير فى تحصين الشباب بالثقافة الدينية الرشيدة يمثل عاملاً أساسياً فى إضعاف مقاومتهم لجاذبية السلوك الغربى والانزلاق فى محاكاة نمط الحياة الغربية”، واستخدام لفظ “التحصين” يبدو فى سياقه كريها للغاية وكأن ثقافة الآخرين ميكروبا ومرضا. واللفظ يُستخدم كثيرا على المنابر الإسلامية بلا حرج.
أما عن الحوار ففى القرآن: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهُم وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (العنكبوت: 46) ، والمفهوم بالذين ظلموا منهم من بقى منهم على "كفره". أما آية سورة النحل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن (النحل: 125) ، فهى مشروطة بالرجاء فى الإسلام، حسب قول معظم المفسرين، وفسرها أحد أهم المفسرين بأنها فى التوحيد والنبوة وليس فى الفروع، وهو ما يساوى أن الحوار يجب أن يكون عبارة عن الدعوة للعقيدة الإسلامية وليس للأفكار الإسلامية الجزئية.
أما الإسلاميون الأقل صراحة؛”المعتدلون” فبعضهم لا يرفض بصرامة فكرة قبول الآخر، ولكن يتم ذلك عمليا فى الحوارات الفعلية، فيُقبل اللفظ ويُرفض المحتوى
ومن الأمثلة الفجة على “نفاق” الإسلاميين أنه حين أصدرت لجنة العقيدة والفلسفة التابعة لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر توصيتها الشهيرة (المختلف حولها والتى نفى صدورها مدير عام مجلس مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشيخ مصطفى وهدان) بتقسيم المرتد عن الإسلام إلى مرتد غير مضر وآخر ضار واستتابة الأول مدى الحياة جاء فى القرار ذاته: إنها، أى اللجنة، "راعت فى توصيتها الظروف الدولية التى تحيط بالإسلام، والاتهامات الموجهة إليه بالتحريض على العنف والإرهاب.. وأن هناك قوى معادية تتربص بالإسلام وتريد النيل منه، فتصفه تارة بأنه عدو للحضارة، وتارة بأنه عدو للحرية” كما صرح عضو اللجنة، الدكتور عبد المعطى بيومي”أن ما تم ليس عن رغبة وإرادة، إنما “مراعاة للظروف الصعبة والشديدة التى يمر بها العالم الإسلامى، وحركات التشويه المنظمة ضد الإسلام واتهامه بأنه يحرض على الإرهاب ومصادرة الحريات”.
وأخيرا يجب أن نلاحظ أن الإسلام بوجه عام لا يتقبل النقد، أو ما ُيسميه السب؛نقد النصوص المقدسة ونقد نبى الإسلام، فكيف يمكن أن يقبل الحوار مع الآخر دون تقبل النقد؟. كما أن الحوار مع المختلف، خصوصا العلمانى واللادينى يشترط الاحتكام إلى البرهان وهذا ما يتنافى مع أساس المعرفة فى الإسلام، ولنتذكر أن المعتزلة والعقلانيين عموما من الإسلاميين، القائلين بأسبقية العقل على النص، قد سُحقوا ويُسحقون من حين لآخر من قبل التيار السائد الذى يجعل من النص أولوية على العقل، فكيف يٌقام حواربين منظومتين فكريتين مختلفتين تعتمد إحداها على “الغيب” و”الوحي”كأساس للمعرفة ؟.
يتبع ...............
== مسألة عدم الإكراه فى الدين
- يكثر الإسلاميون الكلام على إقرار الإسلام لحرية الاعتقاد وفقا لآيات القرآن ومنها “فلا إكراه فى الدين”، ”لكم دينكم ولى دين”وغيرها. فهل فعلا يتضمن الفكر الإسلامى عدم الإكراه فى الدين؟
لنلق الضوء على هذه الفكرة:
يتضمن النص المقدس فعلا آيات وأحاديث تقول بذلك. ولكن هناك أيضا فى الفكر الإسلامى السائد ما يناقض ذلك، منها:
- يُخير الناس المعرضون للغزوات الإسلامية من غير مشركى العرب بين ثلاث: الإسلام أو الجزية أو السيف. فإذا كانوا لا يحبون الدخول فى الإسلام ويأنفون أو يعجزون عن دفع الجزية فعليهم أن يدافعوا عن أنفسهم بالقوة، فإذا كانوا أضعف من المسلمين عسكريا فماذا يعنى ذلك؟ إما أن يقاتلوا حتى الموت أو يضطروا إلى إعلان إسلامهم.. أليس فى هذا إكراه؟أين شعار “لا إكراه فى الدين”؟؟. إن مجرد شن الحملات العسكرية “لجعل كلمة اللـه هى العليا” يساوى الضغط على الناس حتى يسلموا. وإن فرض الجزية والخراج وغيرهما من الضرائب على أهل الذمة ليمثل ضغطا ماديا عليهم لكى يسلموا، يضاف لذلك مختلف الضغوط المذكورة فى “الشروط العمرية” وأشكال التمييز المختلفة كما استعرضناها من قبل. كما رفض الكثير من الفقهاء أن تُعرض الثلاث خيارات المشار إليها على "الكفار" من غير أهل الكتاب كما رأينا سابقا، أى يُخيروا بين الإسلام أو السيف، وأجمع الفقهاء على أن هذا ينطبق بالذات على مشركى العرب.. أين عدم الإكراه؟؟.
- وفى الواقع لا يوجد أى تناقض، فالآية 256 من سورة البقرة (لا إكراه فى الدين) لم تُفسركما يُفهم من ظاهر معناها، واختلف فيها المفسرون. وقد ذهب الكثير منهم إلى أنه نُسخت بآية القتال وذهب غيرهم إلى أنها لم تُنسخ ولكنها تنطبق على أهل الكتاب فقط واتفق جلهم فى الحالتين على أن الإسلام قد فُرض كرها على مشركى العرب، وبالتأكيد يوجد ويظهر دائما "مشركون"عرب. وقد جاء فى الحديث هذا المعنى واضحا: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللـه وأن محمداً رسول اللـه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على اللـه (البخاري-25 ومسلم -93 وغيرهما) .، والمقصود بالناس هنا - كما فهم معظم ال”علماء”- "المشركين"دون أهل الكتاب. وإلى هذا الحديث استند أبو بكر فى محاربة مانعى الزكاة بعد وفاة محمد.
ونرى أنه من المفيد أن نقدم بعض الآراء فى هذا الموضوع: لخص الشوكانى التفسيرات التى قيلت فى هذه الآية: “قد اختلف أهل العلم فى قوله: “لا إكراه فى الدين” على أقوال: الأول إنها منسوخة لأن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قوله تعالى: “يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين” وقال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن اللـه مع المتقين” وقال: “ ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون “، وقد ذهب إلى هذا كثير من المفسرين. القول الثانى أنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت فى أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، بل الذين يكرهون هم أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبى والحسن وقتادة والضحاك. القول الثالث: أن هذه الآية فى الأنصار خاصة، وسيأتى بيان ما ورد فى ذلك. القول الرابع: أن معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف إنه مكره فلا إكراه فى الدين. القول الخامس: أنها وردت فى السبى متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام. وقال ابن كثير فى تفسيره: أى لا تكرهوا أحداً على الدخول فى دين الإسلام، فإنه بين واضح جلى دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه اللـه للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللـه قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول فى الدين مكرهاً مقسوراً، وهذا يصلح أن يكون قولاً سادساً. وقال فى الكشاف فى تفسيره هذه الآية: أى لم يجبر اللـه أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار، ونحوه قوله: “ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” أى: لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكن لم يفعل، وبنى الأمر على الاختيار، وهذا يصلح أن يكون قولاً سابعاً. والذى ينبغى اعتماده ويتعين الوقوف عنده: أنها فى السبب الذى نزلت لأجله محكمة غير منسوخة، وهو أن المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت يهود بنى نضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فنزلت، أخرجه أبو داود والنسائى وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقى فى السنن والضياء فى المختارة عن ابن عباس. وقد وردت هذه القصة من وجوه، حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار قالوا: إنما جعلناهم على دينهم: أى دين اليهود، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن اللـه جاء بالإسلام فلنكرهنهم، فلما نزلت خير الأبناء رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم ولم يكرههم على الإسلام. وهذا يقتضى أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم وأدوا الجزية. وأما أهل الحرب فالآية وإن كانت تعمهم، لأن النكرة فى سياق النفى وتريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد خص هذا العموم بما ورد من آيات فى إكراه أهل الحرب من "الكفار" على الإسلام. قوله: “قد تبين الرشد من الغي” الرشد هنا الإيمان، والغى الكفر: أى قد تميز أحدهما على الآخر. وهذا استئناف يتضمن التعليل لما قبله”. وما نريد إيضاحه هنا ليس التفسير أو المعنى بل أن آراء المفسرين الثقاة قد تضمنت الاعتراف بأن الإسلام يكره صنفا معينا من "الكفار" على الإسلام فى آيات وأحاديث وسنن عملية وهو ما يتجنبه بعض الدعاة المعاصرين حين يتكلمون عن السماحة الإسلامية المزعومة بينما يقرون بأحكام المرتد و"الزنديق " وينادون بتطبيقها.
- ذكرت آراء ليست قليلة فى الفقه أن المرأة المرتدة والأطفاب يجبرون على الإسلام وقد تناولنا ذلك من قبل.
- عدم السماح للمسلم بأن يغير دينه وتهديد من يعلن ذلك بالقتل أو الضغوط لكى يتراجع، ألا يُعد إكراها على إعلان الإسلام؟؟. وقد كان كثير من الفقهاء القدامى أكثر جرأة وصراحة من الإسلاميين المعاصرين "المعتدلين"، وقد اعترف كثير منهم بصراحة بأن الإسلام يكره العرب الوثَنِيِين و"المرتدين"عَلَى الإِسلامِ.
- العالم الإسلامى هو عبارة عن محكمة تفتيش شعبية. فالفقهاء و”العلماء”والصحافة الإسلامية والرأى العام نفسه.. كل هذا يتربص بكل من يعلن التحول من الإسلام أو حتى ينتقد النصوص المقدسة أو حتى أحد الصحابة، ويوجهه بضغوط شديدة تصل إلى حد التهديد بالقتل أو حتى القتل نفسه. وفى الواقع الحالى لا ُيرفع السلاح، كظاهرة، ضد المثقفين إلا من قبل الإسلاميين سواء نعتتهم التيارات “المعتدلة”بالطيش أو بعدم فهم الإسلام الصحيح، ورغم هذا تمنحهم نفس المنظمات الفتاوى اللازمة لممارسة القتل بإهدار دم "الكفار"، ثم تتبرأ مما يفعلون من تهديد وقتل!بل كثيرا ما تقدم المبررات اللازمة لأعمال العنف محملة "الكفار"مسئولية استفزاز الشباب الجهادى. كما أن هناك محاكم تفتيش رسمية تتمثل فى محاكمات المرتدين. أليست استتابة المرتد هى محكمة تفتيش؟أو ماذا يمكن أن نسميها؟!.
- إن الإسلام تحميه الدولة فى العالم العربى وبعض البلاد الإسلامية الأخرى، بالقوانين والسجون التى تفتح أبوابها “للمرتدين” و”الزنادقة” والقوانين تجرم نقد الدين والرسول والنصوص الدينية. كما أن الأغلبية العظمى من المسلمين لم يختاروا الإسلام أصلا بل ُفرض عليهم منذ مولدهم وحملوا صفة مسلم فى أوراقهم الشخصية وعوملوا على هذا الأساس وطالبتهم أسرهم بالتصرف كمسلمين.. فأين حرية المرء فى الاختيار؟. ويستند الإسلام فى هذه النقطة إلى الفكرة القائلة بأن الإنسان يولد مسلما!وهى فكرة لا دليل عليها إطلاقا ولا يمكن تصورها أصلا. ولنتخيل إذا اعتبر كل أصحاب الأيديولوجيات أن الإنسان يولد اشتراكى أو ليبرالى أو بوذى فهل يتقبل الإسلاميون هذا؟.
إذا كان الإسلام يسمح بالحرية الدينية فلماذا مازال يستخدم الشرطة لحمايته بفرضه على المولودين من آباء أو أمهات مسلمين بقوة الدولة، وبحمايته بالقوة من “المرتدين” و”الزنادقة”و”المارقين”ومختلف أصحاب ما يسمونها “الأفكار الهدامة”؟.
رغم كل هذا يزعم الإسلاميون أنه”لاإكراه فى الدين”على العموم، ومن هؤلاء سيد قطب (فى ظلال القرآن) الذى كتب يتغزل فى طرح الإسلام لمبدأ حرية الاعتقاد ومقارنا بينه وبين المسيحية التى فرضتها الدولة الرومانية قسرا، مقارنا - كعادة الإسلاميين- بين نص ووقائع، فالمسيحية كدين وثقافة لم تناد بالإكراه فى الدين فلم تفرض الثلاث خصال الشهيرة ولم تناد - كفكر- بقتل المرتد.. إلخ. وهناك فى تاريخ الإسلام من فرض التشيع بالقوة على شعب بأكمله (الفاطميون) ومن فرض السنة بالقوة على نفس الشعب (الأيوبيون) .
ومن "المعتدلين" لجأ القرضاوى للدمججة بلا خجل ، فتحدث عن الحرية فى الإسلام وتغزل فى حرية الاعتقاد المكفولة.. بينما تمسك فى نفس الكتاب بقتل المرتد ومنتقد الإسلام، واتهم - مثل سيد قطب تماما- الحكومات العلمانية بالردة وأسماها "ردة السلطان"وسبق الإشارة إلى مناداته بتطبيق حكم الردة فى العلمانيين
الحقيقة أن الإكراه على الإسلام ليس مجرد موقف فكرى مجرد، فإذا كان الإسلام لدى أهله هو الطريق إلى الجنة والسعادة فى الدنيا فلماذا يُفرض عقيدة أو نظاما على من يرفض الجنة والسعادة؟أليست النار أولى بهم؟!. فى الواقع تعكس هذه المركزية نزعة قوية للسيطرة وقهر الآخر وتهميشه. وفى سياق ذلك يستلب المسلمون أو قادتهم بمعنى أصح السلطة والأراضى والأموال. وإذا أردنا تحليل المحتوى الفعلى للخيارات الثلاثة: الإسلام أو الجزية أو السيف لوجدنا أن الإسلام يعنى عمليا بالنسبة للغزاة تحصيل الزكاة لحكومتهم فيكون الخيار بين دفع المال فى صورة من إثنتين: زكاة أو جزية، أو السيف.. وهى عملية استعمارية مغلفة بالمقدس والشعارات الطنانة حول الجنة والنار والموت فى سبيل اللـه.. إلخ. أما فرض الإسلام على مواطنى الدولة عقيدة أو نظاما فيعنى عمليا الخضوع لدولة شمولية ولبطانتها، وهو واقع التاريخ الإسلامى القديم والحديث. ونرى أنه لا يمكن الفصل بين الإصرار على فكرة قتل المرتد وأشكال الإكراه الأخرى عن وجود مؤسسة دينية قوية فى البلاد العربية والإسلامية التى يُعامل فيها "الكفار"بهذه القسوة مثل السعودية ومصروالسودان، مدعومة من السلطة وداعمة لها فى نفس الوقت، فالحفاظ على أكبر عدد من الأتباع والموالين لها – لتبرير وجودها- يتطلب قمع أى اتجاه مناويء لمنظومتها الفكرية، وسوف تستمر هذه المؤسسات فى مقاومة التحول الديموقراطى حتى تنهار قوتها بطريقة أو بأخرى. والمسألة لا تتعلق فقط بمصالح المؤسسة الدينية ولا مصالح الدولة، فهناك أيضا أرضية أوسع؛ف"المرتد" و"الكافر" عموما يمثل فى نظر الجماهير والإسلاميين من شتى الاتجاهات الثقافة الحديثة بكل ما تمثله من شبح الهيمنة الغربية ومضاعفات التحديث الناقص، وهذا ما يفسر مثلا اتهام “الزنادقة” المعاصرين بالعمالة للغرب وتصويرهم كعنصر من عناصر المؤامرة الغربية المزعومة على الإسلام
يتبع .................
2- تقديم الفكر الإسلامى فى صورة فكر إنسانى:
يحاول الإسلاميون حتى المتشددين منهم تقديم الإسلام فى صورة المبدأ الإنسانى الذى يدعو إلى مباديء إنسانية مثالية رغم رفضهم للنزعة الإنسانية، باستثناء قليل جدا من المصلحين. ولإبراز هذه الصورة يلجأون إلى عدة أطروحات:
- اللجوء إلى أحكام القيمة. فالإسلام يدعو إلى “العدل” وتوجد آيات كثيرة وأحاديث عديدة تقول بذلك. ولكن هل هناك أية شريعة أو عقيدة أو دعوة تنادى بالظلم أو تنكر أنها تدعو للعدل؟!وبالإضافة إلى الاستشهاد بالآيات والأحاديث يلجأ الإسلاميون إلى ضرب أمثلة فردية من التاريخ الإسلامى باتت محفوظة دون الانتباه إلى وجود أمثلة مضادة عديدة وإلى وجود أمثلة فردية مشابهة فى مختلف النظم حتى الاستبدادية. ويبدو مفهوم العدل لديهم مطلقا بينما هو نسبى فيختلف معنى العدل من ثقافة لأخرى بل من فرد لآخر، فمن العدل فى الإسلام حتما أن يُقتل المرتد وأن تغتصب نساء "الكفار" المحاربين وأن يُباع أولادهم فى السوق كأية سلعة.. رغم أن "الكفار" المعاصرين يرون فى هذا كله شيئا بشعا. ورغم أن الإسلاميين المعاصرين لا ينادون بذلك وقد يوافقون على مواثيق لا تبيح السبى والاغتصاب فى الحرب إلا أنهم يبررون ما حدث من ذلك فى التاريخ الإسلامى، بل ويقرونه بفخر واعتزاز، وأكثرهم اعتدالا، مثل القرضاوى فى حلقة تليفزيونية يبرره بأن الآخرين كانوا يفعلون ذلك، فإذن تقبل الشريعة الإسلامية أن يكون الآخرون قدوة للمسلمين، والأهم هل الشريعة الإسلامية ترفض هذا التصرف أصلا أم تبيحه؟!وهل الحاكمية يمكن أن تقلد "الجاهلية"؟!!فى الواقع أقر الإسلام كثيرا من قواعد الحرب السابقة عليه مع كثير من أفكار وعادات"الجاهلية" الأخرى وهو ما تهرب منه القرضاوى
ومن أحكام القيمة كذلك استخدام مفهوم الرحمة بمعنى مطلق بينما هو مفهوم نسبى؛فإذا كان الإسلام يدعو للرحمة فيما بين المسلمين فقد دعا للغلظة على "الكفار": يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (التوبة: 73) ، محمد رسول اللـه والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم (الفتح: 29) . وتحققت هذه الغلظة كثيرا فى الواقع، فما الرحمة فى سبى نساء وأطفال أهل الحرب وبيعهم فى السوق مثل أية سلعة؟!. فى الواقع لم يكن أى استعمار رحيما، ولا يستثنى الاستعمار العربي-الإسلامى.
- يقدم الإسلاميون فكرهم على أنه يتبنى كل المباديء الإنسانية النبيلة من الحرية والإخاء والمساواة بل وقد سبق الثورة الفرنسية فى رفع وتحقيق هذه الشعارات.. ولكن بمعانى تختلف كليا عما تعنيه هذه المباديء للرأى العام فى العالم. فهل يدعو الإسلام إلى المساواة والإخاء بين المسلمين و"الكفار"؟وهل يوافق على حرية الإنسان فى فكره واعتقاده وفى التعبير عن رأيه وحريته فى جسده؟؟. حين تُناقش التفاصيل العملية يتراجع الإسلاميون فورا بحجة أن الإسلام قدم مفاهيما مختلفة لهذه الشعارات أكثر تقدما واكتمالا وعظمة.. إلخ.. أى يلجأون مرة أخرى إلى أحكام القيمة الفارغة من مضمون محدد. والشيء المثير للغضب أن الإسلاميين يصرون على أنهم يناضلون من أجل الحرية والمساواة بينما تمتليء كتاباتهم بالدعوة لقمع الآخر "الكافر" وفرض نظام الشريعة"السمحاء"- زعما- على كل البشر "لينعموا" بها. والحقيقة أنهم أبعد الناس عن الليبرالية التى يهاجمونها باستمرار وبشراسة غالبا.. فما هى هذه الحرية وتلك المساواة التى يدعون إليهما؟!وهم بدلا من تعليم الجماهير مباديء التسامح مع الآخر يدعونها لاختيار النظام الإسلامى الشمولى برغبتها.. نفس منطق الفاشيست من قبل. ويكثر الزعم بعالمية الإسلام وشموله كافة الناس وليس المسلمين فقط استنادا لتعبيرات مثل "ياأيها الناس"، "يا بنى آدم".. ويتناسى الإسلاميون أنه يدعوهم جميعا للإسلام وليس للمحبة بينهم أو للتعاون بغض النظر عن الدين!. وإذا كان كلامنا مبالغ فيه فهيا أيها الإسلاميون وافقوا على المساواة فى كل شيء بين المسلمين و"الكفار".. هل تستطيعوا؟سنرحب بذلك حتما.
ويتكلم دعاة الإسلام عن أهدافهم وفكرهم كأعظم ما فى الدنيا منتهجين نهجا شكليا تماما.. فما هو مضمون هذه الأهداف؟ فيما تتمثل هذه العظمة المزعومة للإسلام ؟. إن غياب البرنامج العينى للإسلام السياسى يحصر الدعاية فى مجرد المديح وتحبيذ الحل الإسلامى؛فالإسلام هو الحل! أى كتاب اللـه وسنة رسوله (القرآن دستورنا..) وهو ما يدغدغ عواطف العامة دون أن يقدم تصورات عملية لمجتمع آخر
- يتم إظهار فكرة “الشوري”وكأنها أعظم المباديء الديموقراطية فى الدنيا، وكأن حكام العالم جميعا كانوا حكاما فرديين لا يشاورون أحدا وهو طبعا ادعاء ساذج، فلا يمكن لفرد واحد أن يحكم دون “مجلس شوري” من بطانته على الأقل. ويُصور الإسلام وكأنه يدعو للديموقراطية الشعبية، رغم أن هذه الفكرة مرفوضة جملة وتفصيلا فى الثقافة الإسلامية، حيث مبدأ الحاكمية للـه وليس المبدأ الأساسى فى الديموقراطية: حكم الشعب، وحيث النص هو مصدرالتشريع حتى لو رأى الناس غير ذلك. وهو أمر يعلنه الإسلاميون كل لحظة.. ثم ألم يكن فى مكة قبل الإسلام أهل حل وعقد أيضا وكانوا يتشاورون أم كيف كان يسير هذا المجتمع المزدهر اقتصاديا؟. وبالعكس تماما لم تناد الغالبية العظمى من دعاة الإسلام بالديموقراطية إسميا إلا حديثا جدا فى حدود ضيقة: صندوق الاقتراع، لأنهم يظنون أنهم يضمنون أصوات الأغلبية، مع ربط ذلك بجعل الشريعة الإسلامية هى مصدر التشريع كإلزام وليس كاختيار ضمن خيارات أخرى ممكنة. ومن المعلن من قبل الإسلاميين المعتدلين أنصار الشورى الملزمة مثل الإخوان المسلمين أنه لا شورى فيما فيه نص أما ما ليس فيه نص من قرآن أو سنة فيجب التشاور فيه، فلا اجتهاد مع النص، وفى السنة العملية لم يقبل محمد بالشورى فى وضع مباديء الدين إلا نادرا ولم يُسمح لأحد بالاعتراض على ما اعتبر وحيا ولذلك رفض الشورى حول صلح الحديبية لأنه تم بوحى حسب ما ُذكر وكان يشاور أصحابه فى الأمور الفنية أساسا. وبغض النظر عن حقائق التاريخ الفعلى يعتقد عامة المسلمين والأغلبية العظمى من خاصتهم أن الإسلام هو رسالة أرسلها اللـه بواسطة جبريل إلى محمد الذى قدمها للناس الذين وفقا لهذا التصور اتخذوا موقف المتلقى. وفى أزهى عصور الإسلام من وجهة نظر أهله، دولة "الراشدين" لم ينتخب الشعب أى حاكم بل كانت المبايعة، أى الاستفتاء هو أقصى المسموح به ومن رفض مبايعة أول خليفة قُتل بتهمة الردة باستثناء الهاشميين. وبينما أنتج الفقهاء والمتكلمون ما لاحصر له من كتب العقيدة وأحكام الدين والأحاديث وتفسيرها وتفاسير القرآن.. إلخ نجد أن ما خلفوه فى مجال الفكر السياسى جاء هزيلا لغاية وكان أرقى ما كُتب هو كتاب الماوردى “الأحكام السلطانية”، ولم يهتم أحد منهم أبدا بفكرة العقد بين الدولة والشعب، باستثناء ابن رشد أساسا، ولا بأية فكرة ديموقراطية أخرى، وأقصى ما قُدم من شروط الإمامة هو التقوى والعدل ولم يتطرق أحد إلى حرية الناس أو حق المواطنة. وللمقارنة وحتى تكون الأمور أوضح نذكر بأن اليونانيين القدامى قد طرحوا فكرة المواطنة والديموقراطية صراحة وأقيمت ديموقراطيات ناقصة فى التاريخ القديم
ومسألة الديموقراطية تُعد جوهرية فى علاقة الإسلام بالآخر. فتحقيق الديموقراطية فى دولة بها مسلمون و"كفار" يعنى ببساطة تحقيق المساواة بينهم، أى علمنة الدولة والمجتمع ككل وبالتالى إلغاء فكرة تطبيق "الشريعة"، أى إلغاء فكرة الدولة الإسلامية ليصبح الإسلام دينا فحسب.. فهل هذا مما يقبله الفكر الإسلامي؟.
- دين السلام: وعادة ما يذُكر هنا أن كلمة إسلام مشتقة من السلام، وهى مغالطة لغوية مكشوفة فالإسلام يعنى بالنسبة لكافة المسلمين التسليم للـه وليس السلام مع البشر ولم يُستخدم اللفظ سوى بهذا المعنى، ويُضاف أن القرآن فى بعض آياته قد دعا إلى السلام، بل إن التحية فى الإسلام هى “السلام عليكم”. وإذا كان للسلام هذه القيمة العليا فى الفكر الإسلامى، فأين يقع مفهوم “الجهاد”وما علاقته بقيمة الغزو العالية جدا فى هذه الثقافة. ثم ما هو هذا السلام بالضبط؟أليست معظم الثقافات تتبنى فكرة السلام ومعظم الغزاة دعوا أعداءهم للسلام.. ولكن بأى معنى.. نقصد بأية شروط؟. ففى الإسلام على العالم كله أن يخضع للشريعة الإسلامية كنظام حياة وإلا يكون الغزو. بل أمر الإسلام أتباعه بألا يبدأوا "الكفار" بالسلام وحدد طريقة للرد على تحيتهم. فى الواقع دعا الإسلام إلى السلام بين المسلمين وتشدد فى إدانة من يقاتل جماعة الإسلام أو يخرج عليها ولكنه لم يدعُ للسلام مع "الكفار" إلا فى حالة الاستضعاف أو بشروط معينة كما استعرضنا.
وبينما لم يقع المسلمون قديما فى لبس كهذا يلعب الإسلاميون المعاصرون لعبة الخداع هذه.
- التسامح والمحبة والمساواة: الإسلام كما يقدمه بعض الدعاة المعاصرين هو دين المحبة والتسامح. وتدل النصوص المقدسة وآلاف الكتب والمقالات ومختلف النصوص أن الإسلام لا يتسامح أبدا مع الآخر "الكافر" ولم نصادف نصا يطالب المسلمين بأن يحبوا "الكفار" أو يتسامحوا معهم إذا انتقدوا الإسلام أو روجوا لفكرهم بينما هو يناهضهم بحرية. إن التسامح والعفو عند المقدرة فى الإسلام نصا وفقها وثقافة معاصرة ليست مفتوحة ولا فرضا، فلا عفو عن منتقد الإسلام مثلا أو من يخرج على عقد الذمة أو المرتد.. ولا خيار رابع أمام "الكفار" بين الإسلام أو الجزية أو السيف إلا إذا كانوا أقوياء فلا يستطيع المسلمون محاربتهم، كما أن العفو عن المسيء لشخص المسلم -لا لدينه - هو أمر اختيارى.. وبشكل عام لا توجد –عمليا- ثقافة للحب والتسامح المفتوحين على مصراعهما وأى ادعاء من هذا النوع هو ادعاء كاذب. وحتى التسامح المسيحى لم يتحول إلى وجدان الناس ولم ينسخ إلى عالم الفكر السياسى مثلا!.
ومن الأمور المثيرة للضحك أن يُعتبر مجرد سماح الإسلام للرجل المسلم أن يتزوج من نساء الكتابيات “تسامحا كبيرا”، وهو ما يقدمه بعض الدعاة للتدليل على التسامح “الفريد” للإسلام كما ينعتونه، وأن يُعد مجرد عدم الدعوة لإبادة الشعوب الأخرى هو عين التسامح الإسلامي!. وكأن هذه ابتكارات جديدة فى الفكر البشرى لم تُعرف من قبل.. وكأن البشرية لم تعرف من قبل سوى الإبادة الجماعية واستئصال الشعوب لبعضها البعض!. وهل دعا بوذا أو المسيح أو حتى أرسطو إلى إبادة الآخرين وهل قام الفرس والروم بإبادة الشعوب التى حكموها؟؟. وإذا كان السماح بالزواج بين المسلمين والكتابيات من أشكال التسامح فهل منع “كفار” قريش الزواج بين أديان مختلفة؟ بالعكس كان الزواج قبل الإسلام عند العرب أكثر سهولة ومتعدد الأشكال وبالتالى كان التسامح – إذا استخدمنا منطق الإسلام- أكثر وقد حرم الإسلام كثيرا من أشكال الزواج السابقة عليه ولم يبتكر أشكالا جديدة عكس ما يوحى به الإسلاميون!. أليس الأكثر تسامحا هو الزواج المدنى، بغض النظر عن الدين وهو ما يرفضه الإسلام بتاتا؟
أما المساواة فشعار جميل ولكنه يُقدم بمضمون يعنى عكسه. ويعنينا هنا العلاقة بين المسلم و"الكافر". فلم ينص الإسلام السائد لا القديم ولا المعاصرعلى ما يعنى المساواة بين سكان البلد من مسلمين و"كفار"؛ف"الكفار" هم أهل ذمة، يعيشون فى كنف المسلمين ولهم حقوق محددة ليس من بينها مثلا تولى الولايات العامة ولا إظهار شعائرهم ولا الدعوة لعقائدهم.. إلخ، ومع ذلك يرفع الإسلاميون الأكثر اعتدالا شعار" لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، بأى معنى بالضبط إذا كان نفس الإسلاميين يتبنون ما أشرنا إليه فورا من تحديد وضعهم كأهل ذمة، وكثيرا ما تتضمن كتاباتهم هذا التناقض ونجد هذا مثلا فى رسائل حسن البنا التى تناول فيها وضعهم بوضوح فى الدولة الإسلامية التى قرر إنشاءها هو وأتباعه ولدى القرضاوى فى كتيبه: غير المسلمين فى المجتمع الإسلامي- سبق ذكره، وكلاهما؛مفكر الإخوان القديم والحالى رفعا الشعار المذكور مع ذكر ما يناقضه من شروح.. وفى الحقيقة لا يمكن إلا اعتبار هذا خداعا لا يمارسه المتشددون أبدا
يتبع ..................
- التعددية : زعم “نص البيان التأسيسى للاتحاد العالمى لعلماء المسلمين” على أن الإسلام هو أول من نادى بالتعددية الثقافية (التشديد من عندنا) التى تعدها المجتمعات الغربية من مفاخرها الحديثة، داعيا الدول الغربية إلى كفالة الحقوق والحريات للمسلمين المقيمين بها، وتمكينهم من أداء واجباتهم الدينية بحرية، شأنهم شأن أهل سائر الأديان، ومنع التمييز بينهم وبين غيرهم من المواطنين بسبب الدين، واستيعاب الخصوصية الثقافية الإسلامية فى إطار التعددية.. متجاهلا المناداة الصريحة للإسلام بمناهضة فكر "الكفر" لصالح ما يسميه الدين الحق واعتباره كل ما عداه باطلا ويفتح الطريق إلى جهنم، ومتناسيا الشروط العمرية وقتل المرتد وفضائل الغزو لفرض النظم الإسلامية.. الخ!. وذكر جمال البنا: ويتفق الإسلام مع العلمانية فى أنه يرفض الدولة الثيولوجية ويجعل الحكم عقدا سياسياً فكأن الإسلام حقق العقد الاجتماعى الذى تصوره جان جاك روسو.. قبله بقرون طويلة . ويتجاهل البنا دور "الكفار" الذى يحدده لهم الإسلام السائد فى هذا العقد المزعوم، ناهيك عن موقع النساء حيث تُرفض ولاية المرأة إلا من قبل بضع أفراد من الإسلاميين فلم نسمع عن أى دور سياسى للمرأة، ناهيك عن وضع العبيد والسبايا من "العجم" فى دولة الخلفاء "الراشدين"التى يسميها "يوتوبيا" زعما!.
وفى الماضى والحاضر يدرس مفكرو الإسلام الأديان الأخرى أساسا لكشف “تحريفها”بدلا من الاهتمام بالكشف عن اختلافاتها وتشابهاتها وسياق نشوئها.. إلخ. بل ونزعم أن مختلف الكتابات الإسلامية – مع استثناءات محدودة- عن الأديان الأخرى، خصوصا اليهودية والمسيحية تهدف إلى الكشف عما يُعد تشوهات وانحرافات واضعيها وعن طابعها البشرى مقارنة بالمصدر الإلهى المزعوم للإسلام.
ولم يأخذ الإسلام بالتعددية منذ بدايته، مما تسبب كما نعتقد فى اصطدامه بالقرشيين، وتدل سورة الكافرون على ذلك: قُل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد. والتى حسب مختلف التفاسير جاءت ردا على أفراد محددين من مكة اقترحوا أن يعبد المسلمون و"الكفار" آلهة بعضهم البعض فرفض محمد مصرا على عبادة إله واحد دون سواه. والسورة لا تقبل بالتعددية بل تقرر واقعا مع إدانة من تخاطبهم ناعتة إياههم ب”الكافرين".
ويلجأ كثير من الإسلاميين "المعتدلين"إلى التحايل باستخدام كلمة تعددية بمعنى مختلف عن المقصود بها فى مثل هذا السياق. فيلجأ بعضهم لبذل جهد مضنٍ للبرهنة على قبول الإسلام لوجود التنوع فى الكون واختلاف اللغات والأمم وتعدد أنواعى الكائنات.. إلخ وهو تنوع موجود سواء رضى الإسلام أم لا، والقضية طبعا ليست هنا حيث يعرف البشر بوجود التنوع. كما "يتنازل"آخرون فيقرون أن الإسلام يقبل وجود أفكار متنوعة بدليل وجود مدارس فقهية وتفسيرية متعددة داخله.. كل هذا طبعا داخل الإسلام. ومن المعتاد أن يتحدث آخرون عن قبول الإسلام لوجود أهل الذمة على أرضه كدليل على قبوله بالتعددية (مثل القرضاوي) متجاهلا كالعادة أنه يقبلهم ليس باعتبار أن أفكارهم مشروعة بل باعتبارهم ضالين وبالتالى صاغرين للإسلام ويعيشون "فى كنف" المسلمين. وكثيرا ما ُتقدم التعددية المقبولة فى الإسلام على أنها قبول المسلمين للتعامل التجارى وغيره مع "الكفار" من مختلف البلاد وإقامة المعاهدات.. إلخ. والاحتيال واضح تماما؛فالتعددية التى يدعو لها الديموقراطيون فى العالم هى قبول الفكر الآخر كوجهة نظر لا كحقيقة أو باطل والتوقف عن ادعاء احتكار الحقيقة المطلقة وتكفير الآخرين أو اتهامهم بالضلال والانحراف وبالتالى التقليل من شأنهم والحط من مكانتهم. والحقيقة أن الفكر الإسلامى الأكثر دبلوماسية، عكس الفكر الأصولى المتشدد، يجد نفسه أمام معضلة؛فلا هو قادر على إعلان رفضه للتعددية بوضوح خوفا من "الكفار" الأقوياء، ولا هو قادر على الاعتراف بها بالمعنى الذى يقصده هؤلاء "الكفار"، فهو متمسك بكون أفكاره مستمدة من السماء؛من المطلق نفسه وهى – لذلك- الحق المطلق وكل ماعداها باطل وشر.. ولا يستطيع الإسلاميون التقليديون أبدا تقديم نصوصهم المقدسة على أنها وجهة نظر لا حقيقة نهائية ولا اعتبارها نتاجا لواقع اجتماعى متغير ولا هم على استعداد لتجاوزها بل لإعادة تفسيرها فحسب. واتساقا مع ذلك يتشددون للغاية فى مسألة حق المسلم فى تغيير عقيدته ويصرون على قتله متذرعين بأن "الردة" ليست حقا بشريا بل تمردا وخروجا على العهد بين اللـه والإنسان.
وللأمانة فقد حاول بعض المفكرين الإسلاميين الإصلاحيين تجاوز هذه المحنة مثل محمود شلتوت وجمال البنا وصبحى منصور، دون الوصول إلى النهاية ودون النجاح فى التأثير فى الجمهور المسلم من خاصة أو عامة.
- رغم تحول الثقافة الإسلامية إلى مقدس يميل الإسلاميون عموما إلى الفصل بين النظرية والتطبيق ويشترك معهم فى ذلك آخرون مثل القوميين العرب والاشتراكيين، فأولا النظرية سليمة ولكن التطبيق شابته الأخطاء والانحرافات خصوصا منذ العهد الأموى. وثانيا يتبلور هذا الفصل فى التمييز بين الإسلام والمسلمين، فوفقا لرأى واسع الانتشاريوجد هنا فى العالم الإسلامى مسلمون دون إسلام أو دون إسلام كامل بينما يقبع الإسلام الصحيح فى الكتاب والسنة.. وثالثا يصبح هذا الفصل قاطعا حين يتراشق الإسلاميون من مختلف النحل بالاتهامات بعدم فهم صحيح الدين وأحيانا بالتكفير المتبادل. فالإسلام الحق بيِّن ولكن الفرق الأخرى لا تفهمه فلا تطبقه. أما هذا الإسلام الحقيقى المثالى والإنسانى.. إلخ فهو بالضبط “الشيء فى ذاته” الكانتى.. الجوهرة المكنونة، والتى خالفها كل المسلمين الآخرين حسب ما تنظر كل فرقة إلى غيرها: السنة والشيعة، الخوارج والمعتزلة والأشاعرة والمرجئة..، الجهاديون والمعتدلون، الوهابيون وأعداؤهم... فالجوهرة موجودة ولكن لا يراها الجميع، ولم توجد فى الواقع الحى إلا –حسب رأي مختلف فرق الإسلاميين - فى عصر أحد أو بعض أو كل "الراشدين" الذى ولى.. ويحاول دعاة الإسلام بمن فيهم الإصلاحيين كجمال البنا وصبحى منصور التدليل على ذلك
3 - تجميل صورة الممارسات الإسلامية فى الواقع والتاريخ مع تشويه الآخرين
يبذل الدعاة الإسلاميون المحدثون دون القدامى جهدهم لتقديم التاريخ الإسلامى فى صورة مثالية. ولأن التاريخ وقائع مكتوبة ومتوفرة بكثرة هائلة تتخذ الدعاية الإسلامية فى هذا المجال شكل الكذب المباشر من إخفاء الوقائع أو تجاهل بعضها والاكتفاء بضرب أمثلة فردية والمقارنة بين أمور لا علاقة لها ببعضها أو حتى اللجوء إلى النصوص المقدسة لنفى أو إثبات وقائع معروفة. وقد اعتاد الإسلاميون المعاصرون اتهام من ينتقدون تاريخ الإسلام بالافتراء والكذب وانتقاء وقائع مشكوك فيها دون تقديم روايات أخرى أو تفنيد مصادرهم وهى عادة من أمهات كتب التراث وكتب الأحاديث المقدسة مثل البخارى ومسلم.
ولا نقول قطعا بأن كل ما كتبته كتب التاريخ الإسلامية هو صحيح لافتقاد التوثيق الجيد فى هذا المجال، ولكن ليس لدينا مصادر موثوقة أكثر. والأهم فى مجال هذه الدراسة ليس مدى صحة الوقائع بل مدى الاعتراف بصحتها من قبل المسلمين.. أى تحولها إلى جزء من الثقافة الإسلامية.
ونبدأ بضرب مثال ملفت وهو ما قام به كاتب دفاعا عن تاريخ الإسلام فى عهد عمر ابن الخطاب. إذ قدم أحمد صبحى منصور دراسة عن عمر ذكر فيها الكثير من وقائع الاضطهاد الذى أوقعه الغزاة العرب-المسلمون على الشعوب المغلوبة وأعمال السلب والنهب والقتل والاسترقاق مع تراكم ثروات الصحابة وهذا بإشراف الخليفة عمر، وحين رد عليه الكاتب المشار إليه ، لم ينكر الوقائع ولم يحاول حتى تبريرها بشكل مباشر ولكنه راح يقدم أحاديثا نبوية تشير إلى أهمية عمر فى الإسلام ومدى تقواه.. إلخ.. هكذا رد على الوقائع بالنصوص المقدسة. وما يمكن استنتاجه أن ما ذكرت مصادر التراث أنه حدث أثناء حكمه مما نسميه اليوم بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب مقبول إسلاميا ويحقق العدل والحرية.. إلخ.
من الأمثلة:
- يزعم بعض الإسلاميين “المعتدلين”من حين لآخر أن الغزوات و”الفتوحات”الإسلامية كانت دائما عمليات دفاع عن النفس ضد اعتداءات "الكفار"، رغم أن التاريخ الإسلامى مكتوب ومنشور لكل من يريد أن يقرأ.. وتفصيلات احتلال الأراضى الممتدة من الصين إلى أسبانيا مكتوبة، والأوامر النبوية بغزو أراضى "الكفار"منشورة فى كتب السيرة. وقد حاول القليلون جدا من الإسلاميين من مناهضى النزعة المركزية نفى مسئولية الإسلام عن الغزوات واحتلال بلاد "الكفار" ولكن بدون ديماجوجيا بل بإدانة ما حدث فعلا وانتقاد الخلفاء “الراشدين”واتهامهم بمخالفة الإسلام”الحقيقي”وهو موقف أحمد صبحى منصور الذى تعرض نتيجة محاولته الإصلاحية للتهديدات والاضطهاد الشديد من قبل الإسلاميين الرسميين وغيرهم.
- الزعم بأن الحضارة الإسلامية قد سبقت كل الحضارات فى أمور شتى فريدة من نوعها، منها أنها أول من أسس بيت المال فى التاريخ: "تعتبر الحضارة الإسلامية الرائدة فى مجال تنظيم الأموال الاقتصادية والموارد المالية للأمة الإسلامية وعرفت البشرية أول وزارة للمالية على نفس النمط الذى يسود الآن فى أرقى الدول المتحضرة وهذه الوزارة الرائدة كانت "بيت المال”، وأول من نادى بحقوق الإنسان، وأول من حقق الحرية الدينية بل وأول من طبق “العقد الاجتماعى الذى تصوره جان جاك روسو.. قبله بقرون طويلة”، وأن النقابات ليست طارئة على المجتمع الإسلامى فقد كانت موجودة بل ونقلتها أوروبا عنه وأن بالإسلام أول نظام قانونى حث على الشورى فى مجال الحكم وتدبير الأمور، وأن الصورة التى وضع بها عمر الديوان تثير الدهشة وتظفر بالإعجاب والتقدير لأنها جاوزت أرقى ما ذهبت إليه دولة الرعاية فى العصر الحديث. وفى الواقع لا نفهم سبب هذه الدهشة بسبب اقتباس بعض النظم من الدول الأكثر رقيا أو ابتكار طريقة لتوزيع الأموال المسلوبة حسب ظروف المجتمع القائم وتوازناته!!. وبخصوص توثيق وتحقيق الأحاديث النبوية المكتظة بالتضارب والمثيرة للشكوك دائما زعموا أنه لم يحدث فى تاريخ الثقافة الإنسانية نظيرا لهذا التأصيل والتوثيق. ونفى هذه الادعاءات لايحتاج سوى لقراءة أحد كتب التاريخ المدرسية ليعرف الإسلاميون أن كل الدول القديمة أنشأت نظاما ماليا دقيقا وأن كثيرا من المجتمعات عرفت الحرية الدينية، بينما جاء الإسلام ليقيدها وجاء معاديا للحرية الدينية التى عرفتها جزيرة العرب نفسها وكان هذا هو السبب المباشرلاصطدامه مع “كفار” قريش، حين سفه أديانهم وآلهتهم ودعا إلى نبذ عباداتها وبالتالى إنهاء التعددية، أما العقد الاجتماعى المزعوم فى الإسلام فلا يُقارن بما أقامته القبائل القديمة وحكومة قريش نفسها!. أما النقابات فنشأت فى المجتمعات التى بها طبقات من الحرفيين والتجارقبل الإسلام ولم تتكون على يد الإسلام الذى لم يشهد عصر خلفائه "الراشدين" أية مبادرة لتكوينها، ولا تقارن الشورى بديموقراطية أثينا وغيرها ولا بديموقراطية المشاعات عموما فى كل البلاد، أما بخصوص التوثيق الدقيق فيجب فقط على الإسلاميين ان يتحلوا بفضيلة الخجل من توثيقهم المثير للجدل على جميع الأصعدة ودائما وفى كل المجالات. فمن المشهور عدم توثيق أى من الأحاديث النبوية وإنما تمت كتابتها بعد وفاة محمد بسنوات اختلف على تحديدها الإسلاميون وتفاوتت تقديراتهم تفاوتا كبيرا وتم التدوين نقلا عن روايات شفوية وتم الاعتماد على السند، أى الأشخاص الراوين لها ولم يتوقف أبدا الجدل على تحديد ما هو الصحيح منها وتعددت لذلك التصنيفات والمعايير بشكل يدعو إلى الشك.. بل ولم يتم توثيق تاريخ الإسلام بل تمت كتابته اجتهادا وبالنقل الشفاهى فى أغلب الحالات مما أدى إلى وجود روايات عدة للحدث الواحد، بل وتشوب عملية جمع القرآن كثير من الشوائب حيث تم تدوينه اعتمادا على الوثائق التى قيل إنها كانت متاحة ومتناثرة عند الصحابة وكذلك على ما صرح به حفظة القرآن، ولذا لم يتفق الإسلاميون على ترتيب الآيات ولا على "مناسبات النزول" ولا على وجود ناسخ ومنسوخ ولا على أية آية نسخت غيرها ولا على عدد "الأحرف" والقراءات ولا ماهيتها ولا معناها، بل لم يتفقوا على رواية تاريخ أول جمع للقرآن.. إلخ، وهذا لا شك خاص بالتوثيق، وما جعل المسلمين يثقون فى صحة نصه إلا وجود الآية التى تقول: إِنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (الحجر: 9) وهو مبرر لا علاقة له بالتوثيق ويساوى تفسير الماء بالماء.. فأين التوثيق الدقيق؟!!.
- ومن الموضوعات المطروقة دائما وبشدة فى الفكر الإسلامى ما يخص علاقة الرجل بالمرأة. وهنا يتكلم الإسلاميون عما أنجزه الإسلام للمرأة مقارنة بالحضارات الأخرى ومنها الحضارة الغربية الحديثة. فالمرأة فى الإسلام –زعما- تتمتع بما لا تتمتع به المرأة الغربية من مساواة مع الرجل وحقوق فريدة من نوعها.. وأن الإسلام كرمها، بل يلجأ كثير من الكتاب لنشر بعض تصريحات لنساء من الغرب يعلنون فيها أنهن يفضلن الحياة على الطريقة الإسلامية الأكثر إنصافا للمرأة، بينما لا ينشرون ما يذكر عن رغبة نساء عرب مسلمات فى الحياة فى مجتمعات غربية. هكذا تنفى بالكامل الحركات النسائية فى بلاد العرب والمسلمين ويكتفى الإسلاميون بتكفير أو على الأقل إدانة دعاة تحرير المرأة وأحيانا يتهمونهم بالعمالة للغرب أو المشاركة فى المؤامرة الصليبية أو اليهودية المزعومة على الإسلام.
- تتهم الحضارات الأخرى بأنها نهبت الشعوب المستضعفة واحتلت بلادا أخرى وأقامت المذابح.. بينما حقق الإسلام العكس تماما، فيزعم رشيد رضا مثلا أنه "ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب أعدل حكام الأمم حتى فى عهد الفتح "، وهذا حسن البنا يقول وبدون تحفظ أن الاستعمار الإسلامى لم يعرف غالبا ولا مغلوبا ولم يشعر أبناء البلاد المفتوحة بأن هناك من يستغلهم أو يستولى على خيرات بلادهم وأن المساواه قد تحققت بين الفاتحين وأهل البلاد!! كما زعم جمال البنا فى مخالفة فجة لوقائع التاريخ المدون أن ما أسماه بالسلام الإسلامى "أرحم سلام عرفته البشرية لأنه لا يعطى الفاتح حقاً فى الأرض، أو الممتلكات ولا يجيز للجيش أن ينهب أو يسلب أو يحرق زرعاً أو يهدم بيتا ويكون عليه أن يشترى كل حاجاته وأن يدفع ثمنها، كما يحمى حرية العقيدة لجميع الناس"، هكذا متغاضيا بالكامل عن ضم الأراضى لدار الإسلام واعتبار الأرض ملكا للدولة الإسلامية إذا لم توزع على الجنود وبالتالى فرض الخراج عليها والكثير من وقائع حرق دور ونهب العبادة والاستيلاء على الأموال وكذلك ما عُرف بالشروط العمرية.. إلخ. وكثيرا ما ُتضرب أمثلة جزئية للمقارنة، منها مذابح الحربين العالميتين وقنابل هيروشيما وناجازاكى وضحايا تجميع الأرض فى روسيا ومحاكم التفتيش.. الخ. وإذا ضربت أمثلة شبيهة من التاريخ الإسلامى أو حتى أكثر بشاعة يكون الرد هو أن هذا كان مخالفا للإسلام الحقيقى وهو بالتالى ليس منه بل من فعل بعض الخلفاء المنحرفين، ويكون الرد السحرى على الوقائع بتقديم نص مقدس أو حتى – أحيانا-غير مقدس للبرهنة على وقائع لم تحدث، ففى الحرب أمر أبو بكر قائد جيشه أسامة: ” لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقًا”، وتُقدم مثل هذه النصوص كدليل على نظافة الحروب الإسلامية رغم أن الوقائع تقول أن ما حدث لم يكن كذلك حتى فى عصر محمد نفسه كما رأينا من قبل، ونفس أبو بكر قبل ما فعلته جيوشه من قتل “المرتدين” حرقا وإلقاءً فى الآبار ومن أعلى الجبال وسمح باسترقاق الأسرى "الكفار" والمسلمين مانعى الزكاة كما أشرنا من قبل. فالحسنة دائما من الإسلام أما السيئة فمن أعدائه أو انحرافات أبنائه. إن الإسلام يتغير مفهومه حسب الظروف، فهو تارة النص المقدس أو غير المقدس وتارة أخرى إنجازات دولة الخلافة شاملة ما أنجزه أفراد متهمون بالزندقة من المسلمين أو عُذبوا بسبب كفرهم.
- ُكتب الكثير عما يسميه الإسلاميون إفلاس الحضارة الغربية ومما يُذكر كدليل أعداد المنتحرين فى الغرب ومعدل مختلف أنواع الجرائم والعلاقات الجنسية غير المشروعة وأضرارها... إلخ، دون أن يقدم أحد تقريبا مقارنة إحصائية مع أوضاع المجتمعات الإسلامية سواء فى الماضى أو الحاضر. أما انتشار الأيدز فى الغرب وأفريقيا ففسره كتاب إسلاميون بحرية الجنس فى تلك البلاد مع الزعم بأن وجود القيم الإسلامية فى بلاد المسلمين حمى الناس من هذا الوباء دون تقديم إحصائيات موثقة!. وقد ذكرت مجلة الانترنت الإسلامية “البيان” فى عدد الأربعاء 26 صفر 1426ه -6 أبريل 2005 م ناقدة الحضارة الغربية : ”حتى وجدنا لديهم أفكارًا فى منتهى الفساد ربما لا تقبلها بعض الحيوانات تحولت عندهم إلى واقع ممارس أو قوانين يحتكم إليها الناس؛ ففى تلك البلاد توجد حرية الزواج بين المثلين [رجل لرجل، وامرأة لامرأة] بل يوجد عندهم زواج المحارم حيث يتزوج الرجل ابنته، وهكذا”. هكذا تكذب المجلة، فلا يتزوج أحد فى الغرب ابنته قط، أما حالات ممارسة الجنس بين”المحارم”فتحدث فى كل البلاد وعلى الكاتب أن يبحث عنها فى الأراضى الإسلامية المقدسة أكثر من غيرها، ورغم التعتيم والمراقبة الشديدة أمكن لعدد من الباحثين الكشف عن العلاقات الجنسية المثلية وخارج إطار الزواج وبين “المحارم”فى بعض بلدان الخليج والواضح من الأبحاث أنه ظاهرة ذات ثقل فى هذه المجتمعات. أما العنصرية فأخذت نصيبها أيضا من النقد بنفس الطريقة، ونحن نوافق على أن الفكر الأوربى قدم أفكارا ودعوات عنصرية بغيضة تستحق الإدانة كما مورست العنصرية فى بلدان مثل ألمانيا النازية والولايات المتحدة فى السابق وكذلك جنوب أفريقيا.. ولكن لا يجب أيضا أن نتناسى العنصرية القائمة فى بلدان الخليج ولم يهتم بها الإسلاميون وكان الأجدر بهم أن يصبحوا مناضلين من أجل المساواة فى البلدان الإسلامية قبل أن يهاجموا عنصرية الآخرين، أم أن الاكتفاء بسرد النصوص المقدسة التى تأمر بالمساواة كاف؟. لم نسمع الشيخ الشعراوى أبدا يهاجم العنصرية فى السعودية؛بلده الحقيقى ولا القرضاوى يهاجم العنصرية فى بلده قطر. وسكت كذلك محمد قطب على العنصرية فى البلد التى يقيم فيها؛السعودية، بينما انتقد الطريقة الأمريكية فى تحرير العبيد... ولا يتذكر الإسلاميون أن الغرب "الكافر" والتيارات الحداثية الموالية للثقافة الغربية فى العرف الإسلامى المعاصر هما اللذان ضغطا وأجبرا الدول المتخلفة إسلامية وغيرها على إلغاء الرق الرسمى (ألغاه الملك سعود فى السعودية عام 1955) .
- يُكتب الكثير عن أهل الذمة وخصوصا مسألة الجزية فى التاريخ الإسلامى وتُقدم ادعاءات كاذبة تماما ومغالطات مقصودة بالتأكيد حولها. ومن الأمثلة الأرقام المتحدثة عن قلة مقدار جزية الرأس مع تجاهل الخراج الذى هو جزية الأرض والزعم أنها تفرض فقط على المحاربين من أعداء الدولة الإسلامية “أما المواطنون من غير المسلمين ممن لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم الجزية كما فعل عمر مع نصارى تغلب” حسب زعم مصطفى السباعى، الذى يغطى (أو يكفر!) فرض الجزية طوال تاريخ الإسلام حتى العصر الحديث على غير المسلمين المولودين بعد “الفتح”الإسلامى ولم يحاربوا أحدا.. أما نصارى تغلب فدفعوا ضعف ما يدفع المسلمون نظير استبدال لفظ الجزية المنفر لهم بلفظ الصدقة، وقد وافق عمر ابن الخطاب؛العادل للغاية!، على هذا الاستغلال بمضاعفة الجزية مقابل تغيير الاسم، وقد روى عنه أنه قال: ” هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم “، وإذا صح كلامه فلماذا لم يكتف بتغيير الاسم خاصة إذا كان شديد العدل كما تزعم الدعاية الإسلامية.. ويكثر الزعم أن غير المسلمين عاشوا فى المجتمع الإسلامى مُكرمين؛ لم يسلبهم أحد حقهم، ولم يعتد على إنسانيتهم حاكم أو محكوم، بل كان “لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم”.. وتُتناسى الشروط العمرية وقمع ثورات الذميين مرارا بقسوة مفرطة، بل وانتفاضات الجماهير المسلمة أحيانا ضد دور العبادة والأفراد من "الكفار"، ولنتذكر الأعمال البشعة التى قام بها الجمهور المسلم فى مصر مرارا خصوصا فى العقود الأخيرة.. ومنها الأعمال البشعة التى تمت فى الزاوية الحمراء عام 1981 وفى الكشح عام 2000 وفى الاسكندرية فى 2005 و2006.
ومن المعتاد أن يكتب الإسلاميون ليصفوا وضع أهل الذمة فى دولة الإسلام كأنهم تمتعوا بكل أشكال المساواة وأنهم عوملوا معاملة فى غاية الكرم، متجاهلين احتلال بلادهم واغتصاب ثرواتهم. من الأمثلة المثيرة كتاب أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب تأليف د. نريمان عبد الكريم أحمد بعنوان: معاملة غير المسلمين فى الدولة الإسلامية تتغزل فى هذه المعاملة وتصفها بالسماحة والعدل رغم أنها لم تخف شيئا من الوقائع شاملة أشكال التمييز ضدهم والضرائب المفروضة عليهم وأشكال القمع الأخرى معتبرة هذا رد فعل للمسلمين ضد "تسلطهم" (ص 64) قاصدة مقاومتهم للشروط العمرية المجحفة. فأصحاب البلاد المستعمرة اعتبروا متسلطين وخونة للعهد بينما وُصف المستعمرون اللصوص بالسماحة والكرم
- يكذب الإسلاميون “المعتدلون” كثيرا فى علاقتهم بأعمال العنف. فرغم ارتكابهم من حين لآخر أعمال قتل المخالفين ومن يعتبرونهم “كفارا” ينكرون ذلك باستمرار متهمين شبابا غرا أو جماعة خارجة عليهم وكثيرا ما يتهمون الحكومات بهذه الأعمال وتلفيقها لهم، رغم الفتاوى التى يصدرها ال”علماء” حتى “المعتدلين” منهم بتكفير وارتداد العلمانيين من حين لآخر وبالتالى إهدار دمهم وإعطاء مسوغ القتل لتلاميذهم الذين يتنصلون منهم بعد ذلك فى البيانات الرسمية بل ويتهمونهم أحيانا بالخروج على الإسلام، مثلما وصف حسن البنا قتلة النقراشى - رئيس الوزراء عام 1949 – من جماعته بأنهم”ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين”.
والكثيرون من المحللين الإسلاميين أو المتعاطفين مع الإسلام السياسى يتهمون الغرب نفسه أو اليهود أو الموساد بتدبير أعمال العنف ونسبها للمسلمين رغم أن المنظمات الإسلامية لا تخفى توجهاتها وتعترف علنا بأعمالها العنيفة وتصدر الكتب والنشرات لتعلن فيها الحرب على “الصليبية والصهيونية العالمية” وتهدد وتتوعد وتقيم معسكرات التدريب وتجمع الأسلحة بشكل معلن وأمام العالم كله كما يقوم أفرادها بعمليات انتحارية أحيانا.. .
- ينفى بعض الإسلاميين وقائع مشهورة فى التاريخ الإسلامى وفقا لعديد من كتب التراث وذلك بغية إظهار الإسلام بصورة أكثر مثالية. من أمثلة ذلك نفى البعض أعمال اغتيال المخالفين بأوامر محمد (مثل محمد سعيد العشماوي) ونفى إعدام أسرى بنى قريضة (مثل أحمد صبحى منصور) ونفى إعجاب محمد بزوجة ابنه بالتبنى زيد ابن حارثة (مثل محمد حسين هيكل) ، وذلك دون البرهنة على أن المؤرخين المسلمين وكتاب الأحاديث ومفسرى القرآن قد أخطأوا بذكر تلك الوقائع، وإن كان هذا التوجه يحمل ضمنا إدانة لمثل هذه الأعمال.
مهند ناطق الحديثي
04-15-2009, 07:20 PM
بحث موفق
شكرا على الجهد الرائع
سعد العتابي
04-15-2009, 10:51 PM
جهد طيب ومبارك
ارى ان تاريخنا بحاجة الى اعادة قراءة _ تفسير
مع الود
بثينه عبدالعزيز
04-16-2009, 06:50 AM
جهد طيب ومبارك
ارى ان تاريخنا بحاجة الى اعادة قراءة _ تفسير
مع الود
صدقت اخي سعد
رب قانون اهله وضعوه ........... كدواء , فازداد منه الداء
كل الاحترام لتواصلك
علوان حميد
04-17-2009, 10:27 PM
ماشاءالله
موضوع رائع وجهد موفق ومتميز
شكرا على الابداع
بثينه عبدالعزيز
04-18-2009, 11:23 AM
بحث موفق
شكرا على الجهد الرائع
كل احترامي وتقديري لتواصلك اخي العزيز مهند
بثينه عبدالعزيز
04-18-2009, 11:25 AM
ماشاءالله
موضوع رائع وجهد موفق ومتميز
شكرا على الابداع
كل الروعه اخي الجريح بمرورك وتواصلك
كل الاحترام لك
بثينه عبدالعزيز
04-18-2009, 11:28 AM
دراسة مستوفية لكل شروطها
شكرا لهذا المجهود المتميز
محبتي
اخي
كل تقديري لتواصلك الدائم ودعمك المستمر ..........
مع كل احترامي
بثينه عبدالعزيز
04-18-2009, 11:29 AM
متابع
لاتتوقفي ,
ساستفيد من بعض الافكار هنا
شكرا فريدوم
اخي
كل احترامي وتقديري لتواصلك
بثينه عبدالعزيز
04-18-2009, 11:30 AM
عادل الحريري.
نظرية المؤامرة والبارانويا الإسلامية
"وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده
وإن الفتى بعد السفاهة يحلم"
زهير ابن أبى سلمي
يمكن تعريف نظرية المؤامرة بأنها نسبة حدث ما أو سلسلة أحداث لفعل الآخر الذى يتم وفقا لهذه “النظرية” دائما بشكل سرى ولا يتفق مع ما هو معلن من قبل هذا الآخر ولا مع الوقائع المثبتة. وكثيرا ما يتم التفكير فى مؤامرة تاريخية؛أى تتم على مدى طويل وبأفق استراتيجى. وهذا يتضمن إلقاء تبعة ما يحدث لجهة ما على جهة أخرى معادية. وكلما راح المرء يكشف عن نتائج لبحثه بعيدة أكثر عما هو معلن ظهر أمام المؤمنين بالمؤامرة أقدر على التحليل السليم. وفى هذا التوجه ميل قوى للمبالغة فى قوة الآخر المتآمر فرضا وفى مدى تأثير القوى أو القدرات الخفية للخصم. وتفترض النظرية حتما أن الآخر لا يخطيء. ولا يستطيع أصحاب نظرية المؤامرة إثبات صحة تحليلاتهم فيكتفون بالسير وراء التهويمات والافتراضات الوهمية بدلا من الاعتماد على تحليل الوقائع المثبتة. كما يميل هؤلاء إلى تصور أعداء وهميين أو لا دليل على وجودهم أصلا. وفكرة خلق أعداء خارجيين تقوم بها الجماعات والمجتمعات غير المتماسكة أو التى تعانى من خلل داخلى تود طمسه وتصدير الصراعات الداخلية إلى الخارج.
* والأمر البين تماما لأى مراقب عادى أن الفكر الإسلامى المعاصر بالذات يتبنى نظرية المؤامرة وتتغلغل فيه حتى النخاع. فيرى أن العالم كله يتآمر على المسلمين على طول التاريخ. وتضج كتابات الإسلاميين، معتدليهم ومتشدديهم بهذا التصور. يقول القرضاوى مثلا: “العاملين للإسلام منذ عقود من السنين تصب عليهم التهم صباً من قبل خصومهم، فطالما وصفوا ب الرجعية ودمغوا ب التعصب ورموا ب الإرهاب بل اتهموا ب العمالة مع أن أى مراقب أو دارس يرى ويلمس: أن الشرق والغرب، واليمين واليسار، يعاديهم ويتربص بهم”، “أضف إلى ذلك كله ما لقيه ويلقاه العالم الإسلامى شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً من هجمة شرسة على أوطانه، ومقدساته، وما يشن على الأمة الإسلامية من حرب لا تخبو نارها: علنية حيناً، وخفية أحياناً، حرب اتفقت عليها كل القوى غير المسلمة: يهودية وصليبية وشيوعية ووثنية، حتى إنها لتختلف فيما بينها كل الاختلاف، ثم نراها تتفق كل الاتفاق إذا هبت ريح الإسلام فى صورة دعوة أو حركة أو دولة. ولهذا تجد كل القضايا من يناصرها مادياً، ويدعمها أدبياً من شرق وغرب، مستفيدة من تناقضات الدول الكبرى، وخاصة الدولتان العظميان: أمريكا وروسيا. إلا القضايا الإسلامية، فإنها لا تجد تأييداً حقيقياً عملياً من هؤلاء ولا هؤلاء. وصدق اللـه إذ يقول: ( (والذين كفروا بعضهم أولياءُ بعض ٍ))
وهذا الإيمان العميق بنظرية المؤامرة يتضمن تقسيم الإسلام للبشر إلى خيرين (المسلمين) وأشرار ("الكفار") ، ففكرة التآمر فى حد ذاتها تعنى فى الثقافة الإسلامية وغيرها أيضا الشر فلا يتصور أحد أن هناك تآمرا من أجل الخير، ولذا يُعد الآخر الموصوم بالتآمر شريرا وسيء الطوية وهداما وحاقدا.. إلخ، ويشير التفسير التآمرى للأحداث إلى نظرة المسلمين لغيرهم كأشرار ومعتدين وغير ذلك بينما يحتفظ هذا التقسيم للمسلمين بمكانة الطرف الخير والمثالى والمسالم بل والمعتدى عليه دائما. وهى مسألة تشبه ما تقوم به الحكومات الشمولية من دمغ المعارضة بالتآمر عليها بدلا من البحث عن أسباب المعارضة وعوامل التمرد فى المجتمع، فقد درجت الحكومات العربية مثلا على تفسير المعارضة بوجود "قلة مندسة" من العملاء والمرتزقة وسط الجماهير، التى تُعامل كمجرد قطيع لا مصالح ولا وعى لديه، وهى دعاية تهدف إلى تبرئة النظم الشمولية ووضع المعارضين فى قفص الاتهام. ويؤدى طرح نظرية المؤامرة من قبل الإسلاميين إلى تحريض جمهور المسلمين ضد "الكفار" وحشدهم وراء القيادات الإسلامية ودفعه للبذل وتقديم التضحيات، والأهم: التغاضى عما يسم الفكر الإسلامى والنظم المستظلة به من أوجه لا تناسب مصالح الجماهير اليائسة.
* يفسر الإسلاميون انهزام دول الإسلام وانحطاطها بتخلى المسلمين عن الإسلام وتسرب عناصر جاهلية إلى الحكام والناس خصوصا بعد استيلاء الأمويين على الحكم، ولكن كيف حدث ذلك؟ولماذا وما هى العوامل الموضوعية للانهيار.. الإجابة عادة تكون إما غامضة وإما ُيفسر الأمر بالمؤامرات اليهودية والغربية على المسلمين. ولكن ما هو دور المسلمين أنفسهم؟ولماذا تركوا المباديء الإسلامية النقية- زعما- واستسلموا للتآمر المزعوم؟ فى الحقيقة لم يستطع أى مفكر إسلامى أن يقدم إجابة مقنعة. ومن الأفكار الطريفة أن كثيرا من مفكرى السنة يفسر ظهور المذهب الشيعى وأحداث فتنة مقتل عثمان وما تلاها من حروب أهلية إسلامية من تدبير بعض اليهود.. خصوصا شخص مشكوك فى وجوده أصلا أو على الأقل مشكوك فى تأثيره هو عبد اللـه ابن سبأ. فحتى فى عصر الخلفاء “الراشدين"، حين كانت الدولة فى أوج عنفوانها والعقيدة الإسلامية فى أوج قوتها تمكن يهودى أو بضعة يهود قلائل – حسب ما يعتقد ال”علماء”- من إثارة قلاقل وانقسامات عميقة للغاية وحروب دموية بين المسلمين، رغم عمق “إيمانهم” ووجود الصحابة... إلخ
وإذا كان هذا صحيحا أفلا يدل على ضعف الإسلام أمام حفنة من الأفراد؟!.
* ومما لا شك فيه أن ليس كل شيء فى العالم معلن، بل هناك قرارات وخطط سرية وبالتالى أجهزة استخبارات وأعمال خفية ومؤامرات من قبل تلك الأجهزة. ولكن كل هذا يتم فى إطار الصراع الدولى المعتاد والقديم قدم الدول نفسها. والأهم أن كل الدول والجماعات البشرية تتصرف على هذا النحو. كل هذا لا علاقة له بنظرية المؤامرة. فرغم الأعمال السرية والأجهزة والتخابروالخطط.. إلخ يمكن للمرء أن يحلل ويفهم ما يحدث دون اللجوء إلى تفسير كل الأحداث كجزء من مؤامرة عليه. كما أن الخطط والتآمرات المستمرة تتم من جانب كل الدول تجاه بعضها البعض ولا يوجد ما يدل على أن العالم كله أو قطاع ما منه قد تفرغ للتآمر على الإسلام والمسلمين. بل ولا يوجد أصلا أى مبرر لافتراض ذلك.
تكتظ كتابات الإسلاميين بتصورات غير معقولة على مؤامرات الغرب و"الكفار" فى العالم عموما على الإسلام والمسلمين. ومن الأطروحات اللافتة للنظر ادعاء كثير من الكتاب، بل وبعض كبار الكتاب العرب المسلمين أن عملية 11 سبتمبر ليست من فعل الإسلاميين الجهاديين بل من فعل الموساد أو المخابرات الأمريكية.. إلخ.. هذا رغم اعترافات الطرف الأول فى نشرات وكتابات منشورة عديدة، بل أسماها أحدهم “غزوة 11 سبتمبر” وسبقتها أعمال أخرى أعلن عنها تنظيم القاعدة وهو تنظيم مسلح وسبق أن أعلن الحرب ضد اليهودية والصليبية.. كل هذا معلن، ومع ذلك مازال الكثيرون من الإسلاميين وعامة المسلمين يصدق أنها مؤامرة صهيونية غربية.
ومن المؤامرات الكبرى المفترضة ما يعلنه بعض الإسلاميين عما يعتبره مؤامرة إسقاط الخلافة العثمانية ومؤامرة إنشاء الحركة القومية فى العالم الإسلامى لتفكيك الإسلام، ومؤامرة قيام الانقلاب الناصرى فى مصر لضرب الحركة الإسلامية المتصاعدة، بل ذهب البعض لاعتبار محمد على قد استخدمه الغرب فى مؤامرة للقضاء على الاسلام .
وقد لخص أحد الكتاب الإسلاميين ما اعتبره أدلة على المؤامرة الغربية الشاملة على الإسلام فى كتيب بعنوان: قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله، مكتظ بأقوال بعض قادة الغرب المبتورة من سياقها أو التى تحمل معنى يخالف ما يريد إثباته ومعظمها منقول من مصادر إسلامية وبعضها صحيح بالفعل جاء على لسان بعض القادة والكتاب الذين لا يمكن الزعم بأنهم يمثلون الغرب ككل والذين يطلق بعضهم تصريحات ذات مظهر بلاغى من قبيل اللغو لبث الحماسة، أراد بها البرهنة على أن الغرب يريد إبادة المسلمين منذ قرون طويلة. والمؤلف لا ينتبه إلى أن الغرب يستطيع بسهولة تهميش كل المسلمين إذا أراد، ولو بمجرد مقاطعتهم على كل الأصعدة ؤباستثناء شاطيء الخليج الذى يمكنه احتلاله فى ساعات، ولكن الغرب لا يهتم أصلا بمسألة الأديان إلا فى سياق ما يحقق استقراره ويحقق مصالحه الاقتصادية.. بل ونزعم أن قوى فى الغرب يمكن بسهولة أن تدخل فى الإسلام إذا رأت مصلحتها فى ذلك مثلما أعلن الامبراطور الرومانى قديما اعتناق روما للمسيحية، والأهم أن الغرب لا يمكن اعتباره كتلة واحدة يتفق كل أفرادها على التآمر على الإسلام، وليتذكر الإسلاميون أن من الغرب أيضا من فضح معاهدة سايكس- بيكو سيئة الصيت ومنه من تحالف مع دول العالم الثالث وبينها دول إسلامية فى صراعه ضد الآخر من الغرب نفسه.. إلخ.
ومن الأطروحات التى نذكرها لطرافتها فقط ما ذكره محمد قطب من أن الغرب الذى بدأ الحروب الصليبية للقضاء على الإسلام قد تخلى عن الدين أصلا ولكنه ظل متمسكا بهدف تلك الحروب وهو القضاء على الإسلام.. أى أن العداء للإسلام وليس المصالح هو الذى يحرك الغرب، الذى وفقا لعادل حسين – كما أشرنا من قبل- قام بالتحديث وتطوير قدراته كعملية لترتيب البيت من الداخل استعدادا للسيطرة الخارجية.. وكأن للغزو فى حد ذاته قيمة لدى الغربيين كما هو لدى الإسلاميين، فالكاتب يقوم بعملية إسقاط على الآخر
وتحتل المؤامرة اليهودية مكانة هامة للغاية فى الفكر الإسلامى القديم والمعاصر. فيعتقد مفكرو الإسلام المعاصر أن اليهود عموما يشكلون منظمة سرية عالمية تتآمر على العالم كله وخصوصا عالم الإسلام بكل الوسائل، بل إنهم يحركون الدول الكبرى والصغرى ويحدثوا القلاقل والثورات ويبثوا النظريات الإلحادية و”الهدامة” عموما. وضمن المؤامرات التى يُضرب بها المثل إنتاج نظرية التطور بل من المضحك أن الكثير من الإسلاميين كتب أن دارون صاحب نظرية التطور يهودى بينما هو مسيحي!، ونظريات فرويد فى التحليل النفسى التى يختزلها الإسلاميون فى نظرية جنسية، ونظرية ماركس الذى انتقد اليهودية بشكل أعمق من انتقادات الإسلام لها!.. وغيرها الكثير. ويصدق غالبية المسلمين أن كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون”أصدره اليهود فعلا دون أن يقرأه معظمهم وأن الذى نشر الكتاب عالم روسى أخذه من كبير أعيان روسيا القيصرية الذى أخذه – زعما - من سيدة فرنسية أخذته من أحد كبار اليهود الذى لم يُذكر لا إسمه ولا أية بيانات عنه ولم يلفت انتباه أنصار فكرة المؤامرة اليهودية أن لغة النسخة الأولى للكتاب هى الروسية وهى ليست لغة معظم المتآمرين المزعومين من اليهود!!، هذا علاوة على أن مضمون”البروتوكولات”نفسه يتميز بسذاجة مفرطة ومنافاة للمنطق البسيط ، وقد نشر فى العالم العربى فى سياق محاربة الشيوعية بزعم أنها من صنع اليهود. أما أسطورة الماسونية فتحتل العقل الإسلامى احتلالا، فيعتقد أن هناك منظمة ماسونية عالمية تخطط وتدير مؤامرات اليهود على العالم وأنها وراء أعمال كبرى مثل الثورة الفرنسية مثلا، وثورة 1830 و1848 وكميونة باريس فى 1870 والحربين العالميتين وغيرها الكثير، ويتناسى الإسلاميون أن المنظمات الماسونية قد ضمت القليل جدا من اليهود بل منعت دخول اليهود إليها فى بعض البلدان فى فترة ما وهى على العموم لم تؤسس على أيدى يهود بأية حال. والإصرار على المؤامرة اليهودية المزعومة إما أنه يضفى قوة هائلة على التآمر فى حد ذاته، وهو شيء متاح لكل البشر! أو لليهود بالذات الذين ليسوا بأى حال أقوى قوة فى العالم لا اقتصاديا ولا علميا ولا سياسيا والدولة اليهودية ليست إلا دويلة صغيرة تُستخدم كقاعدة أمريكية بشكل أساسي، وعددهم فى العالم نحو 12 مليونا فقط. ويتصور معظم المسلمين أن اليهود يسيطرون على العالم اقتصاديا وإعلاميا ويملكون الذهب والبنوك ويتغلغلون فى كافة المؤسسات الدولية.. إلخ وهى محض خرافات.
والشيء الأكثر جوهرية ويغيب عن العقلية الإسلامية ان وضع الخطط والمؤامرات سهل لأية جماعة من الناس ولكن أن تُطبق على الآخرين فهذا يشترط قابلية هؤلاء للمؤامرات المذكورة واستعدادهم الذاتى للاستجابة لها وضرورة أن تتمتع الجماعة المتآمرة بقدر من القوة يمكنها من تنفيذ أهدافها.. فليضع المسلمون خططا ولينسجوا المؤامرات ولكن هل يمكنهم تحقيق ما يريدون؟؟أو بالأحرى هل يريدون شيئا محددا؟وهل هناك أصلا كتلة واحدة صماء اسمها المسلمون أو اليهود أو الغربيون؟
الحقيقة أن نظرية المؤامرة فى الإسلام تجد جذورها فى النص المقدس ومنذ فجر الإسلام: إن الكافرين كانوا لكم عدُوا مبيناً (النساء: 101) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم (البقرة: 120) . وقد قسم الإسلام الناس إلى مسلمين و”كفار” منذ البداية وافترض أن الصراع بين الطائفتين حتمى حتى ينتصر أحدهما على الآخر. فالآخر؛"الكافر" هو عدو مبين للمسلمين ولن يهدأ له بال حتى يدفعهم إلى اتباع ملته، وبالعكس يجب على المسلمين أن يقاتلوا "الكفار" حتى يسود الإسلام: وقاتلُوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للـه فإن انتهوا فإن اللـه بما يعملون بصير (الأنفال: 39) ، فالواقع أن المسلمين وفقا للقرآن لن يرضوا عن الآخرين حتى يتبعوا ملتهم، إما اعتقادا أو نظاما للحياة. وتتنبأ أحاديث كثيرة بالانتصار النهائى المحتم للإسلام، حين يظهر”المهدى المنتظر” ثم يعود المسيح ليقتل الخنزير ويكسر الصليب ولا يقبل من "الكفار"إلا الإسلام او السيف ولن يقبل الجزية، وبذلك يصبح الإسلام هو المبدأ الوحيد فى العالم.
وقد دعا الإسلام أتباعه إلى الحذر من "الكفار" وعدم موالاتهم من دون المسلمين وبالتالى عدم توليتهم مناصب رفيعة فى الدولة الإسلامية بافتراض سوء طويتهم وتآمرهم على المسلمين. بل افترض الفقه الإسلامى أن “المرتد” يثير الفتنة ويهدد الدولة والإسلام، فهو متآمر بالضرورة، وهو مما يستند إليه الفقهاء فى إصرارهم على قتله.
أما اليهود فلهم منذ البداية وضع خاص. والعداء الإسلامى لليهود ظهر مبكرا ربما بسبب رفض قبائل يثرب الدخول فيه أفواجا وعداء قادة تلك القبائل له خوفا على وضعها المميز وليس وفقا لمؤامرة تاريخية مزعومة ضد النبى المنتظر المذكور فى التوراة. وقد صارت كلمة يهودى سبة لدى المسلمين والعرب عموما. والقرآن والأحاديث مليئين بالنصوص التى تلعن اليهود وتبين عداءهم الشديد للإسلام بل وتتنبأ بعض الأحاديث بأن المسلمين سيبيدونهم يوما ما بالتحالف حتى مع الحجارة: ذكر صحيح البخاري- 2859 لا تقوم الساعةُ حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودى: يا مسلم، هذا يهودى ورائى فاقتله.. وفيما بعد تفاوتت نظرة المسلمين العدائية لليهود من وقت لآخر حسب ظروف العصر وافترض مفكرو الإسلام المعاصرين أن اليهود يتآمرون عليه باستمرار كما أشرنا.
* ورغم الجذور العميقة لنظرية المؤامرة فى الإسلام فأعيد إنتاجها كما صارت إلى حالة من الهوس فى العصر الحالى، مع تدهور وضع الإسلام عالميا والهيمنة الطاغية للثقافة الحديثة. ولذلك يكثر الكلام عن التهديد الغربى للهوية العربية – الإسلامية، وقد غزّى كل من الفكر القومى واليسار نظرية المؤامرة فى العالم العربى، فهى لم تقتصر على الإسلاميين..
وبسبب الشعور بالضعف يعبر الإسلاميون عن خوفهم البالغ علي”الهوية”الإسلامية المهددة. وهى إن كانت مهددة فعلا بسبب ضعفها أمام منجزات الحضارة الحديثة فلماذا يُفسر هذا على أنه نتيجة مؤامرة؟إن الصراع العادى بين الدول والأيديولوجيات والشركات الكبرى معلن وواضح الأهداف إلى حد بعيد من جانب كل طرف.. وليست مجرد مؤامرات تُحاك فى الظلام، وحتى أنشطة المخابرات لكل الدول لا تظل سرية إلى الأبد ولا بشكل مطلق، بل حتى يمكن للأجهزة المضادة لها اكتشاف معظمها وعلى الأقل يمكن للمحللين المتخصصين فى مختلف الدول استنتاج الكثير منها. والأهم أن هذه الأنشطة متبادلة بين الدول وليست من طرف واحد، والأكثر أهمية أنه حتى لو دُبرت مؤامرات سرية يمكن استنتاجها والرد عليها كما أن هذه السرية فى حد ذاتها لا تكفى لتفسيرهزائم البعض وانتصار الآخرين.
ولكن أصحاب أنصار الدفاع عن الهوية والثقافة الوطنية يعتبران أن الهزائم المتوالية للعالم العربي-الإسلامى نتيجة لمؤامرات خبيثة تُحاك فى الظلام وتستهدف لا تحقيق مصالح معينة، بل أساسا هدم الإسلام والعروبة. فالعداء للإسلام والعروبة هو المحرك وليس السعى المعتاد وراء المصالح الحيوية للدول والمجموعات الدولية المختلفة. فالإسلام هو محور العالم كما يتصور الإسلاميون وعامة المسلمين مثلما تصور القوميون أن العروبة هى محور العالم فى عصر القومية العربية.
يتبع ..................
بثينه عبدالعزيز
04-18-2009, 11:31 AM
وحالة الخوف من الآخر المسيطرة حاليا على المسلمين تشبه حالة المسلمين الأوائل فى صدر الإسلام حين كان مايزال ضعيفا وناشئا والدولة الجديدة محاطة بدول كبيرة وقوية. ولكن لا يكفى الشعور بالضعف للغرق فى نظرية المؤامرة، فالفكر الإسلامى يتخيل الإسلام كمحور للعالم من جهة ومن جهة أخرى تعكس نظرية المؤامرة شعورا بالدونية. فالآخر هو الفاعل والإسلام مفعول به، والآخر متفرغ لمكافحة الإسلام. لكن اختلف الحال فى صدر الإسلام عما فى عصر أفوله؛فبينما تمكن فى بدايته من التغلب على الآخرين وسحقهم لم يعد يملك نفس القدرة، مما أنتج شعورا قويا بالدونية كان قد تم تجاوزه بعد انتشار الإسلام فى الماضى، وهو مما يضاعف الشعور بالخوف من الآخر. ومع الشعور بالدونية مع الثقة أنه الحق يميل العالم الإسلامى إلى اتهام الآخرين بالتسبب فى ضعفه وانهيار عالمه. وبالتالى تحميل الآخر المسئولية بدلا من بحث أسباب الانهيار المتواصل منذ قرون. فادعاء فقهاء الإسلام وشعور الشعوب الإسلامية بوجود مؤامرة عالمية ضد الإسلام يعكس فى الحقيقة عجزا عن تفسير تدهور أحوال الشعوب الإسلامية علميا واقتصاديا وعسكريا وأخلاقيا مع العجز المتزايد عن اللحاق بالغرب المتقدم.. وحيث أن أى تعليل منطقى سيقود حتما إلى الكشف عن الآليات الذاتية لانهيار العالم العربي-الإسلامى، شاملة الثقافة البدائية والمتحجرة السائدة، مما يضع المسلمين أمام أنفسهم مباشرة ويكون عليهم لتحسين ظروف حياتهم أن يقبلوا على الخيار الصعب: تغيير الذات.
وتمتد نظرية المؤامرة إلى الخوف من كل ما هو أجنبى غير مسلم. فحتى الديموقراطية إذا جاءت بضغط خارجى يصبح مشكوكا فيها بل ومرفوضة أو على الأقل يُخشى منها.. أما الحوار مع "الكفار" مثل الحوار الإسلامى المسيحى، فيتم بحذر شديد ويظن الطرف المسلم أن الطرف الآخر يسعى لطمس هويتهم لا التفاعل معهم.
لا يستطيع معظم الإسلاميين، اللهم إلا قلة منهم، الاعتراف بتدهور الإسلام نتيجة عوامل داخلية أساسا مثل أى شيء آخر فيتجهون بدلا من الاعتراف بالضعف الداخلى إلى إلقاء الاتهامات على الآخرين. فنظرية المؤامرة جزء لا يتجزأ من عقلية عاجزة تلجأ لشماعة تعلق عليها هزائمها وفشلها طويل المدى لأنها لا تملك أدوات النهوض، وهى حالة الإسلام حاليا بعد أن تغير الفكر البشرى كثيرا وظل هو يستخدم كثيرا من عناصرالخطاب نفسه تقريبا ولو بأثواب جديدة وفى سياق جديد. ولأنه نجح فى الماضى فى تحقيق انتصارات كبيرة بنفس الأفكار التى لاءمت عصرها يتصور الإسلاميون المعاصرون أن نفس الطريقة فى التفكير تصلح لتحقيق نفس الانتصارات، ولكن مع استمرار الهزائم لم تستطع العقلية العاجزة والمتكلسة أن تفهم أن أفكارها قد بالت وتجد نفسها لهذا السبب مدفوعة إلى إلقاء اللوم على الآخر المتآمر. ويأتى هنا سؤال مشروع تماما: لماذا لاتنجح المؤامرات الإسلامية بينما تنجح مؤامرات "الكفار"؟ أو حتى لماذا لا يستطيع الإسلام أن يتآمر بنفس الكفاءة؟مع ملاحظة أن التآمر على العدو مشروع فى الإسلام؛ف”الحرب خدعة”.
* إذا كان الآخر “كافرا” وشريرا ويتميز بكل الصفات السيئة فالواقع يكشف أن هناك جوانبا فى الحضارة الحديثة تعجب حتى المسلم العادى وهناك ظواهر كثيرة فى بلاد "الكفار" تتميز بالإنسانية والنبل بالمعانى الشائعة لهذه الألفاظ وهذه أمور يفتقدها إلى حد كبير العالم الإسلامى مثل منظمات حقوق الإنسان- منظمات الإغاثة الإنسانية-الجمعيات الخيرية الدولية – مظاهرات الغربيين المتعاطفين مع الشعوب الأخرى، وقد حدث مثلا أن رفض بعض الجنود الانجليز والفرنسيين والأمريكيين والإسرائيليين إطلاق النار على أبناء الشعوب الأخرى وتعرض الكثير منهم للسجن، بدوافع إنسانية ولم تُسجل فى التاريخ أن جنديا مسلما رفض قتل أى “كافر” أو سبى نسائه بدافع إنسانى كما أن الغرب به تيارات فكرية وسياسية معادية للاستعمار والصهيونية وتدعو لمباديء إنسانية مساواتية.. إلخ. وبناء على نظرية المؤامرة يرى معظم الإسلاميين وحتى معظم عموم المسلمين أن هذا ما هو إلا تقسيم عمل لخداع المسلمين!ويكثر مثل هذا الكلام لدى تناول الخلافات السياسية فى إسرائيل لأنها -حسب ظننا - العدو الأقرب، فاليسار واليمين واحد ولكنهم يتفقون على عمل تمثيلية الانقسام! وهو تصور ساذج للغاية. أفلا يوجد شخص واحد فى إسرائيل يصحو ضميره ليكشف عن هذه التمثيلية المزعومة؟!. وبذا تُستخدم نظرية المؤامرة فى تبرير ماهو “نبيل” فى الغرب واعتباره غير كذلك وإنما جزءا من المؤامرة الغربية على الإسلام.
تنتهى نظرية المؤامرة بالعقل الإسلامى إلى تحميل "الكفار" مسئولية فشل العالم الإسلامى وانحداره، وهذه التهمة تؤجج الشعور بالعداء لهذا العدو الشرير والقادر، وتقود النظرية إلى ضرورة أن يناضل الإسلام بلا هوادة أو رحمة ضد العدو اللعين المذكور، وكلما زادت التصورات عن المؤامرة المزعومة ازداد العداء وراح رجال الدين والمفكرون يشحنون عامة المسلمين بكراهية "الكفار" والحقد عليهم والرغبة فى الانتقام
* تقود نظرية المؤامرة الفكر الإسلامى إلى التقوقع داخل جيتو فكرى، فباب الاجتهاد قبل إغلاقه وبعد “مواربته” حديثا لا يقود إلى تجاوز النص المقدس أو “الإجماع”، ولا اجتهاد مع النص لدى الأغلبية العظمى من الإسلاميين والعموم. وبالتالى لا يكون التفاعل مع المذاهب الأخرى حرا بل مقيدا بالنصوص الكثيرة والمعقدة. وتحذر نظرية المؤامرة من تلوث الهوية الإسلامية؛الفكر ذو النواة المقدسة، من أى اختراق من قبل فكر "الكفار"، فكل أطروحة من خارج الإسلام مشكوك فى هدفها، الشرير بالطبع والمستهدف للهوية الإسلامية. ويكون “الحوار” مع الآخر فى العادة عدائيا وغالبا ما تُستخدم الكلمات العنيفة والبذيئة للتقليل من شأن الفكر المغاير. وكثيرا ما ينظر الإسلاميون المعاصرون حتى إلى الكتابات التى تقدم التاريخ الإسلامى من أمهات المصادر الإسلامية كسموم موجهة إلى الإسلام، رغم أنها “سموم” داخلية ذكرها وشرحها مسلمون ثقاة. ويتهرب الإسلاميون عادة من المواجهات المباشرة بالرد على الوقائع بالنصوص العامة المقدسة وعلى نقد هذه النصوص بذكر وقائع مضادة كمجرد أمثلة. وبالتالى تستمر المراوغة ويستمر الفكر الإسلامى عاجزا عن الحوار الحقيقى، متقوقعا على ذاته وخائفا، فأى خطأ أو عدم دقة فى النصوص المقدسة تعنى للمسلم فورا انهيار الفكر الإسلامى بالكامل. كما يقاوم الإسلاميون الأرضية الإنسانية للحوار، فالإسلام هو المعيار المطلق ولا يوجد شيء إنسانى غير إسلامى. وفى معظم المناقشات والردود يعلن الإسلاميون أن لديهم كل شيء، فالإسلام مكتفى ذاتيا بكل القيم والمباديء الإنسانية ولا يحتاج لشيء من خارجه فهو فى عرف أهله كامل متكامل لايحتاج لفكر"الجاهلية"ولا يتفاعل بالتالى معه. فلدى طرح أى شعارات تستهدف تحقيق تعاون إنسانى أو حصول البشر على مزيد من الحقوق يرد الإسلامى بما لديه من النصوص التى تكفل كل ذلك دون أن يعلن أنه موافق على ما يُطرح بالفعل. فالرد مثلا على الشعارات الديموقراطية يكون عادة بأن لديه مبدأ “الشوري” الذى يكفل – زعما- أعلى مراتب الديموقراطية.. ولكن لا يعلن الإسلامى عن قبوله – حتى بناء على هذا المبدأ الذى يعتبره عظيما – بالديموقرطية، اللهم إلا فى حدود أن تكون الشريعة هى مصدر كل المباديء والتشريعات، فيعلن أنه الأكثر ديموقراطية ثم يتراجع بسرعة عائدا إلى قوقعته الأيديولوجية. ويتوالى التقوقع متمثلا فى محاولات كثيفة “لأسلمة” مختلف العلوم والمعارف. فالاقتصاد يصير اقتصادا إسلاميا لم ينجح أحد فى تحديده بوضوح، والطب “النبوي” يجد مزيدا من الأنصار فى هذا العصر حيث الطب الحديث صار معروفا جيدا فى العالم الإسلامى ولم يعد هناك مبرر لاستخدام الرقى والعلاج بالقرآن والأدعية ووسائل بدائية مثل بول الإبل وألبانها والحجامة.. وغيرها وهى مما أوصت به الأحاديث النبوية. بل أنشأ الإسلاميون ما يُسمى ب”الاتحاد الإسلامى الدولى للعمل”بدلا من النضال المشترك مع عمال العالم، فتعريف العامل نفسه لدى الإسلاميين يختلف عنه لدى الحركات العمالية ل"الكفار" بحيث يضم أصحاب العمل وأهداف النضال تختلف أيضا بحيث تحقق أهداف الإسلام الغامضة وغير المحددة بوضوح .
ويقود الخوف المتزايد على الهوية معظم الإسلاميين إلى تجنب الاستفادة من المنظومات الفكرية الحديثة، حتى يتجنب معظم الإسلاميين استخدام المصطلحات ومناهج البحث والمفاهيم السياسية والاقتصادية والتاريخية للثقافة الحديثة. وقد استنكر سيد قطب بشكل واضح كافة محاولات الدمج أو التوفيق بين ما يسميه بالتصور الإسلامى ومناهج الفكر الغربى ويدين على هذا الأساس ما يسمى بالفلسفة الإسلامية وعلم الكلام على منوال السلف، وقد دعا لاستخدام ما أسماه قالبا إسلاميا لعرض الإسلام دون الاستعانة بقوالب فلسفية. وقد لجأ مع ذلك قليلون لاستخدامها، مثل سيد قطب نفسه فى كتابه: العدالة الاجتماعية فى الإسلام ومصطفى السباعى فى كتابه: اشتراكية الإسلام وعبد الوهاب المسيرى فى كل كتاباته، كما اهتم المودودى ودعا أنصاره إلى دراسة الثقافة الحديثة جيدا. ويستخدمها عمدا مفكرون يحاولون تطوير الفكر الإسلامى فى اتجاه أكثر انفتاحا. وقد جرت محاولات عدة لكتابة تاريخ الإسلام والسيرة النبوية كأحداث "دنيوية"؛أى بمناهج تستبعد الخوارق والمعجزات منها كتاب حياة محمد لمحمد حسين هيكل وكتاب طه حسين: الفتنة الكبرى وكتاب أحمد عباس صالح: صراع اليمين واليسار فى الإسلام وكتابات المستشرقين مثل كتاب "محمد" لمكسيم رودنسون ومن الإسلاميين ذوى الحيثية محمد الغزالى فى كتابه فقه السيرة ، الذى بذل جهدا كبيرا لعقلنة السيرة النبوية رغم عدم نفيه بوضوح للأحداث الخارقة... إلخ. ومقابل ذلك يرفض معظم الإسلاميين هذا النهج فى التفكير باعتباره تفكيرا غربيا أو متأثرا بمناهج الغرب أو حتى – أحيانا - جزءا من المؤامرة الغربية المزعومة على الإسلام، ويكتبون تاريخ الإسلام عادة على أنه سار وفقا لقواعد أو جرت أحداثه بشكل خارق لما هو معتاد بتوجيه مباشر أو شبه مباشر من السماء، ويبذلون الجهد لإبراز عدم انطباق كل ما يُسمى بقوانين التاريخ فى العالم على تاريخ الإسلام، وإبراز أن مسلمى صدر الإسلام لم تحركهم النوازع البشرية المعتادة وكأنهم صنف خاص من البشر، وأن أحداث الإسلام لا تتفق مع قواعد المنطق ولا يمكن تفسيرها بالعقل كما تفعل مدارس التاريخ العلمانية، ذلك أن الإسلام منبعه الوحى ودوافع المسلمين غيبية وكذلك أهدافهم، ولذلك يهتم الإسلاميون بإبراز الإعجاز فى تاريخ الإسلام وخاصة السيرة النبوية، ومن الأمثلة الدالة كتاب محمد سعيد رمضان، فقه السيرة النبوية ، المختلف كليا مع كتاب محمد الغزالى سابق الذكر رغم استخدامه له كأحد أهم مصادر معلوماته، إذ يصر الكاتب على نبذ أية محاولة لإخضاع دراسة السيرة للعقل أو لأية تفسيرات واقعية ويصر على تفسير الأحداث تفسيرا غيبيا إعجازيا مسميا هذا المنهج مع ذلك منهجا علميا!. وقد رد محمد ناصر الدين الألبانى بقسوة على البوطى ولكنه لم ينتقد منهجه الغيبى واعتماده على الخرافة، بل اهتم بنقد استناده إلى أحاديث وبعض الروايات الضعيفة.. دون أن يتطرق لمنهجه
كذلك تتسم كتابات معظم الإسلاميين عن الفكر الآخر بالجهل به أو الرغبة فى عدم فهمه كما يطرحه أصحابه، والغرض، اللاواع غالبا، هو التقليل من شأنه وإظهاره بأسوا ما يمكن. ومن أمثلة ذلك انتقادات كثير من الإسلاميين للماركسية التى قدمها أغلبهم كمجرد فكر إلحادى يدعو للحرية الجنسية المطلقة والفساد الأخلاقى وتفسير كل الظواهر تفسيرا اقتصاديا محضا، وأنها من إنتاج اليهود أو بإيعاز منهم لماركس، كجزء من مؤامرتهم لإفساد العالم. ولا يخفى الإسلاميون دعوتهم بمقاطعة القيم والعلوم الاجتماعية وأشكال التنظيم الاجتماعى الغربية مع سماحهم بأخذ منتجات العلوم الفيزيائية والتكنولوجيا من الغرب.
مقابل محاولات عملت على إضفاء طابع حداثى على مفاهيم تراثية إسلامية مساهمة فى تفكيك المركزية الإسلامية ينزع كثير من مجددى الإسلام المعاصرين إلى الاكتفاء بالمنظومة المعرفية الإسلامية التقليدية وبالتالى عدم ربط الإسلام بالحداثة “الغربية”خوفا على “نقائه”، وقد بدأ هذا التيار- وهو السائد- بالوهابية، ويهدف هؤلاء المجددين إلى “تنقية” الإسلام مما علق به من “شوائب” وإنشاء حداثة إسلامية خاصة مستقلة عن الثقافة الحديثة.
ويتحقق هذا الجيتو الفكرى فى صورة جيتو اجتماعى فى بلاد "الكفار"، يشكله المسلمون المتمسكون بالهوية بل يزداد كثير منهم تشددا خوفا من الاندماج فى مجتمعات "الكفار"والوقوع بالتالى فى “المعاصى”. وما نرى توجه عدد متزايد من المسلمين لاستخدام زى معين للرجال والنساء وإطلاق اللحى والشوارب بطريقة معينة والجلوس على الأرض... وما إطلاق صيحات الفزع ضد منتقدى النقاب المسمى بالحجاب، سوى أحد آليات صناعة جيتو إسلامى، حتى ضمن مجتمعات إسلامية معصرنة بدرجة أو بأخرى.
حين كان الإسلام فتيا استُخدمت نظرية المؤامرة لحث المسلمين الجدد لقهر "الكفار" وإلحاق الهزيمة بهم ولم تُستخدم لا فى النص المقدس ولا غيره فى تبريرالهزائم القليلة للمسلمين وحالات الفشل المحدودة آنذاك بل فُسرت هذه كلها بتخاذل المسلمين (معركة حنين مثلا) وعدم طاعتهم لنبيهم (فى أُحد مثلا) . ولكن اليوم صارت نظرية المؤامرة مبررا لفشل الإسلام المتوالى
يتبع ....................
بثينه عبدالعزيز
04-18-2009, 11:34 AM
البارنويا الإسلامية
تتسم الشخصية البارنوية بشعور بالأهمية الكبيرة أو العظمة والشعور فى ذات الوقت بالاضطهاد من قبل الآخرين. ويجرى فى العادة تفسير الاضطهاد المزعوم بالعظمة وكره الآخرين. وفى العمق يكمن ما يخلق هذا المركب: شعور داخلى عميق وغير مدرك وربما غير مبرر بالنقص. ويصل الأمر إلى حالة مرضية حين تنتفخ هذه المشاعر وتصبح لا واقعية بشكل ملفت للنظر ومهدد بانفصال الشخص عن العالم المحيط أوالدخول معه فى حالة كره وعداء.
ويبدو مما سبق أن الإسلام المعاصر يتسم بهذه البارانويا المرضية. فالشعور بالعظمة بالغ وحاد دائما.. أما الشعور بالاضطهاد فيتبلور بوضوح فى تصور لمؤامرات مستمرة من قبل الآخرين.
وهذا يخلق شعورا بالاستعلاء على الآخر "الكافر" والخوف منه فى ذات الوقت حيث أنه خبيث وتآمرى وشرير بالضرورة. وهو ما يفسر نفور الإسلاميين من التعاون والحوار البناء، وبدلا من ذلك يكون التهجم واتهام الآخر بسوء النية مما يبرر للهجوم عليه. ويقدم الإسلاميون أنفسهم كمضطهدين فى كل مكان ويضخمون من أعمال القمع الموجهة إليهم رغم تحالفهم الجزئى مع الحكومات نصف الإسلامية فى العالم العربى وغيره ومشاركتهم فى السلطة أحيانا وتمتعهم بحق الدعاية وامتلاكهم لأدوات الإعلام الضخمة مثل مئات الألوف من المساجد والزوايا والمدارس ومواقع الانترنت والصحف ودور النشر وتمتعهم كثيرا بدعم الحكومات فى مواجهة اليساروتغلغلهم فى أجهزة الدول مثل مصر والسودان والأردن والكويت والسعودية وغيرها. والحقيقة أن نمو نفوذهم وتضخم منظماتهم لا يمكن فصله عن أشكال الدعم الحكومى أو تشجيع السلطات الضمنى لشاطهم الذى يصب فى النهاية لمصالح القوى الطفيلية الحاكمة فى عموم البلاد العربية.
ورغم الاختلافات والانقسامات اللامتناهية بين الإسلاميين يتسم الجميع بالبارنويا. وهذه الانقسامات قد يفسرها البعض أحيانا على أنها مؤامرة إسلامية أو نوع من تقسيم العمل بين المعتدلين والمتشددين. والحقيقة أن الفكر الإسلامى يؤول فى النهاية إلى الاستعلاء (الإسلام يعلو ولا يُعلي- البخارى -78) وازدراء الآخر "الكافر" وكراهيته. ومهما اختلفت اللغة وحتى بعض المباديء التكتيكية لا تتغير هذه النزعة. ولذلك لا نرى أية غرابة فى استخدام المتشددين لفتاوي”المعتدلين”لتنفيذ اعتداءاتهم على "الكفار"، ومن الأمثلة الفاضحة قتل فرج فودة بناء على فتوى من "علماء"من الأزهر.. المعتدل جدا. أما الشعور بالاضطهاد من قبل الإسلاميين فيفسر بخوف الآخر من الإسلام وحقده عليه.
ومع ذلك يكشف الإسلاميون من حين لآخر عن الشعور الداخلى العميق بالدونية أو بمركب النقص ويتبلور ذلك فى عملية جلد الذات التى يلجأ بعضهم إليها من حين لآخر وهذا لا ينفى بل يؤكد النزعة المركزية لأنه ُيفسر بسبب الخروج من الذات.. عدم الالتزام بالدين وخيانة الرسالة التاريخية، فالخطأ فى تلك اللحظات يُعتبر خطأ الذات وتُجمد نظرية المؤامرة مؤقتا.
وتتسم عملية جلد الذات بالتحول من اتهام الآخرين بالمسئولية عما يحدث لها إلى اتهام نفسها بالتقصير والفشل الذاتى، ليس نتيجة أخطاء يمكن علاجها بروية وفهم وهو النقد الذاتى العادى الذى يمكن أن يقوم به كل شخص متعقل، ولكن باتهام الذات بخيانة نفسها وتقاعسها المتعمد عن تحقيق مآربها بل وعدم أهليتها وفسادها المطلق وانحطاطها. وبدلا من نظرية المؤامرة يحدث العكس؛فالفشل يُفسر "بتآمر" الذات على نفسها لصالح الآخرفتكون هى سبب تفوقه وسيطرته عليها ولذلك تستحق كل ما يجرى لها ويتم بدلا من نقد الذات إهانتها وتوبيخها دون ما خطة لمعالجة أوجه القصور والخلل بشكل عملى وفعال. وهو شيئ يفعله بعض الإسلاميين فى ساعات اليأس خاصة
بثينه عبدالعزيز
04-19-2009, 10:10 AM
لماذا المركزية الإسلامية
كلما ازدادت الفكرة هشاشة كلما ازداد ارهاب أصحابها في الدفاع عنها
نبيل فياض
يتضمن النص المقدس منذ بداية الإسلام نزعة مركزية قوية وواضحة كما يتضح من سياق تحليلنا. فقد نشأ فى عداء بالغ للوثنية القرشية والعصبية القبلية طارحا فكرة التوحيد بقوة ونابذا أى حل وسط. كما أصر على وحدة النبوة أيضا فجعل شهادة لا إله إلا اللـه غير كافية لإسلام المرء مشترطا “محمد رسول الله” أيضا، وبذا نبذ كل مدعى النبوة ومنتظرى الرسالة الذين كانوا يقدمون شعرا يشبه آيات من القرآن. وقد شن حربا ضارية ضد الآخر "الكافر"؛فكرية فى البداية ثم مسلحة بعد ذلك.
وقد ارتبطت هذه المركزية القوية بنزوع قوى نحو توحد العرب فى مواجهة الجوع المستمر الذى عانوا منه طويلا وفى مواجهة الدول المحيطة التى ازدرتهم واستخدمتهم لصالحها طويلا. ونظرا للتفكك الاجتماعى والتشرذم القبلى والصراعات والثأرات بين مختلف البطون وعادات وتقاليد راسخة كان من الصعب أن يتفق العرب على صيغة للوحدة أو حتى التعاون دون أن تكون متمحورة حول قيادة ملهمة وموضع ثقة مطلقة. وقد استخدمت النصوص النافية للآخر "الكافر" فى توحيد القبائل سواء فى عصر محمد أو بعد وفاته مباشرة فى الحروب الأهلية العربية، ثم استُخدمت كمبررات أيديولوجية لغزو الشعوب الأخرى وإخضاعها وتم بهذه الطريقة إنشاء امبراطورية عربية – إسلامية كبرى وغنية.
وقد حقق الإسلام انتصارا ساحقا فى المنطقة كلها. ومع احتكاك العرب بحضارات أخرى وظهور مصالح جديدة تراخت المركزية الإسلامية إلى حد ما، بل وشهدت فترات كثيرة قدرا من التسامح مع "الكفار" خصوصا فى العصر العباسى ومع تغلغل نفوذ العنصر غير العربى فى الحكم واستقرار الدولة وثبات حدودها تقريبا واستسلام أهل الذمة إلى حد كبير. بينما شهدت فترات أخرى درجات عالية من التشدد بلغ حد إقامة محاكم تفتيش وقتل "الكفار" على نطاق واسع، خصوصا فى فترات تعرض الدولة للتهديد الخارجى.
وقد شهدت بعض البلدان الإسلامية فى العصر الحديث تغيرات ثقافية هامة فى اتجاه تبنى الحداثة والعلمانية جزئيا ولكن لم تنجح التوجهات العلمانية فى تحقيق تحديث ناجز ومجز لكل الطبقات، لأسباب لا تخص علمانيتها على الإطلاق بل ربما ساهم موقفها المعادى للعلمنة الكاملة فى فشلها، فاستفادت الطبقات الثرية، بل أكثر العناصر طفيلية وأقربها للعمالة للاستعمار الأوربى، كما كان التحديث مرتبطا باستعمار تلك البلاد وقهر شعوبها من قبل الغرب، وفى النهاية خرج الاستعمار العسكرى ولكن استمرت أشكال الاستغلال والقهر قائمة بين الطرفين، مما دفع شعوب تلك البلدان إلى “الارتداد” إلى ثقافتها القديمة وراحت تستخرج من تراثها ما تتصور أنه يتجاوز أزماتها المتنامية. لقد أدى التحديث إلى تغيرات قيمية عميقة دون أن يصاحبها أو يترتب عليها مكاسب هامة للطبقات الدنيا التى هُمشت من أفرادها أعداد كبيرة، ففقدت قيمها ولم تكسب شيئا.. بينما قام الاستعمار الغربى بقهر تلك الشعوب والسيطرة على مقدراتها. وجاء قرار أتاتورك بإلغاء الخلافة العثمانية دون تحقيق أية فائدة للشعوب الإسلامية، بل على العكس بدا الأمر كأن إلغاء الخلافة رفع بقايا الحماية العثمانية أو ما كان يبدو للمسلمين أنه كذلك، مما كان له دور لا يُنكر فى ردة الفعل بإنشاء ونمو حركة “الإخوان المسلمون” فى مصر، أهم منظمة إسلامية معاصرة فى العالم. مقابل ذلك فشلت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين الذى تحالف مع البريطانيين إلا فى استيلاء أبنائه على العراق والأردن، ثم أُعلنت معاهدة سايكس بيكو سيئة الصيت وأخيرا زُرعت اسرائيل فى الشرق الأوسط مما كلف بلدانه الشيء الكثير. وكانت الطامة الكبرى هى الفشل النهائى للقومية والاشتراكية العربية فى حرب 1967. ومن هنا بدأ التراجع الكبير للعلمانية غير الناجزة فى العالم العربى والإسلامى ومعها الإسلام الأكثر استنارة الذى سيطر لعقود عديدة وصعدت المركزية الإسلامية مع صعود الإسلام التقليدى من جديد وراحت التيارات الإسلامية تستلهم التراث الذى لم يُستبدل بشكل حاسم طوال التاريخ، وتوظفه فى خدمة مشروعها الخاص، الوهمى إلى حد بعيد. ويمكننا أن نشبه حالة العرب المسلمين فى العصر الحديث بحالة عرب الجزيرة قبل الإسلام من زاوية أو أكثر؛فهم واقعون تحت سيطرة الغرب الذى يعلن ازدراءه لهم والذى سطا على ثرواتهم واحتل أراضيهم طويلا وزرع لهم كيانا “كافرا”توسعى النزعى فى قلب بلادهم وصاروا يعانون من التشرزم والثأرات بين دولهم العديدة المتنازعة وقبائلهم الحاكمة هنا وهناك.. وقد فشلت التوجهات القومية والاشتراكية وشبه الليبرالية فى توحيدهم بل كانت النتائج أكثر سوءا.. مما كان له أكبر الأثر فى إعادة إخراج التراث الدينى ذو النزعة المعادية بشدة للآخر شاملا الآخر الموالى للثقافة الحديثة التى يُنظر إليها كثقافة الاستعمار الغربى "الكافر
لا شك أن المجتمعات الإسلامية على طول التاريخ قد شهدت صراعات طبقية وعرقية متواصلة ولكننا نتحدث هنا عن الغطاء الأيديولوجى أوالقالب الثقافى والقيم والمثل المتمتعة بالقبول النظرى بغض النظر عن ممارستها فى الواقع.
من الضرورى أن نلاحظ أن الخطاب الإسلامى قد تغير فى العصور الحديثة عنه فى العصور الوسطى؛فلم يعد الكثيرون ينادون بتطبيق الشروط العمرية حرفيا ولم يعد هناك كثيرون يصرون على سبى واغتصاب نساء "الكفار" المحاربين، ويرفع الكثيرون شعار الديموقراطية ويستخدم بعضهم مفردات العلوم الاجتماعية الحديثة.. إلخ. كل هذا صحيح ولكن يجب أن نلاحظ مع ذلك أن هذه تحولات جزئية محدودة للغاية؛يُضاف أن من الإسلاميين كثيرون للغاية ممن يعارض هذه التوجهات، فالمرشد العام للإخوان المسلمين؛أهم تنظيم إسلامى فى العالم، دعا فى التسعينيات إلى فرض الجزية على أهل الكتاب ثم أنكر بعد موجة النقد القاسية، ونظرية الجهاد مازالت متماسكة ولكن يتم فقط إعادة توزيع للأولويات، بل تذكر بعض الإسلاميين وغيرهم فى فلسطين الشروط العمرية لدى معارضتهم لبيع بعض المسيحيين ممتلكات مسيحية لليهود، والبعض مارس سبى واغتصاب نساء من يكفرونهم فى الجزائر فى التسعينات وفى أفغانستان فى الحرب الأهلية وأثناء الحرب الأخيرة بين التحالف المدعوم أمريكيا وطالبان، وفى العراق فى مايو 2005 عرض أحد أتباع مقتدى الصدر، عبد الستار البهادلى فى خطبة الجمعة مكافأة مالية لأى عراقى يأسر مجندة بريطانية، وقال إنها ستُعامَل كجارية. أما شعارات الديموقراطية فلم تستبعد الدعوة لجعل الدستور إسلاميا.. إلخ.
يتبع .............
بثينه عبدالعزيز
04-19-2009, 10:12 AM
الحقيقة أن تجاوزات كثيرة حدثت للشريعة من قبل الدول شبه العلمانية القائمة فى معظم العالم الإسلامى خصوصا منذ الاحتلال الأوربى وبعد رحيله مثل إلغاء الجزية على "الكفار" والمساواة فى القصاص وتجنيدهم فى الجيش وتقديم مزايا أخرى. ولكن اتخذت هذه القرارات رغم أنف رجال الدين وحتى عامة المسلمين أحيانا، وفُرضت بقوة الدولة، وهذا التجاوز للشريعة حدث كثيرا فى عهد الخلفاء من حين لآخر. إلا أن القواعد الفكرية للإسلام لم تتغير جوهريا ولم يتم توجيه النقد للتاريخ الاستعمارى للإسلام بل مازال المسلمون عامة وخاصة يبكون على اللبن المسكوب فى الأندلس ويتباكون على عصر سيادة الدولة الإسلامية على العالم بالقوة. وما زال الخلفاء”الراشدون”هم المثل العليا للمسلمين خاصة وعامة وهم الذين اغتصبت حكوماتهم البلاد المجاورة وانتزعت الجزية والخراج من أهلها عنوة.
لم يعمل الإسلاميون قطيعة معرفية مع الفقه القديم الذى مازال حيا ولم يتخلصوا من الأحاديث التى تحض على العنف ضد الآخر، وحتى من تجاوزوا بعض الأحكام القديمة برروها بطرق مختلفة ولم يقاطعوها من حيث المبدأ وما كانت محاولات التنوير ذات الأثر إلا محاولات داخل نفس قواعد الفقه القديمة، مما يعنى أن التراث الإسلامى التقليدى ما زال جاهزا للاستدعاء وقت اللزوم وهو ما شاهدناه خلال العقود الأخيرة بالفعل.
لاشك أن الإسلام المعاصربمدارسه المختلفة قد نما كرد فعل لظروف معاصرة منها الهيمنة الغربية والمركزية الأوربية ومضاعفات عمليات التحديث الجزئية فى العالم الإسلامى كما أسلفنا، ولكنه مع ذلك ليس جديدا كل الجدة، بل لجأ الإسلاميون إلى أسلحة قديمة؛التراث الإسلامى الذى لم يتم أبدا تجاوزه حتى فى أزهى الفترات شبه العلمانية فى العالم الإسلامى، وفقط تمت تنحيته جزئيا بقوة الدولة فى بعض الفترات قديما وفى العصر الحديث، وضغط النخبة العلمانية التى أنتجتها الحداثة والتأثير الأوربى القوى.
وهذا الاستدعاء للتراث لم يكن أبدا قراءة جديدة له كل الجدة بل تم استدعاء لعناصر كثيرة منه كما هى.. إنه استدعاء للإسلام بمركزيته الأصيلة والتى لم تختلف عليه جوهريا أى من المدارس الإسلامية قديما وحديثا. ومع ذلك يجرى توظيف عناصر التراث هذه فى سياق جديد وفى إطار نسق فكرى مختلف عن الأنساق الإسلامية القديمة، فلم يعد الفتح والسبى والنهب هى الأهداف الأسمى للمسلمين، بل تلح مسألة العدالة ومقاومة فساد الحكام وتحقيق الأهداف الوطنية فى تحرير البلاد الإسلامية وتحقيق تضامن بين الشعوب الإسلامية لمواجهة تفوق الغرب. ولم يعد الفقهاء يهتمون كثيرا بأحكام مثل تملك العبيد وحقوق الجوارى، بل تبرز قضايا مثل كيفية تصرف المسلمين المقيمين فى البلاد الأخرى ومدى ضرورة التزامهم بالقوانين العلمانية والتعامل مع العلوم الحديثة، وقضية الإرهاب ونظام الحكم الإسلامى..
ولأن ظروف العالم الآن مختلفة تتبدى المركزية الإسلامية فى صور تختلف عما كانت عليه فى السابق، كما أنها تختلف فى فترة قوة الإسلام وهيمنته عنها فى ظروف الهيمنة الغربية الطاغية. من هنا نجد أن الهوس بنظرية المؤامرة وحالة الهوس الدينى عموما بارزتان فى العصر الحالى بما لا يُقارن بما كان عليه حال المسلمين فى صدر الإسلام وفى عزته. فكثير من الفقهاء القدامى كانوا أكثر تفتحا وموضوعية بكثيرمن الفقهاء المعاصرين وقبول التعدد داخل الإسلام كان أكثر فى فترات الرخاء وعصر هيمنة الإسلام.. ويبدو أن عمق الجروح التى أصابت الإسلام والشعور بالعجز أمام الحداثة قد ولدا حالة البارانويا الحادة الحالية، مقابل الشعور بالتفوق والقوة الذين سادا فى عصر تفوقه.
الفكر الإسلامى فكر هوية، وهو يختلف عن الفكر الليبرالى الذى يجعل من الفرد الهدف النهائى، كما يختلف عن الفاشية التى تضع الأمة (بالمعنى المستخدم فى الغرب) فوق الجميع، ويختلف عن الاشتراكية كما طُبقت عمليا التى تضع المجتمع فوق الأفراد.. الإسلام يجعل من نفسه المرجع والهدف فى نفس الوقت، فالأيديولوجيا فوق كل شيء. ولكن إذا راعينا أن الأيديولوجيا تتضمن المصالح المرسلة ومبادىء مثل "الضرورات تبيح المحظورات" إلى آخر المبادىء العملية البراجماتية، تصبح الدولة الإسلامية أو دولة الشريعة هى الكل الحقيقى فى الفكر الإسلامى لدى الغالبية العظمى من المدارس الإسلامية قديما وحديثا، والتى توؤل فى الواقع إلى الدولة المستقلة عن "الغرب". فإن كان للفرد أيضا أن يطبق المباديء البراجماتية فالأهم أن المصالح "العامة"تعلو على مصالحه وضرورات المجتمع تفوق ضرورات الأفراد. ذلك أن الواجب فى الفكر الإسلامى يعلو على الحق، والواجب الأسمى للدولة هو حماية نفسها باعتبارها الممثل الأهم للإسلام، كما أن أهم واجبات الأفراد هى واجباتهم نحو الدولة؛القوة الأهم فى المجتمع وحامية الإسلام إلا إذا تجاهلت الحاكمية. ويمكن أن نضيف عددا آخر من النقاط التى تؤيد هذه الفكرة. منها أن الفكر الإسلامى يسعى لتطبيق الشرع حتى على غير المسلمين وهو شرع يتضمن ترك أهل الذمة يمارسون شرائعهم فى الأمور الشخصية مالم تمس المسلمين، ومنها أنه لا يسمح للمسلم إلا أن يظل مسلما، ومنها أنه يدعو – نظريا - لغزو بلاد "الكفار" يوما ما لتحريرهم من النظم الجاهلية. فالمهم هو تطبيق النظام والذى يتمتع بأولوية على نشر الفكر. والنظام يتضمن سلطة الدولة قبل أى شيء آخر.
وفيما يخص الإسلام المعاصر وحيث لا توجد دولة إسلامية عالمية تضم مسلمى العالم بل دول قطرية أو قومية بالمعنى المعتاد، يكون الهدف الأسمى أن تطبق هذه الدولة شريعة الإسلام بديلا عن النظم الغربية الحديثة.. وإذا مددنا هذا على استقامته تصبح الحركة الإسلامية المعاصرة مجرد حركة وطنية أقل فى عقلانيتها من الحركات الوطنية العلمانية، ولكن أكثر منها غضبا ونقمة على الغرب. وتظل لديها الدولة القومية هى الكلى شريطة أن تطبق الشريعة الإسلامية من وجهة نظر هذا الفريق أو ذاك.
يتبع ...................
بثينه عبدالعزيز
04-19-2009, 10:13 AM
استنتاجات
"من أغفل الصغير حتى يكبر واليسير حتى يكثر والخفى حتى يظهر لقى مثل هذه الحال التى نحن عليها وأغلظ"
بسيل، مولى الخليفة مروان ابن محمد
يمكن إيجاز ما سبق كالآتى:
1- يقدم الفكر الإسلامى التقليدى نفسه باعتباره الحقيقة المطلقة وأنه يحوى كل شيء ولديه إجابة على أى سؤال. أما الآخر، فهو "الكفر"، وهو الأدنى من الإسلام حتما.. خرافة.. ادعاء كذب.. تزوير.. ضلال.. إنكار للحق.. وهم.. زيف.. وبذا تُحدد هوية الأفراد والجماعات بمعيار الإسلام فقط، فالمرء إما مسلم أو “كافر”، وينطبق هذا أيضا على المجتمعات لدى المدارس الإسلامية المتشددة. والإسلام التقليدى فى الممارسة يتسع ليكون مفهوم الحاكمية للـه، وباختصار حتى يكون المعنى واضحا: الانضمام "لحزب الله" ضد "حزب الشيطان"، وحتى من يرفضون تعبير الحاكمية يستخدمون المضمون نفسه بألفاظ مختلفة مثل “الربانية". أما "الكفر" فيصير فى الممارسة مفهوما أوسع هو "الجاهلية"، بمعنى استخدام مرجعية غير إلهية تتراوح فى نظر مختلف التيارات الإسلامية بين إنكار وجود اللـه واستخدام مرجعية غير ربانية للتشريع والقيم وصناعة الفكر. والطرفان على طرفى نقيض؛أعداء. ولأنهم كذلك وجب على الإسلام أن يحارب عدوه، وتحقيق السلام فى النهاية بشكل من ثلاثة: إما ان يسلم "الكفار" أو يستسلموا بدفع الجزية للمسلمين، أو بقتلهم، فالإسلام يعلو ولا يُعلى. ولأن الإسلام هو الحقيقة النهائية ولأنه من اللـه، يضمن اللـه انتصاره النهائى وهو مآل البشرية جمعاء. وفى النهاية سيصبح كل البشر مسلمين حين يعود المسيح ويرفع الجزية وبالتالى يقتل "الكفار" المعاندين ويقتل الخنزير ويكسر الصليب.
هكذا يكرس الإسلام الحروب الدينية وصراع الحضارات الذى يشكو منه الإسلاميون الآن ويكرس انقسام البشر على أساس دينى إلى أخيار وأشرار، كما يعتبر المسلمين هم الأخيار مقررا أنهم خير أمة أُخرجت للناس وأن عليهم رسالة تاريخية هى إقامة الحاكمية فى الأرض كلها. مقابل ذلك ينبذ الصراع الطبقى والصراعات العرقية والقومية. هذه المفردات الفكرية – إن صح التعبير- تشكل المحتوى الرئيسى للإسلام القديم والحديث، وإن اختلف الإطار الذى يجرى فيه توظيفها من عصر لآخر حسب الأحوال المتغيرة للواقع وموازين القوى القائمة وتغير الأهداف والتحولات الاجتماعية فى بلاد الإسلام
2- النزعة المركزية الإسلامية هى فى جوهرها مركزية ثقافية وجانبها العنصرى العربى غير أساسى ولا يمنح العرب سوى أفضلية ثقافية أيضا باعتبارهم الأقدر على حمل وتوصيل الرسالة التاريخية لأمة الإسلام مع ملاحظة أن هذه الأفضلية الثقافية تتضمن – بالقوة- سلطة أعلى من سلطة غير العرب. هذا الفرق بين المركزية الثقافية الإسلامية والعنصرية فى المركزية الأوربية هو ضمن العوامل التى تفسر لماذا لم يدع الإسلام إلى إبادة الشعوب الأخرى باستثناء مشركى العرب إذا أصروا على الشرك ولماذا لم يمل الاستعمار العربى – الإسلامى إلى ممارسة الإبادة الجماعية ضد الشعوب المستعمرة بنفس القدر الذى فعله الأوربيون. وقد كان الاستعمار العربى أقل قسوة مع معظم المغلوبين لأنهم ببساطة يمكن أن يتبنوا الثقافة الإسلامية واللغة العربية ويصبحوا متساوين مع الفاتحين إلى حد كبير، بالإضافة إلى ضعف مقاومتهم للعرب فالحاجز بين المستعمِر والمستعمَر كان دائما قابلا للتجاوز جزئيا على الأقل بمجرد النطق بالشهادتين. وكان من الممكن للعرب المسلمين أن يصروا على إبادة المشركين عموما مستندين لنصوص مقدسة ولكثير من الفقهاء الذين رأوا ذلك، ولكن يبدو أن هذا كان عملا صعبا للغاية من الناحية العسكرية كما أنهم حصلوا مغانم هائلة من عمل "الكفار" أبناء البلاد المفتوحة، ولم يكن لديهم فائض سكانى كبير يكفى للحلول محل السكان الأصليين ولا خبرة بأعمال الزراعة ولذلك رأينا محمد يوافق يهود خيبر على عدم طردهم وترك الأرض لهم لقدرتهم على زراعتها مقابل دفع 50% من إنتاجها كخراج وهو ما حدث مع ملايين السكان فيما بعد فى المشرق والمغرب. وباستثناء الأمويين منح الفاتحون المسلمون ما يشبه الجنسية الإسلامية للمغلوبين، وحتى أهل الذمة تمتعوا بكثير من الحقوق والمزايا لأنهم بكل بساطة شكلوا مجالا لانتشار الإسلام وكانوا يدخلون الإسلام بمجرد نطق الشهادتين وهو ما حدث على نطاق واسع فى المستعمرات الإسلامية، مما شكل أساسا لدولة أكثر رسوخا باعتمادها على شعوب أكثر ولاء بفضل إسلامها، وقد أدى هذا إلى تقوية الجسور بين المسلمين و"الكفار" فى المستعمرات الإسلامية. وبالعكس كان الفاتحون العثمانيون أشد قسوة من العرب لأسباب منها تقاليدهم الحربية الخاصة وقوة مقاومة شعوب بعض البلدان المفتوحة. وحتى العبيد فى الإسلام تمتعوا بحقوق كثيرة لم يعرفها العبيد لدى الشعوب الأخرى، ومما يفسر ذلك أن الأولوية فى الإسلام هى الإيمان بالإسلام نفسه وأن “التقوي”هى معياره لأفضلية الناس بعضهم على بعض. وقد أزاح القومية والطبقية – نظريا- لصالح التقوى.
وفى الواقع حقق الإسلام انتصارات هائلة على أكبر دول العالم وقت صعوده لأسباب منها هذا الطابع الثقافى – الديني- لمركزيته، أو بمعنى أبسط بفضل معياره لأفضلية الناس وهو الدخول فيه والإخلاص له كفكر. وهو لم يشترط للإسلام سوى النطق بالشهادتين والالتزام العملى بالعبادات، ولم يتدخل فى وجدان الناس، ولم يشترط “الإيمان” لقبولهم فى صفوفه، ومن هنا قبل عناصر كثيرة لا تؤمن فى الحقيقة ولكن تعلن ولاءها الأيديولوجى وهذا سهل لأى شخص يريد أن يضمن سلامته وربما مزايا أخرى. وقد يفسر هذا لماذا تمكن بسرعة من كسب ولاء شعوب المستعمرات الرومانية التى عانت من العنصرية والقمع العنيف ولم يكن أمامها أية فرصة للتمتع بحق المواطنة الرومانية القائمة على أساس عنصرى، فقد حقق المساواة بين الرجال المسلمين - ولو نظريا- وهو مالم تشهده من قبل شعوب المستعمرات الرومانية.. مما شكل عامل إغراء قوى ليتبناه سكان المستعمرات.
وعلى العكس لم يساو الإسلام بين البشرمن مختلف الأديان، فالتقسيم الحاد إلى مسلمين و”كفار” واعتبار المعسكرين أعداء تاريخيين وسم الفكر الإسلامى بنزعة لا إنسانية. ومهما استُخدمت عبارات مطاطة عن المحبة والمساواة يكتشف المرء أن الإسلاميين التقليديين لا يستطيعون تجاوز هذا التقسيم الحاد فعليا. ولا نقصد حتما أن الإسلام يدعو إلى تمزيق "الكفار" إربا أو إبادتهم ولكنه لا يساوى بينهم فى الحقوق وبين المسلمين الأعلون شأنا والأتقى والأعضاء بالتالى فى حزب اللـه. وحتى يكون الأمر واضحا نقدم تعريفا بسيطا للنزعة الإنسانية: هى الدعوة لاعتبار كل البشر متساوين بغض النظر عن اللون والعقيدة والجنس والانتماء الإثنى أو القومى والطبقى، وبالتالى المناداة بالتعامل على قدم المساواة أمام القانون والعرف، ونبذ العنصرية ومختلف أشكال التمييز وإزالة كل أشكال الاضطهاد
وقد قدم حسن البنا مؤسس الإخوان محاولة لإظهار إنسانية الإسلام فى كتابه”السلام فى الإسلام”، فكان نموذجا للاإنسانية فى الإسلام؛فتحت عنوان: إعلان الإخوة الإنسانية والتبشير بالفكرة العالمية حدد أن عناصر هذه الإنسانية الإسلامية تتضمن وحدة الجنس والنسب: فالناس لآدم وكلهم سواسية بلا فضل إلا بالتقوي!أى بالإسلام طبعا، ثم تناول وحدة الدين والرسالة: الإسلام فى طبعات متتالية، فأين الإنسانية؟!، ووحدة الشعائرشاملة وحدة القبلة واللغة العربية فى العبادات، وتفضيل الإنسان على بقية المخلوقات.. وخلاصة ما يُفهم أن الإسلام إنسانى حين يسلم كل الناس فيتوحدوا فى العبادة وحول اللغة العربية وقيم الإسلام. وعلى درب البنا يسير الإسلاميون المعاصرون باستثناء قلائل من المصلحين الذين يدعون إلى علمنة الإسلام. وقد علق موقع إسلامى كبير على النزعة الإنسانية ناعتا إياها ب"الكفر" ومتهمها بالتسبب فى ظهور الفاشية، نافيا إياها بلا رتوش عن الإسلام
هذا العداء للآخر "الكافر" وازدراؤه ثم تحميله مسئولية انحطاط العالم الإسلامى بكل مشاكله وفقا لنظرية المؤامرة، والدعوة للجهاد ضده وقهره، بالإضافة إلى ما يبشر به الإسلام من نظام شمولى، والطابع الشعبوى الديماجوجى للخطاب الإسلامى المعاصر يقترب كثيرا من الفكرة الفاشية والنازية ويطبع الحركات الإسلامية بطابع فاشى واضح. ويكتمل السيناريو الفاشى بالوصول إلى السلطة بالانتخابات الحرة وهو ما حدث فى الجزائر ووقتها أعلن زعماء الإسلاميين أن هذه هى آخر انتخابات فى الجزائر
3- المركزية الإسلامية سمة للإسلام التقليدى عموما سواء فى تفاسير النص المقدس أو لدى الأصوليين أو التحديثيين. وكما استعرضنا من قبل كان الإسلام دائما دعوة لنبذ كل العقائد الأخرى لصالح الحاكمية، واعتبر نفسه الحقيقة الأخيرة والمعيار المطلق وأمة الإسلام أفضل الأمم. وكان الفكر الإسلامى أكثر جرأة فى عصر القوة والسيطرة واستطاع أن يتصدى للأفكار المناهضة مستعينا بأدوات الفلسفة اليونانية بدون حرج وأنتج كما هائلا من القواعد الفقهية وغيرها، ولكن فى عصر الأفول تم إغلاق باب الاجتهاد وتفاقمت النزعة المركزية باستمرار حتى صار الفكر الإسلامى يعانى من حالة بارانويا مرضية ورعب من الآخر "الكافر" وشعور بالدونية وصار يحبس نفسه فى جيتو فكرى لم تنجح محاولات البعض للخروج منه. وقد ساد لفترة طويلة اتجاه معتدل وأقل مركزية منذ بدء التحديث فى العالم الإسلامى كرسه الأفغانى ومحمد عبده، شكل محاولة من قبل الإسلام للتأقلم جزئيا مع عملية التحديث ولكنه اتجاه لم يحطم الأسس النظرية للفكر الإسلامى التقليدى؛لم يعمل قطيعة معرفية مع السلفية. ومع انهيار محاولات التحديث فى العالم العربى والإسلامى وظهور المركزية الأوربية، تقوقع أكثر فأكثر فصارت الوساوس من المؤامرات الغربية واليهودية تؤرق المسلمين خاصة وعامة، ونمت الدعوة للعنف والإرهاب ضد "الكفار" تعبيرا عن شعور عميق بالضعف واليأس مغلف بوهم القوة الزائفة المستمدة من الثقة فى حتمية النصر فى النهاية. إن تسيد الخطاب الإسلامى المتعصب منذ الهزيمة النهائية للقومية العربية فى الستينات شكل ردة إلى الإسلام القديم وفشلا للإسلام الأكثر تسامحا، ولكن فى سياق جديد هو الدفاع عن الذات المهانة والمقهورة ضد الأقوياء؛أبناء الحضارة الحديثة الذين يتم تكفيرهم والتقليل من شأنهم فى سياق نفس عملية الدفاع عن النفس هذه
يتبع ....................
بثينه عبدالعزيز
04-19-2009, 10:14 AM
4- تقود المركزية الإسلامية المسلمين إلى تبرير الاستعمار الإسلامى فى الماضى وفى الحاضر - حيث يتم اضطهاد الأقليات الدينية فى معظم البلدان الإسلامية- وربما فى المستقبل وإلى الكيل بمكيالين كما أوضحنا من قبل، وإلى التحالف مع العدو الفعلى للمصالح الحقيقية للشعوب الإسلامية وإلى عرقلة التحديث والمقرطة.
5 - يلجأ الإسلام الرسمى والتيارات المعتدلة كالإخوان المسلمين إلى رفع شعار فتح باب الاجتهاد. ولكن يقتصر اجتهاد هذه التيارات على إعادة ترتيب أولويات العمل الإسلامى واستخدام التقية لإظهار فكرهم فى صورة أكثر إنسانية دون نجاح يُذكر، مع تقديم بعض التنازلات اللغوية أساسا والفعلية أحيانا لتفادى التصفية فى الحرب الدئرة حاليا بينهم وبين الغرب، واتباع سياسة براجماتية للاستيلاء على السلطة، مثل الدعوة لاحترام قوانين البلاد الغربية (سيد طنطاوى والقرضاوى..) ، والقبول بالنظام البرلمانى (حسن البنا وتلاميذه حاليا الذين باتوا يقبلون كذلك بالنظام الحزبى..) . فى الواقع لم يستطع هذا الإسلام أن يتجاوز فكرة الحاكمية وهى مربط الفرس فى الفكر الإسلامى عموما، كما لم يتجاوز أبدا حتى الآن أولويات مصادر التشريع الإسلامى مما يجمد أية محاولة للتطوير الجذرى للإسلام. ولنتذكر أن إعدام محمد محمود طه فى السودان وإدانة نصر أبو زيد فى مصر فى محكمة تفتيش علنية وقتل فرج فودة وغير ذلك الكثير قد تم بدعم معظم الفقهاء و"العلماء" وحتى عامة المسلمين. ومن المفيد أن نلاحظ أن التيارات المعتدلة لم تعاد التيارات المتشددة (الإسلام الثورى بتعبير فرج فودة) والتى تعتبرها فى البيانات الرسمية مخالفة وضارة بالإسلام ولا تدينها، عدا حالات محدودة، إدانة فعلية. بل يقدم كثير من المعتدلين التبريرات الكافية لأعمال المتشددين الإرهابية (ما زال سيد قطب يُنعت بالشهيد من قبل الجميع تقريبا ولم يتبرأ منه “المعتدلون”) . وعلى الأكثر يتهمونهم بعدم الفهم مع حسن النية وعدم تقدير ظروف العمل الإسلامى فى الوقت الحاضر. وعلى النقيض نجد الثوريين يتهجمون – أحيانا بعنف – على “المعتدلين” ومن يمارسوا “التقية”أو يعيدوا ترتيب أولويات النضال الإسلامى أو تطوير الفكر الإسلامى فى اتجاه أكثر مرونة ويتهمونهم أحيانا بممالأة السلطات والغرب بحثا عن أهداف دنيوية وعلى حساب المباديء، مثل محمد الغزالى الذى دعا إلى تنقية الأحاديث وتحقيق بعض المساواة بين الرجل والمرأة ومثل القرضاوى الذى أباح أشكالا من الغناء والرقص وعمل المسلمين فى أماكن تقدم الخمر لمرتاديها إذا اضطروا، ومثل الأزهر الذى أباح فائدة البنوك متعرضا للانتقادات العنيفة ومثل جمال البنا الذى حاول تطوير أصول الفقه.. إلخ
6 - مقابل المركزية الإسلامية ظهرت اجتهادات عديدة لتفكيك هذه المركزية وعقلنة الإسلام جزئيا أو كليا، سواء قديما قبل انتصار النصيين على العقلانيين، مثل محاولة أبى حيان التوحيدى الذى أعلن فشله وأوصى بحرق كتبه بعد وفاته يأسا من المسلمين، وابن رشد الذى استفاد منه الغرب وبصق عليه المسلمون وأحرقت كتبه سنة 1195بواسطة السلطان لإرضاء الشعب والفقهاء حسبما ذهب البعض، وحديثا تحت شعارات مختلفة مثل أنسنة النص (أركون) ، العودة إلى إسلام مكة باعتباره أصل الإسلام (محمد محمود طه) ، تاريخية النص والتأويل وبالتالى تجاوز النص واعتبار الغرض من العقوبات لا العقوبات نفسها (نصر أبو زيد) ، إعادة ترتيب مصادر التشريع بجعل الاجتهاد فى المقدمة وبالتالى علمنة الإسلام (حسن حنفي) ، واعتبار الإسلام دين وأمة بدلا من دين ودولة (جمال البنا) .. إلخ
هذه الجهود العديدة تشكل محاولات جزئية لتفكيك المركزية الإسلامية، ولكنها للأسف لم تستطع أن تشكل تيارا شعبيا أو حتى تخاطب المسلم العادى ومازالت تستخدم لغة معقدة لا يفهمها سوى الأكاديميين والخواص عموما، باستثناءات محدودة أهمها جهود أحمد صبحى منصور الذى قدم قدم إسلاما ديموقراطيا وعلمانيا وعلى قدر كبير من التقدمية.
الواضح أن الإسلام يواجه أزمة كبرى؛فالنصوص لم تعد تلائم الإنسان المعاصر والمركزية الإسلامية مثل أية مركزية أخرى لم تعد تتوافق مع العولمة السائرة بسرعة. وفى محاولة للتأقلم لجأ بعض مفكرى الإسلام الأكثر استنارة لمحاولة – بجهود خرافية- لتجاوز النصوص مع الاحتفاظ بها فى الوقت نفسه، ونزع سمة المقدس عن “دين الحق”مع استمرار اعتباره دين الحق، وتحويل المطلق إلى نسبى مع الاحتفاظ به كمطلق.. وباختصار يسعى هؤلاء إلى تحييد المطلق أو -أحيانا -السيطرة عليه.
فى الواقع لا تصمد تلك المحاولات الجريئة حتى الآن فى وجه الإسلام التقليدى الذى يملك أرضية فكرية أكثر صلابة واتساقا وأرضية جماهيرية واسعة ودعما حكوميا قويا، مما يشير إلى ضرورة أن تصبح المواجهة أكثر راديكالية وقسوة.
ومن أسباب فشل المجددين: - محاولات محمومة لتأويل النص وافتراض مرونة مطلقة له، مثل محاولة مصطفى محمود الأخذ بنظرية التطوربعد تعديلها واستخراجها من القرآن[154].. إلخ.. كلام يمكن الرد عليه بسهولة من قبل الفقهاء وحتى العامة.
- والآن نأتى للسؤال الذى طُرح فى بداية هذا الكتاب على لسان جمهور المسلمين: لماذا يكرهوننا؟.
كافة "الكفار" يكرهون الإسلام بلا شك. ألا يكفى ما قدمناه هنا من موقف الإسلام من الآخر؛ "الكافر" للإجابة على السؤال؟ نظن أنه كاف.
حتى يصبح الإسلام متقبلا للآخر وغير مكروه لابد أن تُنزع القدسية عن نصوصه أو على الأقل تُعامل على أنها تاريخية، وأن يتخلى الإسلاميون عن اعتبار فكرهم هو الحقيقة النهائية أو أن الإنسان يحمل جينات إسلامية، وبالتالى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه وفتح باب النقد لكل النصوص حتى المقدسة وبالتالى يتقبل المسلمون تحليل "الكفار" لنصوصهم وحقهم فى الدعوة لأفكارهم بل والتوقف عن تكفير المخالفين وإنهاء تقسيم البشر إلى مسلمين و"كفار".
من المحتمل حتما أن يرد إسلاميون على هذا الكتاب متهمينه بالمبالغة أو تصوير الإسلام بطريقة سوداوية.. إلخ.
حسنا.. عليكم إذن أن تخيبوا ظننا وأن تعلنوا إيمانكم بالمساواة بين البشر جميعا مسلمين و"كفارا"، بل أن تنفوا أن الآخرين كفارا أصلا وأن توافقوا على شرعية كل الأيديولوجيات بما فيها اللادينية وأن توافقوا بوضوح على حقوق الإنسان وليس حقوق المسلمين، بما فيها الزواج المدنى وحق الفرد فى تغيير دينه كيفما شاء، وعليكم أيضا أن تقدموا اعتذارا للعالم عن الغزوات الإسلامية والأعمال الوحشية للغزاة العرب فى الماضى وأن تنادوا بإلغاء أشكال التمييز ضد"الكفار"فى البلاد الإسلامية.. إلخ. وأغلب الظن أنكم لن تفعلوا ذلك باستثناء قليلين يعدون على الأصابع. ولهذا السبب يبدو أن على "الكفار" تقع مسئولية هذا التغيير، بفتح الحوار المباشر والنقد الصريح للفكر الإسلامى. ومثلما تتعرض المركزية الأوربية للنقد العنيف حتى من قبل أبناء الغرب، يجب أن تتعرض المركزية الإسلامية لنفس النقد.
بثينه عبدالعزيز
04-19-2009, 06:03 PM
ترشيد ثقافة الإفتاء أو إعادة تأصيل علم أصول الفقه / زهير الخويلدي
2008-10-06
"اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة وهو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتآليف".
عبد الرحمان ابن خلدون- المقدمة
من مآثر بعض المفكرين العرب المعاصرين ومحاسن بعض المجددين التنويريين أنهم حاولوا عقلنة الظاهرة الدينية عقلنة فلسفية وسعوا إلى ترشيد التقول الديني ترشيدا علميا ووضعوا قواعد مضبوطة للاجتهاد والتأويل وتفطنوا إلى ضرورة إدماج مؤسسة الفقه التقليدية إلى العمارة العصرية للفلسفة وربطوا بين الفقه والعقل والواقع والمصلحة وأوجدوا ورقات أولى في سبيل فقه للفلسفة أو فلسفة للفقه وفقه للمقاومة والتغيير وفقه للتنمية والديمقراطية وفقه للمرأة وفقه للجمال والفن ولذلك فإنهم قد جسدوا في الآن نفسه شخصية المفكر والمثقف والسياسي والمصلح والداعية والفقيه والفيلسوف ولم يكونوا مجرد مختصين في مجال معرفي معين لا علاقة له بما يحدث في الشأن العام.
ورغم أنهم لم يؤثروا تأثيرا كبيرا في الواقع ولم يسهموا في إحداث تغييرات كبيرة على الأيقونات التي تستند عليها الثقافة العربية ولم يشيدوا فقه وجود بالمعنى الأصيل للكلمة إلا أنهم نجحوا لفترة طويلة في حجب هيمنة الفقه التقليدي على الساحة الإعلامية والفكرية وأوقفوا نسبيا حمى الفتاوى الاعتباطية وغير المواكبة للعصر وجعلوا صوت العقل والمنطق والواقع هو الذي يفرض نفسه وسط صخب الجدال بين الدين والسياسة وبين طيات الانجذاب إلى الشعارات البراقة والجري وراء العقائد البالية.
لكن هذا المنحى التنويري في الفكر العربي بدأ يترك الساحة للأسف وبشكل غير مفهوم لبعض الدعاة الجدد والفقهاء التقليديين ورجال الدين والشيوخ الذين يظهرون الوسطية والاعتدال والتيسير وصنع الحياة ويبطنون الفقر المعرفي وسطحية التحليل والموقف المهادن وماضوية القناعات ويشرعون إلى الموت والتنازع.
الغريب أن بعض الفضائيات الإخبارية ذائعة الصيت وأيضا جل الفضائيات الدينية المختصة في نشر المذهبية والدعاية لثقافة طائفية قد ساعدت على إهمال الناس للرؤى التجديدية والأفكار الإستراتيجية لهؤلاء المفكرين العقلانيين ووجهت الجمهور نحو الاهتمام ببعض السخافات والتقليعات لأولئك الدعاة الجدد وفقهاء الحوزات والقصور وقد ساهمت في انتشارهم وتحولهم إلى نجوم كبار وشخصيات عالمية مؤثرة في صنع الرأي العام العالمي باعتراف مراكز سبر الآراء وشيوخ طريقة لهم العديد من المريدين والأتباع في جميع أنحاء العالم بحيث تباع كتبهم وتسجل محاضراتهم ويعاد إذاعتها وتزار مواقعهم الالكترونية ومدوناتهم من قبل الآلاف من الشباب التائه والناس الحائرين والذين يجدون في ركام الأجوبة الماضوية إرضاء لاستفساراتهم وأسئلتهم والمستجدة.
كما أن بعض الأنظمة السياسية من خلال أدائها التسلطي الشمولي أو سياساتها الدينية الانغلاقية وبعض مؤسساتها التي تعتني بالشؤون الدينية مثل دار الإفتاء وبعض الجامعات الإسلامية شجعت بشكل أو بآخر على تزايد عددهم وتوجه الناس إلى هؤلاء والتلهف على سماع ما يقوله سواء عن كيفية السير في الدنيا أو حول المطلوب القيام به من أجل الفوز بالآخرة.
ان الفقه هو من العلوم التطبيقية الأصيلة التي أبدعها المسلمون عندما تعاملوا مع القرآن وقد ارتبط بالتشريع وله مبادئ وأصول يحددها علم نظري مجرد هو علم أصول الفقه والمعنى اللغوي للفقه هو العلم بالشّيء والفهم له والفطنة فيه أي عبارة عن كلّ معلوم تيقّنه العالم عن فكر. أما المعنى الاصطلاحي فهو العلم بالأحكام الشّرعيّة العمليّة المكتسب من أدلّتها التّفصيليّة الصحيحة وفق أصول فقهية سليمة. في يعني أصول الفقه العلم الذي يضع القواعد الأصولية لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها الصحيحة. ولذلك كانت الصّلة بين الفقه وأصول الفقه صلة العيني بالمجرد والعملي بالنظري أي أنّ موضوع علم أصول الفقه هو الأدلّة الإجماليّة من حيث وجوه دلالتها على الأحكام الشّرعيّة أما علم الفقه فيعنى بالأدلّة التّفصيليّة لاستنباط الأحكام العمليّة منها.
المشكلة ليس في انتصار دعاة التقليد على دعاة التجديد فهذه معركة أبدية والنتيجة معروفة مسبقة لأن حركة التاريخ دائما تتقدم إلى الأمام ودعاة التحديد هم الذين ينتصرون في نهاية المطاف رغم ما يلاقونه من إقصاء وإبعاد ونفور وما يعانونه من غربة وتجاهل وسخرية ودعاة التقليد سينسحبون من الأضواء ويتوارون عن الأنظار وينفض من حولهم المريدين رغم ما يلاقونه من تبجيل وتعظيم وتكريم وما يمتعون به من حظوة وسلطة ومنفعة في بدايات ظهورهم.
ان المشكلة هي في طبيعة الفتاوى الفقهية التي يصدرونها حسب الاتفاق وتماشيا مع رغباتهم، فهم يعتقدون أنها متفقة مع النصوص المقدسة ومحترمة للأحكام والأصول ولكن إذا تحرينا مدى علاقتها بالواقع التاريخي الذي نعيش فيه فإننا نكتشف البعد الكبير الذي يفصلها عن روح العصر والانعكاسات الخطيرة التي تسببها والتأثيرات السلبية التي تمارسها على السلم الأهلي وعلى السياق الاجتماعي والتوجيه المنمط للمجال السياسي والاقتصادي الذي تقوم به والأخطاء الفضيعة التي تتخبط فيها في حق الدين والجماعة المتدينة الصغرى والجماعة الإنسانية العظمى بلغة الفارابي وذلك لصدورها عن بنية فقهية تهيكلت في واقع قديم ومحاولتهم فرضها على واقع جديد دون محاولة لتحريك أو عصرنة بنية العقل الفقهي ودون البحث عن أجوبة جديدة للأسئلة الراهنة.
بعض الفتاوى اللاواقعية والمثيرة للجدل هذه الأيام تبعث على الاشمئزاز وتبين المستوى الفكري المتواضع والسلوك الأخلاقي المفقود الذي وصلت إليه حضارة اقرأ مثل التبرك ببول الرسول وإرضاع المرأة لزميلها أثناء العمل وإمكانية تزويج المرأة منذ السن التاسعة رغم كونها قاصرة التي صدرت عن فقيه مغربي اسمه المغراوي والذي رفعت ضده دعوى قضائية وحجب موقعه الالكتروني عن الناس، ثم قول أحد الفقهاء بأن ميكي ماوس هو من جنود الشيطان ولابد من هدر دمه وكذلك تحريم أكل بعض الحلويات في رمضان ومنع الناس من مشاهدة المسلسلات الأجنبية والأفلام المدبلجة مثل "نور" و" سنوات الضياع" واعتبار بعض الشخصيات التمثيلية مثل لميس ومهند سبب انحلال الأخلاق وفساد الشباب وما أجاز بعض الفقهاء إفطار الرياضيين في فترة الصيام من أجل تمكينهم من ممارسة أنشطتهم في أحسن الظروف وهو ما أدخل مجال الإفتاء إلى باب الارتجال وتلبية حاجيات اليومي المتغيرة والملحة مما جعل الفقه يتحول إلى فكر ذرائعي وممارسة ترقيعية لا غير .
غير أن أهم فتوى أسالت الكثير من الحبر هو الإفتاء بتكفير وقتل من يملك قناة فضائية تنشر السحر والتنجيم وتبث أغاني الكليبات كما فعل الفقيه السعودي اللحيدان الذي زاد في غلطه حين دعا إلى إنشاء مجمع علمي فقهي تكون له سلطة الحكم على الفتاوى ويحتكر الحق في إصدارها ويمنع الآخرين من ممارستها بشكل اعتباطي ويلزم الناس باحترامها وإتباعها.
رغم أن البعض من الفقهاء له رصيد في التحالف مع السلطان الغشوم من أجل تفادي الفتنة التي هي أشد من القتل والبعض الآخر وضع يده في يد الاحتلال وأفتى بالتعاون معه وحرم مقاومته والخروج عليه من أجل الدفاع عن العرض والشرف رغم علمه أن حب الأوطان من الإيمان.
الشيخ القرضاوي الذي اشتهر بحملته المتبصرة على قوى التطرف ومناهضته الجمود والتقليد وتحمسه للتيار السني الاخواني وتزعمه تيار الوسطية والاعتدال وبتبنيه للقضية الفلسطينية ومناصرته للعراق وهو ما جعله يتعرض للتهديد والمحاصرة من طرف بعض الدوائر المعادية وصل إلى حد منعه من السفر للتداوي هاهو الآخر يصدر فتاوي وتصريحات في غير محلها تؤجج النعرة الطائفية وتؤدي إلى الانقسام والتباغض بين السنة والشيعة وذلك عندما دعا إلى مقاومة المد الشيعي وعندما اعتبر إيران بلد مطامع وقد قال أقوال غير حسنة في شخصية حسن نصر الله دون أن يهتم بالوضعية الحرجة التي يمر بها العرب اليوم وحاجتهم الماسة لرموزهم ولمساعدة جيرانهم وشركائهم في الحضارة والدين وخاصة من الفرس والأتراك والهنود، على الرغم من أن الرجل من الذين يتزعمون اتحاد العلماء المسلمين العالمي وينخرط منذ مدة في إطار مشروع التقريب بين المذاهب ويساهم من موقعه في حوار الأديان وجدل الثقافات.
والحق أن القرضاوي قد أخطأ وكلامه عن خطر التشيع ليس مقبولا وربما كان كلاما في السياسة أكثر منه كلام في الدين لأن وجود بعض النوايا الإيرانية غير الحسنة وغير البريئة تجاه المنطقة العربية لا يبرر معاداة هذا الشريك الحضاري في المطلق والانخراط في لعبة عالمية الغاية منها هو التحريض عليه وشن حرب مدمرة ضده تعيده إلى غابر التاريخ كما هو الحال مع العراق والصومال وافغانستان.
هذه المواقف غير الدقيقة عرضت رجل الدين السني البارز في مستهل القرن الواحد والعشرين إلى الهجوم الذي شنه البعض عليه من العديد من رجال الدين المناصرين للمذهب الشيعي وتيار الممانعة، ومثل هذا الصنيع هو أيضا غير لائق وغير حضاري ويخدم أجندات غير عربية وغير حضارية ويؤدي إلى الفرقة والتشتت بينما الفقيه الحقيقي والداعية المخلص هو التوحيدي والوحدوي الذي يدمغ الباطل بالحق ويحافظ على العروة الوثقى للأمة لأن الخطر الحقيقي ليس التشيع ولا التسنن ولا العلمانية بل هي الطائفية والتمذهب والتسبب دون وعي في الفتنة والحرب الأهلية، ان الكارثي على الجميع هو اللاتسامح الديني والتعصب للفرقة والتصديق الأعمى للميراث ومحاولة فرض الٍرأي الشخصي على الآخرين بالقوة وهو المد السلفي المنتشر في جميع المذاهب وفي كل الملل والنحل وآن الأوان كي تتكاتف الجهود لمعالجته معالجة فكرية شاملة تعود به إلى أسبابه وتتقصى جذوره وتفهم منابته وليس الاكتفاء بالحل الأمني والمعالجة العنيفة الاستئصالية غير المجدية.
ان سبب مثل هذه الأخطاء وحالة الارتباك التي يبدو عليها بعض المتعاملين بالوراثة والتقليد مع الدين ولاواقعية فتاويهم هو انتشار الفقه التقليدي وانحباس حركة الاجتهاد وعدم أخذ المصلحة والواقع بعين الاعتبار وثبات بنية العقل الفقهي والاقتصار على ربط الفروع بالأصول والبحث على القياس بالمثيل والشبيه والنظير وإهمال المختلف والمتنوع والفريد والحادث والمباغت، وهذه الوضعية المزرية ناتجة عن حالة الجهل والغفلة والأمية والتصديق الساذج التي تبدو عليها المجتمعات العربية المسلمة ولذلك من الضروري التمييز بين دين التقليد ودين التجديد وبين الفقه النافع والفقه الضار وبين التعدد الايجابي المؤدي إلى إثراء الوحدة والتشعب السلبي الذي يحدث شروخا في جسد الأمة، كما ينبغي التمييز بين السنة الشريفة الحميدة والتسنن السلفي المغالي وبين التشيع الصفوي المرفوض والتشيع العلوي والزيدي المقبول وبين التثوير الهادئ والبطيء للدين والتثوير الهائج والمخرب له وبين احترام سلطة التقاليد المؤسسة للقيمة والحقيقة والخضوع التام لتسلط رموز قيم الماضي واستبدادها بالحاضر وتحولها إلى حواجز وعوائق أمام إمكانية استشراف المستقبل وتحول دون صنع الآتي .
المثير للجدل هو كيف يتحول علم عزيز وكثير الفائدة مثل أصول الفقه إلى لغو وسفسطة تدعو إلى التظنن وتدور في دائرة التخمين والاحتمال وتسبب الفتن ومصدر فرقة وتطاحن ووسيلة للتباغض والتلاسن لأن الفتوى الفقهية تظل حكما ونحن نعلم أن الحكم الصواب يصدر عن التفكير الأصيل والاستنتاج السليم.
ان الأجدى هو التبشير بالتنوير والعقلانية والإيمان بالقيم التقدمية وإجراء حوار بين مكونات الداخل واعتذار السنة عما اقترفوه بحق الشيعة من مظالم واعتذار الشيعة عما فعلوه الآن بحق السنة والكف عن نبش الماضي والحفر في الذاكرة المثخنة بالجراح والارتقاء بالأفهام إلى إسلام بلا مذاهب وبلا حدود ومتعال عن الفرق وعن الأحكام والأصول كما يرى طارق رمضان أو إلى إيمان ما بعد ديني وهذا المطلب لن نصل إليه إلا بتثوير القرآن وإعادة تأصيل علم أصول الفقه وإعادة كتابة السنة والحديث والتاريخ الإسلامي بأسره وفق منهاج العقل والطبيعة وبالاعتماد على مفهومي الزمانية والتاريخية حتى نجد إلى أرض الأنسنة سبيلا .
المحرج أن بعض الأنظمة السياسية وتسارع إلى الحلول الأمنية والبعض من دعاة التنوير يلجؤون إلى القضاء ضد هؤلاء الفقهاء والدعاة التقليديين ويمارسون ضدهم وضد مؤسسة الفقه وتجربة الإفتاء الإقصاء والتهميش والتكفير المضاد، فتزداد شعبيتهم وترتفع أسهمهم ويصبحون أبطال ورموز في عيون مريديهم وتنتشر فتاويهم رغم تواضعها وضعفها ويستقطبهم التيار الديني ويستخدمهم في مواجهته مع أنظمة الحكم وتصبح بضاعتهم مطمح كل باحث طالما أن كل ممنوع مرغوب فيه.
في واقع الأمر ان القيمة الكبيرة المعطاة لهؤلاء الفقهاء والهالة الإعلامية التي يحاط بها هؤلاء الدعاة الجدد هو أفق الانتظار لدى الناس الذين يصدقون فتاويهم ويعتقدون في مطابقتها لصريح النص وجوهر الدين ويستفسرونهم ويتبعون آرائهم ولو أمكن لأحدهم استعمال عقله بطريقة منهجية وخارج إطار سلطة الوصاية والتقليد لتبين له أن هذه الفتاوى مجرد اجتهادات بشرية وأن الإنسان يصيب ويخطئ وأن المصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد ولنظر الناس إلى الفقهاء والدعاة نظرة دنيوية ولتعاملوا مع آرائهم على أنها مجرد اقتراحات وتوجيهات تدخل في أدب النصيحة والوعظ والإرشاد لا غير وليست وحيا يوحي أو علما لدنيا ناتج عن الهام رباني يتطلب التطبيق التام والتسليم المطلق بل مجهود إنساني قابل للتكذيب ويمكن أن يوضع موضع شك ويخضع لجدلية الهدم والبناء.
صحيح أن التوفيق بين الدين والحياة صعب لأن التغيرات كثيرة الاحراجات بارزة نتيجة تغير نمط حضور الإنسان في العالم وصحيح أن الفقه التقليدي بجميع مدارسه وتياراته يبدو عاجزا عن المصالحة مع الواقع والإجابة على تحديات الراهن ولكن مواصلة إصدار الفتاوى واعتماد الأصول القديمة على أنها البنية الثابتة للعقل الفقهي التي تصدر عنها كل الأحكام هو تمادي في الخطأ وإصرار عليه وغلق لباب الاجتهاد الذي لا ينبغي أن يقتصر على تسامحات طفيفة في الفروع وتيسيرات في الحياة العملية بالقيام بترخيص ورفع مؤقت لبعض الحدود بل ينبغي أن الاجتهاد النظر والعمل، الفرع والأصل، المحكم والمتشابه، والقطعي الدلالة والمضنون بمعناه حتى يعاد تأصيل علم أصول الفقه وحتى يتمكن هذا العلم الناشئ من تحويل الدين إلى منهج في الحياة وطريقة للتقدم والنهوض من الغفوة.
أن الإسلام حارب الاكليروس وهو دين خال من الكهنوت ولا توجد فيه طبقة تعتني بتنظيم الشعائر والعبادات بل ان الإيمان مرتبط بالحرية ولا توجد سلطة تكره الناس عليه وهو شأن فردي يهتم به كل امرئ بنفسه وحسب تفقهه الخاص في النص المقدس وله الحرية والمشروعية المطلقة في ذلك ولكن هناك في الإسلام العديد من العلوم التي تعتني بالكلام والاجتهاد والتأويل وتتدبر النصوص وعوض الإبقاء عليها في حالة جمود وتوظيفها من أجل غرض سلطوي معين لابد على العكس من ذلك استئناف النظر فيها والارتقاء بمناهجها ومفاهيمه وتطوير أساليبها وخاصة مؤسسة الفقه والإفتاء.
على هذا النحو ان وجد من يتدبر النص الديني ومن يولي عناية بظاهرة المقدس فانه من الضروري أن تصدر عنه تأويلات فقهية وفتاوى اجتهادية تنم عن تبصر ويقظة وحنكة وتصورات منفتحة وملمة بمختلف جوانب الحياة ومراعية لكل أبعاد التجربة الإنسانية ويلزم أن تكون الفتوى في خدمة المصلحة المشتركة وتعمل على دفع الضرر وجلب الصلاح حتى يكون الدين هو الوسيلة والإنسان هو الغاية.
ان إيقاف حمى الفتاوى الفقهية يمر لا محالة عبر ترشيد ثقافة الإفتاء والبحث عن إيجاد علم أصول فقه جديد لا يتمثل دوره في إصدار فتاوي عشوائية وفوضوية بل تقتصر مهمته على تقديم توصيات كلية وتوجيهات دقيقة ويعمل على رفض كل أشكال التكفير والتبديع والتفتين على غرار تراث التجديد الديني عند الأفغاني وعبده والكواكبي حيث وظفت الفتوى لمقاومة الاستعمار والاستبداد والاستغلال ونشر العدل والتأكيد على التسامح وتفضيل الرأفة بالضعيف والصداقة مع الغريب، كما ينبغي ألا نهمل محاولة جمال البنا الرائدة في مشروعه عن دعوة الإحياء الإسلامي وعن طريق امتلاك الناس للوعي التاريخي وتنسيب آرائهم واعتقاداتهم الدينية وإدخال عقلية الاختلاف والتعددية في رؤيتهم للعالم. علاوة على ذلك يجب الربط بين الفقه والواقع والرجوع إلى فلسفة كاملة في الفقه أو فقه فلسفي يرتقي إلى أن يكون فقه وجود وليس مجرد فقه لغة وهذا المقتضى يتطلب تخصصا أكاديميا ودراية دقيقة ويستلزم الارتقاء بالمؤسسة الفقهية ويستوجب تدخل السلطان السياسي قصد تحقيق التوازن داخل مجال السلطان الروحي ومن أجل أن يكون شوريا ديمقراطيا يبدأ بالعقل والإجماع والمصلحة والاستحسان والاستصحاب وشرع من قبلنا لكي يتفقه في الحديث والقرآن ويستنبط مجموعة من التوجهات والاستشرافات،فمن يوقف حالة الفوضى والارتجال والاعتباطية التي تشهدها ساحة الإفتاء في حضارة اقرأ؟ وأين هم المثقفين العضويين الذين يملؤون الساحة الثقافية والاجتماعية ولا يتركون الفرصة لمثل هؤلاء للبروز؟ متى يأتي اليوم الذي يتقنن فيه نشاط الفقيه أو يعوضه المشرع السياسي والفقيه القانوني؟ ألم يقل أبو حنيفة فقيه الرأي ونابذ التقليد ذات مرة عن الفقهاء الذين سبقوه:"هم رجال ونحن رجال" داعيا إلى إعمال العقل في السمع واستئناف التفقه في الدين والتجديد في الحكم؟
كاتب فلسفي
بثينه عبدالعزيز
04-19-2009, 06:03 PM
ترشيد ثقافة الإفتاء أو إعادة تأصيل علم أصول الفقه / زهير الخويلدي
2008-10-06
"اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة وهو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتآليف".
عبد الرحمان ابن خلدون- المقدمة
من مآثر بعض المفكرين العرب المعاصرين ومحاسن بعض المجددين التنويريين أنهم حاولوا عقلنة الظاهرة الدينية عقلنة فلسفية وسعوا إلى ترشيد التقول الديني ترشيدا علميا ووضعوا قواعد مضبوطة للاجتهاد والتأويل وتفطنوا إلى ضرورة إدماج مؤسسة الفقه التقليدية إلى العمارة العصرية للفلسفة وربطوا بين الفقه والعقل والواقع والمصلحة وأوجدوا ورقات أولى في سبيل فقه للفلسفة أو فلسفة للفقه وفقه للمقاومة والتغيير وفقه للتنمية والديمقراطية وفقه للمرأة وفقه للجمال والفن ولذلك فإنهم قد جسدوا في الآن نفسه شخصية المفكر والمثقف والسياسي والمصلح والداعية والفقيه والفيلسوف ولم يكونوا مجرد مختصين في مجال معرفي معين لا علاقة له بما يحدث في الشأن العام.
ورغم أنهم لم يؤثروا تأثيرا كبيرا في الواقع ولم يسهموا في إحداث تغييرات كبيرة على الأيقونات التي تستند عليها الثقافة العربية ولم يشيدوا فقه وجود بالمعنى الأصيل للكلمة إلا أنهم نجحوا لفترة طويلة في حجب هيمنة الفقه التقليدي على الساحة الإعلامية والفكرية وأوقفوا نسبيا حمى الفتاوى الاعتباطية وغير المواكبة للعصر وجعلوا صوت العقل والمنطق والواقع هو الذي يفرض نفسه وسط صخب الجدال بين الدين والسياسة وبين طيات الانجذاب إلى الشعارات البراقة والجري وراء العقائد البالية.
لكن هذا المنحى التنويري في الفكر العربي بدأ يترك الساحة للأسف وبشكل غير مفهوم لبعض الدعاة الجدد والفقهاء التقليديين ورجال الدين والشيوخ الذين يظهرون الوسطية والاعتدال والتيسير وصنع الحياة ويبطنون الفقر المعرفي وسطحية التحليل والموقف المهادن وماضوية القناعات ويشرعون إلى الموت والتنازع.
الغريب أن بعض الفضائيات الإخبارية ذائعة الصيت وأيضا جل الفضائيات الدينية المختصة في نشر المذهبية والدعاية لثقافة طائفية قد ساعدت على إهمال الناس للرؤى التجديدية والأفكار الإستراتيجية لهؤلاء المفكرين العقلانيين ووجهت الجمهور نحو الاهتمام ببعض السخافات والتقليعات لأولئك الدعاة الجدد وفقهاء الحوزات والقصور وقد ساهمت في انتشارهم وتحولهم إلى نجوم كبار وشخصيات عالمية مؤثرة في صنع الرأي العام العالمي باعتراف مراكز سبر الآراء وشيوخ طريقة لهم العديد من المريدين والأتباع في جميع أنحاء العالم بحيث تباع كتبهم وتسجل محاضراتهم ويعاد إذاعتها وتزار مواقعهم الالكترونية ومدوناتهم من قبل الآلاف من الشباب التائه والناس الحائرين والذين يجدون في ركام الأجوبة الماضوية إرضاء لاستفساراتهم وأسئلتهم والمستجدة.
كما أن بعض الأنظمة السياسية من خلال أدائها التسلطي الشمولي أو سياساتها الدينية الانغلاقية وبعض مؤسساتها التي تعتني بالشؤون الدينية مثل دار الإفتاء وبعض الجامعات الإسلامية شجعت بشكل أو بآخر على تزايد عددهم وتوجه الناس إلى هؤلاء والتلهف على سماع ما يقوله سواء عن كيفية السير في الدنيا أو حول المطلوب القيام به من أجل الفوز بالآخرة.
ان الفقه هو من العلوم التطبيقية الأصيلة التي أبدعها المسلمون عندما تعاملوا مع القرآن وقد ارتبط بالتشريع وله مبادئ وأصول يحددها علم نظري مجرد هو علم أصول الفقه والمعنى اللغوي للفقه هو العلم بالشّيء والفهم له والفطنة فيه أي عبارة عن كلّ معلوم تيقّنه العالم عن فكر. أما المعنى الاصطلاحي فهو العلم بالأحكام الشّرعيّة العمليّة المكتسب من أدلّتها التّفصيليّة الصحيحة وفق أصول فقهية سليمة. في يعني أصول الفقه العلم الذي يضع القواعد الأصولية لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها الصحيحة. ولذلك كانت الصّلة بين الفقه وأصول الفقه صلة العيني بالمجرد والعملي بالنظري أي أنّ موضوع علم أصول الفقه هو الأدلّة الإجماليّة من حيث وجوه دلالتها على الأحكام الشّرعيّة أما علم الفقه فيعنى بالأدلّة التّفصيليّة لاستنباط الأحكام العمليّة منها.
المشكلة ليس في انتصار دعاة التقليد على دعاة التجديد فهذه معركة أبدية والنتيجة معروفة مسبقة لأن حركة التاريخ دائما تتقدم إلى الأمام ودعاة التحديد هم الذين ينتصرون في نهاية المطاف رغم ما يلاقونه من إقصاء وإبعاد ونفور وما يعانونه من غربة وتجاهل وسخرية ودعاة التقليد سينسحبون من الأضواء ويتوارون عن الأنظار وينفض من حولهم المريدين رغم ما يلاقونه من تبجيل وتعظيم وتكريم وما يمتعون به من حظوة وسلطة ومنفعة في بدايات ظهورهم.
ان المشكلة هي في طبيعة الفتاوى الفقهية التي يصدرونها حسب الاتفاق وتماشيا مع رغباتهم، فهم يعتقدون أنها متفقة مع النصوص المقدسة ومحترمة للأحكام والأصول ولكن إذا تحرينا مدى علاقتها بالواقع التاريخي الذي نعيش فيه فإننا نكتشف البعد الكبير الذي يفصلها عن روح العصر والانعكاسات الخطيرة التي تسببها والتأثيرات السلبية التي تمارسها على السلم الأهلي وعلى السياق الاجتماعي والتوجيه المنمط للمجال السياسي والاقتصادي الذي تقوم به والأخطاء الفضيعة التي تتخبط فيها في حق الدين والجماعة المتدينة الصغرى والجماعة الإنسانية العظمى بلغة الفارابي وذلك لصدورها عن بنية فقهية تهيكلت في واقع قديم ومحاولتهم فرضها على واقع جديد دون محاولة لتحريك أو عصرنة بنية العقل الفقهي ودون البحث عن أجوبة جديدة للأسئلة الراهنة.
بعض الفتاوى اللاواقعية والمثيرة للجدل هذه الأيام تبعث على الاشمئزاز وتبين المستوى الفكري المتواضع والسلوك الأخلاقي المفقود الذي وصلت إليه حضارة اقرأ مثل التبرك ببول الرسول وإرضاع المرأة لزميلها أثناء العمل وإمكانية تزويج المرأة منذ السن التاسعة رغم كونها قاصرة التي صدرت عن فقيه مغربي اسمه المغراوي والذي رفعت ضده دعوى قضائية وحجب موقعه الالكتروني عن الناس، ثم قول أحد الفقهاء بأن ميكي ماوس هو من جنود الشيطان ولابد من هدر دمه وكذلك تحريم أكل بعض الحلويات في رمضان ومنع الناس من مشاهدة المسلسلات الأجنبية والأفلام المدبلجة مثل "نور" و" سنوات الضياع" واعتبار بعض الشخصيات التمثيلية مثل لميس ومهند سبب انحلال الأخلاق وفساد الشباب وما أجاز بعض الفقهاء إفطار الرياضيين في فترة الصيام من أجل تمكينهم من ممارسة أنشطتهم في أحسن الظروف وهو ما أدخل مجال الإفتاء إلى باب الارتجال وتلبية حاجيات اليومي المتغيرة والملحة مما جعل الفقه يتحول إلى فكر ذرائعي وممارسة ترقيعية لا غير .
غير أن أهم فتوى أسالت الكثير من الحبر هو الإفتاء بتكفير وقتل من يملك قناة فضائية تنشر السحر والتنجيم وتبث أغاني الكليبات كما فعل الفقيه السعودي اللحيدان الذي زاد في غلطه حين دعا إلى إنشاء مجمع علمي فقهي تكون له سلطة الحكم على الفتاوى ويحتكر الحق في إصدارها ويمنع الآخرين من ممارستها بشكل اعتباطي ويلزم الناس باحترامها وإتباعها.
رغم أن البعض من الفقهاء له رصيد في التحالف مع السلطان الغشوم من أجل تفادي الفتنة التي هي أشد من القتل والبعض الآخر وضع يده في يد الاحتلال وأفتى بالتعاون معه وحرم مقاومته والخروج عليه من أجل الدفاع عن العرض والشرف رغم علمه أن حب الأوطان من الإيمان.
الشيخ القرضاوي الذي اشتهر بحملته المتبصرة على قوى التطرف ومناهضته الجمود والتقليد وتحمسه للتيار السني الاخواني وتزعمه تيار الوسطية والاعتدال وبتبنيه للقضية الفلسطينية ومناصرته للعراق وهو ما جعله يتعرض للتهديد والمحاصرة من طرف بعض الدوائر المعادية وصل إلى حد منعه من السفر للتداوي هاهو الآخر يصدر فتاوي وتصريحات في غير محلها تؤجج النعرة الطائفية وتؤدي إلى الانقسام والتباغض بين السنة والشيعة وذلك عندما دعا إلى مقاومة المد الشيعي وعندما اعتبر إيران بلد مطامع وقد قال أقوال غير حسنة في شخصية حسن نصر الله دون أن يهتم بالوضعية الحرجة التي يمر بها العرب اليوم وحاجتهم الماسة لرموزهم ولمساعدة جيرانهم وشركائهم في الحضارة والدين وخاصة من الفرس والأتراك والهنود، على الرغم من أن الرجل من الذين يتزعمون اتحاد العلماء المسلمين العالمي وينخرط منذ مدة في إطار مشروع التقريب بين المذاهب ويساهم من موقعه في حوار الأديان وجدل الثقافات.
والحق أن القرضاوي قد أخطأ وكلامه عن خطر التشيع ليس مقبولا وربما كان كلاما في السياسة أكثر منه كلام في الدين لأن وجود بعض النوايا الإيرانية غير الحسنة وغير البريئة تجاه المنطقة العربية لا يبرر معاداة هذا الشريك الحضاري في المطلق والانخراط في لعبة عالمية الغاية منها هو التحريض عليه وشن حرب مدمرة ضده تعيده إلى غابر التاريخ كما هو الحال مع العراق والصومال وافغانستان.
هذه المواقف غير الدقيقة عرضت رجل الدين السني البارز في مستهل القرن الواحد والعشرين إلى الهجوم الذي شنه البعض عليه من العديد من رجال الدين المناصرين للمذهب الشيعي وتيار الممانعة، ومثل هذا الصنيع هو أيضا غير لائق وغير حضاري ويخدم أجندات غير عربية وغير حضارية ويؤدي إلى الفرقة والتشتت بينما الفقيه الحقيقي والداعية المخلص هو التوحيدي والوحدوي الذي يدمغ الباطل بالحق ويحافظ على العروة الوثقى للأمة لأن الخطر الحقيقي ليس التشيع ولا التسنن ولا العلمانية بل هي الطائفية والتمذهب والتسبب دون وعي في الفتنة والحرب الأهلية، ان الكارثي على الجميع هو اللاتسامح الديني والتعصب للفرقة والتصديق الأعمى للميراث ومحاولة فرض الٍرأي الشخصي على الآخرين بالقوة وهو المد السلفي المنتشر في جميع المذاهب وفي كل الملل والنحل وآن الأوان كي تتكاتف الجهود لمعالجته معالجة فكرية شاملة تعود به إلى أسبابه وتتقصى جذوره وتفهم منابته وليس الاكتفاء بالحل الأمني والمعالجة العنيفة الاستئصالية غير المجدية.
ان سبب مثل هذه الأخطاء وحالة الارتباك التي يبدو عليها بعض المتعاملين بالوراثة والتقليد مع الدين ولاواقعية فتاويهم هو انتشار الفقه التقليدي وانحباس حركة الاجتهاد وعدم أخذ المصلحة والواقع بعين الاعتبار وثبات بنية العقل الفقهي والاقتصار على ربط الفروع بالأصول والبحث على القياس بالمثيل والشبيه والنظير وإهمال المختلف والمتنوع والفريد والحادث والمباغت، وهذه الوضعية المزرية ناتجة عن حالة الجهل والغفلة والأمية والتصديق الساذج التي تبدو عليها المجتمعات العربية المسلمة ولذلك من الضروري التمييز بين دين التقليد ودين التجديد وبين الفقه النافع والفقه الضار وبين التعدد الايجابي المؤدي إلى إثراء الوحدة والتشعب السلبي الذي يحدث شروخا في جسد الأمة، كما ينبغي التمييز بين السنة الشريفة الحميدة والتسنن السلفي المغالي وبين التشيع الصفوي المرفوض والتشيع العلوي والزيدي المقبول وبين التثوير الهادئ والبطيء للدين والتثوير الهائج والمخرب له وبين احترام سلطة التقاليد المؤسسة للقيمة والحقيقة والخضوع التام لتسلط رموز قيم الماضي واستبدادها بالحاضر وتحولها إلى حواجز وعوائق أمام إمكانية استشراف المستقبل وتحول دون صنع الآتي .
المثير للجدل هو كيف يتحول علم عزيز وكثير الفائدة مثل أصول الفقه إلى لغو وسفسطة تدعو إلى التظنن وتدور في دائرة التخمين والاحتمال وتسبب الفتن ومصدر فرقة وتطاحن ووسيلة للتباغض والتلاسن لأن الفتوى الفقهية تظل حكما ونحن نعلم أن الحكم الصواب يصدر عن التفكير الأصيل والاستنتاج السليم.
ان الأجدى هو التبشير بالتنوير والعقلانية والإيمان بالقيم التقدمية وإجراء حوار بين مكونات الداخل واعتذار السنة عما اقترفوه بحق الشيعة من مظالم واعتذار الشيعة عما فعلوه الآن بحق السنة والكف عن نبش الماضي والحفر في الذاكرة المثخنة بالجراح والارتقاء بالأفهام إلى إسلام بلا مذاهب وبلا حدود ومتعال عن الفرق وعن الأحكام والأصول كما يرى طارق رمضان أو إلى إيمان ما بعد ديني وهذا المطلب لن نصل إليه إلا بتثوير القرآن وإعادة تأصيل علم أصول الفقه وإعادة كتابة السنة والحديث والتاريخ الإسلامي بأسره وفق منهاج العقل والطبيعة وبالاعتماد على مفهومي الزمانية والتاريخية حتى نجد إلى أرض الأنسنة سبيلا .
المحرج أن بعض الأنظمة السياسية وتسارع إلى الحلول الأمنية والبعض من دعاة التنوير يلجؤون إلى القضاء ضد هؤلاء الفقهاء والدعاة التقليديين ويمارسون ضدهم وضد مؤسسة الفقه وتجربة الإفتاء الإقصاء والتهميش والتكفير المضاد، فتزداد شعبيتهم وترتفع أسهمهم ويصبحون أبطال ورموز في عيون مريديهم وتنتشر فتاويهم رغم تواضعها وضعفها ويستقطبهم التيار الديني ويستخدمهم في مواجهته مع أنظمة الحكم وتصبح بضاعتهم مطمح كل باحث طالما أن كل ممنوع مرغوب فيه.
في واقع الأمر ان القيمة الكبيرة المعطاة لهؤلاء الفقهاء والهالة الإعلامية التي يحاط بها هؤلاء الدعاة الجدد هو أفق الانتظار لدى الناس الذين يصدقون فتاويهم ويعتقدون في مطابقتها لصريح النص وجوهر الدين ويستفسرونهم ويتبعون آرائهم ولو أمكن لأحدهم استعمال عقله بطريقة منهجية وخارج إطار سلطة الوصاية والتقليد لتبين له أن هذه الفتاوى مجرد اجتهادات بشرية وأن الإنسان يصيب ويخطئ وأن المصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد ولنظر الناس إلى الفقهاء والدعاة نظرة دنيوية ولتعاملوا مع آرائهم على أنها مجرد اقتراحات وتوجيهات تدخل في أدب النصيحة والوعظ والإرشاد لا غير وليست وحيا يوحي أو علما لدنيا ناتج عن الهام رباني يتطلب التطبيق التام والتسليم المطلق بل مجهود إنساني قابل للتكذيب ويمكن أن يوضع موضع شك ويخضع لجدلية الهدم والبناء.
صحيح أن التوفيق بين الدين والحياة صعب لأن التغيرات كثيرة الاحراجات بارزة نتيجة تغير نمط حضور الإنسان في العالم وصحيح أن الفقه التقليدي بجميع مدارسه وتياراته يبدو عاجزا عن المصالحة مع الواقع والإجابة على تحديات الراهن ولكن مواصلة إصدار الفتاوى واعتماد الأصول القديمة على أنها البنية الثابتة للعقل الفقهي التي تصدر عنها كل الأحكام هو تمادي في الخطأ وإصرار عليه وغلق لباب الاجتهاد الذي لا ينبغي أن يقتصر على تسامحات طفيفة في الفروع وتيسيرات في الحياة العملية بالقيام بترخيص ورفع مؤقت لبعض الحدود بل ينبغي أن الاجتهاد النظر والعمل، الفرع والأصل، المحكم والمتشابه، والقطعي الدلالة والمضنون بمعناه حتى يعاد تأصيل علم أصول الفقه وحتى يتمكن هذا العلم الناشئ من تحويل الدين إلى منهج في الحياة وطريقة للتقدم والنهوض من الغفوة.
أن الإسلام حارب الاكليروس وهو دين خال من الكهنوت ولا توجد فيه طبقة تعتني بتنظيم الشعائر والعبادات بل ان الإيمان مرتبط بالحرية ولا توجد سلطة تكره الناس عليه وهو شأن فردي يهتم به كل امرئ بنفسه وحسب تفقهه الخاص في النص المقدس وله الحرية والمشروعية المطلقة في ذلك ولكن هناك في الإسلام العديد من العلوم التي تعتني بالكلام والاجتهاد والتأويل وتتدبر النصوص وعوض الإبقاء عليها في حالة جمود وتوظيفها من أجل غرض سلطوي معين لابد على العكس من ذلك استئناف النظر فيها والارتقاء بمناهجها ومفاهيمه وتطوير أساليبها وخاصة مؤسسة الفقه والإفتاء.
على هذا النحو ان وجد من يتدبر النص الديني ومن يولي عناية بظاهرة المقدس فانه من الضروري أن تصدر عنه تأويلات فقهية وفتاوى اجتهادية تنم عن تبصر ويقظة وحنكة وتصورات منفتحة وملمة بمختلف جوانب الحياة ومراعية لكل أبعاد التجربة الإنسانية ويلزم أن تكون الفتوى في خدمة المصلحة المشتركة وتعمل على دفع الضرر وجلب الصلاح حتى يكون الدين هو الوسيلة والإنسان هو الغاية.
ان إيقاف حمى الفتاوى الفقهية يمر لا محالة عبر ترشيد ثقافة الإفتاء والبحث عن إيجاد علم أصول فقه جديد لا يتمثل دوره في إصدار فتاوي عشوائية وفوضوية بل تقتصر مهمته على تقديم توصيات كلية وتوجيهات دقيقة ويعمل على رفض كل أشكال التكفير والتبديع والتفتين على غرار تراث التجديد الديني عند الأفغاني وعبده والكواكبي حيث وظفت الفتوى لمقاومة الاستعمار والاستبداد والاستغلال ونشر العدل والتأكيد على التسامح وتفضيل الرأفة بالضعيف والصداقة مع الغريب، كما ينبغي ألا نهمل محاولة جمال البنا الرائدة في مشروعه عن دعوة الإحياء الإسلامي وعن طريق امتلاك الناس للوعي التاريخي وتنسيب آرائهم واعتقاداتهم الدينية وإدخال عقلية الاختلاف والتعددية في رؤيتهم للعالم. علاوة على ذلك يجب الربط بين الفقه والواقع والرجوع إلى فلسفة كاملة في الفقه أو فقه فلسفي يرتقي إلى أن يكون فقه وجود وليس مجرد فقه لغة وهذا المقتضى يتطلب تخصصا أكاديميا ودراية دقيقة ويستلزم الارتقاء بالمؤسسة الفقهية ويستوجب تدخل السلطان السياسي قصد تحقيق التوازن داخل مجال السلطان الروحي ومن أجل أن يكون شوريا ديمقراطيا يبدأ بالعقل والإجماع والمصلحة والاستحسان والاستصحاب وشرع من قبلنا لكي يتفقه في الحديث والقرآن ويستنبط مجموعة من التوجهات والاستشرافات،فمن يوقف حالة الفوضى والارتجال والاعتباطية التي تشهدها ساحة الإفتاء في حضارة اقرأ؟ وأين هم المثقفين العضويين الذين يملؤون الساحة الثقافية والاجتماعية ولا يتركون الفرصة لمثل هؤلاء للبروز؟ متى يأتي اليوم الذي يتقنن فيه نشاط الفقيه أو يعوضه المشرع السياسي والفقيه القانوني؟ ألم يقل أبو حنيفة فقيه الرأي ونابذ التقليد ذات مرة عن الفقهاء الذين سبقوه:"هم رجال ونحن رجال" داعيا إلى إعمال العقل في السمع واستئناف التفقه في الدين والتجديد في الحكم؟
كاتب فلسفي
بثينه عبدالعزيز
04-21-2009, 10:15 AM
الشهرة والعَظمَة
المستشار محمد سعيد العشماوي
الخميس 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2008
نظراً لأن عام 1999 هو فى تقدير الكثيرين، عام تنتهى به الألفية الثانية للتقويم الميلادى، وتبدأ من ثم الألفية الثالثة، أول يناير، فقد لجئت بعض المجلات المصرية، والعربية والعالمية، إلى إجراء إستفتاءات أو إستطلاعات حول أهم الشخصيات فى الألفية الثانية أو فى القرن العشرين، والتى تكون قد خلفّت آثاراً بعيدة.
وقد وضعتنى بعض المجلات المصرية على قوائم من تستطلع رأيهم فى ذلك، ولما حرصت على أن أعرف المفهوم الذى يحددونه للأهمية، والمدلول الذى يتخذونه للتأثير، لاحظت عدم وجود مفهوم علمى ومدلول واضح، وأن الغالب فى الفهم حين يضُطر السائل إلى بيان أن الأهمية تقاس بالشهرة وأن المعنىّ بالشهرة هو الإنتشار المحليّ، والذى قد يجرى الظن خطأ بأنه مؤشر عن العظمة.
كانت وجهة نظرى غير ذلك تماماً، فاعتذرت من إبداء الرأى، وهو أمر استاء منه أحد الأصحاب، دون أن يضع فى التقدير ضرورة احترام وجهة نظرى، فإذا كان هناك معيار واضح محدد للجميع، كان ردّى متوافقا مع هذا المعيار ومبنيا على أساسه، أما أن لا يكون ثمت معيار واضح محدد، فى تقدير السائل والمسئول، فإن إجابتى سوف تكون غريبة، على الكثيرين، أو قد تضطرنى إلى أن ألحق بها مذكرة تفسيرية، توضح أساس اختيارى، وتنقض الأسس التى اتبّعها الآخرون، وهو ما لا تتسع له صفحات الموضوع.
يضاف إلى ذلك أن الشعب المصرى والشعب العربى، تغلب عليه العواطف، وتأسر فكره المشاعر، وهو ما يعوقه عن التقدير العقلى السليم ويحول بينه وبين الحكم الصائب السديد. فالشخص منهم عادة يرى أن مغنّيته المفضلة أو ممثله المختار أو واعظه الأثير، هو أهم شخص فى العالم كله، وعلى مدى التاريخ، وهو قصور نظر واضح، وتقدير بالغ السطحية والسذاجة.
الشيوع والذيوع والإنتشار ليس دليل الجودة أو الصلاحية أو الخيرّية. فالمخدرات، بأنواعها المختلفة، تكاد تكون أكثر السلع شيوعاً وإنتشاراً فى العالم كله، من أدناه إلى أقصاه، ولو أجرى إستطلاع للرأى عنها بين قطاعات كبيرة من الشباب والشيوخ، أو جماعات كثيرة من تجار المخدرات والمستفيدين منها، لكانت النتيجة فوزا ساحقا لها، بأكثر الأصوات.
ولو سئل الذين مالوا إلى التأكيد على أهميتها لأبدوا تبريرات ممنطقة لكنها غير صحيحة، ولقدموا تعليلات منمَّقة مع أنها زور فى زور، وخطأ فى خطأ. مثل المخدرات أشياء كثيرة، تقطع بأنه لا تلازم بين الشيوع والجودة، أو الذيوع والصلاحية، أو الإنتشار والخيرية (أى الخير)، فقد يكون، وغالبا ما يكون الشائع غير جيد، والذائع ليس صالحا، والمنتشر ليس خيراً.
والذى يؤدى إلى إختلاط أكثر الناس فى التمييز بين الصائب والخاطىء، والإلتباس بين الحقيقى والمزيف، والتقدير بين الأصل والتقليد، هو الجهل من جانب، والركون إلى العواطف من جانب آخر.
فالعاطفة تتعلق بموضوع أو بشخص أو بشىء، أولاً، وبعد ذلك تقود العاطفة ما بقى فى العقل من تقدير بأن تحوّله إلى تبرير تعلّقها، وإضفاء هالات من الجمالات، وحالات من الكمالات على ما تتعلق به، وهذه الغلبة العاطفية، تنفى العقل وتمنع نموه وتعرقل نضجه، فيظل المرء ما عاش يحكم على الموضوعات والأشخاص والأشياء بعواطف مريضة وجوانح مهيضة، فيرى السيىء جيدا، والشر خيرا، والخطأ صوابا، والتافه عظيما.
والجهل يورث سوء الفهم وسوء الحكم، فالجاهل غير مثقف فى العادة، وغير مهذب فى الأصل، وهو لذلك يفهم الأمور فى عوج وزيغ وخطأ، ويعبّر عن رأيه فى جلافة وصلافة وصلادة، أى إنه يؤكد العوج ويرفض الإستقامة، ويصمم على الزّيع ويتنكب السلامة، ويعضّد الخطأ ويابى الصواب، ويعتقد على غير الحق أن صلادته ثبات على الحق، يسفر عن نفسية صغيرة تخشى أن تنهار إن اعترفت بالحق، أو أقرت الصواب. ويترتب على الغلبة العاطفية والغيبة العقلية تصور موهوم بأن الشخص المفضل لدى المرء هو أهم شخص فى التاريخ، حتى ولو كان مهيجا أو كان مهرجا أو كان مغنيا أو كان مثيرا.
فإذا كان ثم مّعُجب بأغانى مغنى الروك الفيس بريسلى، فسوف يختاره على أنه هم شخصية فى القرن، والذى تثيره نجمة الإغراء مارلين مونرو يعمد إلى إختيارها، على إعتبار أنها أهم شخصية، وهكذا.
كذلك فإن مقتضى الغلبة العاطفية والغيبة العقلية أن يتخذ المرء مَثله من المجرمين أو المعتوهين أو من شاكلهم، فمع أن حوادث (ريا وسكينة) فى سرقة أموال النساء وإغتيالهن، وقعت فى أوائل القرن الحالى (العشرين) فإن اسميهما ما زالا على ألسنة الكثيرين، والدراسة فى الحوادث لم تتوقف وتقدم السينما أعمالا شتى عنهما، ويتمثل البعض بهما، كذلك فإن إسم أوزولد قاتل الرئيس كنيدى معروف للكثيرين الذين لا يعرفون اسم وزير خارجية الولايات المتحدة أو اسم من حصل على جائزة نوبل فى العلوم فى هذا العام أو فى أعوام سابقة.
بدأت الصورة تتضح لبعض المصريين عندما نشُرت قوائم بأهم الشخصيات فى نظر علماء التاريخ، والرأى العام العالمى.
فقد أجرى معهد سيفيا للبحوث فى نيويورك استطلاعا شارك فيه مائة من علماء التاريخ الأمريكيين، لإختيار أهم عشر شخصيات فى القرن العشرين، وجاءت النتيجة كالآتى، تنازليا:
(1) أدولف هتلر، (2) جوزيف ستالين، (3) فرانكلين روزفلت، (4) فلاديمير لينين، (5) ماوتسى تونج، (6) ألبرت أينشتاين، (7) المهاتما غاندى، (8) ونستون تشرشل، (9) ميخائيل جورباتشوف، (10) سيجموند فرويد.
وأجرت مجلة تايم (Time) الأمريكية استطلاعا عالميا بين قرائها، انتهى إلى أن الشخصية الأولى فى القرن الماضى (العشرين) هو أدولف هتلر.
والذى يلاحظ فى الحالين:
(أ) اختيار أدولف هتلر، بإعتباره الشخصية الأولى فى القرن العشرين.
(ب) عدم اختيار أى فرد من الشرق الأوسط، مما قد يعنى أن شخصيات هذه المنطقة كانت ذات تأثير محلى غير عالمى.
(ج) العلماء الأمريكيون، ومجلة تايم الأمريكية، كان اتجاههم فى الاختيار موضوعيا، فلم يفعلوا مثلما نفعل فى منطقتنا العربية، حيث لا نرى إلا أنفسنا، وننفى الغير ضمنا، كما نتصور أن بعض الشخصيات المحلية هى محور التاريخ، وبؤرة البشرية، ومدار الأحداث.
فقد اختار هؤلاء العلماء، وأبرزت مجلة تايم اختيار، أدولف هتلر بإعتباره الشخصية الأولى فى القرن العشرين، ولم تغلب عليهم نوازع المغالاة الوطنية (الشوفينية Chauvinism) فتفضل أحد الزعماء، أو القادة أو العلماء الأمريكيين.
(د) تضمنت قائمة العلماء الأمريكيين اسم جوزيف ستالين، الخصم اللدود لأمريكا أثناء الحرب الباردة (1945-1985) كاسم ثان لأهم شخصيات التاريخ، كما تضمنت اسم فلاديمير لينين فى الترتيب الرابع، وماوتسى تونج فى الترتيب الخامس.
(هـ) الاختيار يلحظ تأثير الشخص عالمياً، ولا يقصد بالتأثير أنه يكون تأثيراً صحيحاً، أو خيرّاً أو سليما أو طيبّاً. فأدولف هتلر، حتى بين الغالبية الغالبة من الشعب الألمانى، شخص شرير، مدمّر وقاتل، مضاد للإنسانية ومحطم لألمانيا، أشعل حربا أدّت إلى مقتل ملايين الأشخاص، وتيْتيم وترميل الملايين فى أنحاء كثيرة من العالم، وانتهى أمره بهزيمة منكرة، وخراب شامل، وتدمير ألمانيا، ثم تقسيمها (حتى 1986).
وجوزيف ستالين كان يمثل أبشع أنواع الدكتاتورية وفظائعه فى الإتحاد السوفيتى، بجميع بلاده، وخارج الإتحاد السوفيتى، لا تحيط بها المجلدات ولا تتسع الألفاظ لوصفها وصفا دقيقاً.
وفى الوقت الذى عاش فيه أدولف هتلر وجوزيف ستالين اللذان تصدرا أسماء قائمة أهم عشر شخصيات، والتى سلف بيانها، عاش رجال آخرون كانوا غاية فى الفضل ونهاية فى الخلق، منهم – على سبيل المثال – المهاتما غاندى الذى لم يذكر التاريخ له فعلة سوء واحدة أو قولة باطل مفردة، والذى ضحى بنفسه ليمنع اضطهاد البشر المتعصبين لغيرهم من البشر الأبرياء، ومع هذا التاريخ الناصع نقاؤه، والفاقع بياضه، فإن إسمه ورد بإعتباره السابع فى القائمة، فتخطاه وحظى بالأولوية هتلر وتبعه ستالين، والعلة فى ذلك أن الشر أكثر ظهورا وأشد انتشارا من الخير، فضلا عن أنه أسرع فى النتائج، وأوضح فى الآثار، فالكلمة الطيبة قد تؤثر تأثيراً بعيدا عميقاً، لكن الأثر لا يكون واضحا للراصد، ولا يظهر بسرعة للملاحظ. ورسالة السيد المسيح لم تفلح فى حياته، ولا بعد ذلك بفترة طويلة، حتى عام 325م حين أمر الإمبراطور الرومانى قسطنطين بأن تكون المسيحية ضمن الشرائع (الديانة) الرسمية للإمبراطورية، فبدأت تظهر رسالة المسيح أكثر بكثير، وامتدت وانتشرت فى كل أنحاء المعمورة، ولو ان استطلاعا للرأى أو استقصاء للأمر حدث بواسطة وسيلة، كالصحافة المعاصرة، فى نهاية القرن الأول الميلادى، لما ظهر اسم السيد المسيح فى أى منهما.
وحين يُضرب المثل بالسيد المسيح فإن القصد بيان شدة المفارقة بين الحقيقة وما تنتهى إليه الإستطلاعات أو الإستفتاءات أوالإستبيانات من قصور. فربما كان فى الوقت الحالى، بل فى الغالب أن يكون هناك، شخص أو أشخاص أكثر أهمية وأعظم أثرا، من كل من وردت أسماؤهم فى قوائم الإستطلاعات، لكن هذا الأثر وتلك الأهمية تكون لم تزل عماّلة فعّالة، لا تظهر بشدة ولا تبدو بوضوح إلا فى أوائل القرن القادم. وإذ ذلك، وفى حالة ما إذا أعيد إجراء استطلاع أو اتباع استقصاء، فسوف تتغير القوائم تماما، بل وربما انقلبت رأسا على عقب.
لقد أجرى فى بريطانيا استطلاع للرأى عن أهم أشخاص فى الألفية الثانية (أى من عام 1000-2000م) فكان هناك شبه إجماع على أن أول شخص فى القائمة هو وليم شكسبير.
وليم شكسبير (1564-1616) يعد من جانب الكثيرين من النقاد والدارسين أعظم الشعراء والكتاب المسرحيين، ومن أبرز الشخصيات فى الأدب العالمى، إن لم يُعّد أبرزها جميعا، ومع ذلك فإنه يصعب تحديد عبقريته بمعيار بعينه من معايير النقد الأدبى، كما أن حقيقة شخصيته يكتنفها الغموض والإبهام، لأنه كان فى حياته مغمورا لا يعرفه إلا عدد قليل من الناس.
وفى عصر شكسبير عاش الكاتب المسرحى بن جونسون (1572-1637)، وكان أقل موهبة من شكسبير بكثير، لكن نظرا لأنه كان مقرَّبا من الملك جيمس الأول (زوج الملكة اليزابيث) فقد حظى بشهرة واسعة، وأعطته صلاته مكانة كبيرة، فكان له تأثير بالغ على مجموعة من الشعراء الشبان الذين اسموا أنفسهم (جماعة بنْ).
ولما خَفَ وهج الصَّلة بالملك، وشرع النقاد يفحصون عمل كل من الشعراء بهدوء، وتؤدة، وبعيدا عن أثر السلطة، ومفعولها الدعائى بشهرة، فإنهم أعطوا شكسبير حقه، وأكدوا عالمية فنه وخلود أدبه، وبيّنوا أثره الكبير على أغلب الكتاب والشعراء والأدباء، فى كل البلاد، وفى كل العصور، وخاصة فى أوروبا والأمريكتين.
واليوم لا يكاد أىَّ مثقف فى كافة أنحاء المعمورة يجهل اسم شكسبير، فى حين لا يعرف إلا الأقلون اسم بن جونسون، مع أنه لو أُجرى استطلاع للرأى حال حياتهما، لأجمع الناس على اسم بن جونسون، ولما ذكر أحد اسم شكسبير.
ويعمل الحقد والحسد عمله فى المجال الفكرى والأدبى والفنى، إذ يحرص من لهم طبيعة العقرب التى تفرغ السم فى جسدها إن لم تجد من تفرغ فيه السم، بغير عداوة أو خصومة بينهما، كما يعمل من لهم طبيعة الحرباء المتقلبة مع كل ظرف والمتلوّنة بكل لون، يعمل هؤلاء وهؤلاء على تشويه أعمال من هم أفضل منهم وأكثر رصانة وعلما، أو اغتيال شخصياتهم (Character Assassination) بالزور الباطل، حتى لا يأخذوا وضعهم الحقيقى فى عصرهم، ولربما تساعدهم فى ذلك ظروف سياسية أو طرائق مكائدية، لكن مع مرور الوقت وسكون عواصف الحقد ورياح التشوية، يعود كل إلى أصله، ويتألق العمل الصحيح وصاحبه، وإن تراخى فترة قد لا تضعه فى الصدارة فى حينه. فعندما وضع بيتهوفن (1770-1837) سيمفونيتة السادسة، المسماة بالباستورال (pastoral) أى الريفية، هاج عليه بعض الحاقدين والحاسدين (من العقارب والحرابى: جمع حرباء) فحطوا وقللوا من شأن هذه السيمفونية، فى حين أنهم مدحوا وهللوا لسيمفونية باستورالية (ريفية) وضعها آنذاك موسيقى معاصر لبيتهوفين. ومع مرور الزمن، عفت الأيام على سيمفونية هذا الموسيقى المغمور وبقيت سيمفونية بيتهوفين أثرا خالدا شامخا يؤكد عظمته ويوطد عبقريته.
كانت كل هذه المعانى فى ذهنى عندما اعتذرت من عدم إبداء الرأى، لعلمى أنى سوف أكون فيما أبدى واحدا مفردا، يبدو غير واضح وغير مفهوم.
فالحق وسط الباطل يبدو غريبا، والصّح بين الخطأ يلوح نشازا.
وعندما اعتذرت من عدم إبداء الرأى لم يرتح صاحبى، وظن أنها وسيلة منى لعدم التعاون معه، فراح يعاتبنى بمرارة.لكنى أخذت الأمر ببساطة ولم أرَ فى الكلام العابر إساءة، بقدر ما رأيت أن موقفى فى حاجة إلى إيضاح.
بعد فترة وجيزة، ظهرت استطلاعات الرأى فى العالم الخارجى، على النحو الذى سلف بيانه، وكان فى ذلك مناسبة لأن نعاود الحديث، وفيه وضح لصاحبى ما لم يكن واضحا له.
قال: لم أتصور الأمر على هذا المفهوم أبدا؟ قلت: ولا تصوره كل من استطلعتم آراءهم!
قال: ما هو السبب فى ذلك؟
قلت: إننا بكل أسف لا نضع تعريفا لأى كلمة نستعملها، ولا نتخذ بياناً لأى موضوع نتحدث عنه أو نكتب فيه، وإنما تجرى الأمور عندنا على السداح المداح، بلا أى تعريف ولا أى تحديد ولا أى بيان علمى ولا أى تقدير حاسم.
قال: لهذا يكون الحديث بيننا على الدوام مضطربا ويكون الكلام مختلطا.
قلت: كما يقال فى علم النفس عن الطفل. فالطفل، ومن لم يشب عن عقلية الطفل أو ينضج عنها، يظل على الدوام قاصر الفهم عليل النفس، يعبر عن أى شىء بأى لفظ، ولا يستطيع من يسمعه أن يدرك حقيقة ما يعنى إلا بجهد جهيد، وربما لا يستطيع إدراك الحقيقة أبداً، فيجرى الحديث بينهما وهو متفاصل غير متواصل، هو ما نقول إنه حديث الطرشان، هذا يقول ما لا يسمعه الآخر، وهذا يرد على ما لم يقله الأول، وهكذا.
قال: كيف يكون هذا حالنا، ثم نستمر عليه فلا يوضحه أحد ولا يحلله كاتب؟
قلت: إن وسائل الإعلام ساهمت وتساهم فى ترسيخ هذا الوضع الباطل، لأنها تحولت إلى مجرد ترفيه ومحض إعلان.
قال: وما هو الدور الذى ينبغى أن يتجه إليه الإعلام؟
قلت: دور تربوى بلا شك، بحيث لا يقوم الإعلام على ترويج التفاهة وتشييع الجهالة، وإنما يعمل من خلال خطة واضحة على أن يرسخ فى المفهوم العام ضرورة تحديد الألفاظ وتحليل المعانى ولكى يكون كل ما نقول واضحا محددا ويكون حديثنا عن بينة ونور.
قال: الإعلام يركز على شخصيات بذاتها تزّيف الوعى وتحرّف الفهم.
قلت: هذا هو ما يحدث بالفعل، فعندما يركز الإعلام سنوات طويلة على شخصية شائهة تفاهة، فإنه ينقل الشياهة والتفاهة إلى كل بيت، بل ويزرعها فى كل عقل، ومع الأيام تتشكل العقول وتتحدد القيم من هذه التفاهة وتلك الشياهة، فتختار ومثلها العليا على أساس هذه القيم الفاسدة، وتختل المعايير فى المجتمع كما تضطرب الموازين فى أى حكم وأى تقدير.
قال: وذلك شبيه بمن يقدم طعاما رديئا فى كل وقت إلى بعض الناس، فإذا بأذواقهم تتحدد من هذه الرداءة، ولا يستسيغون من بعد أى طعام جيد أو أىّ شراب ممتاز.
قلت: ذلك مثل مادى واضح، يقرّب إلى الفهم ما يحدث لعقول الناس ومفاهيمهم وأذواقهم عندما تعتاد على سماع الغث ورؤية التهريج، فتتشكل قيمهم من الهرج والتهريج وتتحدد مثلهم بالغثو والغثاثة.
قال: ولماذا يحدث ذلك أصلاً؟
قلت: ربما توجد أهداف خفية وراء ذلك، أو توجد رغبة فى دغدغة مشاعر الناس وتفتيت عقولهم بتقديم التافه والشائه، والإلحاح عليهما حتى تضطرب المشاعر وتختلط العقول، فيسهل قياد الناس بعد أن يصيروا إمّعات فقدوا ملكة التقدير الصائب والتحليل السليم والحكم الصحيح.
قال: وينتهى الأمر إلى ألاّ يستطيع الناس تمييز الحق من الباطل، أو تحديد العظيم من التافه!
قلت: لا يقّدر العظيم إلا عظيم مثله، أو مجتمع تشيع فيه معانى العظمة الحقيقية وتغلب عليه مفاهيم المُثُل الصحيحة.
قال: لقد كنت أعتقد، كما يعتقد غيرى، أن المشهور عظيم، وأن العظمة شهرة.
قلت: هذا خطأ كبير، فالشهرة قد تكون لمجرم أو آثم أو مهرج أو تافه؟ لكن العظمة حال داخلى لبعض الناس، يتجلى فى أفعالهم وأقوالهم، ويتبدى فى تصرفاتهم وتلفّتاتهم. إنه أمر يُفطر البعض عليه ولا يمكن اكتسابه، والمفطور على العظمة ينأى دائما عن الإعلان عن نفسه بتدنيات صغيرة، ويرفض أبداً أن يترك عمله ليجرى فى مسارات العلاقات العامة، يطبّل لهذا ويرمز لذاك، ويجعل خده مداسا لمن يرفع، ويحول قلمه خادما لمن يدفع.
قال: للأسف الشديد، فإن النجاح فى مجتمعاتنا يحتاج إلى قدر كبير من العلاقات العامة.
قلت: وهذا مما يُبدد وقت المرء، للجرى وراء هذا أو ذاك، ولا يترك له الوقت الكافى للتثقيف والتهذيب، حتى يصبح شخصية سوية، تعرف الفارق بين العظمة والشهرة، وتحدد الأمور بين العاطفة والعقل.
قال: كما قلتّ وتقول فإننا شعوب عاطفية.
قلت: لا بأس بالعاطفة على ألا تغلب العقل وتطمس الصواب، هذا إلى أن الثقافة العميقة العريضة، تلجّم هَوس العواطف وترشد هوج البدائية، لذلك فإن العواطف الجامحة مرحلة بدائية للشعوب وللأفراد، لابد أن يتجاوزوها، بالتثقيف المتوالى والتهذيب المتصل، حتى يحدث التوازن بين العقل والعاطفة، بين الفهم والحب بين الفكر والمشاعر.
قال: إن الحديث ذو شجون، وقد تعلمت منه أننا نصدر فى تصرفاتنا بغير معايير محددة، ودون موازين مقّدرة.
قلت: وأول خطوة فى طريق النجاح وسبيل التحضر أن نتعلم وضع المعايير الصحيحة لكل قول، ونصب الموازين الدقيقة لكل فعل.
قال: هذه ما أتمناه.
قلت: وهذا ما أدعو إليه.
saidalashmawy*************
القاهرة
بثينه عبدالعزيز
04-22-2009, 09:21 AM
المقاصد الكلية للشريعة.. قراءة جديدة
نصر حامد ابو زيد
من أهم إنجازات العلماء المسلمين في مجال قراءة النصوص الدينية ما أنجزه علماء أصول الفقه من تحديد للمقاصد الكلية للشريعة، وهي المقاصد التي صاغها الإمام الشاطبي في خمسة مبادئ كلية عامة، هي: الحفاظ على النفس والعرض والدين والعقل والمال.
لقد تم التوصل إلى هذه المقاصد الكلية من خلال القراءة التفصيلية المتأنية والعميقة للنصوص الدينية ذات الطابع التشريعي من خلال علاقاتها التركيبية ببعضها البعض من جهة، ومن خلال علاقاتها بنصوص العقيدة والأخلاق من جهة أخرى، والمقصود بالعلاقات التركيبية للنصوص التشريعية:
علاقات الإجمال والبيان، والعموم والخصوص، والنسخ.. وغير ذلك. وهي علاقات إنتاج الدلالة الشرعية، فما أجمل من نص من النصوص يكون مبينا ومفصلا في نصوص أخرى، وكذلك ما كانت دلالته عامة قد يكون هناك نص آخر يحوله من العموم إلى الخصوص، ثم هناك أخيرا ظاهرة نسخ بعض التشريعات واستبدال تشريعات أخرى بها للتخفيف أو التدرج مراعاة لتبدل الأحوال وتغير الظروف.
هذه القراءة المتأنية العميقة للنصوص ينتج عنها فهم الأحكام التفصيلية الشرعية، ومن هذه الأحكام التفصيلية أمكن لعلماء المسلمين استنباط المقاصد الكلية التي توجه تلك الأحكام، ولا تنتهي القراءة عند استنباط الكليات من الجزئيات بالمعنى الذي شرحناه، أي بالمنهج الصاعد من الجزئي إلى الكلي، وإنما يتم في قراءة أخرى تستخدم المنهج الهابط تنزيل الكليات على الجزئيات في محاولة لإعادة فهم الجزئيات - وربما تعديلها - في ضوء الكليات المستنبطة منها، كأن علماء الأصول خاصة وعلماء الإسلام بصفة عامة يدركون أن العلاقة بين الكلي والجزئي علاقة تفاعلية وأكثر تعقيدا من أن تكون مجرد علاقة تراكم أو "جمع" بالمعنى الرياضي.
منهج علماء الأصول
هذا الإنجاز المهم جدا والخطير يؤصل منهجا في قراءة النصوص ناجزا، ولا أعني أنه ناجز في مجال قراءة النصوص الدينية فقط، لأن ذلك أمر تحقق بالفعل، لكنه منهج ناجز كذلك في قراءة كل أنماط النصوص القانونية والفلسفية والأدبية.. وككل منهج ناجز يظل منهج علماء الأصول في استنباط الكليات من الجزئيات، ثم إعادة تنزيل الكليات لفهم الجزئيات - فهما مجددا - منهجا مفتوحا قابلا للإضافة مع تجدد الوعي وتطور أساليب المعرفة وأدوات البحث، خاصة في مجال "قراءة النصوص" ولعل هذا هو الدافع الذي يدفعنا اليوم لاقتراح مشروع قراءة جديدة للمقاصد الكلية للشريعة.
هذه القراءة الجديدة تسترشد بمنهج علماء الأصول، ولكن في إطار هموم العصر الذي نعيش فيه، ولمواجهة المشكلات التي تمثل عقبة أمام تحقيق وعي إسلامي جديد.
وككل قراءة جديدة من حق المشروع المقترح لقراءتنا أن يضيف إلى منهجيات القراءة السابقة ما أحدثته المنهجيات الحديثة من انشغال بمستويات الدلالة التي تتجاوز حدود الدلالة اللغوية، لقد شغلت القراءة السابقة بفحص الدلالة اللغوية أساسا، ولذلك تركز اهتمامها في الكشف عن آليات هذه الدلالة في حدود علوم اللغة والبلاغة التقليديين، وكان انشغالها منصبا أساسا على الكليات المستنبطة من الجزئيات، دون أن تقف على الدلالات الكلية الناشئة عن طبيعة الحركة المعرفية لنصوص الإسلام في كليتها، والمقصود بهذه الدلالات الكلية علاقة النص الإسلامي - معرفيا - بالنصوص التي كانت قائمة ومؤثرة وفاعلة في سياق اللحظة التاريخية للوحي، هذه الدلالات تمثل محور الحركة التي سببت الصراع والمقاومة التي واجهت النص الإسلامي خلال السنوات العشرين التي تمثل مرحلة الوحي، بل والتي استمرت بعد ذلك فيما عرف بحروب الردة، وما سبقها واقترن بها من ظاهرة "النبوات الكاذبة" التي استشرت في محاولة لمنازعة "النص الإسلامي" مشروعيته السماوية.
كلية النص الإسلامي
من الطبيعي إذن أن تحاول القراءة الجديدة تجاوز ثنائية الجزئي والكلي دون إغفالها تماما، وذلك للبحث عن الدلالة أو الدلالات الكلية التي لا تفصل بين التشريعي والعقيدي من ناحية، وبين الدلالات المستنبطة من القصص القرآني ووصف الجنة والنار من جهة أخرى، بالإضافة إلى ذلك تدخل هذه القراءة في بؤرة اهتمامها الدلالة الكلية للنص الإسلامي في سياق تفاعله الجزئي والكلي مع الواقع الاجتماعي والتاريخي، وبعبارة أخرى تحاول القراءة الجديدة بمنهجياتها المعاصرة أن تتناول النص الإسلامي في كليته، ذلك النص الذي جزأته العلوم الدينية في التراث الإسلامي فانشغل "علم الأصول" بالأحكام والتشريعات، وانشغل "علم الكلام" بالعقيدة وانشغل "التصوف" بالأخلاق، وانشغلت باقي العلوم كل بجانب من الجوانب.
والاقتراح الأولي لمشروع القراءة الجديدة يعتمد على إدراك ثلاثة مبادئ نرى أنها جوهرية وأساسية بحيث يمكن القول إنها تمثل "الكليات" التي تستوعب الجزئيات، إلى جانب أنها تستوعب "المقاصد الكلية" الخمسة التي استنبطها أسلافنا في قراءتهم العميقة المستوعبة بحسب الإطار المعرفي المتاح لهم، يتعلق المبدأ الكلي الأول بمفهوم "العقلانية" بوصفها صفة تضاد "الجاهلية" التي طرح المشروع الإسلامي نفسه بوصفه نقيضا لها في كثير من نصوصه المعروفة جدا. وعلى عكس ما أصبح شائعا أخيرا في بعض الكتابات من أن "الحاكمية"، هي نقيض "الجاهلية"، فإن نقيض الجاهلية يتحدد من خلال ملاحظة التداول الضدي بين لفظي "العقل" و"الجهل" في اللغة أولا وفي القرآن ثانيا، ونقول في اللغة أولا لأن اللغة العربية هي الإطار المرجعي لتحديد الدلالات المعجمية لألفاظ القرآن، وذلك قبل أن نرى ما أحدثه القرآن من تطوير أو تغيير في هذه الدلالات.
والسياق اللغوي لتداول لفظ "الجهل" ومشتقاته يجعلـه نقيضا لـ "الحلم" بمعنى العقل، ولفظ "الجهل" ومشتقاته يعني "العصبية" التي يرتبط بها نمط من السلوك الهجومي العدائي غير المتعقل، يقول الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في معلقته الشهيرة:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ولا يمكن أن يكون الشاعر مفتخرا بجهله "نقيض العلم والمعرفة"، وإنما يفتخر بعصبيته وقوة قبيلته وقدرتها على مقابلة العدوان بالعدوان، هذه "الجاهلية" هي التي أتي الإسلام نقيضا لها على جميع المستويات والأصعدة ليؤسس العقلانية في السلوك والفهم والعلاقات الإنسانية، من هنا تركيز القرآن على "العقل" و"اللب" و"الفكر" و"الفؤاد"، ومخاطبته دائما للذين يعقلون ويتفكرون. ولأن "الجاهلية" نابعة من عصبية العرق والدم والانتماء القبلي جاء غضب الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله للمتفاخرين: "دعوها فإنها منتنة"، أو في قوله "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".
ومن الخطل استنتاج بعض الصبية من الجهال من أمثال هذه النصوص معارضة الإسلام لمفهوم "الوطن" أو مفهوم "القومية"، وإنما يعارض الإسلام "التعصب" و"الطائفية" و"العرقية" ليؤكد مفهوم الدعوة الإنساني، والذي يقوم علي المساواة والكفاءة والندية رغم كل الاختلافات الإثنية والعرقية، بل والدينية. إن ما يساوي بين البشر هو "العقل" الذي هو كما قال المعتزلة "أعدل الأشياء قسمة بين البشر". هكذا يمكن القول إن الإسلام يعتمد على مبدأ كلي أساسي هو "العقل" نقيضا للجهل، وبهذا يدين كل ممارسات "الجاهلية" في الفكر والسلوك داعيا إلى "الحلم" وتحكيم "العقل" والاحتكام إلى "اللب" و "الفؤاد".
الحرية نقيض العبودية
المبدأ الكلي الثاني هو مبدأ "الحرية" نقيضا للعبودية، وهو مبدأ شديد الالتصاق من حيث دلالته بمبدأ "العقل"، ذلك أن الإنسان الحر هو الإنسان العاقل أساسا من حيث إن "العقل" هو مركز فعالية النشاط الإنساني. إن الإنسان المتعصب تحركه مبادئ خارجية في فكره وسلوكه، مبادئ تتحكم في عقله فتمنعه من ممارسة فعاليته الحرة، وهذا منشأ العبودية الحقيقي، لأن العبودية الاجتماعية منشؤها نسق اجتماعي إذا تغير انتفت تلك العبودية، أما عبودية "العقل" فهي أشد خطرا لسيطرتها على "جوهر" إنسانية الإنسان. إنها ترد الإنسان إلى مستوى البهيمة في حين تظل العبودية الاجتماعية عبودية خارجية. ليس هذا دفاعا عن النظام العبودي لكنه محاولة لكشف خطر عبودية "العقل" لتأكيد التواشج والاتصال الدلالي بين مفهوم "العقل" ومفهوم "الحرية".
إن النصوص التي يمكن الاستشهاد بها لإثبات أن "الحرية" مبدأ كلي في المشروع الإسلامي لا تتسع إلا ولا لتحليلها هذه المقالة. ويكفي هنا أن نشير إلى أن الإسلام قائم أساسا على مبدأ "حرية الاختيار" المطلقة، واختيار المسلم للإسلام دينا لا يمكن أن يكون نافيا لمفهوم الحرية الأصلي، ذلك أن الفرع لا يلغي الأصل أبدا كما يحاول البعض أن يوهموا الناس. إن دخول الإنسان الإسلام حرا طائعا مختارا راضيا لا يحوله إلى "عبد" مجرد من حريته واختياره الأصليين، واللذين هما مناط إنسانيته. إن الذين يوهمون الناس بذلك يخلطون بين مفهوم "العبودية" السابق على الإسلام، والمرتبط بالنسق الاجتماعي العبودي، وبين مفهوم "العبادية" الذي صاغه القرآن الكريم لعلاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، ويتجاهل هؤلاء أن جمع كلمة "عبد" هو "عبيد"، وهو لم يستخدم في القرآن إلا في سياق محدد هو سياق نفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى "آل عمران/ 182، الأنفال/ 51، الحج/ 10، فصلت/ 46، ق/ 29 ". والاستخدام القرآني المتواتر هو الصيغة "عباد" لا "عبيد"، وهو أمر يؤكد تغاير الدلالة رغم اتفاق صيغة "المفرد" للكلمتين، وهذا ينفي مفهوم علاقة "العبودية" بكل دلالاتها السلبية، تلك العلاقة التي يحاول البعض حصر العلاقة الأعمق بين الله سبحانه وتعالى والإنسان داخل أسوارها الضيقة الخانقة، ويتم ذلك كله في ظل تجاهل شبه تام للنصوص التي تتحدث عن بعد "الحب" المتبادل بين الله العظيم وبين عباده.
ولا يمكن الاعتراض على كلية مبدأ "الحرية" في النص الإسلامي بالإعراض السقيم الذين فحواه أن الإسلام لم يلغ العبودية من حيز النظام الاجتماعي،، ومع ذلك فإن مناقشة هذا الاعتراض تكشف عن بعد احترام الإسلام لقوانين الواقع والتاريخ، وذلك بتجنبه عدم المجازفة بالوثب فوقها وتجاهلها. إن الدين الذي حرم الخمر على ثلاث مراحل تدرجا في التشريع، والذي نسخ بعض الأحكام واستبدل بها أحكاما أخرى في فترة الوحي لهو دين واقعي إنساني يؤكد أن الفعل الإلهي إذا تحقق في التاريخ يجري على سنن التاريخ، وهي السنن التي تمثل القوانين الكلية التي عبر عنها القرآن الكريم بـ "سنة الله" التي لن تجد لها تبديلا، ولعل هذا الشرح يرفع عن كلمة "التاريخ " الدلالات السقيمة التي يلصقها بها البعض حين ترد في مثل هذا التحليل مصاحبة لكلمة "الوحي".
لكن احترام قوانين التاريخ والواقع لا يعني أن الإسلام وقف حيالها عاجزا، فمنهج الإسلام هو التغيير الجزئي الذي يؤدي في النهاية إلى "خلخلة" دعائم البنى الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية القائمة والمسيطرة، وكان هذا موقفه من النظام العبودي الاجتماعي حيث انبثت دعوة الإسلام إلى تحرير العبيد في كثير من النصوص بدءا من "المساواة" بين العبد والحر في الأحكام وفي معايير الثواب الأخروي، والتخفيف عن العبيد في أحكام العقاب الدنيوي - في مجال الحدود بصفة خاصة - مراعاة للضغوط الاجتماعية التي يتعرضون لها فتجعلهم أقرب إلى الوقوع في الخطأ. علاوة على ذلك فتح الإسلام في كثير من أحكامه باب التحرر بأن جعل "عتق الرقبة" وتحريرها واحدة من أهم الكفارات في حالات كثيرة وأحكام عديدة، والأهم من ذلك أنه جعل الزواج من العبدالمسلم أفضل من الزواج من الحر المشرك، وكذلك جعل الزواج من الأمة المسلمة خيراً من الزواج من الحرة المشركة، ومعنى ذلك أن الإسلام جعل معيار "القيمة" معيارا مخالفا للسائد الاجتماعي.
إطلاق مبدأ الاختيار
كل هذه التغييرات على مستوى الأحكام ارتبطت بتأكيد نسق للقيمة يفتح الباب للحرية والتحرر من العبودية كما من عصبية الدم والعرق تماما، لكن الأهم من ذلك والأخطر إطلاق الإسلام لمبدأ حرية العقائد وممارستها من جهة، وإطلاق مبدأ حرية الاختيار للإنسان الفرد من جهة أخرى، وفوق ذلك كله فقد دشن الإسلام مفهوما للإنسانية الحرة الطليقة بأن أعلن رسالته خاتمة الرسالات والكلمة الأخيرة من السماء إلى الأرض، وهذا معناه الإقرار بأن الإنسانية قد تعدت مرحلة ما قبل النضوج التي تتطلب الوصاية الدائمة إلى مرحلة "الرشد" الكاملة.
هذه الحرية التي يحاول بعض المتعصبين أن ينال من اتساعها وعمقها تجد جذرها في الخطاب الإسلامي من حقيقة صفة "العدل" الإلهية وهي الصفة التي لا تقف دلالتها عند حدود نفي الظلم فقط، بل تمتد دلالتها إلى إقرار مبدأ "العدل" مبدأ كليا للوجود الإنساني. إن حرص المعتزلة على تأكيد صفة العدل الإلهي هو الذي أفضى بهم إلى تأصيل صفة "التوحيد" فكريا وفلسفيا. إن الله سبحانه وتعالى عادل لأنه ليس صاحب مصلحة ولا تلحقه الحاجة ولا المنفعة التي تدفع البشر إلى الظلم دفعا لضرر أو استجلابا لنفع، ولن يزيد ملكه طاعة الطائعين ولن ينقص ملكه سبحانه وتعالى عصيان العصاة ولا كفر الكافرين. هذا "الاستغناء" المطلق هو جوهر مفهوم "الوحدانية" التي تميز الوجود الإلهي عن الوجود الإنساني، وهو ذاته جوهر مفهوم "العدل" الإلهي، هل بالغ الفقهاء الذين قالوا: حيث يوجد "العدل" توجد شريعة الله؟! وهل بالغوا كذلك حين قالوا: الحاكم العادل خير وأفضل من الحاكم الظالم ولو كان الأول غير مسلم والثاني مسلما؟! لا أظن ذلك، فقد تعمقوا مفهوم "العدل" الإلهي الذي انسرب مبدأ كليا بالضرورة في المشروع الإسلامي.
مقاصد الشريعة
إن هذه المبادئ الكلية المقترحة الثلاث - العقل والحرية والعدل - تمثل منظومة من المفاهيم المتماسكة المترابطة من جهة، وهي تستوعب المقاصد الكلية الخمس التي استنبطها علماء أصول الفقه من جهة أخرى. إن الحفاظ على النفس والعقل والدين والعرض والمال تبدو مبادئ جزئية بالنسبة للمبادئ الثلاث الكلية المقترحة، ويمكن بالتالي أن تندرج فيها، هذا إلى جانب أن تلك المبادئ الثلاث المقترحة تستوعب جميع القواعد الاجتهادية التي أنجزها الأصوليون مثل قاعدة "الاستحسان" و"المصالح المرسلة" و"استصحاب الأصل" و"إباحة الضرورات للمحظورات".. وغير ذلك.. وسيتم قبول هذه القواعد على أسس كلية ترفع الاختلاف المعروف بين المدارس الفقهية حول مشروعية بعض هذه المبادئ. قد تصيح هذه الخلافات موضوع تحليل ودراسة لاكتشاف الأسباب والعلل لفهم تاريخ المذاهب والأفكار، لكننا لن نكون ملزمين - في ضوء المبادئ الكلية المشار إليها - بالاختيار بين هذا أو ذاك.
ومن المؤكد أن الانطلاق من هدي تلك المبادئ سيجعلنا نتوقف عند قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" وقفة نقدية فاحصة متأملة للسياق التاريخي الذي صيغت فيه وهو سياق حالة الضعف والتمزق والتشتت الذي أصاب بنية المجتمعات العربية الإسلامية، ونحن الآن بصدد محاولة تجاوز هذه الحالة المشار إليها، واللحاق بركب التقدم والمدنية، يصعب علينا تقبل مثل تلك القاعدة، هذا بالإضافة إلى أنها تتعارض مع مبادئ العقل والحرية والعدل، التي هي بمثابة المقاصد الكلية للشريعة. ولا شك أن كل تقدم اجتماعي وعمراني وتقني إنما يرتبط بتطور الوعي الإنساني وبتنامي قدرته على اكتشاف القوانين الطبيعية والاجتماعية، وبعبارة أخرى ليس التقدم إلا تقدما في نشاط "العقل" الذي يمثل مركز المشروع الإسلامي في تناقضه مع الجاهلية. لكن كل تقدم له بعض توابعه السلبية التي تترتب عليها بعض الأضرار، وهي بمثابة ضريبة تدفعها البشرية في سبيل التقدم، فلو أخذنا بقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" لناهضنا التقدم ووقفنا حجر عثرة في سبيله، أي لناهضنا تطور العقل وتقدمه، وبذلك ننتهك مبدأ كليا من مبادئ الإسلام.
إن دراسة النصوص الدينية وفهمها وتأويلها من خلال تلك المبادئ الكلية الثلاث يمكن أن يكون هاديا لصقل مزيد من آليات الاجتهاد تضاف إلى آليات الاجتهاد التي وصلت الينا من تراثنا الفكري، ومن الممكن بالطبع أن تتفرع عن تلك المبادئ الكلية فروع تنمو وتتزايد مع عملية القراءة المقترحة والتي تحتاج إلى جهود وجهود، جهود تتجاوز حدود إمكانات الفرد وتحتاج إلى إمكانات مؤسسات بحثية جديدة، تحتاج إلى مؤسسات بحثية علمية على صلة بمنهجيات العلوم الإنسانية المتطورة بصفة عامة، وما يتعلق من تلك المنهجيات بدراسة النصوص وفهمها وتأويلها بصفة خاصة. ولا خوف على عقائدنا وديننا من تلك المنهجيات وإجراءات تحليلها، وإنما الخوف من "الجمود" و"التقليد" اللذين يمثلان حصون الدفاع في المؤسسات التقليدية. لقد أرسل الله سبحانه وتعالى رسله للناس يحملون كلامه عز وجل لكي يفهمه الناس، وليست عملية الفهم حكرا على عصر من العصور مهما بلغ إخلاص أهله، بل هي عملية تتشارك فيها كل العصور سعيا لإتمام نور الله سبحانه وتعالى بإبراز الدلالات الكامنة في كلامه.
نصر حامد أبو زيد
بثينه عبدالعزيز
04-22-2009, 09:21 AM
رد الدكتور محمد عماره على مقاله نصر حامد ابو زيد
ألف باء الحوار: تحرير مضامين المصطلحات
هل هي مشكلة مفاهيم أم منهج؟ أم أنها تفسير لمعنى المضامين؟.
يثير الكاتب الكثير من التساؤلات حول دقة دعوة الدكتور نصر حامد أبوزيد لتحديد المبادئ الثلاثة لتكون مقاصد للشريعة، ويفند بعض الأطروحات ويفتح الباب للنقاش.
عن "المقاصد الكلية للشريعة: قراءة جديدة" نشرت العربي - عدد مايو الماضي - مقالا للدكتور نصر حامد أبو زيد، جديرا بأن يدور حوله حوار موضوعي وهادئ وجاد.
وفي المقال: "اقتراح مشروع قراءة جديدة للمقاصد الكلية للشريعة"، ذلك أن قراءات القدماء من علماء أصول الفقه قد حددت للشريعة الإسلامية مقاصد خمسة، هي: الحفاظ على النفس، والدين، والعقل، والعرض، والمال.. وما يقترحه الدكتور نصر - بعد قراءته الجديدة للنصوص الدينية- ليس إضافة مقاصد ومبادئ كلية جديدة إلى هذه المقاصد الخمسة - من مثل ما صنعه الشيخ الطاهر بن عاشور، عندما أضاف إليها "مقصد: الحرية" - وإنما هو يقترح إحلال مبادئ كلية ثلاثة - هي: العقل، والحرية، والعدل - باعتبارها "تمثل منظومة من المفاهيم المتماسكة المترابطة من جهة، وهي تستوعب المقاصد الخمسة التي استنبطها علماء أصول الفقه من جهة أخرى"..لأن هذه المقاصد الخمسة التي حددها الأصوليون- بنظر الدكتور نصر- ليست "مبادئ كلية"، بل هي جزئية، وبعبارته: "فإن الحفاظ على النفس والعقل والدين والعرض والمال تبدو مبادئ جزئية بالنسبة للمبادئ الثلاثة الكلية المقترحة، ويمكن بالتالي أن تندرج فيها".تلك هي مقاصد المقال، بنص كلمات الدكتور نصر.
وإذا كانت أهمية القضية ومحورية موضوع المقال بين موضوعات الفكر الإسلامي، تستدعي إدارة حوار عقلاني مستنير حول قضاياه، فإنني أفضل - لمنهجة الحوار - صياغة أفكاري حوله في عدد من الملاحظات: الأولى: تتعلق بما يثيره هذا المقال - وكتابات كثيرة في حياتنا الفكرية المعاصرة - من حقيقة أننا نعاني من "فوضى في مضامين المصطلحات"، أحدثتها حقبة الاحتكاك بالحضارة الغربية.. في المصطلح - الوعاء - الواحد - وأثناء الحوار بين أهل "الموروث" وأهل "الوافد" - نجد أنفسنا أمام مفاهيم مختلفة، وأحيانا متناقضة، تساق وتقدم في المصطلح - الوعاء - الواحد، الأمر الذي يجعل كثيرا من حواراتنا "حوارات طرشان!".
وعلى سبيل المثال:
1 - يقترح الدكتور نصر مبدأ "العقلانية" ليكون واحدا من المبادئ الكلية الثلاثة لمقاصد الشريعة.. وليس هناك عاقل يعي إسلامه يختلف على ضرورة العقل والعقلانية. والقدماء - الذين ينتقدهم الدكتور نصر- قد جعلوا "الحفاظ على العقل " من الضرورات والمبادئ والمقاصد الكلية للشريعة، قبل أكثر من ألف عام.
لكن.. أي عقل؟.. وأي عقلانية؟.. تلك هي القضية التي تحتاج- كي نتبين مواقعنا وانتماءاتنا - إلى تحرير مضامين ومفاهيم المصطلحات.
هل هو العقل: العضو المادي، الذي تفرز حركته "الفكر"- كما رأى ويرى الماديون، وبعض الوضعيين؟ - هل هو "الجوهر المجرد"، كما قال كثير من الفلاسفة القدماء؟، أم هو الغريزة والملكة واللطيفة الربانية، المتعلقة بالقلب والجوهر واللب الإنساني؟.
فعلى تحديد المراد من "العقل" يتحدد المراد من "العقلانية".. إذ هناك عقلانية التنوير الغربي وشعارها: "لا سلطان على العقل إلا للعقل"، وهي بذلك تنفي وتنكر - بل وتستنكر - سلطان "الوعي" على عقلانية الإنسان، وترى في "العقل" و"التجربة" سبيلي المعرفة المؤتمنين على تحصيل المعارف التي تستحق الاحترام!.
بينما هناك "العقلانية المؤمنة"، التي تبلورت في علم التوحيد - الكلام - الإسلامي، لتقرير الدين، وليس لنقضه، وهي التي تقرأ "النقل" بـ "العقل"، وتحكم "العقل" بـ "النقل"، إيمانا منها بأن العقل هو ملكة إنسان محدودا لإدراك.
وهذه "العقلانية المؤمنة" - بعد إضافتها "الوحي" إلى "الكون" في مصادر المعرفة، تجعل سبل المعرفة أربع هدايات، هي: العقل، والنقل، والتجربة الحسية، والوجدان. فلا تقف بسبل المعرفة، فقط، عند العقل، والتجربة- كما صنعت عقلانية التنوير الغربي- الوضعية والمادية.
فعن أي عقل، وعن أية عقلانية يجري الحديث؟ عقلانية استبعاد "الشرع"، و: "لا سلطان على العقل إلا للعقل"؟ أم عقلانية المؤاخاة بين الشريعة والحكمة- بتعبير ابن رشد- تلك التي بلغ الغزالي القمة عندما ميزها وحددها، فقال: "إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول، وعرفوا أن من ظن وجوب الجمود على التقليد، واتباع الظواهر، ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر، وأن من تغلغل في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر، فميل أولئك إلى التفريط وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط.
فعن أي عقل.. وعن أية عقلانية نتحدث؟.. إن المطلوب أولا هو تحرير مضمون المصطلح حتى نعلم أن هذه العقلانية هي من مقاصد الفلسفات التي قامت على أنقاض الشرائع؟.. أم هي من المقاصد والمبادئ الكلية للشريعة الإسلامية؟!.
2 - ومثل ذلك حديث الدكتور نصر عن "الحرية" - باعتبارها المبدأ الكلي الثاني في مقاصد الشريعة - فليس هناك خلاف على "المبدأ" - بل كما سبقت الإشارة، فلقد أضاف الشيخ الطاهر بن عاشور إلى المقاصد الخمسة "مقصد الحرية" -.. لكن تظل الحاجة قائمة وماسة لتحرير مرادنا بمضمون ومفهوم "الحرية".
وإذا كانت الحرية هي نقيض "العبودية"، فلا بد من تحديد: حرية من؟.. وفي مواجهة العبودية لمن؟.. فالمؤمن يرى في ذل العبودية لله قمة الحرية، وهذه الحرية هي عكس ما يراه الماديون والوضعيون؟! والإنسانة المؤمنة لا ترى في حقوق الله في "العفة" قيودا تنتقص من حريتها، بينما غير المؤمنة ترى في "العفة" استعبادا، فترفع شعار الحرية الجنسية، قائلة - كما في بعض المجتمعات المعاصرة: "هذا جسدي.. أنا حرة فيه!".
وبينما يرى المؤمن في الشهوات والغرائز المحرمة قيودا على الحرية واستعبادا لعقله وروحه، يرى فيها غير المؤمن تحقيقا لألوان من الحريات الإنسانية، يقيم في سبيل الحصول عليها الأحزاب، ويفجر من أجلها الثورات؟!.
فالقضية ليست الاتفاق على تبني مصطلح "الحرية" ورفض مصطلح "العبودية"، وإنما هي- كما رأينا- قضية تحرير وتحديد مضامين المصطلحات، وذلك حتى لا نعيش في وهم "الأمة الواحدة" ذات "الثقافة الواحدة"، بينما نحن- في الحقيقة- "أمتان" و"ثقافتان"!.
والملاحظة الثانية: هي على قول الدكتور نصر: إن "العقل هو مركز المشروع الإسلامي"، والحق أن "العقل" - في المشروع الإسلامي- هو واحد من الهدايات الأربع، التي تمثل سبل المعرفة في الإسلام: العقل، والنقل، والتجربة، والوجدان، وهذا هو الذي يجعله عقلا مؤمنا، لأنه غير منفرد بتحصيل المعرفة، وإنما هو جزء من كل تتكون منه سبل المعرفة، في نظرية المعرفة الإسلامية.
أما مركز المشروع الإسلامي، فهو:
1 - التوحيد للذات الإلهية.. في الذات، والصفات، والخلق، والأفعال، والتدبير، والرعاية والعناية.
2 - والاستخلاف الإلهي للإنسان في استعمار الأرض.
فهذا هو التصور الإسلامي الجامع لفلسفة "المشروع الإسلامي" في العلاقة بين الله والعالم والإنسان، إله واحد، وعالم مخلوق لله، تحكمه وتسيره أسباب، هي الأخرى مخلوقة لمسبب الأسباب، وإنسان خليفة لله، قد سخرت له ظواهر العالم والطبيعة لتعينه على أداء أمانة الاستخلاف في عمران الأرض، وفق بنود عقد وعهد الاستخلاف، الأمر الذي يعطي كل مفاهيم المصطلحات- ومنها العقلانية، والحرية، والعدالة- خصوصيات إسلامية تميزها عن نظائرها في الفلسفات والأنساق الفكرية الأخرى.
هذا "مركز المشروع الإسلامي"، وجماع التصور الإسلامي، والعقل فيه واحد من الهدايات، وليس هو مركز المشروع!.
أقول هذا، وأنا من أكثر الذين خدموا فكر العقلانية الإسلامية - التراثي منه والمعاصر -.. حتى لقد صرت "متهما" من "النصوصيين - المقلدين" ومن "الظاهرية الجديدة" بآني "رائد التيار العقلاني" - وهو شرف لا أدعيه، و"اتهام" لا أنفيه -؟! لكن الحق أحق بأن يقال، وأجدر بالاتباع!.
والملاحظة الثالثة: هي على قول الدكتور نصر: "إن سنن التاريخ، هي السنن التي تمثل القوانين الكلية التي عبر عنها القرآن الكريم بـ "سنة الله" التي لن تجد لها تبديلا".
وأنا أتساءل: عندما يسمي القرآن الكريم السنن والقوانين بـ "سنن الله"، فلماذا نقول عنها: إنها "سنن التاريخ"؟!.
إنها، في القرآن، مضافة إلى "فاعلها"- سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا، سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ، فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا- فلماذا نضيفها إلى "التاريخ"؟، وهل فاعلها هو "التاريخ"، وليس "الله"؟!.
إن التاريخ هو "ظرفها ومحلها وسياقها"، وليس هو الفاعل لهذه السنن والقوانين.
وتلك مشكلة في "التعبير" - الذي قد لا يكون مقصودا - تثير قضية تسرب المفاهيم المادية والوضعية إلى "ثقافتنا المؤمنة"، وذلك من مثل مقولات: "المادة لا تفنى، ولا تستحدث"!.. و"المصريون القدماء أبدعوا التوحيد قبل الديانات"!- مع أن الإيمان يعلمنا أن الإنسانية قد بدأت بالنبوة والتوحيد.
إن الإنسان، في الرؤية الإسلامية، يصنع التاريخ، وفق سنن الله، ولو كانت السنن، التي لا تبديل لها، هي سنن التاريخ، لما كان بمقدور الإنسان صنع هذا التاريخ، لأنه سيكون عبدا لسنن التاريخ، التي لا يستطيع لها تبديلا ولا تحويلا.
والملاحظة الرابعة: هي على قول الدكتور نصر: "إنه لا خوف على عقائدنا وديننا من منهجيات العلوم الإنسانية المتطورة، وإنما الخوف من الجمود والتقليد اللذين يمثلان حصون الدفاع في المؤسسات التقليدية".
والرأي عندي - وأنا الذي قدمت عشرات الكتب في نقد الجمود والتقليد، والدعوة إلى الإحياء والتجديد - أن الخوف يجب أن يكون من شقي التقليد ولونيه ومصدريه:
أ - التقليد لتجارب سلفنا ومناهج قدمائنا، والجمود عليها، والوقوف عندها وحدها.
ب - والتقليد لتجارب الآخر الحضاري، ومناهج العلوم الإنسانية والتصورات الفلسفية، عند هذا الآخر، والجمود عليها، والوقوف عندها.
ونقطة البدء التي لا بد من الاتفاق عليها، أو جلاء الاختلاف فيها مع الحوار حولها هي:
1 - أننا أبناء حضارة متميزة- مع تحديد نطاق التميز، وسماته ومعالمه- أي نطاق ومعالم "الثوابت الحضارية الإسلامية"، الممثلة "للهوية"، التي تحفظ على الحضارة وحدتها وتواصل إسلاميتها عبر الزمان والمكان.
2 - وأن هذا التمييز الحضاري، هو معيار القبول والرفض من موروثنا الفكري، ومن المواريث الفكرية للحضارات الأخرى.
3 - وأن "التجديد" سنة وقانون أبدي- "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها". أن "الاجتهاد" فريضة أبدية، وهما - التجديد والاجتهاد - السبيل لتطوير النسق الفكري الإسلامي المتميز، من داخله، وأن هذا اللون من التجديد- التطور من داخل النسق- مخالف ومختلف عن الجمود على موروثنا والتقليد لسلفنا، ومخالف ومختلف عن "الحداثة"، التي تنكر "الثوابت"، والتي تقيم "قطيعة معرفية" مع الأصول والمنابع والمبادئ والجذور.
أي أن ما نسميه "المعاصرة"، ليس هو "الحداثة الغربية"، والتي إذا استعرناها وأضفناها إلى "أصالتنا"، كنا قد جمعنا الحسنيين، وأمسكنا بطرفي المجد، وبلغنا غاية المراد من رب العباد، وإنما "المعاصرة" هي "تفاعل مع عصرنا نحن"، وإذا كانت لنا "أصالة متميزة" - وهي كذلك - فإن "معاصرتنا" - أي تفاعلنا مع عصرنا- لا بد أن تكون متميزة كذلك.
ويزيد من أهمية هذه الملاحظة، ما حدده الدكتور نصر لأمتنا من مهام، أوجزها في عبارة "اللحاق بركب التقدم والمدنية".. وهو قول يثير تساؤلنا:
- هل مهمتنا - حقا - هي "اللحاق بالركب "؟!..
- أم أنها هي النهوض "لقيادة ركب متميز حضاريا؟".
إن اللحاق بالركب هو أمنية المهزوم نفسيا - اللحاق بركب المنتصر - أما نحن، فإننا نجادل ونماري في أن "الآخر" - المنتصر ماديا - هو "المتقدم"، بالمعنى الحقيقي والمتكامل والمتوازن "للتقدم".
فللتقدم مفاهيم متعددة، وللحضارات فيه مذاهب شتى، ومذهب الإسلام في التقدم، متميز عن "المذهب الباطني"- الذي يسعى إلى "فناء الخلق في الحق"- وعن "المذهب المادي والوضعي"- الذي "يضع الخلق على عرش الحق"- ومن ثم فإن مهمة المشروع الإسلامي ليست "اللحاق بالركب"، وإنما النهوض لقيادة ركب حضاري متميز، يجسد نموذجا حضاريا متميزا- يكون فيه الخلق خلفاء للحق.
وإذا كانت مأساتنا هي الفقر في "الإبداع"، والإفراط في "التقليد"، فإن "الإبداع" سيظل غائبا من حياتنا ما لم نتفق على أننا أصحاب نموذج حضاري متميز، وإلا فما الحاجة للاختراع والإبداع إذا كانت "البضاعة- النموذج" جاهزة، ومعلبة، ومعروضة من قبل الآخرين؟!.
والملاحظة الخامسة: - والأخيرة - هي حول دعوى الدكتور نصر حامد أبوزيد أن المبادئ الثلاثة- التي يقترحها لتكون مقاصد للشريعة - وهي: العقلانية.. والحرية.. والعدالة - هي - برأيه - "المبادئ الكلية".. بينما المبادئ الخمسة - التي حددها القدماء مقاصد للشريعة - والتي بلغت ستة عند الطاهر بن عاشور، وهي: الدين، والعقل، والنفس، والعرض، والمال، والحرية - هي - برأي الدكتور نصر - "مبادئ جزئية" - وليست "كلية" - وأنها يمكن أن تندرج تحت مبادئ الدكتور نصر.
والسؤال هو: هل هذا صحيح؟ أم أن العكس هو الصحيح؟!.
إننا إذا تأملنا المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، كما استنبطها وحددها الأصوليون - وإذا أعطاها عقلنا المعاصر أبعادها الحقيقة- وهي أبعاد مفتوحة الأبواب والميادين أمام الاجتهاد الإسلامي - فسنجد أنفسنا أمام منظومة جامعة لأركان ومقومات وضرورات "الاجتماع الإنساني"، تلك التي بدونها لا يستقيم "العمران البشري" على صراط الفطرة الإنسانية السوية.
* فالحفاظ على "النفس"، هو التعبير عن "الإنسان": حامل أمانة إقامة العمران، ومكانته السامية في العمران الإنساني.
* والحفاظ على "العقل"، هو التعبير عن جوهر إنسانية الإنسان، الذي تميز به عن سواه من المخلوقات، عندما انفرد "بالتكليف الاختياري"، الذي تأسست عليه "المسئولية، والحساب، والجزاء".
* والحفاظ على "الحرية" - وهو المقصد الذي أضافه الشيخ طاهر بن عاشور - هو المعبر عن الأمانة التي حملها الإنسان في الاستخلاف، بعدما أبت المخلوقات الأخرى حملها، وفي نطاقها وحدودها تتمثل المذهبية الإسلامية التي حددتها نظرية الخلافة والاستخلاف.
* والحفاظ على "العرض والنسب " هو التعبير عن قوام وأساس بناء "الأسرة" أولى لبنات الاجتماع في كيان الشعب والأمة.
* والحفاظ على "المال" هو التعبير عن قوام الرخاء الإنساني، والعدالة الاجتماعية، وزينة الحياة الدنيا بعمران الواقع المادي لهذه الحياة.
* والحفاظ على "الدين" هو التعبير عن ضبط كل مقومات العمران الإنساني بالضوابط الإلهية، التي تحفظ لهذا العمران - مع التطور والارتقاء - الروح الإلهية والصبغة الدينية التي تضمن "التواصل.. والوحدة" في "الهوية"، رغم "متغيرات الزمان والمكان"، وذلك على النحو الذي يجعل هذا العمران الإنساني: عمران "الإنسان: الخليفة لله"، وليس عمران "الإنسان المتمرد على مولاه"!..
.. تلك هي مكانة مقاصد الشريعة من قضية "العمران البشري".. وهي مكانة: المبادئ الكلية الحاكمة، والمقومات.. والضرورات.
وإذا كان التأمل - ببادي الرأي - ومن الكافة، فضلا عن أهل الاختصاص - يقول إن المبادئ الثلاثة، التي يقترحها الدكتور، نصر، هي موجودة بالفعل في الكليات الست التي حددها الأصوليون، فمن الذي يستوعب من؟! وأين الجديد، الذي أثمرته القراءة الجديدة للنصوص الدينية.
إن "العقلانية" - التي يقترحها الدكتور نصر - هي منهاج في النظر، مكانها الطبيعي في المبدأ الكلي - مقصد: "الحفاظ على العقل" - وكذلك "العدالة" - كمنهاج في حل المشكلة الاجتماعية - مندرجة في المبدأ الكلي - نقصد: "الحفاظ على المال" - و"الحرية": مقصد قائم بذاته - أضافه الشيخ الطاهر بن عاشور -.. فليس هناك - كما رأينا - "جديد" تضيفه القراءة "الجديدة" للدكتور نصر في هذا المجال، اللهم إلا إذا كان الجديد هو الحذف والاستبعاد، وليس الإضافة والاستيعاب!.
وإذا كان من غير المتصور أن يدعو الدكتور نصر إلى الحذف والاستبعاد لمبدأ "الحفاظ على النفس" - أي الإنسان والحياة - فإن النتيجة الوحيدة لهذه القراءة "الجديدة" والمقترحات "الجديدة" ستكون استبعاد مبدأي "الحفاظ على العرض" و"الحفاظ على الدين" من مقاصد الشريعة الإسلامية؟!.. وهي نتيجة أستبعد أن يسعى إلى تقريرها وتحقيقها الدكتور نصر حامد أبو زيد، بل وأعيذه من أن تكون هذه هي المقاصد الكلية لقراءته الجديدة للنصوص الدينية؟!.
ثم.. من الذي يقول إن مبدأ "الحفاظ على الدين" هو "مبدأ جزئي"، وليس من "المبادئ الكلية"؟!.. فأين تكون "الكلية" إذا لم تكن في "الإطلاق.. والخلود.. والشمول" الذي يختص به الدين.. والدين الإسلامي على وجه الخصوص؟!.
إن أغلب حواراتنا هي "ضحايا" بائسة للفوضى الشائعة في مضامين المصطلحات. وعلينا - كي يفهم كل منا الآخر، ولتحديد مناطق الاتفاق، ومناطق الاختلاف، ولتنظيم حوار موضوعي وجاد وبناء- أن بدأ بتحرير وتحديد مضامين ومفاهيم المصطلحات. والله أعلم.
محمد عمارة
بثينه عبدالعزيز
04-22-2009, 09:24 AM
رد د . نصر حامد ابو زيد على د . محمد عماره
=======================
نحو حوار عقلاني متكافيء: نعم لتحرير مضامين المصطلحات
سعدت أيما سعادة بالحوار الذي بدأه الدكتور محمد عمارة حول بعض المفاهيم والمصطلحات الأساسية التي استخدمتها في مقالتي عن "المقاصد الكلية للشريعة"، وقبل أن أدخل في حوار معه حول "تحرير مضامين المصطلحات "، أحب أن أبرز نقطة الاختلاف الأساسية التي أخشى أن تجعل من الحوار "حوار طرشان" حسب تعبيره.
نقطة الاختلاف الأساسية تكمن في حقيقة هذه "الازدواجية/ الثنائية" التي يفترض البعض وجودها بين تيارين فكريين يمثلان قطبي النهضة في تاريخ هذه الأمة قديما وحديثا، وانطلاقا من تصور وجود هذه الازدواجية الثنائية يحدث هذا الفصل/ الفجوة فى تصور خطاب كل تيار لخطاب التيار الآخر، إذ يتصور أصحاب "الحل الإسلامي " أن الخطاب الآخر يستبعد "الإسلام " بالضرورة استبعادا كليا من مفهوماته ومن مضامين مصطلحاته، ومن هنا منبع القول بأن هذا الخطاب الآخر "وافد" تماما، هكذا يقسم الدكتور عمارة الخطابات إلى خطاب "أهل الموروث " وخطاب "أهل الوافد"، مع أن هذه القسمة ليست صحيحة على الأقل فيما يتصل بخطاب الدكتور عمارة ولا فيما يتصل بخطابي كما ظهر في المقالة التي يناقشها.
لا أريد أن أطيل في مناقشة نقطة الاختلاف الأساسي تلك، ويكفي أن أشير إلى أنها هي المسئولة عن حالة "التوجس" وتوقع "سوء القصد" إذا تصدى للكتابة عن الإسلام والتراث الإسلامي باحث لا ينتمي بدرجة أو بأخرى إلى تيار " الحل الإسلامي ". كلنا نعيش واقعا تداخلت فيه على المستوى الثقافي والفكري عناصر الوافد والموروث وتفاعلت، بحيث يصبح الكلام عن "أهل الوافد"، و"أهل الموروث " هكذا على الإطلاق مسألة في حاجة إلى مراجعة، والدكتور عمارة نفسه يشكو من أنه صار "متهما" من "النصوصيين" المقلدين ومن "الظاهرية الجديدة" بأنه رائد الاتجاه العقلاني، وفي تقديري أن جزءا من هذا الاتهام نابع من أرضية هذه "الفجوة" التي يحرص البعض على تأكيد وجودها بين "الوافد" و"الموروث"، ويعلم الدكتور عمارة أن بعض الكتابات تعتمد على تصور وجود هذه الفجوة لكي تنفى "الفلسفة الإسلامية" قاطبة من تاريخ "الفكر الإسلامي"، وذلك على أساس أنها فكر تسربت إليه عناصر "وافدة" من التراث السابق على الإسلام، ولا أظن الدكتور عمارة يوافق على هذا الرأي، أو يحبذ مثل هذه الكتابات.
لو أمكننا حسم هذه القضية لأزلنا حالة "التوجس" ودخلنا في حوار حقيقي عقلاني، على أرض الندية والتكافؤ المغايرة لأرضية " الاستبعاد" الحالية على أساس "وافد" و"موروث".
عن المقاصد الكلية الثلاث "العقل- الحرية- العدل" التي اقترحتها في مقالتي يتساءل الدكتور عمارة عن "المضامين" المختبئة داخل كل مصطلح من هذه المصطلحات، والتساؤلات تنبع جميعا من "التوجس" وتصور "سوء القصد" النابعين من تلك الفجوة التي أشرت إليها في تصور الدكتور عمارة للوافد والموروث.
يتساءل الدكتور عمارة عن أى عقل وعن أي عقلانية نتحدث: عقلانية التنوير الغربي أم العقلانية المؤمنة؟! مع أن المقال شرح مفهوم "العقل " و"العقلانية" على أساس أن المقصود بهما "الحلم " الذي يمثل نقيضا للجهل المتمثل في السلوك الجاهلي والقيم الجاهلية التي جاء المشروع الإسلامي مناقضا لها، وهو مفهوم يبدأ من "ضبط " السلوك وفق قوانين "التعقل " و"التسامح "، لا وفق قوانين "العصبية"، لكن تساؤل الدكتور عمارة يتيح لنا الفرصة لمزيد من الشرح والتوضيح لأنه أثار مسالة القيمة المعرفية للعقل. يرى الدكتور عمارة أن "العقلانية المؤمنة" تجعل سبل المعرفة أربع هدايات، هي "العقل، والنقل، والتجربة الحسية، والوجدان " "فلا تقف فقط عند العقل والتجربة كما صنعت عقلانية التنوير الغربي: الوضعية والمادية"، وهو بذلك يجعل "العقل " إحدى وسائل المعرفة، بل ويبالغ إلى حد جعل "النقل " هو الذي يحكم "العقل " بعد أن يمون "النقل " مقروءا به. ومن الواضح فعلا أننا مع الدكتور عمارة إزاء مفهوم للعقل لا يكاد يتجاوز دلالته اللغوية قبل الإسلام، حيث هو "الإمساك " بالمعرفة والقبض عليها، كما يمسك "عقال " الدابة بها في مربطها فلا تنفلت وتكون سائبة، هذا المفهوم النابع من الدلالة اللغوية طوره علماء الكلام فميزوا بين "العقل الضروري " و"العقل النظري " على أساس أن الأول يمثل البديهيات المشتركة بين الناس جميعا، في حين أن الثاني هو النظر في الأدلة للوصول إلى المعرفة انتقالا من المعلوم إلى المجهول، وهذه الأدلة هي "المحسوسات والتجارب والنقل"، التي يجب أن تمر جميعها من خلال "العقل" لكي تتحول إلى معرفة. إن الأدلة وحدها لا تمثل معرفة دون عمليات التحليل والتصنيف والتجريد، التي يقوم بها العقل المفكر، العقل إذن ليس "العضو المادي " وليس " الجوهر المجرد" وليس " الغريزة والملكة اللطيفة "، بل هو "الفعالية" الذهنية التي تحول الأدلة- حسية كانت أم نقلية أم تجارب وجدانية- إلى معرفة تعمق بدورها هذه الفعالية وتمنحها مزيدا من الصقل والصفاء والحدة.
والنص الطويل الذي اقتبسه الدكتور عمارة من "الاقتصاد في الاعتقاد" لأبى حامد الغزالي لا تتضح دلالته إلا في سياق فكر الغزالي الأشعري المختلط بأبعاد إشراقية غنوصية " وافدة "، وكان الأولى بالدكتور عمارة أن يستشهد بمفهوم "المعتزلة"- والقاضى عبدالجبار بصفة خاصة- للعقل، وهو المفهوم الذي يمثل الأساس الكلامي لعقلانية ابن رشد التي يفتخر بها الدكتور عمارة ونحن معه تماما. إن مفهوم الغزالي للعقل يسجنه داخل حدود إجرائية هي إثبات صحة "النقل "، وبعدها (كما يقول في المستصفى من علم الأصول، الجزء الأول، ص 6) "ينتهي تصرف العقل، بل العقل يدل على صدق النبي ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من النبي بالقبول ما يقوله فى الله واليوم الآخر مما لا يستقل العقل بدركه ولا يقضي أيضا باستحالته، ولا أظن أن أحدا يجادل بأن عملية "فهم " النقل وتحليل مضمونه عملية لا تتم خارج فعالية العقل، إلا إذا زعم زاعم أن عمليات "التفسير" و"التأويل " نشاط لغوي لا علاقة له بفعالية العقل، وذلك زعم لا يتقبله عاقل فضلا عن باحث. وكما فعل الدكتور عمارة مع مصطلح "العقل " يفعل مع مصطلح "الحرية"، أي يناقشه من منطلق "التوجس " وتصور "سوء القصد"، فيتساءل: حرية من؟ وفي مواجهة العبودية لمن؟ ويدخل في مقارنات واستطرادات تقرن الحرية ب "الإباحية" و"الفوضى"، إن مفهوم "الحرية" في المشروع الإسلامي يبدأ من مناهضة مستوى عبودية الإنسان للإنسان على مستوى الامتلاك المادي ويعلو إلى آفاق تحرير الإنسان من وصاية أية قوة إلا أن يختار راضيا بملء إرادته الحرة دينه وعقيدته ونهج حياته.. الإسلام هو الدين الوحيد الذي أطلق للإنسان حرية اختياره و! يجعل وصاية لأحد على تلك الحرية، وهذا المفهوم الساطع في المشروع الإسلامي لا يستبعد- بداهة- كثيرا من "الضوابط " التي تنظم هذه الحرية حتى لا تتحول إلى فوضى، مسألة "الضوابط " هذه مسألة بديهية، سواء كانت اجتماعية أو فكرية أو سياسية أو دينية، لكن "الضوابط " تلك ليست أزلية وليست بمنأى عن التطور من عصر إلى عصر ومن مجتمع إلى مجتمع والتمييز بين "الثابت " و"المتغير" في القيم والحريات، فضلا عن المفاهيم وأنماط السلوك هو دائما محور "الاختلاف" بل و"الصراع" الذي يفجر الثورات ويحرك التاريخ. وهنا نأتي إلى المماحكة اللغوية التي أحدثها الدكتور عمارة بين قولنا: "سنن التاريخ" ورفضه لهذا التعبير مفضلا عليه "سنن الله" ولا يسعني هنا إلا أن أذكر الدكتور عمارة بمفهوم "الدهر" في التراث الإسلامي الذي يرى أنه لا يجوز للمسلم أن يسب الدهر لأن الدهر هو الله، فالقول بوجود قوانين وسنن تاريخية لا يعني إنكار الوجود الإلهى، نعوذ بالله من الخسران. هذا الخلاف اللغوي على أية حال يجسد مسألة "التوجس" وتصور "سوء القصد"، حتى على مستوى اللغة، وهو من ناحية أخرى يكشف أن كثيرا من أوجه الاختلاف ترجع إلى تمسك البعض بمخاصمة اللغة الفلسفية والعلمية لتوهم أنها لغة تتعارض مع اللغة الدينية أو تحاول أن تنفيها، والدكتور عمارة خير من يعلم أنه لا مشاحة في الاصطلاح أو العبارة إذا اتفقت المعاني والدلالات. ولكن من المماحكات اللغوية أيضا اعتراض الدكتور عمارة على عبارة "اللحاق بركب الحضارة" لأنه فهم منها "الالتحاق بالمشروع الغربي"، والاندماج فيه، مع أن الدكتور عمارة يعرف الفارق بين مفهوم "الحضارة" ومفهوم "الثقافة"، كما يعرف أن عبارة "الحضارة الغربية" تعكس مفهوما أيديولوجيا يرسخ المركزية الأوربية. والحقيقة أن "الحضارة" سياق إنساني متحرك ساهمت فيه كل المجموعات البشرية، وكل "الثقافات" بها هو جوهري وأصيل وإنساني فيها، والتمايز والخصوصية إنما تكون في "الثقافة" وليس في "الحضارة" خاصة مع تطور وسائل الاتصال وثورة المعلومات التي جعلت العالم "قرية صغيرة" بالفعل وليس على سبيل المجاز، ويعتمد الدكتور عمارة في تأويله لعبارة " اللحاق بركب الحضارة" على التحليل النفسي "الوافد والغربي " قائلا إنها عبارة تمثل "أمنية المهزوم نفسيا"، وأنا أوافق الدكتور عمارة على حالة الهزيمة الملموسة على جميع المستويات والأصعدة في وضعيتنا الراهنة كأمة وثقافة، وهي حالة لا تمكننا من المساهمة في إنتاج الحضارة والمشاركة في صنعها، وتجعلنا نكتفي بموقف المستهلك والتابع، إنها ليست حالة "نفسية" فردية، ولكنها وضع نتفق عليه جميعا، وتجاهله أو التهوين من شأنه يدخل الفكر في دائرة "أحلام اليقظة"، والأماني والرغائب التي مهما تكن عذوبتها تساهم في تكريس الأزمة وتأبيدها. وقبل أن أبين مفهوم الدكتور عمارة لمبدأ "العدل "- ثالث المبادئ الكلية التي اقترحتها- أتوقف عند اختلافنا حول "مركز" المشروع الإسلامي الذي وضعته في "العقل" بالمعنى المشروع، هنا وفي المقال السابق، بينما يحدده الدكتور عمارة في "التوحيد" بمعناه الشامل، وفي "الاستخلاف ". وفي تقديري أن التوحيد والاستخلاف لا يمثلان "مركز" المشروع الإسلامي، وذلك لسبب بسيط هو أنهما جوهر الرسالات السماوية كلها.
لم يتوقف الدكتور عمارة طويلا عند مصطلح "العدل" محررا لمضمونه كما توقف عند "العقل " و"الحرية" لكن وضعه لمفهوم "العدل " داخل مبدأ "الحفاظ على المال "- الذي اعتبره هو التعبير عن قوام الرخاء الإنساني والعدالة الاجتماعية- يجعلنا نستنبط أنه يقصر مفهوم "العدل " على دلالته الاقتصادية. وإذا كان هذا المفهوم الجزئي للعدل صحيحا- وهو ليس كذلك- فمن حق الدكتور عمارة أن يتساءل عن "الجدة" في القراءة التي نقترحها للمقاصد الكلية للشريعة، إن مفاهيم " العقل " و"الحرية" و"العدل "، مفاهيم كلية تتجاوز حدود المقاصد الجزئية التى صاغها الفقهاء، بمن فيهم الشيخ الطاهر بن عاشور ودلالة جزئيتها واضحة في شرح الدكتور عمارة لها. إن مبدأ "الحفاظ على العقل " لا يستوعب مفهوم العقلانية لأنه يرتبط باستنباط علة تحريم الخمر عند الفقهاء، في حين أن مفهوم "العقلانية" أوسع كثيرا من مفهوم "الوعي" المناقض لحالة "السكر"، وليس المقصود بمبدأ "العدل" ما فهمه الدكتور عمارة فأدرجه في "الحفاظ على المال"، ولم يجد لمبدأ "الحرية" مقابلا في المبادئ الخمسة، فاكتفى بالقول إن الشيخ الطاهر بن عاشور قد أضافه، رغم أنه يعلم أن مفهوم الطاهر بن عاشور للحرية يحتاج لكثير من الإضافات، وإذا كان الدكتور يتقبل اجتهاد الطاهر بن عاشور في الإضافة، فلماذا يتصور ان محاولة اجتهادي تقوم على الحذف والاستبعاد؟! هل المسألة هنا تكمن في الإضافة الكمية التي يعتبرها معيارا للإضافة متجاهلا سياق الاستيعاب "الكيفي "؟! أتمنى ألا تكون الأحكام مصدرها منبع آخر ليس هو "تحرير مضامين المصطلحات "، كان كان ذلك لا يمنع إطلاقا أن يستمر الحوار بالعقل وعلى أساس الندية والتكافؤ. وكما اتفقت مع الدكتور عمارة في أهمية "تحرير مضامين المصطلحات" وضرورته، أجدني أتفق معه كل الاتفاق في خاتمة مقالته بعد ان أضيف إليها ما هو موضوع بين قوسين كبيرين، نعم "إن أغلب حواراتنا هي ضحايا بائسة للفوضى الشائعة في مضامين المصطلحات "، (وللتوجس المتبادل والبدء من افتراض سوء القصد)، وعلينا كي يفهم كل منا الآخر، ولتحديد مناطق الاتفاق، ومناطق الاختلاف، ولتنظيم حوار موضوعي وجاد وبناء، أن نبدأ بتحرير وتحديد مضامين ومفاهيم المصطلحات (مع استبعاد تلك الثنائية الوهمية بين الوافد والموروث وما ينطوي فيها من إقصاء واستبعاد).
والله من وراء القصد..
نصر حامد أبو زيد
بثينه عبدالعزيز
04-22-2009, 04:46 PM
الرائعة بثينة
لا أقول سوى ما شاء الله تبارك الله
الله يحفظك
شعلة نشاط وعطاء بلا حدود
وليس هذا فحسب
عطاء بتميز ولك رسالة وهدف
أستطيع أن أسميك مثل العطاء الأعلى
:)
دعواتي لك بالتوفيق دائماً وأبداً
وجزاكِ الله كل خير
انس العزيز
سعادتي كبيره بعودتك لهذا البيت العامر .......
كل الشكر لرأيك الذي اعتز به كل الاعتزاز
وكل الاحترام والتقدير لتواصلك الدائم
جهاد المعاضيدي
04-23-2009, 12:41 AM
اختي الكريمة بثينة
هل اشكرك؟؟والله لا يكفي فالشكر قليل
كم نحن بحاجة الى اقلام كهذه تعيد توازن سفينة التاريخ العربي
محبتي وتقديري
بثينه عبدالعزيز
04-23-2009, 09:17 AM
اختي الكريمة بثينة
هل اشكرك؟؟والله لا يكفي فالشكر قليل
كم نحن بحاجة الى اقلام كهذه تعيد توازن سفينة التاريخ العربي
محبتي وتقديري
بل الشكر اخي جهاد لتواصلك وتشجيعك الذي اعتز به كل الاعتزاز
احترامي
بثينه عبدالعزيز
04-23-2009, 09:18 AM
لكي لا يخدعنا بعضهم: هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟
سيد القمني
معاوية بن أي سفيان وولده يزيد لم يمنعهما اسلامهما
من قتال آل بيت الرسول وجز رأس الحسين
الحجاج بن يوسف الثقفي اعدم من العراقيين مئة وعشرين ألفا واستباح نساء المسلمين
العباسيون قتلوا خمسين ألفا من أهل دمشق وجعلوا من المسجد الأموي إسطبلاً لخيولهم
هل كان ممكنا أن ترتج أجهزة الدولة كلها مستجيبة لاستغاثة مواطن يعاني القهر والظلم في بلاد المسلمين على يد المسلمين، في الإمبراطورية الإسلامية العظمى الغابرة، كما ارتجت وتحركت بعدّتها وجيوشها في القصة الأسطورية إستجابةً لصرخة امرأة مجهولة منكورة لا نعرف من هي، وهي تنادي الخليفة من على الحدود عندما اعتدى عليها بعض الروم... " وامعتصماه"؟!.
إن هذا النموذج من القص يريد أن يعلن مدى اهتمام الدولة جميعا بمواطنٍ فردٍ يعاني أزمة، وهو ما يستثير الخيال العربي المقموع ويدفعه إلى محاولة استعادة هذه الدولة الأبية التي كانت تردع الأعادي بكل فخر ومجد كما كانت تنشغل بالمواطن الفرد كل الانشغال، حتى بات عزيزا كريما مرهوب الجانب أينما كان. لكن بين القص الأسطوري وبين ما كان يحدث في الواقع مفارقات لا تلتئم أبدا، ولا تلتقي أبدا. والنماذج على ذلك أكثر من أن تحصيها مقالة كتلك، بل تحتاج إلى مجلدات من الكتب. لكن يكفينا هنا اليسير منها لنكتشف هل كانت ثقافة "وامعتصماه" أمرا حقيقيا فاعلا في الواقع أم أنها مجرد قصة لرفع الشعارات دون الفعل وليس أكثر، كالعادة العربية المعلومة! خاصة أن هذه الدولة العزيزة بمواطنها الكريم هي الدولة النموذج التي يطلبها اليوم المتأسلمون على كافة فصائلهم وأطيافهم، ويزينونها للناظرين بقصٍّ كهذا عادة ما يبدأ بمسئولية الخليفة الراشد وهو في يثرب عن دابة لو عثرت بالعراق.
وينتهي بالحفل البانورامي حول احتلال "عمّورية" انتقاما للفرد العربي الأبي حتى لو كان امرأة! مع علمنا بحال المرأة قياسا على الرجل في تراثنا.
لقد صرخت القبائل العربية في الجزيرة منذ فجر الخلافة "واسلاماه" تستغيث بالمسلمين لردع جيوش الدولة عن ذبحها وسبي حريمها وأطفالها لبيعهم في أسواق النخاسة، تلك القبائل التي تمسكت بحقها الذي أعطاه لها ربها بالقرآن في الشورى والمشاركة الفاعلة في العمل السياسي. فرفضت خلافة أبي بكر" الفلتة" بتعبير عمر بن الخطاب لأنها تمت بدون مشورتهم ولا ترشيح احد منهم ولا اخذ رأيهم، فامتنعوا عن أداء ضريبة المال للعاصمة تعبيرا عن موقفهم ، لكنهم عملوا برأي الإسلام فجمعوا الزكاة ووزعوها على فقرائهم في مضاربهم التزاما بهذا الركن الإسلامي بجوار صلاتهم وصيامهم وقيامهم بقية الأركان المطلوبة. فلم يعفها ذلك من جز الرقاب والحصد بالسيف. والصراع هنا لم يكن حول الإيمان والكفر، بل كان الشأن شان سياسة دنيوية لا علاقة لها بالدين.
ورغم الجميع فقد تواطأ السدنة مع السلطان ضد تلك القبائل ليؤسسوا في التاريخ المذهب السنّي الذي وجد فرصته في مكان سيادي بجوار الحاكم، فقام بتحويل الخلاف السياسي إلى خلاف ديني، واعتبر أن محاربة هؤلاء واجب ديني لأنهم قد كفروا وارتدوا عن الإسلام لا لشيء، إلا لأ،ن هكذا كان قرار الخليفة؛ ولأن هذا الخليفة كان "الصدّيق" صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصهره ووزيره الأول. فالبسوا الخليفة أولا ثوب القدسية ولو ضد منطق الإسلام الذي لا يقدس بشرا، ثم البسوا القرار قدسية الخليفة، ثم أصدروا قرارهم بتكفير هذه القبائل بتهمة الردة عن الإسلام لأنها حسب القرار البكري قد "فرّقت بين الصلاة وبين الزكاة"، وهو أمر فيه نظر من وجهة نظر الشرع لا تبيح قتالهم ولا قتلهم. لذلك تم تدعيم القرار بان تلك القبائل قد خرجت على رأي الجماعة وخالفته وهو اختراع آخر كان كفيلا بوصمها بالارتداد منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.
وهكذا، ومنذ فجر الخلافة جلس الفقيه في معية السلطان يصوغان لنا إسلامنا، إسلام يؤسلم ويكفّر حسب مدى التزام المواطن بالمذهب السيد الذي هو مذهب السدنة والسلطان وأولي الأمر، وطاعتهم أمر رباني وفرض سماوي. ومنذ خرجت جيوش أبي بكر تحارب تاركي الزكاة تحت اسم الدين والصواب الديني، أصبح معنى أن تخرج جيوش المسلمين لتحارب الكفار "غير حروب الفتوحات". إنها خارجة للقضاء على المعترضين أو المخالفين في الرأي السياسي الذي تتم إحالته إلى الدين، حتى يتم الذبح والحرق والسبي بإسم الدين وليس لخلاف سياسي.
ونظرة عجلى على تاريخ العرب المسلمين ستكتشف أن مقابل "وامعتصماه" الأسطورية، ألف "واسلاماه" كان جوابها مختلفا. وبلغ الأمر غاية وضوحه في زمن عثمان بن عفان الذي فتق بطن عمّار بن ياسر ضربا وركلا، وكسر أضلاع ابن مسعود حب رسول الله، ونفى أبا ذر إلى الربذة، فقتل المسلمون خليفتهم، وتم قتله بيد صحابة وأبناء صحابة. ومن بعدها خرجت الفرق الإسلامية تحارب بعضها بعضا وتكفّر بعضها بعضا، حتى مات حول جمل عائشة خمسة عشر ألف مسلم، ومن بعدهم مائة ألف وعشرة من المسلمين في صفّين، لا تعلم من فيهم من يمكن أن نصفه بالشهيد ومن فيهم من يمكن أن نصفه بالظالم المفتري!
أما عن زمن معاوية وولده يزيد فحدث ولا حرج عما جرى لآل بيت الرسول، وكيف تم جز رأس الحسين لترسل إلى العاصمة، وكيف تم غرس رأس زيد بن علي في رمح ثم غرسه بدوره فوق قبر جده رسول الله!. وإن ينسى المسلمون السنّة، فان بقية الفرق لا تنسى هذه الأحداث الجسام التي فرقت المسلمين فرقا وشيعا، كلها تمسحت بالدين وكان الشأن شأن سياسة ودنيا وسلطان.
وإن ينسى المسلمون أو يتناسوا فان التاريخ يقرع أسماعنا بجملة مسلم بن عقبة المري لتأديب مدينة رسول الله "يثرب" ومن فيها من الصحابة والتابعين بأمر الخليفة القرشي يزيد بن معاوية. فقتل من قتل في وقعة الحرة التي هي من كبرى مخازينا التاريخية، إذ استباح الجيش نساء المدينة أياما ثلاثة حبلت فيها ألف عذراء من سفاح واغتصاب علني وهن المسلمات الصحابيات وبنات الصحابة والصحابيات.
أما زياد بن أبيه، والي الأمويين على إقليم العراق، فقد شرّع القتل بالظن والشبهة حتى لو مات الأبرياء إخافة للمذنب، وشرّع قتل النساء. أما نائبه الصحابي "سمرة بن جندب" فان يديه قد تلوثتا فقط بدماء ثمانية آلاف من أهل العراق على الظن والشبهة، بل اتخذ تطبيق الحدود الإسلامية شكلا ساخرا يعبر عن تحكم القوة لا حكم الدين، كما في حال "المسود بن مخرمة" الذي ندد بشرب الخليفة للخمر، فأمر الخليفة بإقامة الحد إحقاقاً للشرع لكن على المسود بن مخرمة.
ثم لا تندهش لأفاعيل السلطة وشهوتها في التقوى والأتقياء. فهذا الملقب بـ"حمامة المسجد" عبد الملك بن مروان لكثرة مكوثه في المسجد وطول قراءاته للقران وتهجده ليل نهار، يأتيه خبر انه قد أصبح الخليفة فيغلق القران ويقول له: "هذا آخر العهد بك"، ثم يقف في الناس خطيبا فيقول:"والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا وإلا ضربت عنقه".
ولابد أن يجد الحجاج بن يوسف الثقفي هنا ولو إشارة؛ لأنه كان المشير على الخليفة؛ ولأنه من قام على إصدار النسخة الأخيرة من القرآن بعد أن عكف مع علماء الأمة على تصويب الإصدار العثماني وتشكيله وتنقيطه بإشراف شخصي دائم منه، ولم يثبت عليه حب الخمر أو اللهو. لكنه كان أيضا هو الرجل الذي ولغ في دماء المسلمين، وكانت مخالفته في أهون الشئون تعني قص الرقبة، فهو الذي قال:" والله لا آمر أحدا أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الذي يليه إلا ضربت عنقه". وهو أحد خمسة ذكرهم عمر بن عبد العزيز قبل خلافته في قوله: "الحجاج بالعراق والوليد بالشام وقرة بمصر وعثمان بالمدينة وخالد بمكة، اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا".
وقد سار الحجاج على سنّة سلفه زياد في إعدام النساء والقبض على أهل المطلوب حتى يسلم نفسه، ومنع التجمهر، وإنزال الجنود في بيوت الناس ووسط العائلات يلغون في الشرف كيفما شاءوا إذلالاً للناس وكسرا لإنسانيتهم، حتى انه أعدم من العراقيين في عشرين سنة هي مدة ولايته مائة وعشرين ألفا من الناس بقطع الرأس بالسيف أو الذبح من القفا أو الرقبة، دون أن نعرف من هم هؤلاء الناس ولماذا ذبحوا اللهم إلا على الاحتجاج على ضياع كرامة الإنسان، أو لمجرد الشبهة والظن.
وقد وجد هؤلاء السادة في الذبح والحرق لذة وسعادة، بل فكاهة دموية. ففي فتوح جرجان سال أهل مدينة طمسية قائد المسلمين سعيد بن العاص بن عم الخليفة القائم عثمان بن عفان الأمان، مقابل استسلامهم على ألا يقتل منهم رجلا واحدا، ووافق القائد سعيد ففتحوا له حصونهم فقرر الرجل أن يمزح ويلهو ويضحك، فقتلهم جميعا إلا رجل واحد!
وعندما وصل العباسيون إلى السلطة بدأوا حملة تطهير واسعة شملت من مواطني دمشق خمسين ألفا تم ذبحهم، وجعلوا من المسجد الأموي إسطبلاً لخيولهم. ولما استقام لهم الأمر استمروا على النهج الأموي في ظلم العباد وقهر آدمية الإنسان، وهو ما كان يدفع إلى ثورات، تنتهي بشي الثوار على نيران هادئة، أو بمواجهتهم للضواري في احتفالات رومانية الطابع.
وهكذا كان الإنسان سواء مواطنا عاديا كان، أم كان في جيوش السلطان، في مقتطفات سريعة موجزة مكثفة من تاريخنا السعيد وزماننا الذهبي الذي يريد الدكتور محمد عمارة استعادته، لماذا؟ يقول لنا تحت عنوان "مميزات الدولة الإسلامية"، إن الشريعة الإسلامية فيها "تفوقت على غيرها من كل الشرائع والحضارات والقوانين الدولية، في أنها جعلت القتال والحرب استثناء مكروها لا يلجا إليه المسلمون إلا للضرورة القصوى". لذلك يرى الدكتور عمارة: "أن الدولة الإسلامية لم تخرج عن هذا المنهاج السلمي، حتى تضمن الدولة للمؤمنين حرية العيش الآمن في الأوطان التي يعيشون فيها"- مقالاته الحروب الدينية والأديان السماوية 7،8".
لكن ماذا عند سيادة الدكتور ليقوله بشان تلك الجسام الجلل في تاريخ ما يسميه الدولة الإسلامية؟!.
هذه دولتهم الإسلامية التي يريدون استعادتها لإقامة الخلافة مرة أخرى لتحرير فلسطين والعراق وإعادة الإمبراطورية القوية مرة أخرى. لقد كان زمنا ذهبيا بكل المعاني الذهبية بالنسبة للسادة الفاتحين الغزاة الحاكمين وحواشيهم من سدنة الدين وتجار البشرية، لكنه كان زمانا تعسا بائسا دمويا بالنسبة للمحكومين المغزوين المفتوحين.
وإذا قيل هنا أن ذلك كان منطق ذلك العصر، فلا خلاف أبدا حول قول القائل. وإذا قيل انه لا يصح محاكمة ذلك الزمان بذوق زماننا الأخلاقي، أيضا ليس ثمة خلاف. لكن الخلاف ينشأ فور القول باستعادة هذا الشكل من الحكم والأنظمة بحسبانها الأمل والمرتجى. هنا لابد أن نحاكمها بذوق أيامنا، لنرى إن كانت هي الحلم المنشود والأمل المفقود، أم ستكون هي الختام لخير أمة أخرجت للأنام!
نقلا عن مجلة "روزاليوسف"
بثينه عبدالعزيز
04-24-2009, 10:35 AM
من فهمي هويدي إلي قرضاوي يا وطن إحزن
سيد القمني
الشيخ فهمي هويدي، الذي يستطيب وصف المفكر الإسلامي المستنير، انزعج أشد الانزعاج للخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن إفتاء الشيخ قرضاوي، المشهور بالمفكر الإسلامي المعتدل، في نقابة الصحافيين المصرية في 31/8/2004 بجواز قتل الأمريكيين في العراق دون تمييز بين عسكري ومدني. فكتب في أهرام 14/9/2004 مقالا بعنوان «إعلام الفتنة»، وهو مقال يستحق المناقشة في ضوء آراء كل من المستنير والمعتدل، خاصة مع إعطاء المستنير للمعتدل صفة فيها كثير من التجاوز على علماء الأمة ورموزها بدءاً من شيخ الأزهر وما يتلوه من درجات. إذ يقول: «إن الشيخ يوسف قرضاوي هو أهم مرجع ديني من أهل السنة في زماننا»، وهو ما يعني خلع الإمامة الدينية عن الأزهر ومنحها للإخوان المسلمين ممثلين في عضوهم المرجعي قرضاوي، وهو ما يعني أيضا تبعية المسلمين جميعا في مرجعيتهم الدينية إلى الإخوان، دون أن يقدم لنا الشيخ هويدي وثائق واضحة بهذا الاختيار من جانب المسلمين السنة لقرضاوي كأهم مرجع ديني في زماننا. بهذه الصيغة الإطلاقية في الوصف وإعطاء المناصب في صحيفة الأهرام القومية شبه الرسمية كما توصف.
ولم يكن انزعاج المستنير من الفتوى بقدر ما كان مما زعمه تزييفاً لفتوى المرجع السني الأعظم من قبل من أسماه «إعلام الفتنة». وبأسلوب تهكمي ينعي المستنير على هذا الإعلام ما أثاره من ضجة حول فتوى قرضاوي. والسبب أن الأمريكيين والغربيين هم من الدرجة الأولى الممتازة من تصنيفات البشر، وليسوا أفغانا أو عربا أو أفارقة، ولا تعلم علام يتهكم الشيخ هويدي؟ فلو حدث فرز فعلي وتصنيف للبشر من حيث درجة ارتقائهم فسيكون الغربيون من الدرجة الأولى الممتازة قطعا ودون حتى الحق في الامتعاض، ناهيك عن الحق في التهكم ولو أعطى هويدي في هذا الفرز صوته لغيرهم لكان مضللا مزيفا.
وإعلام الفتنة هو تلك الصحف التي نددت بموقف قرضاوي وركزت على أمرين: أولهما أن الرجل كشف عن حقيقة اعتداله الذي يدعيه وأظهر للجميع وجها متطرفا وتفكيرا إرهابيا. وثانيهما أن تيار الاعتدال أسطورة ووهم وأنه يكتم تطرفه ويخفيه وهو منطق أريد به تأكيد أن الناشطين المسلمين جميعا إرهابيون، وأنهم في حقيقتهم ما بين متطرف أسفر عن وجهه وكشف أوراقه ومتطرف آخر كان أكثر حذقا ومهارة فأخفى قناعاته وأظهر سمت الاعتدال. وفى هذا الكلام لون من المراوغة المعلومة لدى سادتنا السدنة والكهنة. فماذا يعني بكلمة «الناشطين» المسلمين؟ نحن نعلم ما هو الإسلام وكيف نمارس شعائره ونخلص له ونتعبد به، فهل كلنا ناشطون؟ أم يقصد الناشطين سياسيا؟
الواضح أن المقصود هنا هو الناشطين خارج إطار العبادات الذين يستخدمون الدين في غير أغراضه، وليس بيننا من يفعل ذلك سوى جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان وقرضاويها. وإذا كان هويدي يقف في نفس الخندق ناشطا مدافعا منافحا، فهو مع سمت الاستنارة يؤكد لنا الاعتدال، وأن بين هؤلاء الناشطين فروقاً بين الاعتدال والتطرف. رغم ما نراه من حال المسلمين الطيبين الذين يؤدون لله عباداته وللوطن حقوقه ويرعون قيم السماحة والإخوة الإنسانية، وإن أيا من هؤلاء لم يتحول إلى إرهابي إلا عندما «نشط» إسلاميا. المهم أن فضيلة الشيخ فهمي يؤكد حصوله على تسجيل لكلام قرضاوي وأنه لم يجد فيه تلك الفتوى لأن نص كلام الشيخ قرضاوي حسبما أورده الشيخ هويدي هو: «أن الأمريكيين الذين جاءوا إلى العراق غزاة، ومن ثم فكلهم محاربون وقتلهم واجب ولكن التمثيل بالجثث لا تقره أخلاق الإسلام، ودستور الحرب في الإسلام أخلاقي، وبمقتضى ذلك الدستور فينبغي ألا يقتل إلا من يقاتل، ومن ثم فكل من لا يحمل السلاح ليس لنا أن نقاتله». قرضاوي اعتبر «كل» أمريكي جاء للعراق هو محارب دون تصنيف ولا تفريق بين من جاء صحفيا أو جاء للإغاثة الإنسانية، «فكلهم محاربون وقتلهم واجب». لكنه في الوقت نفسه يثير ألف التباس عندما يعود فيقول «إن كل من لا يحمل السلاح ليس لنا أن نقاتله». لكن يبدو أنها رسالة ذات طرفين، طرف للقاعدة فرع بغداد ولكل المسلمين، وطرف ثان للعم سام. لكن قوله: «إن دستور الحرب في الإسلام أخلاقي» بحاجة لإعادة نظر. لأنه دستور كان يليق بزمان أحداثه وحروبه في وقت سمح بكل التجاوزات قياسا على أخلاق اليوم بعد تطورها أربعة عشر قرنا. فكان بالإمكان قتل الأسرى، وكان بالإمكان الاستيلاء على الأموال والبلاد، وكان بالإمكان خطف النساء سبايا وركوبهن اغتصابا، وكان بالإمكان استعباد الصبية والأطفال أيضا وهو كله مشروع في أخلاق دستورنا الحربي في زمن كانت هكذا أساليبه في الحرب، وفى بيئة قبلية بدوية كانت هكذا قيمها. ومن ثم لا يصبح قول قرضاوي فقط هو الذي يحتاج إعادة نظر، بل إن هذا الدستور الحربي هو ذاته بحاجة إلى إعادة نظر خاصة بعد سيل الذبائح البشرية للأسرى في العراق تحت راية الإسلام وهتاف الله أكبر، والذين يقف قرضاوى في خندقهم ويفتي لهم ويدافع عن فتواه المستنير المعتدل مولانا هويدي.
لكن ماذا عن إعلام الفتنة الذي أثار حنق هويدي وحفيظته؟ يقول لنا أن كاتبا كتب «أنه منذ أحداث سبتمبر 2001 والإسلاميون العرب يواصلون ترويع العالم بأحداث مشابهة».. دون أن نفهم شيئا. فهل هو معترض على تسمية الأحداث بأسمائها ونسبة الجرائم لأصحابها؟ أم هو معترض على تذكيرنا بها؟ أم هو معترض على أن الكاتب عربي مسلم - يجب عليه إخفاء عوراتنا وعدم فضحنا؟ ألا نكون بذلك كالأعمى بإرادته وسط عالم مبصر؟ وفتنة أخرى زعم مثيرها فيما كتب «أن الإرهاب مرض مزمن عند العرب»، فهل لدى السيد هويدي ما ينفي به أحداث الماضي وأحداث الحاضر لتكذيب الكاتب فيما كتب؟. إن تلك الأحداث لن تسعف الشيخ هويدي، ويصبح الكاتب صادقا، لكنه مزعج مثير للفتنة لأنه لا يتجمل بالكذب. وكاتب ثالث من إعلام الفتنة «رسم صورة بائسة للعربي المسلم بدا فيها غبيا متعصبا وعنصريا، حتى قلت إن أي كاره للعرب والمسلمين أو حاقد عليهم إذا ما أراد أن يعزز حملته ويقوي حجته فما عليه إلا أن يترجم هذا دون أي تعليق». المستنير يرى وجوب مخالفتنا للغرب حتى ولو زورا، حتى ولو لوينا عنق الحقيقة للكذب على الذات وعلى الناس، للتبرؤ من الكوارث التي نفعلها بأيدينا.
المستنير لا يرى أن الحق متفق عليه بين الجميع وأنه معلوم ولو أخفيناه تحت ألف قناع، فهل يرى المستنير مثلا فيما قامت به القاعدة وتقوم به غباء وتعصبا عنصريا؟! أم له رأي آخر؟ وإذا كان العالم كله يتابع ذبح البشر وهم يخورون كالخراف ونزع الرؤوس أمام الكاميرات وخطف المدنيين من جنسيات بلاد تساند قضايانا في تعصب غبي وعنصرية أكثر غباء، فما هو القول الصواب هنا غير الغباء والتعصب والعنصرية؟ ولماذا يصبح من يقول هذا مثيرا للفتنة؟ أم أن العيب في المرآة؟ وفى خلط أوراق معيب ومشين لشدة وضوحه يقول هويدي: «إن أي مسلم يرتكب حماقة أو جريمة في أي مكان بالكرة الأرضية ينسب فعله إلى المسلمين كافة حتى لو كانت دوافعه ليست لها علاقة بعقيدته. فالشيشانيون مثلا دوافعهم في صراعهم ضد الروس قومية بحتة وليست دينية، والذين قتلوا النيباليين البوذيين هم أنفسهم الذين قتلوا الأتراك المسلمين. ولا أحد يمكنه أن يدعي أنهم بذلك كانوا يسعون لإقامة الخلافة الإسلامية. فلماذا نتهم الهوية الدينية في كل جريمة يقترفها مسلم»؟! فأما عن قوله: «فأي مسلم يرتكب حماقة أو جريمة في أي مكان بالكرة الأرضية ينسب فعله إلى المسلمين». أتساءل: إذن لمن ننسبه؟ وإذا كانت دوافع الشيشان ليست سوى قومية فلماذا يؤيد المسلمون تحديدا الشيشان من المشارق إلى المغارب؟ ولماذا يوجد مسلمون غير شيشانيين في قيادات الشيشان العليا؟ ولماذا يقوم الشيشان بعمليات انتحارية؟ ألا يعود ذلك إلى الثقافة التي يستندون إليها؟ مثلهم فى ذلك مثلما يفعل المسلمون المتطرفون فى كافة المعمورة! ثم لماذا لم نسمع ضجيجا واحتجاجا على قتل النيباليين بين المسلمين؟! هل لأنهم بوذيون؟ أما مسألة إقامة الخلافة فهو قول مجاهديك يا شيخ هويدي لا قول غيرهم، فلماذا التلبيس على الناس؟ كما أن لا أحد يتهم المسلم عندما يرتكب جريمة بأنه مسلم ولا أحد يتهم المسلمين به، فللجرائم عقوبات قانونية تطبق عليه كما تطبق على غيره من غير المسلمين، لكن التهمة تنشأ فورا عندما يقف أصحابها تحت رايات الدين ورموزه وآيات قرآنه، وعندما يقتلون وفق ثقافة عنصرية طائفية ويعلنون ذلك ويؤكدون أن فعلهم بغرض تأييد الدين.
هنا لا يكون التعميم مخلا، ويصبح المطلوب هو إعادة النظر فى هذه الثقافة وطرحها للمناقشة الحرة وليس التستر عليها كما يريدنا هويدي أن نفعل. ثم يضع الشيخ فهمي يده على سر الفتنة ومصدرها فى قوله: «ثمة قواسم مشتركة فى خطاب إعلام الفتنة منها مثلا أنه ينهل من مربع فكري وسياسي واحد تقريبا، تقف رموزه على أرضية التطرف العلماني الذي تجاوز فكرة الفصل بين الدين والدولة، وراح يضرب بقوة فى ركائز الانتماء العربي والإسلامي ويتبنى دعوة صريحة إلى التغريب الذي بات منحدرا مؤديا فى النهاية إلى الارتماء فى الأحضان الأمريكية والإسرائيلية». وبغض النظر عن الاتهام التحريضي الأخير الذي يحتاج أدلة عالية الجودة قبل إرساله كلاما فى الهواء، فإن القواسم المشتركة للعلمانيين هي الحريات الفردانية وحقوق الإنسان والديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، وهي كلها قواسم راقية المسمى كما هي راقية المعنى كما هي راقية الأهداف، كما هي نظيفة من الطائفية والعنصرية والإرهاب والدموية، أما القواسم المشتركة فى خطاب الإرهاب فهي بدورها واحدة فاشية عنصرية طائفية دموية ضد الحريات الفردية وضد حقوق الإنسان، وهو لسوء الحظ الخطاب الأكثر انتشارا فى الفكر الإسلامي من الإرهابي إلى المعتدل إلى المستنير. ويذكرنا الشيخ فهمي «أن أحدا لم يتحدث عن الإرهاب الأرثوذكسي حين قام الصرب بمذابحهم ضد البوسنيين المسلمين.. ولا يجرؤ أحد على أن يصف الجرائم الإسرائيلية الوحشية التي ترتكب فى الأراضي المحتلة بأنها من تجليات الإرهاب اليهودي». والشق الأول من هذه الفقرة يتجنى على حقيقة ما حدث، لأن أهل الغرب الذي نراه مسيحيا هم من كشف ما يجرى فى البوسنة، وهم من قاموا برد العدوان عنهم، وهم من يحاكمون الآن قادتهم، بينما لم نحسن نحن سوى العويل. أما الشق الثاني فهو يشير إلى اعتراف داخلي بالإرهاب، وأن هناك منافسة بين المسلمين واليهود فى هذا الميدان العريق عندهما، أو هو اعتراف بصهيونية إسلامية إزاء صهيونية يهودية، وهو ما لا نقبل به كمسلمين غير ناشطين، نحب الله والرسول والوطن ولا ننتمي لجماعات ناشطة كالإخوان تضع شعارها «سيفان بينهما عبارة «وأعدوا»، لأننا نحب الزهور واخضرار الحقول بالعمل والعرق للإعداد أكثر من السيوف. ونعتقد أن الإنتاج والتنمية والتقدم هي الوسيلة للإنجاز الحضاري، لأن المعركة اليوم ليست معركة سيوف ولا مدافع فقط، إنما هي فى المقام الأول معركة وجود حضاري. الأهم فى كل ما حدث هو أن قرضاوي بعد عودته إلى قطر سارع بعقد مؤتمر صحفي أنكر فيه فتواه الأولى، وأن ما حدث كان لونا من الالتباس فى ضبط تعريف اصطلاح «مدني» وطالب بضبطه حتى لا يحدث التباس بشأنه. ومن ثم فقد تراجع مولانا عن فتواه بقتل المدنيين الأمريكان أو الغربيين، وهو فيما يبدو ما هز مكانته ومكانه عند الإرهابيين، فعاد فى برنامج الشريعة والحياة بقناة الجزيرة يوم 20/9/2004 لكن ليسمح بقتل المدنيين الأسرى من غير الأمريكان لأنهم يعاونون الاحتلال، إذا كانوا سائقي شاحنات أو بائعين لسلع مطلوبة، أو فنيين متخصصين فى بعض الأعمال. وقد شرع قرضاوي قتل المخطوفين المدنيين لسببين: أولهما: أنهم يعاونون المحتل، وثانيهما: أنهم تتم محاكمتهم قبل ذبحهم. وهكذا أصدر قرضاوي فتواه بناء على حيثيات بأن هؤلاء يعاونون المحتل، دون أي وثائق إدانة بيديه حتى يضع هذه الحيثية مبررا لقتلهم، ودون أن يقول لنا من كان القاضي ومن كان الجلاد، ومن كانوا الشهود وما هي الأدلة، وما هو النص القانوني المعول عليه ومن هو واضعه، وهل القضاة عدول يستحقون مناصبهم.. الخ. وإذا كانت معاونة المحتل من مدني تستوجب جز عنقه، فلاشك أن هذا سينطبق بالتالي على كل المسلمين الذين يعيشون فى أمريكا وإنجلترا وبقية دول التحالف، ويعملون وفق نظامهم ويقدمون هناك أجل الخدمات، وهو ما لا يقبل به عاقل رشيد. والآن ترى ماذا سيقول هويدي بعد العودة الزئبقية لقرضاوي إلى مربع الإرهاب الدموي علنا من قناة الجزيرة؟ وهل سيظل المرجع الديني الأهم للسنة فى زماننا؟! وهل العلاقة بين فتاوى قرضاوي وبين فقه الإخوان الدموي وبين المرجعية الدينية الوهابية وبين دفاع الشيخ هويدي الحار لا تفسح المكان لتأكيد قول هويدي إن الرجل كشف حقيقة اعتداله وأن الجميع داخل نفس الجبة؟!
نقلا عن مجلة روزاليوسف المصرية
بثينه عبدالعزيز
04-24-2009, 10:36 AM
رغم أنه اختصاصي الا أني لم أجد ثغرة تستوجب الوقوف والمناقشة في بحثك هذا
ولا تنسي فقرة مهمة في التاريخ هي دسائس المستشرقين
لقد وضعوا السم مع العسل
ولليهود ايضاً دور كبير في التحريف
وربما نعود لبحثك القيم هذا
لك محبتي
اينما وجدت مصيبه على تلك الارض ستجد للصهيونيه يد فيها
ولك الاحترام
بثينه عبدالعزيز
04-24-2009, 10:39 AM
ماذا حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين / سيد القمني
الملجمون في الأرض
تعالوا نتذكر ما سبق وأكدنا عليه في أعداد هذه المجلة حول ما حدث لدين المسلمين على يد فقهاء السلاطين، بعد أن كان مفتوحا على الواقع المتغير وعلى السماء إبان تواجد صاحب الدعوة، وكيف أن السماء قد تجاوبت مع الأرض وتتبعت أحداثها المتغيرة بمتغيرات مشابهة في النص القرآني، تلائم الجديد وتتفاعل في نسخ وإبدال وإنساء ومحو وقراءات متعددة بأحرف سبعة أو أكثر . لكن مع موت النبي ونشوء طوارئ جديدة ، كان سببها تشبث أبي بكر بالخلافة في ظل معارضة الذين منعوا الزكاة والآخرين الذين ارتدوا، فقد ارتبط الإسلام بالخليفة وتم تحويل الإسلام إلى مبرر للسلطان وقرارته، ومن بعده أصبح الدين ورجاله في خدمة السلاطين على اختلافهم، واستبعد المسلمون من طرح فهمهم لدينهم في ضوء المتغيرات، وتم ربط الفهم للدين بمعارضة السلطة أو موافقتها
وتوافقت السلطات الدينية والدنيوية على احتكار فهم نصوص الدين وتكفير وتبديع ومطاردة وتصفية أي فهم مختلف معارض. حتى كرس الخليفة الثالث عثمان الربط القانوني الشرعي الوحيد للنص بالسلطة وتفسيرها للنص، وتم قصر فهم كلام الله على فرقة وحيدة هي حليفة الحاكم، ومن ثم أصبح الفهم ليس شأنا إنسانيا متفاوتا بين الأفراد حسب ثقافاتهم، وإنما أصبح شأن السلطة والحكومة : لذلك تم التنكيل عبر التاريخ بكافة الفرق التي حاولت إنتاج فهمها الخاص لدينها، وتم اعتبارها مارقة على الدين والوطن معا لمعارضتها الفهم الوحيد الرسمي، ومن ثم تحول الإسلام عن فضاء مفتوح مطبوع بطابع بيئته الصحراوية والمفتوحة، إلى حرز مغلق ملزم للجميع وفق المفهوم المحدد رسميا، بل وتم وضع شروط لأي مجتهد تجعله في البدء ملتزما بفهم حلف الفقيه (السلطان) للنص، أو يدور في فلك هذا الفهم وحده في مسائل جزئية محكومة بالأصل، وهكذا، ومن فجره تمت سرقة إسلامنا منا ،لينغلق على فهم 1400 عام مضت أقصى عنه الرأي المختلف عما فهمته السلطة الرسمية الصحابية في فجرها، بتقديس أسلاف بعينهم تم وضعهم في رتبة تجعل من تصرفاتهم ومواقفهم - حتى لو عارضت الإسلام البكر - مقدسات للمسلمين حتى الأبد، مع تقديس شخوص أصحاب هذه القرارات حتى تتقدس قراراتهم ليصبحوا بعددهم وعدتهم أسيادا للمسلمين كما الرب سيدا، رغم أن رب الإسلام لم يمنح أحدا حق هذه السيادة المطلقة إلا لنبيه وحده، وفي بعض الحالات يمكنك أن تكتشف أن النبي نفسه لم يحز هذه السيادة والإطلاقية التي منحها الفهم الرسمي لنفسه ولسلطته ورجاله وسلفه الصالح .
وهكذا دعم رجل الدين المحترف مركزه المرموق والسلطوي العظيم بالدين، وشكل أبشع شكل انتهازي في التاريخ لدين المسلمين، لكنه في نقس الوقت تمكن من أن يجلس أمام المسلمين في مقعد نبي المسلمين الخالي بوفاته، ليعظ ويفتي ويحكم وينفذ أحكامه، حتى بات مترسبا في أذهان المسلمين بشكل لا واع أن هؤلاء المحترفين هم القادرون وحدهم على التواصل مع دين تباعد عن مفاعيل الزمان المتطور، وأصبح طلاسم غامضة، وللغوص فيه مختصون مدربون مهرة لهم باع تخصصي، من نوع يضفي عليهم القداسة، وليس مطلوبا من المسلم العادي مثل هذا الغوص الخطر، وأصبح وجود رجل الدين في الإسلام ضرورة، وهو الدين الوحيد الذي لم ينص لا معنى ولا مبني على شيء اسمه رجل الدين . وما تباعد الدين عن فهم الناس إلا لأنه مغلق على معنى واحد، ولأن هذا الفهم قد تمت سياجته بشروط تعجيزية وإضافات وحشو من قواعد فقهيه وحديث وتفاسير وتفاسير للتفاسير، جعلت من دين المسلمين أكبر دين في العالم من حيث مساحته الثقافية وجداول شروط التعامل معه، حتى بات الأصعب في التعامل معه بين الأديان رغم أنه في بكارته كان هو الأبسط بين كل الأديان .
منذ برز الغزالي (أبو حامد / حجة الإسلام) وألجم العوام عن علم الكلام (حسب عنوان كتابه الأشهر) تمت فلسفة استبعاد المسلمين عن التحدث في شئون الدين، وتم قصر الإفتاء على المؤهلين له، ليفتوا للملجمين في الأرض في كل حركة أو إشارة أو سكنة، وجعل المحترفون أنفسهم هم أهل الذكر المقصودين بالأيات "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" رغم أن المقصود بها في بكارة الوحي هو سؤال أهل الكتاب للتيقن من صدق الوحي الإسلامي . مع ختم الفم بالشمع الأحمر التاريخي بتحبيذ اتباع أوامر الأيات القائلة : "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" "101 / المائدة" .
أسس الأكليروس الحصين حلف السلطان لتحبيذ عدم السؤال وعدم المعرفة وتأكيد مستمر على قصور عقولنا، لأن الله خلق لها سبل معرفة محدودة محددة هي أن نسأل أهل الذكر ونأخذ بإجاباتهم، كما كان واجبهم قبلنا أن يسألوا سابقيهم ليأخذوا إجاباتهم، وهكذا كان النقل، فالنقل حتى نصل إلى القرن السابع عند الحلف السلطاني الأول .
لقد تم من البدء التأكيد على حرمة السؤال خارج المسموح به من لطافات الفتاوي اللذائذية الغرائبية وأغلبها الغرائزية، وعدا المسموح لا أحد يسأل نفسه ليبحث بنفسه عن جواب، لأن هذا البحث سيؤدي لاستخدام العقل الذي هو ميزة الإنسان عن الوحوش والبهائم، واستخدام العقل سيجر إلى التفكير المنطقي، والتفكير المنطقي سيسقط الخرافة ويتحداها،وهي إحدى أهم أدوات الرأي السلطاني، لذلك كان القرار هو تحريم السؤال .
لقد تم من البدء تكفير أي ابتداع جديد، بل أصبح الابتداع الذي تسعى إليه البشرية في كل مكان، وصمة عار تلحق بالعبد الصالح إن حاوله، لأن كل بدعة ضلالة، بتجريم صارم واضح مباشر لكل إبداع، ورغم أن المقصود بهذا الحديث إن كان صحيحا هو الابتداع في شئون التعبد وحدها، فإن سادتنا وسعوا المعنى بقدر اتساع ذممهم . ليضربوا لنا الأمثلة من تاريخ الدعوة وكيف ضرب النبي في صدر البدوي الشاك فزال شكه، وكيف خضع الغزالي لشروط الإيمان بعد الشك فقذف الله في صدره بنور الإيمان : كتابه (المنقذ من الضلال) . بل إن النبي نفسه عندما كانت توجه له الأسئلة طلبا للمعرفة، فإنه ما كان يجيب من نفسه إنما ينتظر إجابة السماء، في أسئلة حول بسائط المعلومات كالأهلة واليتامى والأنفال وذي القرنين .. إلخ، ومن ثم تم وضع المسلم في مأزق الحصول على المعرفة وهو ليس بنبي، ليقيم المحترفون من سدنة الدين أنفسهم مكان نبي المسلمين، وسطاء بين البشر والسماء يجيبون لهم بأسئلة هي الصواب المطلق الذي لا يأتيه الباطل . رغم علم سادتنا هؤلاء أن ذلك يعني نقصا رئيسيا في الإسلام، وأنهم جاءوا ليكملوا هذا النقص كلما اتسع، وهو ما يعني أيضا أن النبي قد قصر في إبلاغ كامل دعوته لأمته ليعطي المجال للسدنة من بعده ليقوموا بوظيفة الإكمال المستمرة عبر التاريخ، دون أن يتحقق هذا الاكتمال يوما، بدليل ما يضيفونه كل يوم، رغم تأكيدهم للآيات "وما فرطنا في الكتاب من شيء" لكنها هي الآيات نفسها التي يستخدمونها لدعم سيادتهم، لأن الآية تؤكد المصدر السماوي للمعرفة الذي لا يطاله المسلم العادي إلا عبر المتخصص الدعوي .. ولمزيد من تأكيد أن المعرفة ليست خارج الإسلام أبدا يتم تأكيد تفسيرهم للآيات "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" "3 / المائدة" وأن هذه النعمة التامة تتضمن كل جواب على أي سؤال . أي أن أكتمال الرسالة يعني اكتمال معارف البشرية بتمامها وليس بإمكاننا أي إضافة جديدة أو بذل أي جهد جديد خارج هذه المعرفة المكتملة .
وكي يتمكن حلف الكاهن والسلطان من الحصول على أعظم نصيب ممكن من النعم، جعلوا المسلم في رؤيته المستقبلية لا يرى مستقبل حياته في أرضه وكيف ليكون أفضل، بل يقفزون به إلى مستقبل أبعد هو الحياة الأخرى لأن الحياة الدنيا هي متاع الغرور وهي إلى الفناء، بينما الباقيات الصالحات خير عند ربك وأبقى .
ومن ثم تم صرف الناس عن متاع الدنيا الذي هو جزء من التفاعل معها، وتطويرها لمزيد من الرفاه والسعادة، إلى متاع الآخرة حيث يسكرون وينزون على الحور العين ويعيشون لذة الخلد الكسول أبدا الدهر، تاركين الآثام للحلف السيادي يستمتع في قصوره بالشراب والجواري الحسان، بينما كان أهل الدين يجلدون الناس في الشارع على شرب الخمر ويرجمون الزناة، ليس فقط لجرهم إلى الجنة بالسلاسل، ولكن لصرف العامة عن نعم وبلهنية، تكفي بالكاد حلفاء السلطان في عيشتهم الراضية التي تطلب دوما المزيد ؟
وبسبيل تأكيد وتركيز الثروة كان يتم نزح ثروات المواطن والبلاد الإسلامية الخاضعة والإفراط في الجباية، وهو مبدأ لازال يسري حتى اليوم منعا لحدوث مساحات تقارب أو مساواة، لأن المساواة هي العدو الأكبر لحلف السلطان الديكتاتوري، لأنها تؤدي إلى تسامح المتساوين مع بعضهم البعض، ومن ثم ينبذ المجتمع التعصب، لهذا يصر تاريخنا السلطاني على عدم السماح بتسرب السماحة إلى المجتمع، بوضع نظرية المؤامرة الكونية الكبرى التاريخية ضد الإسلام، منذ ابن سبأ الذي أشعل الفتنة الكبرى وحتى اليوم . وهي المؤامرة التي لابد أن تفرض على العامة الانصياع للحلف السلطوي، لأنه حامي حمى الدين والديار من العدوان الخارجي ومن المؤامرة، ليصبح صحيح الإخلاص للأمة والدين هو إخراس أي صوت يعلو فوق صوت معركة دائمة، يخوضها المسلمون دفاعا عن أنفسهم ضد المؤامرة العالمية التاريخية الصهيونية الصليبية الإستشراقية العلمانية الشيطانية، وعلى كل الأغنام أن تقف وراء كلاب الحراسة التاريخية مطيعة منقادة .
ومنعا لحل أي مشاكل يجعلون طوارئ بلادنا الأمنية دائمة مستمرة، حتى لو سالمتنا الدنيا كلها، لأن هذا السلام سينهي فكرة المؤامرة ويسقطها مع توابعها تسلسليا حتى الحلف الكبير الذي لابد أن يهتز بدوره وينهار، من هنا وضع مشايخنا في إسلامنا عقيدة جديدة تؤجج الصراع الدائم بين المسلمين وغير المسلمين في الدنيا كلها، هي عقيدة الولاء والبراء التي تمسح السماحة مسحا ليستمر الصراع ، الذي يحتاج إلى تأجيج التعصب باستمرار بدلا من السماحة بين المسلمين، لأن السماحة تنهي الصراع ولا تحتاج لمتعصبين يحمون العقيدة، تنهي دور هذا الحلف المقيت . يؤججون الصراع والتعصب كل يوم في كل مكان بأشرطة الكراهية التي حولت وسائل المواصلات في بلادنا إلى وسائل دعوة متنقلة، بإعلامنا بتعليمنا بقيمنا، فنذبح الوطن لأن مسيحيا حول غرفة في منزله إلى كنيسة، أو لأن كاتبا او فنانا أو سياسيا أهان نبي الإسلام في بلاد ما وراء بحر الظلمات، ليظل الإسلام دوما بحاجة لوجود سدنته، وحتى ينسى الناس أن الدين في حماية صاحبه وأنهم ليسوا أكثر قدرة منه لأنه هو الله، وأنهم ودينهم هم من في حمايته وليس العكس .
ويا حزن القلب على وطن لا شبيه له في عمقه التاريخي والعلمي تخرج قياداته اليوم من النخبة المتعلمة في نقابات محامين أو مهندسين أو أطباء أو نوادي هيئات تدريس الجامعة لينادوا بضرورة قفزنا إلى المستقبل خلاصا من الذلة والهوان ولكن بالعكس، قفزا إلى الماضي، كما لو كانت مصيبة تخلفنا الحالي لم ترض كامل رغبتهم ليأخذونا إلى مزيد من التخلف والأنهيار.
إن السدنة بعد سقوط الخلافة وما تبعها من حركات استعمارية واستقلالية انقسموا إلى فريقين، فريق قرر استمرار العمل ضمن السلطة الرسمية لينعم إلى جوارها بنعيمها، وفريق ثان قرر العمل تحت الأرض أي مع الناس، لأنهم كلهم تحت الأرض، مستغلا نفوذه التاريخي على أرواحهم من أجل تثويرهم أو دفعهم ولو بالقتل نحو الحكم الثيوقراطي ليحكموا بأنفسهم مباشرة دون حاجة لوجة مدني كان قناعا ليس اكثر، مع تحالف تحتي بين الفريقين يدعمان بعضهما باستمرار .
ترى ما هو شكل خريطة واقعنا الثقافي الفلسفي الذي قدمته لنا الدكتورة ( منى أبو سنة ) وهي تجيب عن سؤال "لماذا يغيب التنوير في البلاد العربية" في صفحات العدد قبل السابق من هذه المجلة ؟ وحدثتنا عما قال الفلاسفة مؤسسا على الفلسفة الكانطية من أجل تنويرنا . لتنوير العقل فلسفيا بعد أن تم سلبه ملكة الفهم نفسها قسريا، فلم يعد اللانضج اختياريا كما قدمت لنا عبر كانط إنما هو لا نضج قسري قهري .
إن التنوير الفلسفي الذي يستهدف المستقبل يحتاج سادتي الفلاسفة (وأنا بالمناسبة من أهلها المتخصصين) إلى رؤية مستقبلية تحدد ما هو المستقبل المطلوب وتعرفه عن يقين، ويقيننا سادتي الفلاسفة أن مستقبلنا يتم بالتزام أوامر الدين ونواهيه كما تم وضعها لنا، حتى نتأكد من حجز المكان الأفضل في جنات الخلد، وهو ما يعني أن المستقبلية عندنا بالعكس يا سادة، المستقبلية عندنا في الماضي، لأن أزمنتنا تختلف عن أزمنتكم .
سيدتي الدكتورة تحيطنا علما نافعا بما وضع كانط من تشخيص لمعضلة التنوير، وكيف أن "اللانضج المعيق للتنوير يعود إلى نقص العزيمة والجسارة في إعمال الفهم من غير معونة آخرين فيما لديه من نصوص" . المشكلة سادتي الفلاسفة عندنا أن "نقص المعرفة وتقييد عمل الفكرة، وقتل الفهم"، هو قواعد إيمانية كبيرة ليست شيما تحتاج للجسارة عليها، فهي بالعكس تماما، فقد طلب الغزالي حجة الإسلام تلجيمنا عن الكلام باللجام كالحيوانات الملجمة، ويحدثنا – نور الله قبره- قائلا : "إن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق، عليه التقديس والتصديق والاعتراف بالعجز عن فهم كنه ما لم يفهم، والكف عن البحث في باطنه، مع التسليم بما يقوله أهل العلم (يقصد بالدين) في هذه الأمور" .
وهو ما يعني أن جماهير المسلمين قد حكم عليهم نظامهم الديني بالغباء وعدم القدرة على الفهم والتعلم، لذلك وجب عليهم التسليم للمشايخ، فهم أهل الخبرة الفنية في التعامل مع هذا الدين .
إن سادتي الفلاسفة لا يرون أننا في مرحلة سابقة على ما احتسبه كانط مسلمة موضوعية هي "إعمال الفهم" كملكة هي الأشد عدلا في تقسيمها بين الناس، كما قال ديكارت، ومع ذلك فإن هذه الملكة عادلة التقسيم لا وجود لها عندنا أصلاً، نحن في مرحلة أسبق من مرحلة الفهم !! كانط ينصحنا مأجورا مشكورا على لسان الدكتورة منى بالخروج على حالة اللانضج الاختياري، بينما الدكتورة لاشك تعلم أن ما لدينا هو حالة لانضح معتقة معنعنة نقلية متوارثة، حالة استنكار للفهم وإعماله في وجود سادتنا من سدنة التخصص في معرفة الله، تحولت إلى عدم فهم يورث جينيا بصبه في روح السنوات الأولى لطفولة المسلم .. إن ما لدينا لم يخطر سادتى الفلاسفة لكانط .
وإذا كان الفلاسفة يريدون تنويرنا بالرجوع إلى فلاسفة الغرب بفلسفة نقلية فنحن في غنى عنهم، لأن مصدر تنويرنا جاءنا عن نبينا عن إرادة إلهية، جعلت من مجتمع جاهل جائع متخلف بدائي، حاضنا لرسالتها الخاتمة، وقيما وحاكما على شعوبها وشعوبنا الموغلة في الحضارة والمدنية .
نحن في بلادنا سادتي الفلاسفة النقليين، أكثر رفاهية من الاحتياج للعمل، فكلانا الأغنياء في الخليج والفقراء في غيره، لم يقدم احدهما شيئا بعد للإنسانية يساهم به في حضارتها، لأنهم ببساطة عندما يحتاجون شيئا باعتبار الحاجة أم الاختراع، لا يخترعون، إنما يلجأون للدعاء وللقنوت، يطلبون إلى السماء أن تقوم بالمطلوب نيابة عنهم، يريدون علما سابق التجهيز يسهر عليه رجال الدين، ويعتمد مصدرا مرجعيا واحدا لا يتغير ولا يزيد هو القرآن والحديث . نحن في بلادنا نحقق ما نشتهي بالدعاء لنظهر لله أننا أخلص إليه، وأننا الأولى برعايته من إسرائيل وأمريكا .
سادتي الفلاسفة .. إن أجهزة تشكيل الرأي العام الحديثة والهائلة القدرة كالمذياع والتلفاز لم تكن موجودة زمن كانط، ليرى كيف أمكن استثمارها بالعودة إلى ما قبل بداية استخدام المخ لوظيفته (العقل)، وساعتها كان سيقول كلاما اخر بالقطع .
إن خيرنا سادتي ليس معكم، ولا مع كلامكم الكبير الرفيع البعيد عن مستوى فهمنا الملغي أصلا، إن خيرنا ومصالحنا مع محترفي العمل الديني، لسنا مع طه حسين بعد أن أعلن فشله بنفسه ونزع عن نفسه الاستنارة، ولبس ثياب الشيخ ليعلن نهاية مشروعه بنفسه ما بين الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي،ولا مع سيد القمنى بعد ان اعلن تبرؤه مما كتب،ولا مع نصر ابو زيد بعد ان هرب بجلدة الى هولاندا وارضنا تتشقق عطشا البة .. بينما لم يتراجع لا ابن كثير ولا ابن حنبل ولا ابن عبد الوهاب ولا ابن لادن ولا ابن الزرقاوى ولا ابن قرضاوى .
سادتي الفلاسفة يرون "ضرورة الإصلاح الديني الذي يحقق مشروعية الفحص الحر للنص الديني" . ألا تعلمون سادتي أن هذا الفحص الحر المطلوب قد تم وانتهى العمل منه خلال القرون الآربعة الهجرية الأولى، وعلى يد أسلاف أعظم منا تم القرار بشأنهم بأنهم "لا يجود التاريخ بمثلهم مرة أخرى" !! وقد بذلوا الطاقة وأفرغوا الجهد والطاعة في فرز الحديث وإسناد الما ئل منه وشرحوا القرآن وفسروا غوامضه وأرسوا قواعد الفقه، حتى بات من القول المأثور "لم يترك السلف شيئا للخلف " .
إن إعادة الفحص المطلوبة هي عمل مغرض خبيث ضد ما أجمعت عليه مقاصد الأمة، وهو جزء من المؤامرة العالمية، وللدين حراس وللأمة أمناء يا فلاسفة .
أما كيف يقوم الإصلاح الديني : يقول لنا الفلاسفة "بمبدأين هما : إجلاء الغموض الكامن في النص الديني، والثاني إعادة الفحص"!! يا للكلام الجميل حقا، لكنه يبدو مطلا من نافذة أخرى لا ترانا، فلا غموض لدينا، لأنه يصيب من يريد أن يعتقد نفسه فاهما، يصيب ضعاف الإيمان لعماء بصيرتهم وغضب الله عليهم، لأن المؤمن الصادق ينير الله له بصيرته، وإن لم ير ما وراء النص الغامض فسيريه الله إن آجلا أو عاجلا، بدليل وجود مشايخ لا يجدون أي صعوبة مع أي نص فى اى شئى كان . وفكرنا هو الصالح لكل زمان ومكان لأنه معرفة إلهية تامة، والإيمان به نهايته حتمية معروفة ليس فيها أي احتمالات .. جنة الخلد بخمرها وحورها وولدانها، حيث لا مهمة للمؤمن سوى الاكل والسكر والنكاح فى لذة ابدية .
أمتنا الوحيدة في العالم التي اكتشف فيها رجل الدين (الزنداني اليمني) علاجا نهائيا لأمراض البشرية المستعصية الثلاثة "السرطان وفيروس سي والإيدز"، وربما يسعى الآن إلى اكتشاف دعاء يسقط صورايخ وطائرات الأعداء قياسا على إسقاط المطر بالصلاة .
سادتي الفلاسفة.. إن حتمية قيام التنوير تصبح قائمة عندما نشعر بالحاجة إليه، بينما نحن نعتقد بحاجة العالم غير المسلم كله إلينا، لننقله مما هو فيه من ظلمات إلى نورنا.
سادتي الفلاسفة، إن البداية تكون عندما نقتنع أن ما بأيدينا ليس شيئا ذا بال، بل هو شيء بالت عليه كل القرون اللواحق.
بثينه عبدالعزيز
04-25-2009, 02:47 PM
احجار الدومينو وأبو هريرة وابن عباس
هشام محمد
المسلمون يعرفون من هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، المشهور بأبي هريرة، ويتفقون على أنه كان ذاكرة حية تسير على قدمين. لكن أكثرهم حتماً لا يدري أن أبا هريرة والذي بزّ باقي الصحابة في رواية الحديث لم يعاصر النبي سوى عامين على أكثر التقديرات. وتذهب الروايات إلى أن الرجل قد روى عن النبي 5,374 حديثاً فقط لا غير، أي ما يربو على سبعة أحاديث يومية! ألا تتقافز في رأسك الشكوك مثلي حول هذا الرقم الكبير؟ إني اتساءل بحيرة: لماذا لم ترو قامات سامقة مثل، أبو بكر أو عمر أو علي مثل هذا العدد، أو نصفه، أو ربعه، وإن شئت خمسه؟ سيأتيك الجواب حالاً، وقبل أن يرتد إليك طرفك، وعلى لسان من...؟ على لسان أبي هريرة: حضرت من النبي مجلساً فقال: "من بسط رداءه حتى اقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئاً سمعه مني، فبسطت ردائي عليّ حتى قضى حديثه ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده لم أنسَ شيئاً سمعته منه". يا الله! ما اسهل الإجابات لدينا في هذا التراث على اسئلة العقل الشائكة والمربكة! يكفي أن تتفتّق مخيلة أبي هريرة عن حكاية عجائبية كهذه لنقول: آمنا بالله! وحتى لو استسلمت لإغواء حكاية أبي هريرة السحرية، فلن اعرف كيف اطابقها مع علامات الاستنكار التي علت وجه النبي، وهو يأمر بحرق ما خطه أبو هريرة وبعض الصحابة من أحاديث، سمعوها منه، خوفاً من اختلاطها بالقرآن؟!!
حسناً، سأضرب صفحاً عن كل ما يحاصر أحاديث أبي هريرة من التباسات تاريخية وتضادات عقلية، لا تتسع لها ضفاف مقال صغير كهذا. لكن دعني أومي فقط إلى حادثة تاريخية، تنام بهدوء بين دفات كتب التراث الإسلامي (انظر مثلاً في طبقات ابن سعد، أخبار عمر، عيون الأخبار) من دون أن يعكر رقادها ضجيج. تقول الحادثة: "أن عمر بن الخطاب أنّب أبا هريرة الذي كان عامله على البحرين بقوله: إني استخلفتك على البحرين وأنت بلا نعلين، ثم بلغني أنك ابتعت أفراساً بألف دينار، فقال أبو هريرة: كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت، فقال عمر: بلى والله أوجع ظهرك. ثم قام إليه بالدرة فضربه حتى أدماه. ثم قال إئت بها. فقال أبو هريرة: احتسبتها عند الله، قال عمر: ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعاً. أجئت من أقصى حجر البحرين بجبي الناس لك لا لله ولا للمسلمين. ما رجعت بك أميمة إلا لرعية الحمر". ماذا ستكون ردة فعل المسلم العادي لو وقعت عيناه أو مسامعه بالصدفة (واقول بالصدفة لأنّ المسلم لا يقرأ عادة وإن قرأ فسوف ينتخب ما يستمزجه فؤاده ويتصالح مع مسلماته) على هذه الواقعة التاريخية؟ الحقيقة، لن يحدث شيء مطلقاً. لماذا؟ لأنّ عقل المسلم يتهيب الدخول إلى الأماكن المفخخة من التاريخ والسير عبر منعطفاته الحادة، إما لخوفه من أن يتسرب الشك (= الشيطان) إلى صدره فيطيح بأصنامه، وإما لخوفه من أن تمتد له يد حراس الدين الشداد ومشايخ الإسلام الغلاظ،، وإما لعجز عقله السادر في عبادة الأسلاف عن محاكمة شخوص الماضي وكائناته الأثيرية.
ولعل من حسن الطالع أن الروايات التاريخية المدونة كانت تحمل قدراً من الرصانة العلمية، وتنطوي على بعض من الشجاعة الأدبية، لكي تبرز لنا وجه أبي هريرة الحقيقي ومن دون مساحيق واصباغ. فالصحابي الجليل بعد أن جرّده عمر من منصبه، وحرمه من رواية الحديث، عاد وبقوة ليحتل مقعدا في كواليس المشهد السياسي كبيدق تحركه بذكاء أصابع معاوية بن أبي سفيان على رقعة معركته مع علي بن أبي طالب. لقد استثمر دهاة بني أمية المخزون المعرفي عند أبي هريرة، وبراعته الفائقة في صنع الأحاديث التي تخدم سياسات الأمويين وآلتها الدعائية مقابل أموال اغدقوها عليه، وقصراً اسكنوه فيه. وهكذا يدّون أبو هريرة نفسه كنموذج طليعي لمثقفي/فقهاء السلطان عبر التاريخ الإسلامي.
أما عبدالله بن عباس فيقف على مسافة بعيدة عن أبي هريرة الذي يحلق وحيداً في عدد الأحاديث المروية عن النبي، لكنه يتجاوز الأخير في مساهماته الغزيرة في تفسير القرآن، كما سنرى. وفق الكتب الإسلامية، فإن بن عباس قد روى عن النبي 1,771 حديثاً. لا يبدو الرقم شاهقاً كمثل سلفه، لكن العجيب أن يكون الراوي هنا مجرد صبي عندما قبض الله روح نبيه! هناك روايات متضاربة حول عمر بن عباس عندما اسلم النبي روحه. منها ما يدعي أن عمره كان عشرة سنوات حينما توفي الرسول، ومنها ما يدعي أن عمره كان ثلاث عشرة سنة، والبعض الآخر يقول بل كان ابن خمس عشرة ربيعاً. وبغض الطرف عن دقة الرقم، فابن عباس كان غضاً وصغيراً على رواية ألف وسبعمائة وواحد وسبعين حديث! ومرة أخرى سوف تسعفنا أدعية النبي في تبديد ضباب الحيرة، واضاءة قلوبنا بأنوار اليقين. تساؤل النبي يوماً: من وضع لي الوضوء في بيت الخلاء؟ فقالوا: عبدالله بن عباس. فقال النبي: اللهم فقهه في الدين. بجلب إناء الوضوء للنبي فاز بن عباس بمفاتيح القرآن، وخرائط كنوزه المعرفية. ولولا أنه لم يضع الإناء لربما بقيت عمادة الفقه والتفسير شاغرة منذ ذاك الزمن البعيد، فسبحان الله مدبر الأمور!
وكما اتسخت يدا أبي هريرة بأموال البحرين، فقد اتسخت يدا حبر الأمة وترجمان قرآنها ابن عباس بأموال البصرة. وإليك حكاية ابن عباس كما جاءت في الكامل في التاريخ لابن الأثير. كتب أبو الأسود الدؤلي قاضي البصرة إلى الخليفة المغدور علي بن أبي طالب: "أما بعد فإن الله عز وجل، جعلك والياً مؤتمناً وراعياً مسؤولاً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توفر لهم فيأهم، وتكف نفسك عن دنياهم، ولا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، ولم يسعني كتمانك، رحمك الله، فانظر فيما هناك واكتب إلي برأيك فيما أجبت، والسلام". فكتب علي إلى ابن العباس (ابن عمه على ولاية البصرة) يسائله، فرد عليه الأخير: "أما بعد فإن الذي بلغك باطل، وإني لما تحت يدي لضابط وحافظ، فلا تصدق الظنين، والسلام". فكتب إليه علي: " أما بعد فأعلمني ما أخذت من الجزية ومن اين أخذت وفيما وضعت". فرد عليه ابن عباس: "أما بعد فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك، إني رزأته من أهل هذه البلاد، فابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه، والسلام". وتمضي كتب التاريخ تحدثنا عن تحدي ابن عباس لمطالب علي بإعادة الأموال، وتهديده بوضع ما نهبه من خزائن البصرة تحت تصرف معاوية فيحاربه بها. اتمنى ألا اسمع كلمات التشكيك حول صحة ما ورد في كتب التاريخ. إننا إذ نفعل هذا، فإننا سنكون بين امرين، احلاهما مرّ. إذا رددنا كل ما يخدش جمالية صورة "السلف الصالح" فكيف إذاً نثق بتلك الكتب التي بين يدينا، وبما هي عليه من تعظيم، وبما عليه مؤلفوها من تبجيل. وإذا قبلنا ما جاء في تلك الوقائع فكيف إذاً نقبل بما جاءنا به أبو هريرة أو ابن عباس من أحاديث وتفاسير! ما الحل؟ سيقول عدماء "علماء" الدين: بل نترفع على ما شجر من مشاحنات بين اصحاب رسول الله. فنحن لسنا بكفء للنظر في ما اعتور علاقات اصحاب رسول الله من خلافات.
لندع واقعة الاختلاس التي تورط فيها اسم كبير بحجم ابن عباس، فليس الهدف من كتابة هذه المقالة تعقب عوراته، أو تصيد عثراته، رغم ايماني العميق بأن من يستأمن على عقل وضمير ودين هذه الأمة حري به أن يترفع على أوساخ هذه الدنيا واطماعها. ما يهمني اكثر هنا هي النزعة الأسطورية التي تغوص فيها تفاسير بن عباس دون سواه من المفسرين. إن تفاسير ابن عباس الغرائبية تحيلك دائماً إلى الأسفار التوراتية ببذخها الأسطوري العجيب. وكما كانت جعبة أبي هريرة مملوءة بأحاديث لا تنضب، فقد كانت جعبة ابن عباس مملوءة هي الأخرى بمفاتيح أبواب القرآن المشرعة على فضاءات ميثولوجية ولكن بنكهة عربية. لقد تجاوزت تفسيرات ابن عباس حدود المنطق، باسرافها في تقليد الحكايات التوراتية، وبتحميلها النص القرآني فوق ما يطيق، لدرجة دفعت ابن خلدون إلى التهكم الصريح بما اتحفنا به ابن عباس، كما اخبرنا الدكتور عبدالرزاق عيد في كتابه القيم "سدنة هياكل الوهم: نقد العقل الفقهي (البوطي نموذجاً)". يتساؤل عبدالرزاق، وعلى لسان ابن خلدون بالقول: من أين لإبن عباس كل هذه العلوم، إذا كان مصدر علومه كعب الأحبار اليهودي المتأسلم؟ المفارقة التراجي – كوميدية تأتي بحسب عبدالرزاق من قيام بدوي (= ابن عباس) بالنقل من بدوي آخر (= كعب الأحبار) الذي بدوره لم يصب من علوم العمران والحضر أي حظ. من الجلي أن ابن عباس استثمر علاقاته مع كعب الأحبار لكي يعب من التراث اليهودي الكثير من القصص الخرافية، ومن ثم يعيد انتاجها بعد تشذيبها بما يتلاءم مع شروط ومعايير الثقافة الدينية عند العرب. ويلفت عبدالرزاق انتباهنا إلى أن ابن الأثير، وقبل ابن خلدون بقرون، وقف متبرماً، وهو ينجز كتابه الكامل في التاريخ، من المسلك الأسطوري الذي انزلقت فيه تفاسير ابن عباس. أليست بمفارقة عجيبة أن يتأفف كلا من ابن الأثير وابن خلدون من تفاسير ابن عباس الواقعة في فخ الاسرائيليات، فيما يجبن "الخلف الطالح" وبالرغم من نضوج المعارف وانجلاء الحقائق العلمية عن إهالة التراب وللأبد على تفاسير حبر الأمة وترجمان القرآن؟
دعني اقتطف لك بعضاً من تفسيرات ابن عباس، كما جاء بها عبدالرزاق في كتابه، وكما جاءت في مصادر أخرى. سأضعها بين يديك بلا تعليق. وأنت لك الخيار في أن تعتنقها أو أن ترفضها:
عن ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ذهب إلى يأجوج ومأجوج، فدعاهم إلى الله عز وجل فأبوا أن يجيبوه، ثم انطلق به جبريل عليه السلام إلى المدينتين - يعني جابلق، وهي مدينة بالمشرق وأهلها من بقايا عاد، ومن نسل من آمن منهم، ثم إلى جابرس، وهي بالمغرب، وأهلها من نسل من آمن من ثمود فدعا كلاً منهما إلى الله عز وجل، فآمنوا به. وفي الحديث أن لكل واحدة من المدينتين عشرة آلاف باب. ما بين كل بابين فرسخ، ينوب كل يوم على كل باب عشرة آلاف رجل يحرسون، ثم لا تنوبهم الحراسة بعد ذلك إلى يوم ينفخ في الصور، فوالذي نفس محمد بيده لولا كثرة هؤلاء القوم وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدَّة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب، ومن ورائهم ثلاث أمم منسك وتافيل، وتاريس.
أخبرنا هشام بن محمد أخبرني أبي عن أبي صالح عن بن عباس قال خرج آدم من الجنة بين الصلاتين صلاة الظهر وصلاة العصر فأنزل إلى الأرض وكان مكثه في الجنة نصف يوم من أيام الآخرة وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتي عشرة ساعة واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا فأهبط آدم على جبل بالهند يقال له نوذ وأهبطت حواء بجدة فنزل آدم معه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فامتلأ ما هنالك طيبا فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم. وكان آدم حين أهبط يمسح رأسه السماء فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشا من يومئذ فكان آدم وهو على ذلك الجبل قائما يسمع أصوات الملائكة ويجد ريح الجنة فحط من طوله ذلك إلى ستين ذراعا فكان ذلك طوله حتى مات . ابن سعد: كتاب الطبقات.
حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله، عمن حدثه عن ابن عباس قال: الفلق ( في قوله: قل أعوذ برب الفلق): سجن في جهنم.
عن ابن عباس أن محمداً رأى ربه في صورة شاب أمرد دونه ستر من لؤلؤ قدميه في خضرة. ميزان الاعتدال ج1 ص 593.
بعث عبدالله بن عمر بن الخطاب إلى عبدالله بن العباس يسأله: هل رأى محمد ربه؟ فأرسل إليه: أن نعم، فرد عليه عبدالله بن عمر رسوله أن كيف رأه؟ قال: أنه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، وملك في صورة أسد. التوحيد لابن خزيمة ص 198.
عن ابن عباس: تكاد السموات يتفطرن من فوقهن، قال: من الثقل. اي من ثقل الله تعالى. الدر المنثور ج 6 ص 3.
وأخرج الطبراني في الاَوسط عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما تجلى الله لموسى تطاير سبعة أجبال، ففي الحجاز منها خمسة وفي اليمن اثنان، في الحجاز أحد وثبير وحراء وثور وورقان، وفي اليمن حصور وصير.
عن ابن عباس: قال أقبلت يهود إلى النبي، فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الرعد ما هو. قال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخازيق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع. قال: زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر. قالوا: صدقت. الترمذي 3042.
سأكتفي بهذا القدر، فلا داعي للإطالة. ومن أراد الاستزادة ببعض من فيض معارف حبر الأمة، فلن يكلفه الأمر سوى كبسة زرار على لوحة المفاتيح، ليغرف من المصادر الإسلامية والمواقع الأصولية على الانترنت ما يشاء من خزائن علم ابن عباس. اكثر ما اضحكني أنه في أحد المنتديات، جاء رجل بتفسير "علمي" لظاهرة الرعد، كما جاء معنا أعلاه، فأتت ردود وتعقيبات المشتركين، تشكر وتثني وتدعو له بمضاعفة حسناته، خاصة أنه أجابهم - وعلى لسان ابن عباس- بسر الرعد الذي يسوق سحابه ملك في السماء، كما يسوق البدوي اغنامه على الأرض! هذا موقف جيل الإنترنت والفضائيات والانفجار المعرفي الذي لا يجد غضاضة من المزاوجة بين نظريات العلم الحديث مع نظريات ابن عباس، وبكل راحة ضمير!! ربما كان من حسن حظ ابن الأثير وابن خلدون أن يغادرا هذه الدنيا مبكراً وقبل مئات السنين، وإلا نصبنا لهما المشانق جراء امتعاضهما من تفسيرات ابن عباس. مرة أخرى، لا تسمعوني كلمات معلبة، وتعابير جاهزة مثل: كذب، افتراء، دس، اسرائيليات...الخ. إنك لو اسقطت كل ما لا يروق لك فلن تجد لأبن عباس أثرا. ولو أنك اسقطت حديثاً لأبي هريرة فسيتسلل الشك إلى كتاب البخاري. مشكلة هذا الدين أن اعمدته تقف متراصة كأحجار الدومينو. فإما أن نسقط حجارة واحدة، فينهار البناء باكمله... وأما أن نحفر خندقاً حوله، ونحيطه بأسلاك شائكة، فلا يجرؤ على الاقتراب منه أحد.
http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?t=2&aid=152737
بثينه عبدالعزيز
04-27-2009, 04:45 PM
سلسلة فلسفة القيم - قيمنا ... و قيمهم ؟ !
سيد القمنى
ضمن سلسلة قضايا إسلامية التي تصدرها وزارة الأوقاف الإسلامية ، تم حشد عدد من المؤلفات تعني بفلسفة القيم ، و كالعادة لن تجد فروقاً واضحة لا في الأهداف و لا في المنطلقات بين كتاب و آخر في هذه السلسلة القيمية ، ربما اختلف الأسلوب بين كاتب و زميله ، لكنها في النهاية تقول شيئاً واحداً تؤكد عليه دوماً ، هو أن القيم لا تكون صحيحة و سليمة إلا إذا كانت في الأديان ، ومن بين الأديان تسمو على الكل قيم الإسلام ، و غير ذلك من فلسفات للقيم منذ سقراط و حتي اليوم هي باطل الأباطيل و قبض الريح ، إن لم تكن هي الفساد نفسه .
سأعمد هنا إلى كتاب يشكل نموذجاً مثالياً لكل زملائه ، و قوله فيه هو تغريدة السرب كله . و هو كتاب ( القيم الدينية و ثقافة العولمة ) ، و الذي دبجه الدكتور الصاوي الصاوي أحمد ، لنناقش من خلاله ما يطرحه علينا حماة الإسلام و رعاة الدين و مفكريه .
كي يقدم الدكتور الصاوي فلسفة الإسلام في القيم ، يبدأ أولاً بإدانة كل القيم في العالم غير المسلم ، فيقول : " إن القيم المادية الوضعية تنزل بصاحبها إلى درجة السقوط ، و ذلك يرجع إلى طبيعة مستواها المادي المحسوس ، الذي يجتذب الإنسان و يحركه نحو الفساد و الطغيان لا نحو الإصلاح " . و من ثم يبني على هذه الفرضية ( أو الحقيقة من وجهة نظره ) استطراده و هو يقول : " و بسبب السمو الذي تتميز به القيم الدينية . . فإنها تفي بحق الإنسانية ، و تخرج الإنسان الذي عانى بسبب بعده عن الدين الصحيح ، من القلق و الإضطراب و التعاسة و فقدان مشاعر الأمن ، . . و انتشار الجريمة و العنف و الإدمان و الأمراض النفسية و العصبية و زيادة نسبة الإنتحار، و الطلاق و الإغتصاب و القتل و سيطرة مشاعر الإغتراب و الوحشة و البؤس و الرعب الذي ساد معظم دول العالم المتقدم " . و تأسيساً على هذه الصورة البغيضة الذي رسمها سيادته لمجتمعات تخلت عن القيم الدينية و انغمست في قيم مادية دنيوية شريرة بالضرورة لا يبقى سوى قوله : " إن القيم الدينية .. هي من أهم القيم على الإطلاق . . و هي الأساس الذي تنطلق منه جميع القيم الحاوية لكل القيم النبيلة ، فهي تفوق جميع القيم . . و ترجع أهميتها إلى أن الدين هو أساس القيم و الوعي بها و الساعي دائماً إلى تدعيمها ، و هي قيم روحية قادرة على هداية حقيقية لأنها من صنع الله الذي خلق النفوس و أوردها فجورها و تقواها . لقد أرسلت الأديان جميعاً و علي رأسها الإسلام ، قيماً منزهة عن كل منفعة شخصية / ص 38 ، و ص 35 " ، تدهشك جرأة هؤلاء القوم على العلوم بكل أصنافها من الكيمياء إلى الفيزياء و إلى الطب إلى الفضاء ، و الفلسفة !! كل ميدان صار مستباحاً لهم إلا ميدانهم لهم وحدهم دون غيرهم ، رغم أن القرآن الكريم و السنة النبوية لم تكن تعرف شيئاً مما يقوله فقهاء أيامنا . و حسب الكتاب و السنة فإن ما يحرك الإنسان نحو الفساد و الطغيان هو الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ، و لم يقل لنا الله شيئاً عن القيم المادية الوضعية التي يبخسها مشايخنا كل التبخيس لكونها غير صادرة عن الإسلام .
و أحياناً لا تفهم سر حملتهم الشديدة على كل ما هو مادي موضوعي وضعي ، رغم أن آدم حسب النظرية الدينية مخلوق مادي ، و الحجر الأسود مادة ، و الكعبة نفسها أحجار مادية و كذلك كسوتها ، و مقام إبراهيم و إبليس ، كلها أحجار مادية و مع ذلك هي عندنا أسمى المقدسات ؟ !
و بدون شعيرة الرجم المادي بالأحجار ترمي على إبليس الحجري المادي يفسد الحج من أصله . ناهيك عن كون القيم الإنسانية أو الوضعية أو بمسماها الفلسفي الاكسيولوجية ( الحق و الخير و الجمال ) تخاطب روح الإنسان لا مادته ، و الأمر على العكس مما يقول فقهائنا ، لأن القيم الدينية تخاطب المادة قبل الروح ، فقد حارب الرسول و الصحابة من أجل السيطرة و السيادة و الغنائم المادية البحت ، إضافة بالطبع إلى نشر الدعوة . و حارب الصديق من أجل الزكاة ، و حارب خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و القعقاع و خيرة الصحابة الأجلاء من أجل الفيئ و الجزية ، بل و تصارع كبار الأجلاء منهم على عرض الدنيا المادي ، كما حدث بين الزهراء و بين الصديق بشأن ميراثها ، و كما حدث في حروب دموية رهيبة من أجل السيادة و الجاة حتى ضرب المسلمون كعبتهم بالمنجنيق ، و حتى قتلوا خليفتهم و خاضوا الفتنة الكبرى ، و حتى اقتحم المسلمون مدينة رسول الله و استباحوا فروج الصحابيات بنات الصحابة ، و حتى ذبح المسلمون آل بيت الرسول في عملية إفناء مخزية ، و طال الإقتتال الشيعي السني حول المسلمين كميراث مادي ، هل هم ميراث ولاد فاطمة وحدهم أم هم ميراث قريش على المشاع ؟ .... وحتي يومنا هذا !! .
فأين كانت قيم الروح و الدين في كل هذا الذي حدث في تاريخنا الرهيب الملطخ بدماء الأبرياء ؟ و هي مجازر لم يكن فيها مكان لحق ، بعد أن زعمت كل فرقة أن حقها هو الصواب المطلق وحده و غير باطل ، و لم يكن فيها أى خير بقدر ما نالت شرورها عموم الناس مسلمين و غير مسلمين ، و ما كان فيها أى شئ يمكنك أن تصفه بالجمال ، و لم يكن فيها مكانا للدين ، بعد أن فرض كل فريق وجهة نظره إسلاماً يحارب به إسلاماً مارقاً لدي الفرقة الأخرى ، فضاع الإسلام و بقيت الفرق المتحاربة على عرض الدنيا فرقا إسلامية ، احتاج كل منها الشرعية فظهرت الأحاديث وظهر المشايخ عند كل طرف يقدم لة الشرعية ودعم السماء .
المشكلة مع مثل هذا الخطاب الفقهي هو قلبه للحقائق عن قصد مبيت و سابق علم و ترصد ، ليصور للمسلمين حالهم و كأنهم قمة البشرية و سنامها المقدس الحافظ لكل القيم الأخلاقية ، لذلك ينعمون بالسعادة ، و أن غيرهم يعيش البؤس و الشقاء و التعاسة . و هو لون من الكذب و الغش و التدليس ، مع صرف متعمد للناس عن واقعهم المهين الذي وصل إلى أقصى درجات تدنيه ، صرفهم عن محاولة إصلاح هذا الواقع ، إطمئناناً إلى أن أهل الغرب الطاغوتي و بقية دول العالم المتقدمة الكفرية ، لا تحلم بما نحن فيه من عز و رفاة و سعادة بفضل قيمنا الأرقى ، و أن قيمنا الأخلاقية هي الأصح بالمطلق لأنها صيغة ربانية كاملة المواصفات سابقة التجهيز ! !
نفس الأغنية ترنمها بقية المجموعة التي تناولت فلسفة القيم في سلسلة وزارة الأوقاف ، كلها تندد بأخلاق المجتمعات الغربية حتى تكاد توحي إلينا بأنه مجتمع من الحيوانات أو أدنى ، بل و تصرح بذلك كتب الفقه التي يدرسها أبناؤنا في مدارسنا و تؤكد " أنها مجتمعات حيوانية أقرب إلى البهيمية " . إنه ذات الأسلوب العربي في شعر الفخر و الهجاء البدوي .
ولا يقولون لنا كيف أمكن لذلك المجتمع المنحل الخرب ، أن يخلص البشرية جميعاً دون تمييز بين الناس لا بحسب الدين و لا الجنس و لا الطائفة ، من أمراض الطاعون و الدفتريا و شلل الأطفال و الجدري و الكوليرا و بقية الأمراض الوبائية الفتاكة ، و هي أمراض عجزت الدنيا قبل الغرب الكافر عن مواجهتها ، علماً أن هذا التاريخ كان يضم أنبياء كانت تكفي دعوة واحد منهم لرفع هذه الأوبئة، وهو ما لم يحدث و لا مرة واحدة .
إن فقهاء زماننا لا يقولون لنا كيف تمكن أهل المجتمع الغربي الأنجاس الملاعين بقيمهم السفيهة ، من توفير الطائرات التي قصرت رحلة حجنا العسيرة إلى مكة من ثلاثة أشهر نضرب فيها أكباد الإبل ، إلى ساعتين من الرفاهية و المتعة و التسلية الرفيعة و المعاملة الإنسانية الكريمة . و كيف حولت الكعبة من بناء بدائي إلى بناء غاية في الفخامة بهندسة و مواد إنشاء كلها من بلاد الطاغوت .
في النهاية من تلك المجموعة من الكتابات لا يخرج المسلم سوى بحالة من الكراهية لهذا الغرب ، هي كتابات تعيش حالة تحريض مستعر غير مفهومة ، لنبقي مع قيمة القناعة التي هي كنز لا يفني بما لدينا من الفقر و الجهل و المرض و التخلف ، حتى بتنا القاع الذي تنتهي إليه مزابل الأمم و نفاياتها ، مع الحث على التمسك بقيمنا و حمايتها من أى تأثير قد يصيبها من قيم الغرب الذي نقنع أنفسنا بأنه تعيس ، و دون أن يشكو لنا أحداً في هذا الغرب من أية تعاسة يعانيها .
و إذا كانت القيم الدينية و بالذات الإسلامية تفوق جميع القيم ، فهل يعني ذلك أن كل الشعوب و الأمم التي لم تعرف الأديان السماوية مثل ( اليونان القدماء : الإغريق ، و الرومان و الفرس و الفراعنة والبابليين والآشوريين و الهنود الحمر و المايا و الأنكا و الهند و شرق آسيا كلة ) كلها كانت أمماً بلا قيم ؟ فهل يمكن تصور قيام تلك الحضارات الكبرى الباقية شواهدها حتى اليوم أعلاماً للعالمين ، دون نظام قيمي معتبر ؟
مثل هذه الرؤية العنصرية كانت سمة أوروبا في عصورها الوسطى و ما بعدها بقليل ، عندما أفتى رجال الدين المسيحي بأن سكان أمريكا الأصليين ليسوا من الآدميين و لا يملكون روحاً بشرية مثلنا لان ليس لديهم قيماً دينية مسيحية ، و من ثم سوغت الأخلاق المسيحية للمستوطنين المسيحيين إبادة هؤلاء الوثنيين .
كان يسكن تلك البلاد بشراً لا يعرفون الله الذي نعرفه و لا القيم التي تحكمنا ، و حكم عليهم صاوي مع من أبادوهم أنهم لم يكونوا بشراً لأنهم لسوء حظهم لم يظهر عندهم أنبياء ليدلوهم على القيم الدينية .
بثينه عبدالعزيز
04-28-2009, 06:15 AM
هل تقرأين ما تكتبين ؟؟؟
هل تؤمنين بكل ما تنقلين ؟؟؟؟؟؟
=== أدب التعقيب ===
[الحوار وآدابه] / رغداء زيدان
المنتديات العربية على شبكة الأنترنت تتميز بميزة ملفتة، وهي تشعب وتنوع أقسامها، بصورة كبيرة، فمن قسم للأدب وما فيه من شعر ونثر، وقسم للدين، وآخر للسياسة، وغيره للعلوم والتكنولوجيا، وصولاً إلى الأسرة، حتى الترفيه والرياضة وووو......إلخ.
هذا التنوع يثير في النفس التساؤل حول ما يُقدّم في هذه الأقسام من مواضيع ومدى أهميتها ومطابقتها للإختصاص الذي تُقدّم من خلاله، ومدى تفاعل الأعضاء معها، وكيفية عرض الآراء المختلفة والتعليقات المتنوعة حول موضوع ما.
وبنظرة عامة نجد أن هناك مقالات مختلفة منها الجاد والسطحي والتحريضي، الهام والتافه، الذي يحمل أفكاراً هادفة، والذي يهاجم فقط......مواضيع متنوعة وكثيرة. ولسنا الآن في معرض تقييم هذه الظاهرة مع ما فيها من ارتجال وعشوائية بعيدة عن أي هدف أو غاية تثقيفية مدروسة، ولكنني سأركز على أمر آخر، وهو طريقة التعليق والتعقيب على هذه المقالات والمشاركات.
هناك مواضيع تُقدّم في المنتديات تكون جادة ومهمة، تطرح أفكاراً جديدة، ولكننا غالباً لا نجد إلا قليلاً من المشاركين الذين يتفاعلون معها ويستشعرون أهميتها، ويحاولون الإضافة إليها أو التعقيب عليها، أو نقدها والإختلاف معها. ولذلك أسبابه، ومن أهم هذه الأسباب عدم الإحاطة بالموضوع المطروح، أو عدم التفكير فيه سابقاً، أو عدم امتلاك الإمكانات اللازمة لفهمه وهو ما أسميه (نقص النمو الثقافي) فكما أن الطفل يتدرج في نموه حتى يصل لمرحلة النضج العقلي، فكذلك الإنسان يحتاج إلى فترة نمو يستطيع معها إدراك ما يقرأ وفهمه والتفاعل معه. فالثقافة عملية لها أصولها، وتحتاج إلى تنظيم، ومعرفة لقواعدها وطرقها.
وليس في هذا التوصيف انتقاص من أحد ومن قدرات أي قارئ، لأن الساعي لامتلاك ثقافة حقيقة يدرك أن الأمر ليس عشوائياً، وأنه كلما زادت ثقافته شعر أن رؤيته لما حوله قد اتضحت أكثر من جهة، وعرف مكامن النقص في ثقافته والتي يجب عليه تداركها حتى يعرف ما خفي عنه، ويستوضح ما غمّ عليه من جهة أخرى.
وكلنا يعرف أن أفكارنا ونظرتنا للحياة تتغير مع تقدمنا في العمر وزيادة ثقافتنا وامتلاكنا للخبرات المتنوعة، مما يجعلنا نشعر أننا صرنا أكثر قدرة على الفهم والتعامل مع الأحداث والأفكار. طبعاً أنا أتحدث عن طالب الثقافة الحقيقي، مع معرفتي بوجود أشخاص يقفون عند حد معين من الفهم لا يتجاوزونه، لا بل قد لا تزيدهم الأيام إلا جهلاً فوق جهلهم.
وبالعودة إلى موضوعنا نجد أن التعليقات التي توضع على موضوع (من النوع الذي وصفناه بالمهم أو الذي يحمل أفكاراً جادة) نادراً ما تُعرض بطريقة حضارية محترمة، تراعي آداب الإختلاف. وبما أننا كشعب عربي لم نتعود أن يهتم أحد بما نقدمه من أفكار ( نتيجة تراكمات كبيرة من الإستلاب الذي ترسّخ في عقولنا فجعلنا نحتقر كل ما يصدر عنا وعن مفكرينا)، فإننا نجد أن المشاركين في النقاش والتعليقات ينقسمون إلى قسمين:
قسم يعلّق بكلمات عامة لا يقصد بها إلا إعلام الكاتب بأنه قرأ الموضوع (وغالباً لا يكون هناك قراءة). وقسم يعلّق بإسهاب، في محاولة لإبراز الفهم والتفاعل ونقد الأفكار المطروحة. وهنا نجد أنفسنا أمام نوعين من المعلقين:
1 ـ المهتمون فعلاً بالموضوع المطروح، والذين يقرؤونه بتمعن وتفكير (وهم قلّة قليلة جداً).
2 ـ والنوع الآخر هم (أنصاف المتعلمين ) الذين يدخلون للتعليق على مثل هذه المواضيع وسواها، بطريقة تظهر جهلهم بالموضوع وعدم فهمهم واستيعابهم.
بالطبع فإن ما يزعج في الأمر ليس هو عدم استيعاب الأفكار وسوء فهمها فقط، ولكن الإزعاج الأكبر هو في (قلة الأدب) التي تتسم فيها هذه التعليقات، فلا يكتفي هؤلاء بمخالفة الرأي المطروح وتحميله غير مقصده (لأنهم كما قلنا لم يفهموه ولكنهم ادعوا ذلك)، بل إنهم يستخدمون ألفاظاً تدل على الاستخفاف بكاتب المقال وبأفكاره المطروحة، وقد يلجؤون إلى السباب والشتائم مما يحول الحوار إلى مشاجرة أنترنيتية مخجلة.
وإذا رحنا نبحث عن الأسباب التي تدفع هؤلاء لمثل هذه التصرفات نجد أنهم يعبرون عن حالة عامة في مجتمعاتنا، وهي احتقارنا لبعضنا البعض، وعدم التزامنا بآداب الحوار، لأن الحوار عندنا ببساطة ليس لـه هدف نهضوي، بمعنى أن القصد منه غالباً لا يكون الوصول للحقيقة، وإنما يكون هدفه إثبات الذات وإلغاء الآخر المخالف، بعد سحقه وتدميره.
بالإضافة إلى عدم التزامنا بفضائل الإسلام وآداب السلوك. فنحن نسمع قوله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" فلا يزيدنا إلا إصراراً على التفاصح وإثبات الذات دون أن نأخذ تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم على محمل الجد حين قال: " وهل يكُبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جَهنَّم إلا حصائد ألسنتهم".
إن التزام الأدب في الحوار والتعقيبات هو أسلوب حضاري، يدل على صاحبه بالدرجة الأولى، فحتى لو كان الموضوع المطروح يحمل أفكاراً أعتقد خلافها، فهذا ليس مبرراً لي لشتم كاتبها أو احتقاره والاستخفاف به، ولكن التصرف المقبول والمطلوب هو بيان رأيي المخالف بطريقة حضارية مقنعة، تقارع الحجة بالحجة، بأسلوب مؤدب، غايته جلاء الحقيقة، أو بيان الرأي، وليس شتم الكاتب والتعريض به أو التحريض عليه، وصدق الشاعر حين قال:
من علّم الحقَّ علمَ ذَوقٍ *** لم يُقرن الغيّ بالرشاد
لا والذي أمرنا إليه *** ما عنده الخير كالفساد
بثينه عبدالعزيز
04-28-2009, 06:16 AM
المستشار عبد الجواد ياسين
حين تضاءلت قيمتا «العقل» و«الحرية» في التاريخ الإسلامي تخلف تراثنا السياسي
كتاب يدعو إلى تجاوز «الآلية السلفية» في التعامل مع النصوص وإصدار الأحكام التي يرى أنها وسعت كثيرا من دائرة المحظور في الشريعة على حساب دائرة المباح
حوار: نواف القديمي
* «ابن حزم» من أبرز من حصروا مصادر التكليف في القرآن والسنة واستطاع في سلاسة عملية باهرة أن يبرهن على «إسلامية العقل»
* في سياق الاهتمام الكبير لدوائر الثقافة العربية ـ في العقود الأخيرة ـ بالمشروعات المهتمة بإعادة قراءة التراث وتفكيك البنى التقليدية في التاريخ الإسلامي صدر عن المركز الثقافي العربي كتاب «السلطة في الإسلام» للمستشار عبد الجواد ياسين الذي قام فيه بدراسة معمقة للاتجاهات الفقهية السائدة في التاريخ الإسلامي وأدواتها الاستدلالية ومصادرها التشريعية، وهو ما أثار جدلاً في الدوائر الفقهية التقليدية في العالم العربي لكونه يمارس عملية تجاوز وتفكيك لبناها الثابتة وآلياتها المتشكلة عبر قرون طويلة من التراكم الفقهي والأصولي.
الكتاب الذي كُتب بلغة علمية جريئة دعا بشكل صارم إلى تجاوز الآلية السلفية في التعامل مع النصوص وإصدار الأحكام التي يرى أنها وسَّعت كثيراً من دائرة المحظور في الشريعة على حساب دائرة المباح الواسعة أصلاً، وأنها اعتدت على «النص» لكونها أضافت مصادر «غير نصية» في التشريع والاستدلال كالإجماع والقياس وعمل أهل المدينة وغيرها. وهو ما ضيق مساحة الحرية الإنسانية وأضفى على الإسلام صبغة تاريخية غير قادرة على التواؤم مع التقدم الحضاري والمستحدثات الإنسانية السـائدة في عالم اليوم.
يعد المستشار عبد الجواد ياسين الذي تدرج في سلك النيابة والقضاء في مصر ويعمل اليوم قاضياً في دولة الإمارات العربية المتحدة من المهتمين بشأن الفكر السياسي الإسلامي وباحثاً في قضايا الفلسفة والشريعة والقانون. وقد صدر له في المرحلة التي يطلق عليها هو «المرحلة السلفية» في حياته كتاب «مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة»، وذلك عام 1986، وبعد ذلك بعامين أصدر كتاب «تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر».
عن الفكر السياسي في التاريخ الإسلامي وعن كتابه «السلطة في الإسلام» دار معه هذا الحوار:
ما سبب تواضع ومحدودية التنظير السياسي في التراث الإسلامي، وأن ما نتج منه ـ على محدوديته ـ هو يصب في اتجاه تكريس السائد وشرعنة الاستبداد السياسي وممارسة عملية تديين لأفعال السياسي الأمر الذي جعل تراثنا الإسلامي يعاني ـ كما وصفه الدكتور محمد جابر الأنصاري ـ حالة «أنيميا سياسية»؟
ـ يرجع تواضع التنظير السياسي في التراث الإسلامي في رأيي باختصار إلى أن التيار الذي هيمن على كتابة المنظومة الإسلامية لما صار يعرف بأهل السنة والجماعة هو تيار «أهل الحديث». فهو التيار الأقل اعتدادا بقيمة العقل والحرية من ناحية، والأكثر التصاقاً بالسلطة السياسية الحاكمة من ناحية أخرى، ويعني ذلك أنه التيار الأقل تأهلاً للتنظير بحكم طبيعته اللغوية الحرفية، وهذه مسألة تتعلق بالقدرة. كما أنه التيار الأقل رغبة في التنظير بحكم تبعيته للسلطة، وتلك مسألة تتعلق بالإرادة. ساهم تقاعس الفقه السلفي بشكل واضح في هذا الصدد وذلك بتخليه عن وظيفته التنظيرية التي تؤهله لسبق الواقع وتوجيهه، ولم يكن في معظمه ـ أي الفقه السلفي ـ أكثر من انعكاس لاحق على الواقع الذي كان الحكام المعبرين عنه والشارحين له. ولذلك كما أشرت في كتابي فقد ظل باب النظرية السنية في الخلافة مفتوحاً على الدوام حتى منتصف القرن الرابع على الأقل حيث أبدت النظرية قدراً مذهلاً من المرونة استطاعت من خلاله أن تستوعب داخل إطارها دولة الراشدين الشورية، ودولة الأمويين الوراثية الاستبدادية، ودولة العباسيين الأولى بطابعها الدموي، ودولة العباسيين الثانية بحكوماتها السلطانية التي فرغت «الخلافة» من مضمونها الحقيقي. وفي سبيل ذلك فقد استطاعت النظرية السنية ـ وهي تتلوى مع التاريخ ـ أن تقر مبدأ الاختيار الطوعي من الأمة للحاكم، ثم تقبل من أبي بكر مبدأ «الاستخلاف الفردي»، ومن عمر «الاستخلاف الجماعي»، وتقبل من تجربة عثمان مبدأ «تأبيد الولاية»، وتقبل من الأمويين مبدأ «توريث السلطة» أو «الأسرة المالكة»، وتقر من خلال الواقع العباسي مبدأ «ولاية المتغلب» من السلاطين والوزراء، حتى إذا ما صار الحاكم في نهاية الأمر ضرباً من السلطة الدينية ذات طابع رمزي فاتيكاني، فإن النظرية فيما يبدو لم تبد اعتراضاً».
لقد كان التواضع التنظيري السياسي في تراثنا الإسلامي كمياً وكيفياً معاً.
* إذا كان التراث الفلسفي الإسلامي يمثل في بعض جوانبه امتداداً تواصلياً للفلسفة اليونانية. فهل نلمس في «التنظير السياسي» في التراث الإسلامي أي ملامح للتواصل أو التأثر من الإنتاجات السياسية للفلسفة اليونانية؟
ـ ثمة فارق بين التراث السياسي الإسلامي والتراث الفلسفي الإسلامي. ولأن صحت هذه التسمية الأخيرة من حيث علاقة كل منها بالفكر اليوناني، لا يمكن الحديث عن علاقة حقيقية بين الفكر السياسي الإسلامي وبين التراث السياسي اليوناني. لأن الفكر السياسي الإسلامي لم يكن في الحقيقة أكثر من رد فعل تبريري لواقع الأنظمة السياسية الحاكمة بطابعها الاستبدادي المعروف من ناحية، ورد فعل المعارضة بفرقها المختلفة لاسيما الشيعية والخارجية حيال هذا الواقع من ناحية أخرى، وكان الواقع يكتب النظرية سواء على مستوى السنة تحت مسمى «الخلافة»، أو على مستوى الشيعة تحت مسمى «الإمامة».
وقد اكتملت ملامح النظريتين قبل تمام الاتصال الحقيقي بين العقل الإسلامي والفكر اليوناني. فالترجمة الحقيقية للمنطق الأرسطي ـ وهو أول ما تُرجم من أرسطو ـ لم تبدأ إلا من خلال حُنين بن إسحاق وابنه «298هـ»، ولم تنضج قبل الفارابي «339هـ»، أما الفلسفة اليونانية بما تتضمنه من سياسيات أرسطو وأفلاطون وأفكار المدرسة الرواقية فقد تأخر نقلها والتفاعل معها لما بعد التبلور النهائي لنظريتي الخلافة والإمامة.
ومن ثم فليس صحيحاً أن التراث السياسي الإسلامي ـ كما تلخصه النظريتان الرئيسيتان في الحكم ـ هو اتكاء أو امتداد التراث اليوناني حيث لا نكاد نلمح فيها أية سمات يونانية سواء على مستوى الفحوى الموضوعي الذي فرضه الواقع العربي الاستبدادي المحلي، أو على مستوى الصياغة التنظيرية المصبوبة في قوالب أهل الحديث اللغوية.
لقد قدم الفكر الإسلامي «السلفي» بالفعل مساهمة سياسية خاصة به، ولكنها لم تكن مساهمة رائعة على كل حال.
أما على المستوى الفكري والفلسفي فالأمر يختلف، حيث يمكن الحديث عن علاقة حقيقية بين التراث الفكري الإسلامي والتراث الفلسفي اليوناني، بدأت هذه العلاقة بعملية الترجمة الواسعة للتراث اليوناني إلى اللغة العربية فيما يعد بحق أضخم عملية ترجمة في التاريخ قبل العصر الحديث، وبقدر ما ساهمت هذه العملية في إثراء الفكر الإسلامي وتحريكه بقدر ما ساهمت في إحياء التراث اليوناني وإعادة دمجه ثم تقديمه بعد ذلك لأوروبا المتأهبة للخروج من العصور الوسطى.
* كتابك يصب في اتجاه التأكيد على أولوية «الإصلاح الديني» في قيام المشروع الحضاري للأمة الإسلامية. ألا تعتقد أن المشكلة تتركز في غياب «الإصلاح السياسي» لكون وجود المجتمع الحر التعددي المتقدم هو كفيل بإشاعة كافة مناحي الإصلاح الأخرى. ألا ترى صدقية المطالبة بـ«أولوية الإصلاح السياسي»؟
ـ الاجتماع البشري مراوغ جداً. ومنذ حديث الفلسفة اليونانية عن أولية الوجود أو الماهية حتى حديث ماركس عن أولية البنية الاقتصادية، تبدو مسألة الأولوية من أصعب المسائل فيما يتعلق بالتغيير الاجتماعي. وفي خصوص المشروع الحضاري للأمة الإسلامية حيث يتداخل «الديني» و«السياسي» و«العقلي» تداخلاً معقداً لأسباب تتعلق بالتاريخ، فلا مفر من تناول إصلاحي مركب وطويل المدى. ولكن دعنا نتفق أولاً على مفهومين غائبين لا بد من وضعهما عنواناً لأي مشروع إصلاحي. الأول: الحرية، والثاني: العقل العلمي.
* إذا ما تحدثنا عن مضمون كتابك فمن القضايا التي يتمحور حولها محاولة توسيع دائرة المباح في الشريعة وما تسميه «إعادة الاعتبار للنص»، وذلك عن طريق رفض الإجماع والقياس كمصدري تشريع.. ولكن ألا تسهم آلية القياس في زيادة فاعلية النص وقدرته على المواءمة مع المستحدثات الكونية بدل أن تقتصر الأحكام على حرفية ما أوردته النصوص المحكومة بالمألوف والمستخدم في سياقها الزمني؟ إضافة إلى أن القياس قد يسهم أحياناً في الحد من إطلاقات الحرمة في بعض النصوص؟
ـ القياس بمعناه الاصطلاحي كما قننه الشافعي لا يساهم في توسيع دائرة المباح بل يؤدي إلى تضييقها لأن مصدرية القياس بهذا المعنى تقتضي وجوب إحالة المسكوت عنه ـ أي الواقعة المستحدثة ـ إلى نص من النصوص لإنزال حكمه عليها، أي أنه لا يجوز إعمال الرأي فيها باجتهاد حر بل لا بد من إلصاقها بحكم منصوص، فالاجتهاد لا يجوز إلا من خلال القياس أي من خلال التعليل أو التشبيه بنص، معنى ذلك أنه يحرم إعمال العقل والاجتهاد حول الوقائع المستحدثة من خلال أدوات الاستدلال العقلية الأخرى كالاستقراء والاستنباط والمقارنة والتحليل والتجريب، ويحول دون الإفادة من مناهج البحث العلمي الحديثة في العلوم الإنسانية والطبيعية على السواء.
هنا يؤدي القياس إلى ربط المستحدثات إلى الأبد بحرفيات النصوص المحكومة بملابساتها الظرفية في سياقها الزمني.
أما القياس بمعناه العام أي باعتباره آلية ذهنية أو وسيلة عقلية، لا سيما القياس الجامع الأرسطي فيلعب دوراً هاماً في عملية الاستدلال اللازمة للتعامل التشريعي مع النصوص وبوجه خاص في دائرة المباح.
* في سياق دعوتك إلى تجاوز مصدري الإجماع والقياس المتأصلة في الرؤية السلفية هل يستوجب ذلك بالضرورة الاستناد إلى نموذج تاريخي كـ«ابن حزم» للاتكاء على منهجيته مع ما يترتب على ذلك من تبني مجمل هذه المنهجية بما تحويه من نقاط ضعف وخلل؟
ـ تحتوي منهجية ابن حزم الأصولية «لا الفقهية» على كثير من نقاط القوة، فقد حصر مصادر التكليف في منبعها الحقيقي الوحيد الممَثل في النص الخالص، ووقف على الدور الكبير الذي تلعبه دائرة المباح في العملية التشريعية، واستطاع في سلاسة عملية باهرة أن يبرهن على «إسلامية العقل» من خلال منهجه الاستدلالي الجامع بين النص والعقل الذي طبقه في دراساته الأصولية والفقهية والكلامية في كتبه الأحكام والمحلي والفصل.
لذلك وكما سبق أن أشرت في كتابي لقد تعمدت ذكر ابن حزم بغرض المقارنة ولأنه يمثل في نظرنا نموذجاً استثنائياً وراقياً لحالة القدرة في العقل المسلم على النفاذ من سلطان السلفية التاريخية التي زاحمت النص في كثير من صلاحياته.
* امتدحت طريقة «أهل الرأي» ونموذج «ابن حزم»، وكذلك «المنهج الاعتزالي».. ففي الوقت الذي تتعارض فيه هذه المناهج في أدواتها الاستدلالية ومصادرها التشريعية. في رأيك أيٌ من هذه المناهج تصنفها أنت بأنها الأقرب إلى صحيح الإسلام وإلى المواءمة مع العصر الإنساني الحديث؟
ـ المشترك الجامع بين هذه المناهج الثلاثة هو الحضور الواضح لآلية العقل في مقابل غياب هذه الآلية عن المنظومة السلفية. وإذا كان «أهل الرأي» قد مارسوا آلية العقل بشكل نسبي في ميدان الفقه، فقد مارسها «المعتزلة» في علم الكلام، أما «ابن حزم» فقد مارسها في الأصول والفقه والكلام. ولأن آلية العقل لغة إنسانية مشتركة ممتدة في الزمان، «حيث هي بالتأكيد الأقل تاريخية» فإن المناهج الثلاثة تبدو أكثر تلاؤماً مع لغة العصر الإنساني الحديث من الطرح الذي تقدمه المنظومة السلفية.
ومع ذلك فإن الطرح الذي نقدمه لا يقوم على الاختيار الاضطراري لواحد من هذه المناهج القديمة بل على ضرورة تقديم منهجية جديدة مستمدة من العصر تمارس الحرية والعقل بغير سقف إلا من ثوابت النصوص القطعية التي هي قليلة جداً بطبيعتها.
نقطة البدء في ذلك خطوتان أساسيتان:
1 ـ أن تنحى كل المصادر اللانصية التي اعتمدتها المنظومة السلفية كالإجماع والقياس وقول الصحابي وعمل أهل المدينة، وهو ما يعني إعادة قراءة ثم كتابة علم «أصول الفقه».
2 ـ أن تحذف كل الإضافات التي حملت على نص السنة من جراء المنهج الإسنادي في جمع الروايات والأخبار، وهو ما يعني إعادة قراءة ثم كتابة «علم الحديث».
ولا يتم ذلك بغير ممارسة الحاسة النقدية بنت العقل والحرية.
* تحدثت طويلاً عن المنهج الاعتزالي المعتمد على تقديم العقل في الاستدلال. برأيك هل تتشابه المنهجية الاعتزالية في تعاملها مع قضايا الإلهيات والعقائد مع منظومة الفلسفة الأوروبية المادية المعتمدة على المنهج التجريبي العقلي كما عند ديكارات وكانت وجون لوك وسواهم. وهي المنظومة التي لا تضع اعتباراً لقداسة النص؟
ـ بوجه عام لم يكن المعتزلة فرقة فلسفية تمارس التفلسف خارج دائرة النص الإسلامي، وإنما كانت فرقة «إسلامية» تمارس التعقل داخل هذه الدائرة وبدءاً من منطلقاتها. وظلت كذلك حتى بعد اتصالها بمنطق أرسطو والفلسفة اليونانية بصفة عامة.
أما الفلسفة الأوروبية وهي ليست مادية بإطلاقها «فلم تبدأ عصر المنهج التجريبي الاستقرائي الذي مهد لنقلة الحداثة العلمية» إلا على يد فرانسيس بيكون في بداية القرن السابع عشر.
* في حديثك عن نقد المتن والتنصيص السياسي مارست عملية النقد على متون عدد من الأحاديث وأثبت ضعفها واختلافها مع معطيات التاريخ أو مع ما تواتر من النصوص. ولكنك لم تزد على ذلك بوضع آلية ومنهج علمي صارم لممارسة نقد المتن، لكون هذه الممارسة في نقد المتن لو مورست دون منهج علمي صارم لربما استخدمت في إلغاء وتجاوز كثير من نصوص السنة دون اعتبارات مقنعة؟
ـ أحسب أن في كتابي ملامح واضحة لمشروع منهج عملي صارم ـ كما تسميه ـ لنقد المتن، ولكن قراءاتها يجب أن تتم في السياق العام للطرح الأصولي ولقضية السنة كما تم عرضها في الكتاب.
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة على سبيل المثال فيما يتعلق بأخبار الآحاد إلى فكرة «عدم الضرورة»، وفكرة «التفرقة بين الضروري والنافع» وما أسميته «المنهج النقدي التاريخي الشامل «الذي يقوم على محاكمة الخبر من متنه إلى القرآن والتاريخ والعقل الكلي. ثم فكرة خضوع النص بعد ثبوته وفقاً لهذا المنهج لهيمنة الأحكام القرآنية العامة بطبيعتها والمؤهلة بحكم عموميتها للتواؤم مع حركة التغير عبر الزمن.
* ألا تعتقد أن عملية «نقد المتن» كانت مُمارَسة في المنظومة السلفية وقد مارسها مالك وأحمد والبخاري والدارقطني وابن حبان والطحاوي وابن تيمية وكثير سواهم بحيث ردوا عدة أحاديث كحديث «خلق الله التربة يوم السبت» وحديث رضاعة الكبير وحديث «جمع رسول الله من غير سفر ولا مطر» وعدد آخر من الأحاديث التي أثبتوا صحة أسانيدها ولكنهم ردوها لنكارة في المتن؟
ـ نحن لا نذكر وجود بعض حالات لنقد المتون لدى المنظومة السلفية، ولكننا نؤكد أنها لم تكن تمثل القاعدة في منهج علم الحديث التقليدي الذي انصبت فعالية النقد فيه على الجانب الإسنادي. أضف إلى ذلك أن هذه الحالات لم توجه بشكل جاد إلى كتابي البخاري ومسلم. وقد أشرت في كتابي إلى بعض الأحاديث الواردة في البخاري ومسلم لا يمكن التسليم بصحة صدورها متناً عن النبي صلى الله عليه وسلم لتناقضها الصريح إما مع ثوابت القرآن أو مع حقائق التاريخ أو مع قطعيات العقل الكلي ومع ذلك لم ترد ضمن انتقادات العلماء المسلمين السلفيين كالدارقطني على البخاري والعراقي على مسلم. نعم تكلم بعض هؤلاء منتقداً البخاري ومسلم ولكن ذلك كان نادراً، وكان متعلقاً بالإسناد. وما اتصل بالمتن منها كان على حد تعبير ابن حجر «يتعلق بتغير بعض ألفاظ المتن، وهذا أكثره لا يترتب عليه قدح».
إن احترامنا لإسهامات الأقدمين لا يمنعنا من ممارسة حقنا في قراءتهم قراءة نقدية.
* يرى البعض أنك اتكأت في كتابك كثيراً على كتاب الجابري «بنية العقل العربي» ما دقة هذا الكلام برأيك؟
ـ موضوع كتابي كما أشرتُ في مقدمته هو «تاريخ السلطة» و«سلطة التاريخ» من حيث علاقة كل منهما بالعقل المسلم. وموضوع كتاب الجابري هو «بنية العقل العربي» فثمة منطقة يتقاطع فيها موضوعا الكتابين. رأيت من المناسب استخدام بعض شواهد الجابري التي تتفق مع مضمون فكرتي أو مناقشة بعض الشواهد التي تختلف معها.
كان ذلك في جزء من الفصل الأول وشواهد الجابري تستحق المناقشة على كل حال.
* ذكرت أنك ستصدر جزءاً ثانياً من كتابك. حول أي المضامين سيدور؟
ـ أتعشم أن يصدر الجزء الثاني من «السلطة في الإسلام» عن تطور كل من نظريتي الخلافة والإمامة على ضوء التاريخ العام للسلطة والمعارضة قريباً بإذن الله.
بثينه عبدالعزيز
04-28-2009, 06:16 AM
أنت تفكر.. إذا... أنت كافر!!
سلوى اللوبانى
أصبح أمراً عادياً الحكم على أحد بتهمة الكفر والإلحاد، وقد كثر مؤخراً عدد المتهمين بالكفر من المثقفين والمبدعين المصريين والعرب، مما اضطر البعض الى ترك وطنهم والإقامة في المنفى هرباً من التطرف والإرهاب الفكري الذي يمارس ضد إبداعهم وضدهم شخصياً بالدرجة الاولى، وهناك أيضاً من تم اغتياله على يد الجماعات المتطرفة.. فالتكفير هو قول صريح بهدر دمهم ودعوة واضحة لاغتيالهم!! من حق أي أحد إبداء رأيه في أي عمل إبداعي وتحليله ومناقشته بينما ليس من حق أي أحد الحجر أو الوصاية على فكر الآخر وإتهامه بالكفر والالحاد.. ويكفيك أن تسمع جملة "فلان مرتد عن الدين الاسلامي بسبب أفكاره" لتبدأ بالتساؤل هل أعطى الاسلام أي أحد السلطة للوصاية على فكر الناس؟؟ ومن الذي قرر بأن الجهة الفلانية الدينية -أيًا كانت- هي جهة موثوق بها وبفتاويها؟؟ ومن أعطاها هذه القدسية؟؟ والشخص الذي يصدر هذه الفتاوي هل هو معصوم عن الخطأ!! أليس هو من بني البشر!! ومن قال إن ما يجتمع عليه من قرار أو فتوى هو أمر مقدس ويجب تطبيقه؟؟ وإذا ذهبنا الى الشكليات والمظاهر الدينية التي يتمسك بها البعض مؤخراً أكثر من أي أمر آخر.. نتساءل هل كل من ارتدت حجاباً وكل من أطلق لحيته أصبح متديناً ومسلماً؟؟
الاتهام بالكفر والالحاد يقتل الابداع ويحد بل ويلغي التفكير.. يقضي على سمة حضارية ألا وهي الحوار والنقاش الذي نفتقده في معظم مجالات حياتنا!! عند قراءة بعض الكتب والمقالات التي تناولت شخصيات مبدعة اتهمت بالكفر تجد أن معظمهم تميز بغزارة إنتاجه الابداعي.. بغض النظر إختلفنا أو اتفقنا مع أفكارهم.. فهم نتاج تجربتهم.. نتاج ظروفهم الاجتماعية والسياسية.. ولكن يكفيهم بأنهم حاولوا... وفكروا.. بذلوا جهداً للتفسير والتحليل لتقديم إبداعهم.. جميعهم انشغل بالبحث العلمي.. أما ما يثير الاستغراب هو إنشغال البعض في تصميم مواقع على الانترنت أو تأليف كتب وتقديم رسائل أكاديمية لتكفير الاخرين!!
وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك العديد من المثقفين والمفكرين الذين تم اتهامهم بالكفر والالحاد إبتداء من الاديب طه حسين، وسيد قطب، نجيب محفوظ، د. نصر حامد أبو زيد، فرج فودة، والطبيب المفكر مصطفى محمود الذي تفرغ للكتابة والبحث بعد دراسته للطب، وله نحو 90 مؤلفاً في مجالات مختلفة، كما كان له برنامجه التلفزيوني الشهير العلم والايمان، ومن مؤلفاته حوار مع صديقي الملحد، لغز الموت، لغز الحياة، اينشتين والنسبية، علم نفس قرآني جديد، الله والانسان، رحلتي من الشك الى الايمان، قراءة للمستقبل، الاسلام ما هو؟ ماذا وراء بوابة الموت، والسيناريست أسامة أنور عكاشة الذي قدم أحد المحامين بلاغاً ضده يتهمه فيه باحتقار الطوائف على أثر انتقادات عكاشة للصحابي عمرو بن العاص، كما طالب بتفريقه عن زوجته باعتباره مرتداً عن الاسلام، على الرغم من ان الانتقادات التي وجهها عكاشة تناولت الجانب السياسي في حياة عمرو بن العاص الا إنهم اعتبروه يهاجم رمزاً من رموز المسلمين وبذلك يصبح مرتداً عن الاسلام!! أما د. نوال السعداوي لجأت مؤخراً الى بلجيكا فراراً من حملات التكفير والتهديد... وكتب عنها الزميل "نبيل شرف الدين" مقالاً مطولاً بعنوان "السعداوي تختار منفى آمناً"، وسناء المصري التي تم تكفيرها بعد نشر كتابها "خلف الحجاب" الذي صدر عام 1989 وصودر عام 1992. إضافة الى لويس عوض، د. محمود اسماعيل، أحمد الشهاوي، تركي الحمد، نزار قباني، جهاد علاونة، فرح انطوان، غازي القصيبي، عبد العزيز المقالح.... وغيرهم الكثير. نستعرض هنا نبذة من حياة بعض المفكرين والمثقفين الذي اتهموا بالكفر بسبب أفكارهم ومؤلفاتهم التي أثارت جدلاً واسعاً... منهم من رحل عنا ومنهم من تم إغتياله ومنهم من اختار المنفى.. إلا إن مؤلفاتهم... باقية!!
طه حسين
أديب وناقد ولد عام 1889 في الصعيد ودرس في جامع الازهر وحصل على الدكتوراة من جامعة الاداب، كما درس في جامعة السوربون في فرنسا. تولى إدارة جامعة الاسكندرية ومن ثم وزير المعارف، كان يدعو الى العقلانية والاستقلال في الرأي، والتحرر في البحث الادبي، وهوجمت أفكاره بشدة خصوصاً بعد عودته من فرنسا. كانت أولى وكبرى معاركه الفكرية من خلال كتابه "في الشعر الجاهلي" الصادر سنة 1926، الذي استخدم به المنهج العقلي في البحث والدراسة، فبدا وكأنه يمس بالدين والقرآن الكريم، ما أدى الى وقوفه أمام النائب العام بتهمة التعدي على القرآن الكريم والدين الاسلامي، ولكنه نجا منها بحكمة النائب العام الذي اعتبر بعد التحقيق معه أن العبارات التي استخدمها طه حسين في كتابه، "انما اوردها في سبيل البحث العلمي لاعتقاده أن البحث يقتضيها"، من مؤلفاته دعاء الكروان، البؤس، المعذبون في الارض، حديث الاربعاء، مستقبل الثقافة في مصر.
سيد قطب
كاتب ومعارض من حركة الاخوان المسلمين، تمحورت كتاباته حول بناء الحضارة الاسلامية فاثارت جدلاً واسعاً في الاوساط الفقهية، على أثر هذه الكتابات أصدرت الجماعات السلفية فتوى تقول إن كتبه من البدع!! كما كانت الدولة ترى فيه محرضاً على الفتنة والتخريب!! درس في دار العلوم وعمل مفتشاً للمرحلة الابتدائية. كان متأثراً بافكار عباس محمود العقاد اضافة الى حبه الشديد للادب العربي. انضم الى جماعة الاخوان المسلمين وعمل معهم في قسم الدعوة، قبض عليه وحكم بالسجن لمدة 15 عاماً في عهد الرئيس عبد الناصر على أثر محاولة اغتيال عبد الناصر في المنشية، أثناء فترة سجنه أكمل كتبه في ظلال القران، معالم في الطريق، المستقبل لهذا الدين، وقد تم إعدامه عام 1966. من مؤلفاته كتب وشخصيات، النقد العربي اصوله ومناهجه، التصوير الفني في القران، العدالة الاجتماعية في الاسلام، هل نحن متحضرون؟ وظيفة الفن والصحافة، التصوير الفني في القرآن، مشاهد القيامة في القرآن، كيف وقعت مراكش تحت الحماية الفرنسية؟
نصر حامد أبو زيد
د. نصر حامد أبو زيد مفكر وباحث فى علوم القرآن والتفسير، تفرغ للبحث العلمي حول نقد القراءة التقليدية للنص الديني والدعوة الى تفسير علمي واضعاً إياه في سياقه التاريخي، كتاباته تدعو الى منع استغلال السياسة للدين، كما هو الحال في العديد من الدول العربية، يعمل أستاذا للدراسات الإسلامية في جامعة لايدن في هولندا منذ عام 1995، بعد ان اختار الاقامة هناك منذ 11 سنة، أثارت كتاباته ضجة إعلامية فى منتصف التسعينات، فقد أتُهم بسبب أبحاثه العلمية بالارتداد والإلحاد، عندما قدم أبحاثه "نقد الخطاب الديني" للحصول على درجة استاذ في حينها تكونت لجنة من اساتذة جامعة القاهرة ومن بينهم د. عبد الصبور شاهين واتهمه بالكفر. وقدم أحد المحامين بلاغاً للتفريق بينه وبين وزوجته د. ابتهال يونس الأستاذة في الأدب الفرنسي، واصدرت المحكمة حكمها بالتفريق بينهما مما اضطره الى ترك مصر والاقامة في هولندا. كتب د. نصر العديد من المقالات في مجلات عربية وانجليزية اضافة الى كتب عديدة منها فلسفة التأويل، دراسة في علوم القرآن، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، التفكير في زمن التكفير.
فرج فودة
أثار كتابه "الحقيقة الغائبة" غضب الجماعات الاسلامية وتم اغتياله عام 1992 أثناء خروجه من مكتبه. تناولت كتاباته فصل الدين عن الدولة والدفاع عن حرية الفكر والعقيدة وحقوق الاقليات، افكاره اثارت جدلاًَ واسعاً بين المفكرين ورجال الدين. وكانت آخر معاركه الفكرية في المناظرة التي تمت في معرض الكتاب عام 1992 وصرح فيها أنه ضد فكرة إقامة دولة إسلامية او تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، وعقدها ود. محمد أحمد خلف الله في مواجهة الشيخ محمد الغزالي والمستشار مأمون الهضيبي ود. محمد عمارة، هذه المناظرة اثارت غضب الكثيرين وخصوصا من التيار الديني. والجدير بالذكر انه حصل على ماجستير العلوم الزراعية ودكتوراة الفلسفة في الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس.
نجيب محفوظ
تم نشر رواية أولاد حارتنا لاول مرة في صحيفة الاهرام لمدة 3 أشهر عام 1959 وبعدها منعت من النشر فقد اعترض عليها شيوخ من الازهر وشنت الحملات الصحافية ضد محفوظ آنذاك وتوالت حملات التكفير بأنه يتعرض إلى الذات الالهية والأبنياء، فالرواية تمثل جرأة على الله وأنبيائه... وهي الحملات التي مهدت لمحاولة اغتياله عام 1994 واقعدته عن الكتابة لفترة طويلة.. ولكن تم نشر الرواية بعد رحيل محفوظ وتعتبر الان من أكثر الروايات مبيعاً.
بثينه عبدالعزيز
04-28-2009, 10:36 AM
صباح الخير ثينة الغالية
أتفق مع معظم ما جاء في هذا المقال إلا التصنيف فلي فيه وجهة نظر مختلفة
تحياتي واحترامي
صباح النور انس
بانتظار وجهة نظرك عزيزي ...........
احترامي
بثينه عبدالعزيز
04-28-2009, 11:38 AM
1 ـ المهتمون فعلاً بالموضوع المطروح، والذين يقرؤونه بتمعن وتفكير (وهم قلّة قليلة جداً).
2 ـ والنوع الآخر هم (أنصاف المتعلمين ) الذين يدخلون للتعليق على مثل هذه المواضيع وسواها، بطريقة تظهر جهلهم بالموضوع وعدم فهمهم واستيعابهم.
**********
أختي وأستاذتي الكريمة بثينة
شكراً لإتاحة الفرصة لي بالتعليق وإبداء الرأي
أعتقد أن التصنيف أكثر تنوعا وتشعباً من التصنيف الذي ذكر في المقالة وهو من خلال وجهة نظري المتواضعة كما يلي:
1- مهتم وصاحب علم وقارئ متمكن له مبادرة في تقديم ما عنده
2- مهتم وليس صاحب علم وقارئ متمكن ولكنه صاحب مبادرة في الاستيضاح
3- مهتم وليس صاحب علم ولكنه صاحب مبادرة في التشويش والرد الذي لا يكون في محله رغم أنه قارئ جيد
4- مهتم ولكنه ليس قارئ جيد وليس صاحب أي مبادرة
5- غير مهتم ويكتفي بقراءة سريعة
6- غير مهتم ويريد فقط إثبات الحضور وإعلام الكاتب بتواجده ومتابعته
7- غير مهتم بشيء سوى إثبات وجهة نظره الشخصية دون تحليل ولا تمعن في رأي غيره وهنا يظهر الجهل وعدم القدرة على التعلم
وقد يكون هناك أنواع أخرى من أصحاب التعليقات وقراء المواضيع ولكن حتى لا يصبح الأمر أكثر تعقيداً أكتفي
أتمنى أن أرى تعليقك على ما كتبت ولك فائق الشكر والتحية
انت هنا فصلت التصنيف بشكل اكثر دقه وتوسع مما فعلت الاخت الكاتبه للموضوع الاصلي .
فالكاتبه اكتفت بما ذكرت لانها على ما اظن ارادت فقط ايصال فكره معينه , وهي ان هناك افراد مهتمين بما يطرح واخرين لا , دون التوسع بكل صنف منهم .....
وتعليقي على طرحك انس هو : بانني كلما تحاورت معك اكثر احترمتك اكثر
صباحك شهد
بثينه عبدالعزيز
04-29-2009, 06:49 AM
مبدعـــــــــــــــــــــــــــــه فري دوم
احترامي الشديد لمرورك .......................
بثينه عبدالعزيز
04-29-2009, 06:50 AM
وقفه واجبة بين دعاة الارهاب ودعاة التنوير / مجدي خليل
http://www.asharqalawsat.com/leader....9&issueno=9783
بثينه عبدالعزيز
04-29-2009, 06:52 AM
حركة التحرر الوطني: طبيعتها وأزمتها
مهدي عامل
في العدد الثامن من مجلة «النهج»، (أيار1985 )، مقال للرفيق كريم مروة بعنوان:
«حركة تحرر وطني أم حركة ثورية؟» أقترح على نفسي مناقشة هذا المقال إذن، ستكون مهمتي صعبة. يحاول فيها الفكر إنتاج معرفة يطمح لها ان تكون فاعلة في سيرورة تاريخية هي سيرورة الانتقال الثوري الى الاشتراكية.
موضوع المعرفة في هذه المحاولة هو الحركة الثورية العربية. «طبيعتها، القوى الطبقية المكونة لها، علاقات هذه القوى بعضها ببعض، المرحلة التي تمر فيها هذه الحركة، المهمات المطروحة أمامها، موقعها في العملية الثورية العالمية»، هكذا يحدده كريم مروة في مقاله.
حقل هذا الموضوع رحب ووعر، بتهيب أقاربه. بتردد أيضاً. لكنها طبيعة هذا الفكر- أعني ضرورة أن يكون مناضلاً- هي التي تفرض عليه المجازفة، وتفرض، بمنطقها إياه، المناقشة. أعني نقداً هو، من داخله، حركة بها يتقدم. هكذا يتطور هذا الفكر: كلما جازف، تعّذذ بنقد يدفعه إلى مجازفة أكبر. هكذا تتأرخن المعرفة، (أي تكتسب طابعها التاريخي)، إذ تتحرر من أطر نظرية تلجمها، فتكتشف، بتحررها، أخطاءها. وحركة التاريخ، في الفكر، كحركة التاريخ في الواقع الاجتماعي: حركة تحرير في حركة تحويل. إنها حركة ثورية بامتياز. ينتصر فيها من يجرؤ عليها. يدركها، فيقتحم. ومنطقها، دوماً، صراع ضد القائم اللاجم.
بسؤال يضعه عنواناً لمقاله، يبتدئ كريم مروة مقاله: «حركة تحرر وطني أم حركة ثورية؟». وبسؤال ابتدئ: لماذا هذا السؤال؟ أوضح فأقول: يطرح مروة مشكلة هي محور الفكر في مقاله. يطرحها على الفكر الثوري، لأنها مطروحة في الممارسة الثورية. إنها مشكلة نظرية وسياسية في آن. صيغت في شكل سؤال يستوقف: لماذا إقامة التناقض،في هذا السؤال، بين الحركتين؟ لماذا التنابذ بينهما؟ هل صحيح أن حركة التحرر الوطني ليست حركة ثورية؟ هل صحيح أن الحركة الثورية، في بلدان كانت مستعمرة كبلداننا العربية، ليست حركة تحرر وطني؟
صيغة ذلك السؤال أخذت شكل التناقض بين حركتين، فهو، بالضبط، فكر نظري معين هو الذي ساد في الحركة الشيوعية العربية، أو في بعض فضائله، على امتداد عقود بكاملها من القرن العشرين. وطرح المشكلة، في الوقت الراهن، يدل على أن هذا الفكر لا يزال يسود في ممارسات عديدة. لذا وجب نقده، من موقع الضرورة التاريخية في أن يكون للحركة الوطنية التحررية العربية قيادة ثوريةهي القيادة البروليتارية، ونهج ثوري هو النهج البروليتاري. فهل نهج الطبقة العاملة، في بلداننا العربية، هو هذا النهج؟ وهل قيادة الحركة الوطنية فيها هي هذه القيادة؟
النقد هو، في الممارسة السياسية الثورية، نظرٌ في هذه الممارسة نفسها.
أو قل للدقة، إنه إعادة نظر مستمرة تفرضها ضرورة أن تستند الممارسة الثورية إلى نظرية ثورية، وتفرضها الطبيعة التاريخية للمعرفة العلمية. لذا كانت الثورة دوماً مخاطرة. لكن لهذه المخاطرة قوانين بإمكان الممارسة النظرية أن تنتج معرفة تاريخية بها، إذا تمفصلت، باستمرار، على الممارسة السياسية، في ممارسة حزبية هي، في مبدئها، ممارسة تحويل ثوري للعالم.
ليس التناقض قائماً، في ذلك السؤال، بين «حركة تحرر وطني وحركة ثورية» إلا من حيث هو قائم، في أساسه التاريخي المعرفي، بين فكرين نظريين مختلفين، إذا اقتصرت، في تمييزهما، على ممارسة الحزب الشيوعي اللبناني، لقلتُ في الأول منهما إنه فكر ما قبل المؤتمر الثاني، وفي الآخر، إنه فكرٌ أخذت تتضح معالمه النظرية الأساسية، بعد هذا المؤتمر في صراع مستمر، خفيّ حيناً، وصريح حيناً آخر، ضد ذلك الفكر، في هدف التحرر من هيمنته، أو من بقاياه، في شتى ممارسات الحزب، حتى المرحلة الراهنة من حرب «نا» الأهلية المدمّرة. لا مجال، بالطبع، الآن للنظر في علاقات الاختلاف بين هذين الفكرين في الحقل التاريخي لممارسات الحزب. فمثل هذا النظر ينفتح واسعاً على تاريخ بكامله، ليست هذه الكلمة إطاراً له، ولستُ مؤهلاً للقيام به. لكنني لا أخطئ كثيراً إذا قلت إن حقل الختلاف الأساسي، أو قل للدقة، أن حقل التناقض بين ذينك الفكرين هو، في مقالة الرفيق مروة، حركة التحرر الوطني بالذات. ولئن أردت الذهاب في قراءة هذا النص إلى حدود القصوى لمنطق الفكر الذي يحكمه لقلت إن التناقض، في النظر في هذه الحركة، هو، في نهاية التحليل، قائم بين فكر برجوازي وفكر بروليتاري. وهو هو بينهما لإنه قائم، فعلياً، أعني تاريخياً، في هذه الحركة نفسها، بين نهج برجوازي ونهج بروليتاري. ومن الخطأ تبسيط الإمور إلى حد الظن أن كلاً من هذين النهجين خاصٌّ بطبقته، أو أن بين الاثنين فاصلاً مادياً يحول، بالمطلق، دون الانزلاق إلى مواقع الآخر. العكس هو الصحيح. هذا يعني، بوضوح كلي، أن الطبقة العاملة قد تنزلق، في شروط تاريخية محددة، بنهجها وممارساتها، إلى مواقع البرجوازية، وأن حزبها نفسه قد يقودها إلى مثل هذا الانزلاق. وهذا ما فعلته، في مرحلة معينة، لا سيما في حقل المسألة القومية، بسبب من قصور حزبها عن صياغة نهجها الثوري المناهض لنهج البرجوازية الرجعي. (ولمزيد من التفاصيل حول هذه القضية بالذات، بإمكان القارئ مراجعة الفصل الخامس من القسم الرابع من تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني أمام المؤتمر الوطني الرابع).
لهذا كله وجب النقد، في ممارسة نظرية مستمرة تقيم الحد الطبقي الفاصل في معرفة الحركة التحررية الوطنية، بين فكر برجوازي رجعي، وفكر بروليتاري ثوري. والنقد هذا ممكن على قاعدة ممارسة سياسية ثورية تقيم الحد الطبقي الفاصل في حقل هذه الحركة بين نهجين أساسيين: نهج برجوازي رجعي هو هو نهج الخيانة الوطنية، ونهج ثوري هو هو نهج التحرير الوطني، من حيث هو، بالذات، نهج الطبقة العاملة.
ما هي طبيعة هذه الحركة من التحرر الوطني؟ ما هي طبيعة الحركة الثورية العربية؟
فالحركة التاريخية الواحدة – كتلك التي هي موضوع هذا البحث – ليست، في المعرفة، وبها، واحدة، بل مختلفة باختلاف مفهومها النظري الذي هو، بالتالي، مختلف باختلاف موقع النظر الطبقي فيها. لذا، كان تحديدها، بالضرورة نفيّياً، أعني دياليكتيكياً، أو في تعبير آخر، ضدّياً. ليست حركة التحرر الوطني، إذن، في مفهومها البرجوازي، هي إياها في مفهومها الثوري. ومفهومها هذا يبني، في الممارسة السياسية والنظرية، ضد مفهومها ذاك، والعكس بالعكس. فهي، في مفهومها البرجوازي، مثلاً، ليست حركة ثورية، وليس لها، بالطبع، أن تكون كذلك، أو أن تقوم، بالتالي، بتحويل علاقات الإنتاج الموروثة. ليس للطبقة العاملة، في مفهومها هذا، أن تحتل فيها موقع القيادة، بل الموقع هذا يعود الى البرجوازية وحدها. وما على الطبقة العاملة إلا أن تكون سنداً لها، في إنتظار أن يجيء زمان الانتقال إلى الاشتراكية. لذا وجب الفصل، بحسب هذا المفهوم، بين زمانين: زمان التحرر الوطني الذي هو هو زمان الرأسمالية – التي حددها، للتجميل، فكرٌ منحرف بأنها وطنية - ، وزمان الاشتراكية.على الطبقة العاملة، في الأول، أن تكون في موقع التبعية الطبقية في علاقتها بالبرجوازية. وهذه، بالنسبة للفكر المنحرف إياه، برجوازية «وطنية» تسير في طريق من التطور ابتدع له البعض، من فضاء وهمي هو ما بين البينين، اسم « طريق التطور اللارأسمالي». فلا هو ما هو، ولا هو النقيض. ولا هو ضد لهذا، ولا هو ضد لذاك. إنه، فقط، وليد عجز الفكر عن معرفة الواقع. وربما كان وليد انتهازية سياسية تستتبع فكراً يظن نفسه نظرياً. وما هذا الفكر العاجز بفكر ماركسي، حتى لو أدّعى ذلك، أيّد ادعاءه بسلطة دولة. ومتى كان للدولة فكر؟ متى كان للفكر الثوري طابع رسمي؟ إمّا أن يكون الفكر نقدياً، وإمّا أن يكون مخصيّاً. وهو المخصيّ إذا استمدّ من سلطة الدولة سلطته. إذاك، يتمأسس، فيستحيل فكراً بيروقراطياً. وما هذا الفكر بفكر. إنه خادم السلطان وخائن نفسه. إنه المرتدّ بامتياز.
كيف يمكن نعت هذا الفكر بالثوري، وهو الذي يرى – بأمر من سيّده؟ ومن سيّده؟- ان على الطبقة العاملة ان تفوّض الى البرجوازية تحقيق كامل مهمات التحرر الوطني؟ كأن الطبقة العاملة ليست معنيّة بسيرورة التاريخ في حاضره، بل فقط، بآت لا اجل له. كأنها ليست ثورية الا بمقدار ما تستقيل من الثورة. ويجد مثل هذا الفكر المخصيّ اتساقه في تبرير نظري لهذه الاستقالة – او قل بالاحرى، لهذه الاقالة – هو ان حركة التحرر الوطني ليست حركة ثورية ما دامت هي ليست حركة "تغيير ثوري للمجتمع على طريق الاشتراكية". فالثورة الاشتراكية عنده دوماً مؤجلة، كأنها ليست منشودة الا كحلم، وسيرورتها ليست سيرورة تاريخية مادية، ولا هي ترتسم في سيرورة التناقضات الاجتماعية الفعلية الراهنة. انها اقرب الى الخيال منها الى الواقع. بل هي اقرب الى اليوم الآخر منها الى اليوم الحاضر. هل اخطئ اذا قلت انها وليدة فكر ديني هو، بالضبط، ذاك الفكر المخصيّ؟ ولها، بالطبع، صورته.
لا اجد في نص مروة نصاً كالذي عرضت. لكني ازعم ان هذا النص حاضر، بالنفي – او منفياً – في نصّه. يؤكد فيه مروة ان انتصار ثورة اوكتوبر الاشتراكية اعطى "للحركة الوطنية التحررية في البلدان المستعمرة والتابعة، محتوى جديداً، وجعلها تصبح، موضوعيا، جزءاً مكملاً من نضال البروليتاريا العالمية ضد الرأسمالية، جزءاً من الثورة الاشتراكية، وخلق بذلك، الاساس الموضوعي لكي تلعب الطبقة العاملة في هذه الحركة دور الطليعة والقيادة، انطلاقاً من كونها، أي هذه الحركة، كما اشرنا، بأهدافها المرحلية، التحرر من النير الاستعماري المباشر، واهدافها الستراتيجية، التحرر من التبعية للإمبريالية ولنظامها العالمي، وتحقيق تقدم شعبها، بما يستلزم، بالضرورة التحويلات الاجتماعية والتغيير الثوري، جزءاً من العملية الثورية العالمية. ان حركة هذا هو نوع مهماتها ونوع العدو الذي تواجهه في كفاحها من اجل الحرية والتقدم، هي بالضرورة، حركة ثورية".
هذا النص، على وضوحه، يستلزم مزيداً من التدقيق. فتحديد حركة التحرر الوطني بأنها، بانتصار ثورة اوكتوبر، جزء من الثورة الاشتراكية، او جزء من العملية الثورية العالمية، ليس كافياً، ولا يستنفد طبيعة هذه الحركة. او قل انه يطرح، بذاته، مشكلة: ماذا نعني بالقول ان هذه الحركة هي جزء من هذه الثورة؟ كيف نفهمه؟ المشكلة ليست لفظية، بل هي مطروحة كمشكلة نظرية وسياسية في ممارسات الحركة الشيوعية نفسها. والآراء حولها مختلفة. مثلاً، قد يرى البعض ان تلك الحركة ليست جزءاً من تلك العملية الثورية الا من خارج – ان صح التعبير –، او موضوعياً. أي انها ليست كذلك، من داخل، وبآليتها الداخلية نفسها، بل بسبب من شروط تاريخية خارجية تضعها في علاقة تحالف موضوعي مع الثورة الاشتراكية، في تصادمها بالامبريالية، حتى لو تفاوتت درجات هذا التصادم من بلد الى آخر، ومن حالة الى اخرى – وهي بالفعل متفاوتة -، وحتى لو كانت تلك الحركة، في جوهرها نفسه، أي في آليتها الداخلية، حركة بناء لعلاقات انتاج رأسمالية، او حركة انعتاق من الاقطاعية وتقويض لعلاقاتها، وانتقال، بالتالي، الى الرأسمالية.
الى مثل هذا الفهم الذي ساد في مرحلة تاريخية معينة – ربما لا تزال راهنة عند بعض الاحزاب – تنتمي مفهومات نظرية ك"الرأسمالية الوطنية" او "البرجوازية الوطنية". والتضامن بين هذه المفهومات قائم بالفعل، وهو فيها طبيعي. ربما كان يجد ركيزته النظرية، في نهاية التحليل، في فهم للتاريخ يتأول المادية الماركسية تأوّلاً سيئاً، اذ هو يرجعها -او يرجع بها- الى هيكل فقير من تعاقب انماط الانتاج هي اياها في كل البلدان، مهما اختلفت شروطها التاريخية –(المشاعية، الرق، الاقطاع، الرأسمالية، الاشتراكية او الشيوعية)-، وهو – اعني ذاك التعاقب- هو ايضاً اياه، في تكرار رتيب، مقيت. وما دام التاريخ يجري هكذا، فالضرورة – اعني ضرورة هذا التأويل السيئ – تقضي بأن تكون حركة التحرر الوطني بقيادة البرجوازية التي هي، اياها، وطنية؛ وتقضي ايضاً بأن تكون الرأسمالية وطنية، أي مستقلة، في تطورها نفسه، عن الامبريالية، فتقضي، بالتالي، باستقالة الطبقة العاملة وحزبها من العملية الثورية بالذات. ذلك ان مرحلة التحرر الوطني هي مرحلة البرجوازية، وهي هي المرحلة الراهنة. ليس على الطبقة العاملة، اذاً ، ان تتصدّى، بقيادة حزبها الثوري، لمهمات ليست من مهمات ثورتها. مهمات هذه المرحلة هي، بالعكس، مهمات، الثورة الوطنية الديمقراطية. ولقد مُسخت هذه الثورة، بمنطق ذلك التأويل السيئ، في "ثورة برجوازية وطنية" ليس للطبقة العاملة فيها سوى دور واحد محدّد هو دور السند الطبقي لهذه البرجوازية "الوطنية"، وموقع واحد محدد هو موقع التبعية الطبقية.
في نقد هذا المفهوم البرجوازي لحركة التحرر الوطني، بل في نقد هذا الفهم الانتهازي الذي انزلقت اليه فصائل من الحركة الثورية العربية نفسها، قيل الكثير – وهو قليل -، لا سيما في وثائق المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي اللبناني.
من داخل، اعني بآليتها الداخلية، وبمنطق سيرورتها كحركة عداء للامبريالية هي بالضرورة حركة عداء للرأسمالية، تتحدد حركة التحرر الوطني كجزء من الثورة الاشتراكية. وقد يعترض قائل: ان الواقع التاريخي الفعلي يؤكد عكس ما نقول، وان كثيراً من حركات التحرر الوطني مارست العداء للامبريالية، في اشكال مختلفة، دون ان تقود ممارستها هذه الى ممارسة العداء للرأسمالية. لمزيد من الدقة، اذن، يمكن القول ان العداء للامبريالية لا يكون بالفعل متسقاً الا بما هو عداء للرأسمالية، ومن حيث هو هذا العداء بالذات. ففي حقل علاقتها العضوية بأزمة الامبريالية، من حيث هي، بالدرجة الاولى، ازمة نمط الانتاج الرأسمالي نفسه، تتحدد حركة التحرر الوطني في ذلك الشكل التاريخي الذي يجعل منها جزءاً من العملية الثورية العالمية. وبايجاز كلي نقول ان عملية حركة التحرير الوطني هي، في مفهومها النظري، عملية تحويل ثوري لعلاقات الانتاج الرأسمالية القائمة بعلاقة تبعيتها البنيوية بالامبريالية. فالقطع عن الامبريالية والاستقلال عنها يقضيان بضرورة تحويل هذه العلاقات من الانتاج التي هي هي، في البلد المستعمر، القاعدة المادية لديمومة سيطرة الامبريالية.هذه يعني، في تعبير آخر، ان العلاقة الامبريالية تتجدد بتجدد هذه العلاقات من الانتاج، وتدوم بديمومتها، والعكس بالعكس. فلا سبيل الى تحرر وطني فعلي من الامبريالية الا بقطع لعلاقة التبعية البنيوية بها هو بالضرورة تحويل لعلاقات الانتاج الرأسمالية القائمة في ارتباطها التبعي بنظام الانتاج الرأسمالي العالمي. بهذا المعنى وجب القول ان سيرورة التحرر الوطني في المجتمعات التي كانت مستعمرة، اعني في المجتمعات الكولونيالية، هي هي سيرورة الانتقال الثوري الى الاشتراكية، من حيث ان هذه، كتلك، هي هي سيرورة تحويل علاقات الانتاج الرأسمالية القائمة في شكلها التاريخي الكولونيالي المحدد. هذا هو، بكل دقة، معنى ان تكون حركة التحرر الوطني جزءاً من الثورة الاشتراكية، ولا معنى آخر لمثل هذا القول. الا اذا قبلنا بذلك الفهم البرجوازي المتناقض الذي يضع هذه الحركة في افق انتقالها التاريخي الى النظام الرأسمالي العالمي، بفصله فيها ممارسة العداء للامبريالية عن ممارسة العداء للرأسمالية فصلاً مصطنعاً يقلب العداء للامبريالية تساوماً معها على قاعدة تأبيد علاقات الانتاج الرأسمالية وتأبيد علاقة ارتباطها التبعي بالامبريالية. نقول ان هذا الفهم البرجوازي متناقض وغير متسق لأنه يجعل من حركة التحرر الوطني التي هي، في مبدئها النظري، مناهضة للامبريالية، جزءاً لا يتجزأ من مناهضة الثورة، او قل لدرء الالتباس، انه يدفع بها الى ان تكون، او ان تصير، في مناهضتها الامبريالية بالذات، جزءاً من مناهضة العملية الثورية العالمية. من هنا يأتي الكلام-ربما-، في افق هذا الفهم البرجوازي، على امبريالية "اشتراكية" (او سوفياتية)، وامبريالية رأسمالية (او اميركية)، في تمويه – ان لم نقل في تعهير – لمفهوم الامبريالية، اهم ما فيه تغييبه مفهوم نمط الانتاج. هكذا تجري، في الحقل الأيديولوجي، تبرئة الرأسمالية، كأن الامبريالية ليست وليدة نمط بعينه من الانتاج هو نمط الانتاج الرأسمالي، او كأنها ظاهرة سياسية مستقلة بعقلها الذاتي عن كل عقل اقتصادي. ما اريد قوله، في هذا السياق، هو ان تغييب الاقتصادي- بما يعنيه الاقتصادي من نمط محدد من الانتاج – وسلخ السياسي عنه، للنظر فيه – اعني في السياسي- كأنه قائم بذاته، في استقلال كلي عن كل ما ليس هو، وبالتحديد، عن الاقتصادي؛ اقول ان ذلك التغييب ربما كان العمود الفقري الذي به يقوم بناء الايديولوجية البرجوازية. على هذه القاعدة من تغييب الاقتصادي وعزل السياسي عنه، يقوم ذلك الفهم البرجوازي لحركة التحرر الوطني الذي به تظهر هذه الحركة كحركة مناهضة للامبريالية، دون ان تكون مناهضة للرأسمالية. كأن غايتها هي، بالعكس، ان تتوسل الاستقلال السياسي لتكريس تبعية الاقتصاد الرأسمالي "الوطني". ان الفصل المفهومي نفسه بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي في افق حركة التحرر الوطني يندرج في ذلك الفهم البرجوازي الذي انزلقت اليه، في شروط تاريخية محددة، فصائل من الحركة الثورية، غاب عنها ان الانعتاق من الامبريالية لا يكون فعلياً ومتسقاً الا بانعتاق من الرأسمالية، فاذا لم يكن التحرر الوطني هذا الانعتاق، انحصر في استقلال سياسي هو شكلي، بمعنى انه الشكل السياسي الذي فيه تتجدد علاقة التبعية البنيوية بالامبريالية، في تجدد علاقات الانتاج الكولونيالية. وهو، بالتالي، الشكل الملائم لسيطرة البرجوازية الكولونيالية.
فقياساً على المنطق النظري لهذه الحركة، في تحددها الداخلي كحركة ثورية، يجري الكلام على هذه الازمة. انه، اذن، كلام يستند، في امكانه نفسه، الى نظرية ثورية هي، حتى لو كانت فيه ضمنية، نقيض النظرية الانتهازية التي يستند اليها كلام آخر ينفي وجود هذه الازمة، او قل انه ينفي ان تكون حركة التحرر الوطني في ازمة. والازمة هذه عميقة، مزمنة، معقدة. انها تكمن، في وجه منها، في علاقة التناقض بين الطبيعة التاريخية للحركة التحررية، من حيث هي، كما ميّزناها في مفهومها النظري، حركة تحويل ثوري لعلاقات الانتاج الكولونيالية القائمة، والطبيعة الطبقية لقيادتها البرجوازية الفعلية. فالبرجوازية، في قيادة هذه الحركة، ليست في موقعها الطبقي الطبيعي: كيف يمكن ان نطلب من البرجوازية ان تقود حركة ثورية تستهدف تقويض الاسس المادية لسيطرتها الطبقية نفسها؟ أي منطق هذا الذي يقول بأن على البرجوازية ان تقود ثورة تضع التاريخ الاجتماعي على طريق الاشتراكية؟ لئن وجد مثل هذا المنطق في الحركة الثورية، فهو هو المنطق الانتهازي الذي افقد الطبقة العاملة استقلالها الفكري، وغيّب ايديولوجيتها الطبقية الثورية، فوضعها في علاقة تبعية سياسية وفكرية بالبرجوازية، هي التي تظهر، واضحة ساطعة، في نظرية لا تزال حاضرة في وجهيها المترابطين، وتنفي، بالتالي، وجود الحركة التحررية الوطنية في ازمة. واتساق الفكر يقضي بواحدة من اثنتين: اما ان تكون حركة التحرر الوطني حركة ثورية، بالمعنى الذي تحدد سابقاً، فتكون هذه الحركة، بالضرورة، في ازمة هي التي يجري عليها الكلام في وثائق المؤتمر الرابع. واما ان تكون غير ذلك، كما هي في مفهومها البرجوازي التي تحدد، ايضاً، سابقاً، فلا تكون حينئذ في ازمة.
ما اريد قوله، اذن، هو ان نفي وجود تلك الازمة في تلك الحركة يستند، ضمنياً، الى نظرية برجوازية هي نقيض النظرية التي يستند اليها التحليل القائل بوجود هذه الازمة. هذا يعني ان حركة التحرر الوطني هي حقل لصراع طبقي بين نهجين سياسيين ونظريين: نهج برجوازي لا يقتصر على ممارسات البرجوازية وحدها، بل يتعداها الى فصائل من الحركة الثورية نفسها قد تنزلق، في شروط تاريخية محددة، الى مواقعه؛ ونهج ثوري هو نهج الطبقة العاملة.
وحتى لا يكون التباس، اقول: ليس في ما سبق من قول أي نفي لامكان وجود تناقض بين البرجوازيات العربية المسيطرة والامبريالية، او بين انظمة هذه البرجوازيات ونظام الهيمنة الامبريالية. فالتناقض هذا، بالعكس، قائم في وجود علاقة التبعية نفسها، او بفعل هذه العلاقة التي تربط انظمة هذه البرجوازيات،على اختلافها، بنظام الهيمنة الامبريالية. هذا يعني، في تعبير آخر، ان علاقة التبعية هذه القائمة في اطار وحدة النظام الاأسمالي العالمي، هي علاقة معقدة متناقضة. فهي تضع تلك البرجوازيات وانظمتها في علاقة تصادم مع الامبريالية، تتفاوت مستوياتها، وتختلف اشكالها بحسب الشروط الخاصة بهذا النظام او ذاك من انظمة سيطرة البرجوازيات العربية. لكنها، في الوقت نفسه، هي التي تؤمن، بتجددها ديمومة تجدد هذه الانظمة التي، بتجددها، تؤمن ايضاً، بدورها، ديمومة تجدد العلاقة من التبعية، فتؤمن، بالتالي، تجدد القاعدة المادية نفسها للهيمنة الامبريالية. بتصادمها مع الامبريالية، تكتسب تلك الانظمة البرجوازية طابعاً وطنياً يتعزز كلما احتدم التناقض وتفاقم الصراع بينها وبين الامبريالية؛ فاذا ضعف هذا التصادم، او الصراع بين الطرفين، فانقلب، بالعكس، تساوماً، ثم انهزاماً، فقدت تلك الانظمة، بالطبع، طابعها الوطني، واكتسبت طابعاً رجعياً يضعها، في حقل الصراع الطبقي المحتدم بين الامبريالية والشعوب العربية، في ظرف واحد مع الامبريالية والصهيونية. بين هذين الطابعين النقيضين: الطابع الوطني والطابع الرجعي، ترتسم صيرورة انظمة البرجوازيات العربية، وتتفاوت على قاعدة واحدة هي قاعدة بنيتها كأنظمة رأسمالية. لكن الموقف منها يختلف باختلاف موقفها من الامبريالية. فاذا كان موقفها هذا تصادمياً، اعني معادياً للامبريالية، حظيت من القوى الثورية بالدعم والتأييد. لكن ما يجب تأكيده ثانية في هذاا المجال هو ان ممارسة البرجوازية للعداء للامبريالية تصطدم فعلياً بحدود لا يمكن تخطيها هي، بالضبط، حدود المصلحة الطبقية للبرجوازية في تأمين اعادة انتاج علاقات الانتاج الرأسمالية الخاصة بنظام سيطرتها الطبقية، في ارتباطه التبعي نفسه بالامبريالية. هذا يعني ان ممارسة البرجوازية للعداء للامبريالية ليست متسقة، ولا يمكن لها ان تكون كذلك. فاتساقها يقضي، كما رأينا سابقاً، بضرورة ان تكون، في آن، ممارسة عداء للرأسمالية. والبرجوازيات ليست، بالطبع، قادرة على هذا الذي هو بالفعل عمل على تقويض اركان نظام سيطرتها الطبقية. ان عجز البرجوازية عن قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية يجد اساسه المادي في هذا التلازم الضروري بين العداء للامبريالية والعداء للرأسمالية، وفي استحالة ان تكون البرجوازية، بالتالي، مناهضة للرأسمالية، في مناهضتها المحدودة للامبريالية. والتحرر من الامبريالية ليس ممكناً الا بما هو تحرر من الرأسمالية، والعكس بالعكس. وهذا ما لا تقوى عليه البرجوازية. فمصلحتها الطبقية تدفعها الى العمل على تأبيد نظام سيطرتها الطبقية، وبالتالي، على تأبيد علاقات الانتاج الرأسمالية، بينما تدفعا علاقة ارتباطها التبعي بالامبريالية الى محاولة الانعتاق منها، في افق البحث عن تطور رأسمالي مستقل هو، في مبدئة نفسه، امر مستحيل. ولا توفيق ممكناً بين هذين النقيضين: تأبيد علاقات الانتاج الرأسمالية، والانعتاق من الامبريالية. اما المراوحة بينهما، فتأجيل لحسم ضروري لا بد آت، مهما طال اجله: فاما التوجه في افق التطور الرأسمالي الذي لن يكون ممكناً سوى في اطار علاقة التبعية البنيوية بالامبريالية، في اطار تجدد هذه العلاقة. واما التوجه في افق التحرر الفعلي من الامبريالية، بكسر لعلاقة التبعية هذه هو، بضرورة منطقه نفسه، تحويل لعلاقات الانتاج الرأسمالية، أي بالتالي، انتقال ثوري من الرأسمالية الى الاشتراكية، ترتسم في سيرورته التاريخية الداخلية، حكماً، سيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية. ولكل من هذين التوجهين النقيضين منطقه وشروطه. فمنطق الاول ان يكون بقيادة البرجوازية، ومنطق الثاني ان يكون بقيادة الطبقة العاملة. ولا يغير من حقيقة هذا الامر وصول فئات من البرجوازية الصغيرة او المتوسطة، في شروط تاريخية محددة، الى موقع السيطرة الطبقية في السلطة، وتصديها، من موقعها هذا بالذات، لمهمات الثورة الوطنية الديمقراطية، بل ونجاحها المحدود والمؤقت في تحقيق بعض هذه المهمات. فما دامت علاقات الانتاج القائمة رأسمالية، وما دام تجددها هو الاطار الذي فيه يجري التصدي لتلك المهمات، وينجز بعض منها، وفيه ايضاً يمارس العداء للامبريالية، وما دامت تلك الفئات، من موقعها في السلطة، تعمل على تأمين اعادة انتاج تلك العلاقات من الانتاج الرأسمالية، في اشكال وشروط قد تختلف عنها في مرحلة سابقة، فان اعادة الانتاج هذه تقف عائقاً منيعاً يعترض سيرورة التحرر الوطني، ويحول دون تحققها، ويتهدد حتى ما تم انجازه من اصلاحات، في مرحلة سابقة من النهوض الوطني، فيتوفر به شرط اساسي لردة رجعية تبطل تلك المراوحة، وتحسم امر التطور العام، الاقتصادي والسياسي والفكري، في اتجاه رأسمالي صريح يعيد الى السلطة صفاء طابعها البرجوازي، ويعزز التبعية ضد محاولات تقليصها. ذلك ان الاولية المطلقة في حقل الصراع الطبقي السياسي هي، بالنسبة للامبريالية والبرجوازية الرجعية، وحتى بالنسبة لتلك الفئات الوسطية من البرجوازية التي تحتل في السلطة موقع السيطرة الطبقية- وهو موقع البرجوازية بامتياز-؛ اقول: ان تلك الاولية المطلقة هي لسد الطريق على الثورة، وتعطيل كل امكانية للتغيير الثوري، وضرب ادوات هذا التغيير، ومنع تحققه، بكل الوسائل، بما فيها الحرب الاهلية.
طبيعي جداً ان تقود البرجوازية الكولونيالية حركة التحرر الوطني الى ازمتها الراهنة، وان تحول دون انجاز مهماتها، وان تقف عائقاً اساسياً في وجه سيرورتها الثورية، بل ان تعمل على وضعها في تناقض مع منطقها الداخلي نفسه، كحركة مادية ثورية، وان تقلبها، بالتالي، نقيضها وطبيعي جداً ان تخون هذه الطبقة مصالح الشعب والوطن، وان تمارس خيانتها الوطنية هذه يومياً، في شتى حقول الصراع الطبقي المحتدم في حركة التحرر الوطني. وتاريخ خياناتها في ارجاء العالم العربي عريق، عتيق. ولسوف تضيف اليه، في المراحل اللاحقة، صفحات اخرى لن تقف خيانتها فيها عند معاهدات كامب دايفد (او اسطبل داوود، على حد تعبير القذافي). لكن، ليس من الطبيعي بتاتاً ان تستقيل الطبقة العاملة، واحزاب الطبقة العاملة، من مسؤوليتها التاريخية المباشرة عن قيادة الحركة التحررية الوطنية، وان تفوّض الى البرجوازية امر هذه القيادة، وان تكرس هذا التفويض في نظرية، تنسبها، زوراً، الى الماركسية، بينما هي في الشكل الانتهازي الذي تظهر فيه الايديولوجية البرجوازية في ممارسات فصائل من الحركة الثورية في حقل الصراع الوطني. ان الازمة الفعلية في حركة التحرر الوطني وفي قيادتها الطبقية هي، بالتحديد، ازمة هذا النقيض الطبقي الثوري، نقيض البرجوازية. وهذا هو وجهها الآخر. انه الكامن في ان النقيض الثوري هذا، ليس في نهجه وممارساته فيها، ثورياً. ذلك انه لا يزال ينزلق، في نهجه وممارساته، الى مواقع البرجوازية، او قل، للتلطيف، على انه لا يزال قاصراً عن ان يكون، او، بالاحرى ان يصير، بالنظرية والممارسة، ما عليه ان يكون وان يصير: اعني النقيض الثوري الفعلي. ولا بد، لهذا، من اقامة الحد الطبقي الفاصل بينه وبين نقيضه البرجوازي، في شتى حقول الصراع الطبقي المحتدم في حركة التحرر الوطني. واقامة هذا الحد تعني تمييز الاختلاف ورسمه في حقول الصراع جميعاً بين النقيضين. انها سيرورة ممارسية، في حقل النظرية. انها، في تعبير آخر، ممارسة مستمرة لنضال ثوري، متعدد الحقول والاشكال، هو الذي ينتج الاختلاف الطبقي بين النقيضين. فالاختلاف هذا، اذن، ممارسي، اعني انه وليد ممارسة ثورية تنتجه وبها يتميز النقيض من النقيض، ويكون بها نقيضه. بايجاز اقول، في تحديد تلك الازمة التاريخية المزمنة المعقدة، انها تكمن في ان كلاً من النقيضين الطبقيين: البرجوازية والطبقة العاملة، لا يحتل في تلك الحركة الموقع الطبقي الذي هو فيها موقعه الطبيعي، بحسب طبيعة هذه الحركة نفسها، وبحسب منطقها التاريخي، أي بحسب مفهومها النظري. فموقع القيادة الطبقية فيها هو، بطبيعتها كحركة مادية ثورية، موقع الطبقة العاملة. لكن البرجوازية هي التي تحتله، والطبقة العاملة تحتل في هذه الحركة، بالعكس، موقع السند الطبقي لهذه البرجوازية الكولونيالية المسيطرة، أي موقع تبعيتها الطبقية، السياسية والنظرية، لها. وحركة الوطني هي، لهذا، في ازمة لا يمكن، بالتالي، اخراجها منها الا بأن تحتل فيها الطبقة العاملة موقع القيادة الطبقية، فأزمتها، اذن، هي في الحقيقة ازمة هذه الطبقة، في قصور حزبها عن تحديد النهج الثوري السليم الذي يمكنها، بالفعل، من احتلال هذا الموقع فيها. فميزة الحركة الثورية العربية، وميزة احزابها، هي، بعامة، قصورها الفاضح عن القيام بدورها في تدعيم اسس وجودها على قاعدة نهج ثوري صحيح هو نهج الطبقة العاملة في قيادة سيرورة التغيير الثوري. ميزة الحركة الثورية العربية، انها، اذن، في ازمة. وازمتها هي في قصورها السياسي وقصور احزابها عن قيادة هذه السيرورة. وازمتها هي السبب الرئيسي في تعثر هذه السيرورة، ان لم نقل في تعطلها. وهي التي تسمح، بالتالي، بتأبيد انظمة البرجوازيات العربية، وتؤمن لازمة البرجوازيات وانظمتها ديمومة التجدد. هذا هو السبب الرئيسي لوجود حركة التحرر الوطني في العالم العربي في ازمة.
ان هذه الحركة في ازمة، لأن الحركة الثورية فيها هي في ازمة. فمأساة الثورة ان تكون اداة الثورة عائقاً لها.
فهل ستكون الطبقة العاملة قادرة على تكوين حركة ثورية جديدة تقود السيرورة الثورية في الحركة التحررية الوطنية العربية؟
انها قادرة على ذلك، اما بقيادة احزابها الراهنة اذا استجابت هذه الاحزاب لضرورات هذه السيرورة الثورية؛ واما بقيادة اخرى، اذا استمرت قابعة في قصورها السياسي. فوجود تلك الحركة الثورية الجديدة بات ضرورة ملحة هي جديد المرحلة في كل بلد عربي.
مهدي عامل
بثينه عبدالعزيز
05-06-2009, 12:21 PM
ثقافة وامعتصماه!
سيد القمني
«اذهبي حيث شئت فسوف يأتيني خراجك» العبارة الفاخرة الباعثة للاعتزاز عند كل مسلم، التي قالها هارون الرشيد لسحابة مارة. كناية عن اتساع إمبراطوريته، وكيف سيعود على الخليفة/ الإمبراطور العائدُ المالي أو الخيرُ العيني أينما أمطرت تلك السحابة، وهو الخليفة الذي بلغت الإمبراطورية الإسلامية في زمنه أوج اتساعها. لكن الفقهاء كعادتهم كانوا يردون على انغماس هذا الخليفة في الملذات الدنيوية بأنه يجب ألا ننسى أنه «كان يحج عاماً ويغزو عاما»! وتاريخ الملذات في قصور الخلافة الإسلامية تاريخ وسيع حافل، يشير إلى النعمة العظيمة التي عاش فيها الخلفاء المسلمون وأهلوهم وبطانتهم من الحروب والفتوحات الميمونة، مما يسبب للمسلم المهان اليوم فخراً تنتفخ له الأوداج بهذا التاريخ المشرّف العظيم، بعد أن علمونا في المدارس وفى الدروس الواعظة بالمسجد وبالتلفاز وبالصفحات الدينية بالصحف اليومية، وعبر سيل الصحف الدينية والكتب الإسلامية، كيف كانت أمتنا أعظم الأمم، وكيف احتلت الإمبراطورية العربية القرشية الإسلامية معظم المعمورة المعروفة حينذاك، فكانت قوة مرهوبة الجانب عظيمة البأس.
وأن هذه الأمة هي ماضينا السعيد وزماننا الذهبي الذي يشكل اليوم، في ظل انهيار المسلمين البائس في قاع تراتب الأمم، حلما وخيالا وأملا في استعادة هذا الزمان البديع، خاصة مع احتلال أراضٍ عربية من أشد الناس كراهةً عند المسلمين. بل أشدهم هواناً على الله وعلى المسلمين، وأنهم من ضربت عليهم الذلة والمسكنة، ورغم ذلك فهم اليوم الأقدر على إذلال خير أمة أخرجت للناس، وأنهم من ضربوا عليها الذلة والمسكنة والهوان.
ثم ماذا لو تذكرنا أسطورة فتح عمورية المليئة بالمعاني العربية العالية من قيم النخوة والشهامة والعرض الرفيع الذي لا يسلم من الأذى إلا إذا أرقنا على جوانبه الدم، وكيف صرخت المرآة العربية المجهولة عندما اعتدى عليها بعض الروم على حدود الدولة الإسلامية ونادت التاريخ ليسجل صيحتها المدوية: «وامعتصماه». وكيف أن الصيحة بلغت المعتصم فقام ينتقم لها باحتلال عمورية والولوغ في دماء أهلها وفروج نسائها ليضمها إلى بلاد المسلمين درسا وعبرة لمن يفكر بالاعتداء على الشرف العربي الرفيع من الماجدات المسلمات. لقد أراد الخليفة وهو في مجده الاستيلاء على عمورية فاستولى عليها، والإسلام ليس بحاجة لمبررات لضم البلاد للدولة، فهو مهمة إسلامية أبدية ما دامت مستطاعة، ومع ذلك قام المؤرخون يحكون لنا عن امرأة مجهولة استصرخت الخليفة على عرضها فقال لها : لبيك، أي فخر وأي اعتزاز وأي شرف وأي كبرياء ضاع من أمة المسلمين! ثم أي اهتمام ليس بمواطن بل بمواطنة ؟؟ تثأر لشرفها الدولة جميعا فأي كرامة كان يتمتع بها المواطن في دولة الإسلام العظمي!. ومن ثم يبيت يقين المسلم اليوم أنه لا حل إلا باستعادة تلك المملكة الواحدة التي ما يغلبها غلاب، وأن هناك أسبابا قد تخلينا عنها فتخلى عنا ربنا فتحولنا عن الماضي السعيد إلى الحاضر الكئيب، ولاشك عند المؤمن الطيب أن أهم هذه الأسباب عدم الالتزام بأوامر ونواهي ديننا، وأهمها في ميدان السياسة هو الحكم الإسلامي الملتزم دينيا، وساعتها ستتكفل أيدي العناية الربانية بتحقيق المراد من رب العباد.
وهكذا لا ينصرف المسلم إلى البحث عن أساليب تناسب هذا الزمان ليجد لنفسه مكانا في هذا الزمان، فهو لا يريد مكانا بل يريد كل شيء أو لا شيء! هو لا ينشغل بالمشاركة في الحضارة العالمية ليلحق بها خروجا من أزمته، ولو بسهم يبدأ متواضعا ثم يكبر مع الأيام، بقدر ما ينشغل بحكايات الماضي المجيد. ويتعلق به تعلقاً عصابياً مرضياً لا يسمح للعقل بالتفكير في الحاضر وأدواته ولا في المستقبل وسبل التخطيط له، بل يصل الأمر به إلى رفض هذا الحاضر وتهوين شأنه والحط من إنجازاته، رغم أنها الأعظم في كل تاريخ الإنسانية قياسا على أي ماضٍ. ورفض المستقبل ضمنيا لصالح ماض مهما أنتج حتى لو استعدناه فسيظل قياسا على المنجز السياسي والاقتصادي والعلمي اليوم متخلّفا بفارق القرون التي تفصلنا عنه سواء في وسائل عمله أو مناهجه في التفكير أو أساليب التمدين ومفارقتها لزمننا بما لا يقارن.
والملحوظات التي تفرض نفسها إزاء هذا الموقف عديدة، تعالوا نتابعها معا علنا نظفر بطائل من ورائها. الملحوظة الأولى: هي استثمار رجال الدين وحملة ألويته من إخوانٍ وجماعات لمأساة المسلمين اليوم من أجل الحصول على مزيد من مساحات السلطة والسيطرة بالدين، بإعادة كل شىء إلى الدين. وأن هزيمتنا الحضارية الماحقة هي نتيجة تخلّي مسلمي بلادنا البسطاء عن شروط دينهم التي اشترطها ربهم لنجدتهم عند اللزوم، قياسا على دولتنا العظيمة الماضية، بخلط وتزوير تاريخي على المؤمنين، يصور للناس أن دولة الإسلام كانت دولة الشريعة والعدل والمساواة، لذلك نصرها ربها، بينما ما حدث لم يكن كذلك أبدا.
ولا يشك المسلمون السنة أن خير القرون بعد النبي كان زمن الخلافة الراشدة «أبوبكر وعمر وعثمان وعلي»، وأنهم أقاموا الدولة المثالية عدلا وشريعة، وكانوا أكثر الأمناء على الإسلام بعد نبيه. ومع ذلك مات أبوبكر مسموما في كثير من الروايات، ومات عمر مطعونا بخنجر، وتبعه عثمان ممزقا بسيوف الصحابة وأبناء الصحابة، ولحقه علي مطعونا بالسيف، وهو ما يعنى أن إقامة الشرع في الأرض لم يحمِ كبار رؤوس الدولة، وأهم الشخصيات في تاريخنا الديني بعد النبي. وهو ما يعنى أن الإلتزام الدقيق بشروط الإسلام النموذجية لم يحقق الأمان للخلفاء أنفسهم، فكيف كان شأن المواطنين!. وهو أيضا ما يعني أنه ليست هنا نتائج سحرية تترتب على تطبيق الشروط الدينية. فهذه كانت الخلافة الراشدة حيث الشريعة مطبقة أحسن التطبيق. وعلى الجانب الآخر ومع بدء الخلافة الأموية، مورست كل ألوان العربدة في قصور السادة والأثرياء والحكام، وحدّث عن ألوان الجنس والعشق الشاذ والمثلي دون حرج، والتغني بالغلمان المرد وصنوف الخمر، وكل ألوان المجون والخلاعة. بل إرسال الشعر في مجالس الخلفاء تسخر من رسالة محمد وتعلن الكفر بها. ومع ذلك كله فإن الدولة قد حققت أقصى فتوحاتها وحققت كرامتها وعزتها الدولية، دون تطبيق شرع ولا حكم بدين، ولم تكن يوما دولة إسلامية «حتى لا نظلم الإسلام». والمعنى المقصود أن ما يحدث على الأرض من وقائع في ظل شروط ظرفية بعينها هو ما يحدد نتائجه وليس أي دين من الأديان.
الملحوظة الثانية: هي أن مبدأ الفكرة برمته يقوم على خطأ واضح وظلم بين لأهلنا وناسنا من المسلمين البسطاء الطيبين الصالحين، وتصويرهم كأحط الشعوب في تخليهم عن ربهم حتى أنزل بهم هذه المهانات وتلك المذلة، رغم أن الواقع يفصح لنا بغير ذلك بالمرة. ومعلوم أن أكثر شعوب الأرض تدينا هم المسلمون، وليس أدل على ذلك - كما قلت مرة - أنه ليس في الدنيا اليوم من يقدم طائعا على الموت إخلاصا لدينه وحبا فيه سوى المسلم وحده. ثم من الظلم الفادح تعميم الفساد على كل العباد، فهذا اجتراء على الفتوى، وتعميم هو الفاسد وفى غير مكانه ولا ظل له من موثق في شريعتنا.
وإن تعداد الصائمين الركع السجود اليوم هو أكبر وأعظم عددا وأخلص للدين من زمن هارون الرشيد بمسافات واسعة، ومن ثم فهم ليسوا الأبعد عن دينهم، بل هم الأسوأ في علاقتهم بزمنهم وظروفه ومتغيراته والتطور العلمي والحضاري الهائل فيه، وأن ذلك هو السبب الأساسي في تخلفهم وليس تخليهم عن دينهم ولا نبيهم ولا ربهم.
الملحوظة الثالثة: أن كل هذا الغم وكل هذا الهم مشغول فقط بالأمة وكرامة الأمة، وبالدين الذي له رب يحميه، ولا تجد انشغالا بالفرد المواطن ولا أين هو من كل هذا، ولا مجرد الاهتمام بمعرفة وضع المواطنين في الإمبراطورية الإسلامية الراحلة، لكن لم تشغله سوى الكلية القبلية، لأن ذلك كان حال زمنه وطبيعة وضعه المجتمعي، حيث كانت تشكل القبيلة المنظومة الاجتماعية الأساس.
وحتى اليوم ستجد المواطن الفقير المدقع المظلوم الذي لا يجد قوت يومه شديد الانشغال بما يحدث في البوسنة وبلاد الأفغان والشيشان وكشمير أكثر مما ينشغل بأوضاعه المتدنية وبحقوقه الضائعة، بل أحيانا يكون ضد تلك الحقوق لأن ثقافة الكلية القبلية ضد هذه الحقوق الفردانية، فليس له حق الخروج من هذه الكلية، وليس له الاعتراض على قواعدها. وأن تلك أسس عقيدية إيمانية يرضخ لها طائعا، ثم ينشغل بالأمة الضائعة لا بحريته المسلوبة، لأن الربوبية القبلية تتناهى مع القبيلة التي كانت في بداوتها تتحرك دوما في حماية ربها الذي هو رمز القبيلة أو هو القبيلة نفسها، لذلك أبدا لم تعرف القبيلة الوطن والمواطنة وكرامة المواطن. إنما تعرف حياة القبيلة كلها وكرامة القبيلة كلها بدون كل فرد فيها هو فرد شغال كالشغالة في خلية النحل تعمل منذ وعيها حتى موتها دون هدف ذاتي واحد، وعادة ما يطرب المحترفون من أهل الدين بهذا المنال تحديدا ويطلبونه نموذجا للخلية الإسلامية في أمثلتهم الشارحة للدولة النموذجية المتأسلمة.
المهم هو القبيلة وثقافة القبيلة الجمعية وسيادتها على القبائل الأخرى، وكما كان البدوي في جاهليته يموت طائعا من أجل الجماعة صراعا على خيرات البيئة الشحيحة، فإن المسلم يفعل ذات الفعل اليوم دون تحقيق أية كرامة حقيقية للفرد المواطن المسحوق، بقدر ما يتصور أن ذلك من أجل الله ومن أجل القبيلة الأمة، ولهذا يموت طائعا سعيدا، لكن في زمن اختلفت فيه القيم والمعايير، وتحول فعله بمفاهيم اليوم إلى إجرام إرهابي، ولا يختلف على ذلك اثنان.
وحتى يستعيد المسلمون عصرهم السعيد قاموا يعيدون تخليق العوامل والأسباب القديمة بأساليبها القديمة التي نصرت المسلمين في تلك الأزمنة القديمة وهم قلة أذلة، واستيلاء طرائق ذلك الزمان الغابر مرة أخرى في طرائق للسلوك والتفكير والشرائع والمظاهر في كل دقيقة وكبيرة من تفاصيل تلك الأزمان تأكيدا للمبدأ السحري. أن الشبيه ينتج الشبيه مما يلزم عنه بالضرورة عند التزام ذلك الزمان بكامله أن يولد اليوم النتيجة الشبيهة بتدخل سماوي إعجازي سحري مفاجئ انقلابي، ليعيد إفراز النتائج القديمة بغض النظر عن تغير حال الدنيا منذ ذلك الزمان، وبين زماننا إلى حال لا علاقة له بالحال القديم لا من قريب ولا من بعيد. ورغم أن نبي المسلمين لم يلجأ يوما إلى السحر أو السحرة، بل إن دين الإسلام أعلن محاربته للسحر وأهله ومناهجه وطرقه، وحرم حتى التمائم للتبرك وهى المنتشرة في كل الأديان بل حرم التطير والتنبؤ والاعتقاد في الفأل، ومع ذلك تحول أتباع هذا النبي والمؤمنون بهذا الدين في زمن العلم إلى العقلية السحرية في انتكاسة مروعة تتحقق الرغبات بموجبها في الواقع بممارسة بعض الطقوس وتلاوة بعض التلاوات، متصورين أن بإمكان بعض التصورات الذهنية عن عالم ذهب وولى للفعل في الواقع اليوم، رافعين لذلك شعارات واهمة لا علاقة لها بأي واقع مثل: الإسلام هو الحل، أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.. الخ، وهى كما نرى أمامنا سيل من التمنيات النفسية الموسعة توسيعا عظيما قياسا على القدرات المحدودة والحقائق المانعة لتحقق هذه التمنيات، لتصبح أحلام يقظة تشم بها الشعوب التي تعيش مراحل طفولة عقلية بدائية، أو تلك التي أصابها عجز الشيخوخة وخرفها.
ولكن لا يمكن أبدا أن يختلف أحد على أن العرب المسلمين قد أقاموا إمبراطورية قوية مرهوبة الجانب، وأنها حققت انتصارات وفتوحات عظمي، لذلك كانت عبارة الرشيد للسحابة المارة «اذهبي حيث شئت فسوف يأتيني خراجك»، وهو ما ينقلنا إلى النظام الاقتصادي الذي قامت عليه الدولة، حيث كان من تمتعوا بالثروة والجاه والسلطة هم غير المنتجين والذين لا علاقة لهم بالسعي الإنساني من أجل إنسان كريم يمكنه أن ينتج وينجز، فالسحابة أينما أسقطت مطرها ستجد أقنان الأرض وفلاحي البلاد المفتوحة يزرعون ويحصدون ثم يجمع الحصاد جزية وخراجا ليرسل للسادة العرب الولاة الذين يرسلونه بدورهم إلى عاصمة الخلافة بعد أن يأخذوا منه نصيبهم.
ويفخر تاريخنا أنه في زمن مبكر بعد الفتوحات في مصر والشام والعراق، زمن عثمان بن عفان، قد بيعت الجارية بوزنها ذهبا، فهنا جارية مجلوبة من البلاد المفتوحة سبية أو مخطوفة من تجار الرقيق، وهناك مشترٍ كان حتى الأمس يقتل الآخرين للحصول على رداء لا يستر العورة أو بعض التمر واللبن، وأن هذا المشترى قد أصبحت ثروته بعد الفتوحات قابلة لفعل متهتك سفيه دفعته لشراء جارية بوزنها ذهبا! هنا لابد أن نسأل عن الإنسان في دولتنا الإسلامية العربية طوال تاريخها المجيد الذي نريد أن نستعيده، وماذا وقع وحدث للبشر في البلاد المفتوحة وللمسلمين من غير السادة العرب المعروفين بالموالى، ناهيك عما جرى لأهل الذمة بشروط العقد العمري، لنفهم من تمتع بالثروة ومن أين جاءت، وماذا كان مفهوم العدل في تلك الدولة، وكيف كان يطبق، باختصار سنبحث عن الإنسان المواطن العادي في تلك الدولة الجبارة المنتصرة التي نفخر بها ويريد بعضنا استعادتها مرة أخرى، وهو حديث ذو شجون يحتاج منا أن نتابعه معا في العدد المقبل لأن له شئونا تطول، لنبدأه من الآن بالسؤال: هل كان للدولة والجيش والسلطان أن يغيث استغاثة مواطن يجأر من الظلم في بلاد المسلمين على يد المسلمين مناديا «وامعتصماه»؟!.
بثينه عبدالعزيز
05-07-2009, 09:41 AM
نصر حامد أبو زيد
== على مشروع الإصلاح الديني تجاوز حالة "اللامساس" بالقرآن ==
قال المفكر والأكاديمي المصري نصر حامد أبو زيد إن مشروع الإصلاح الديني وصل إلى حائط لا يمكن اختراقه إلا بقبول مراجعات جديدة لمسائل من قبيل "المحرمات" في الخطاب العام.
ورأى أبو زيد أن حالة "اللامساس" بالقرآن وعدم الاقتراب منه خارج نطاق أسوار التراث هي بمثابة عنق الزجاجة التي على مشروع الإصلاح الديني أن يجتازها.
وعن مدى امتلاك بعض التيارات الفكرية كالقوميون الجدد، والعلمانيون، ودعاة المجتمع المدني لمشاريع وحلول جديدة قال أركون في اللقاء الذي أجراه الصحفي حسن سلمان والمنشور في موقع "الأوان" الإلكتروني بأنه لا يوافق على أن أحد هذه المشروعات يمتلك القدرة على الحل وحده.
وأضاف "ما تحتاجه مجتمعاتنا هو مشروع تساهم في صياغته كل القوى المدنية – دون استبعاد أي فريق أيا كانت منطلقاته الإيديولوجية - التي تؤمن بضرورة التغيير وتسعى من أجل مجتمع حديث ديمقراطي متحرر، مجتمع يتمتع فيه كل المواطنين بحقوق قانونية متساوية اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ولا يتم الوصول إلى صياغة هذا المشروع إلا من خلال حوار مجتمعي شامل، وهو حوار لا يتحقق إلا بشرط توفر "الحرية". من هنا السعي بكل السبل المدنية لانتزاع هذا الحق الأساسي من أنياب الطغيان والديكتاتورية والفساد".
وفيما يلي نص الحوار:
ثمة إشكالية يثيرها بعض المفكرين حول علاقة الإسلام بمفهومي الديمقراطية والحرية، إذ يرى البعض منهم أن الإسلام بوضعه الحالي لا يستطيع الانسجام مع المفهومين السابقين، بيد أنك تعترض في إحدى حواراتك على مسألة ربط الإسلام بالحرية والديمقراطية، مشيرا إلى أنه ليس ضد مبدأ تطبيقهما، والسؤال: إذا كان الإسلام، حقا، ليس ضد الحرية والديمقراطية، فلماذا بتنا نشهد مؤخرا صعود تيارات إسلامية ذات نزعة أصولية إلغائية ترفض التعامل مع الآخر إلا من منظور ديني ضيق؟ ومن ثم إلى أي مدى يمكن للإسلام التعايش مع الثقافات والقيم الجديدة؟
أصبحتُ في الآونة الأخيرة أعارض مناقشة كل المسائل والقضايا الاجتماعية والسياسية، بل والاقتصادية والعلمية والطبية، من منظور "الدين" أيا كان هذا الدين. هذا ما أُطلق عليه "تديين كل شيئ" كأنه لم يكن يكفينا تديين الدولة، التي من المفترض أن تكون دولة "المواطنين" القاطنين على أرضها بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية، لم يكن يكفينا هذا فانطلقنا في حمى عارمة نديِّن كل شيئ.
سؤال الحرية والديمقراطية سؤال سياسي اجتماعي فلسفي قبل أن يكون سؤالا لاهوتيا. في علوم اللاهوت في كل الأديان نوقش سؤال الحرية من منظور ضيق للدفاع عن حرية الإرادة الإلهية. أي أن النقاش انحصر فيما إذا كانت حرية الإنسان في اختيار أفعاله تنتقص من الحرية الإلهية أم لا. كانت هذه حدود النقاشات اللاهوتية.
في مجتمعاتنا الحديثة – أو التي تشبه أن تكون حديثة – حين يطرح سؤال الحرية يبدأ النقاش أوتوماتيكيا حول "الحدود" و"الضوابط"، حدود الحرية وضوابطها. أي أننا قبل أن نمارس الحرية نفكر في "القيود". هذا يعكس فزعنا من الحرية، ومن الديمقراطية التي نتشدّق بالإيمان بها تشدقا بلاغيا، لكن لا أحد يمارسها مع زوجته أو أطفاله. وقليل هم المعلمون والأساتذة الذين يمارسونها مع تلاميذهم وطلابهم.
ومع ذلك سأجيب على السؤال: لا أجد فيما درست وتعلمت وبحثت وكتبت طيلة حياتي في الإسلام "مانعا" ضد الديمقراطية. والمسألة بسيطة، الديمقراطية مفهوم اجتماعي سياسي مرتبط بالدولة الحديثة التي لم توجد في عصر النبي ولا في عصر التابعين ولا تابعي التابعين.
حين انبثق سؤال "الديمقراطية" وجد البعض في مفهوم "الشورى" ما يسمح بتمرير الديمقراطية، لكن كان على هذا التأويل للشورى أن ينتظر انبلاج عصر الديموقراطية. هكذا ترى تأثير العصر في إعادة قراءة المفاهيم التراثية. لكن البعض يعتقد للأسف أن هذه الدلالة المعاصرة كانت كامنة في المفهوم بسبب تصور أنه مفهوم "مقدس".
أما مفهوم الحرية فهو في تقديري محايث لأي دعوة دينية، فالنبي الذي يأتي بدعوة جديدة يدعو الناس إليها لابد أن يكون مؤمنا بحرية هؤلاء الذين يدعوهم وحقهم في تغيير اختيارهم الديني، بترك أديانهم والالتحاق بدعوته. بل إن كل دعوة دينية تحض الناس عل ممارسة هذه الحرية، وتنعي عليهم التمسك بتقاليد الآباء والسير على نهجهم.
القرآن مليئ بهذه العبارات التي تسخر من هؤلاء الذين يقولون "هكذا وجدنا آباءنا" فيرد القرآن "أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يفقهون". لكن عملية لهوتة الدين – أي تحويل الدين إلى لاهوت – تحرم الناس من حريتهم التي على أساسها اختاروا هذا الدين بعينه.
تصبح "حرية الدين" مُحرمة، ويصبح سؤال الحرية مكبلا بالبحث عن الحدود والضوابط قبل بدء الممارسة. لا يدرك هؤلاء اللاهوتيون أنهم يحولون "الدين" إلى سجن، ويحولون الله – تعالي عن تصوراتهم – إلى "سجان"، ويصبح "الأنبياء" حرس سجون ... الخ كل هذا الهراء.
أبقى في إطار السؤال السابق، برأيك ما سبب صعود التيارات الأصولية السابقة إلى الواجهة؟ وما الفرق بينهما وبين حركات المقاومة الإسلامية (حماس- حزب الله) التي يمكن نعتها بالتشدد، اعتمادا على أنّ خطابها الإيديولوجيّ منسجم- إلى حد ما- مع التيار السلفي؟
علينا أن نبحث عن الأسباب في علل المجتمعات وأخطاء وخطايا الأنظمة السياسية. الخطاب الديني – أكرر دائما – جزء من الخطاب العام. الأصولية الدينية تنتعش في مناخ مُشبع بالأصوليات، التي جوهرها الإيديولوجي امتلاك الحقيقة ونفي الآراء المخالفة واضطهاد أصحابها بالسجن والتشريد والقتل أحيانا. لنعد إلى الأصوليات القومية والاشتراكية، سنجد أنها في ينيتها العميقة أصوليات جهادية، يحل فيها "التخوين" و"العمالة" و"التحريف" محل "التكفير" و"الهرطقة" .. الخ. حين كان ثمة خطاب عام ليبرالي كان الخطاب الديني إلى حد ما ليبراليا متسائلا.
الفرق بين الأصوليات لا يوجد في منطلقاتها الفكرية. في المنطلقات الفكرية الأساسية – أكرر الأساسية – لافرق بين "حماس" والإخوان" ولا فرق بين "حزب الله" و"ولاية الفقيه" في إيران. قد يكون هناك خلاف في التفاصيل منشؤها انخراط "حماس" في قضية وطنية، انخراطها في المقاومة كمشروع سياسي لاستعادة الأرض.
وقد يكون اختلاف "حزب الله" عن "ولاية الفقيه" الإيرانية منشؤه الوضع اللبناني وتاريخ الشيعة في لبنان، وقيادة "حزب الله" للتصدي للمشروع الإسرائيلي. في هذه التفاصيل يكمن الاختلاف، لكنه لا يطال المنطلقات الدينية الأساسية. من هنا فإن تأييدي للمقاومة في لبنان وفي فلسطين لا يعني أنني أتردد في التصدي النقدي للأساسيات "الدجماطيقية" لكل منهما.
في مقابل الحركات الأصولية التي تمارس زحفا قروسطيا سيقودنا إلى الهاوية، ثمة صعود لبعض التيارات الفكرية (القوميون الجدد، العلمانيون، دعاة المجتمع المدني) وكل منها يمتلك مشروعا جديدا وحلولا. كيف تقيم ذلك؟ وأين يكمن الحل برأيك؟
لا أوافق على أن أحد هذه المشروعات يمتلك القدرة على الحل وحده، بل لا أعتقد أن هذه مشروعات جديدة أصلا. ما تحتاجه مجتمعاتنا هو مشروع تساهم في صياغته كل القوى المدنية – دون استبعاد أي فريق أيا كانت منطلقاته الإيديولوجية - التي تؤمن بضرورة التغيير وتسعى من أجل مجتمع حديث ديمقراطي متحرر، مجتمع يتمتع فيه كل المواطنين بحقوق قانونية متساوية اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
ولا يتم الوصول إلى صياغة هذا المشروع إلا من خلال حوار مجتمعي شامل، وهو حوار لا يتحقق إلا بشرط توفر "الحرية". من هنا السعي بكل السبل المدنية لانتزاع هذا الحق الأساسي من أنياب الطغيان والديكتاتورية والفساد.
إذا كان الإصلاح الديني الذي ينادي به البعض –وأنت منهم- جزءا من الحل، فما هي الجوانب التي يجب أن يطالها الإصلاح؟ ولماذا يتعرض المفكرون الإصلاحيون (نصر حامد أبو زيد، محمد شحرور- سيد القمني وسواهم) إلى هجوم عنيف من الإسلاميين، فيما تعجز المؤسسات الدينية التقليدية "الأزهر وكليات الشريعة" عن إنتاج خطاب ديني يخلو من التلقين والتكرار، بل إنها- حسب صادق جلال العظم- تشهد انحدارا كبيرا بتنا نلمس بوادره في فتوى إرضاع الكبير وحديث الذبابة وغيرها؟
الإصلاح الديني وصل إلى الحائط السد، حائط لا يمكن اختراقه إلا بقبول مراجعات جديدة لمسائل لم يتم مسها حتى الآن، مسائل من قبيل "المحرمات" في الخطاب العام، أو "اللامفكر فيه" حسب تعريف "محمد أركون".
وثمة دراسة قمت بها ونشرت باللغة الإنجليزية بعنوانReformation of Islamic Thought: A Critical Historical Analysis, WRR-Verkenning no 10, Amsterdam University Press, 2006. في هذه الدراسة رصدت إنجازات مشروع الإصلاح الديني في العالم الإسلامي – باسثناء تركيا – ووجدت أن كل الإنجازات تتوقف حيال القرآن عاجزة عن إنجاز مدخل نابع من إعادة الاعتبار للظاهرة القرآنية كظاهرة "خطابية" بالأساس.
أرجو عدم الخلط بين "الخطابية" كمفهوم مرتبط بعلم الخطاب في الدراسات اللغوية والفلسفية الحديثة وبين مفهوم "الخطبة" بمعنى المواعظ التي يلقيها القسس والمشايخ في الكنائس والمساجد. حالة "اللامساس" بالقرآن وعدم الاقتراب منه خارج نطاق أسوار التراث هي عنق الزجاجة التي على مشروع الإصلاح الديني أن يجتازها.
هناك محاولات جديرة بالاعتبار في الفكر الشيعي في إيران، التي هي على وشك اجتياز مرحلة تذوق الثمرة المحرمة (الدولة الثيوقراطية). إن محاولات الذين ذكرتهم لا تخرج عن محاولة البحث عن المعني الجديدة ولكن من خلال التوجيهات والأدوات القديمة، عن طريق صب المعنى الجديد في قالب قديم.
الفشل الذي تعانيه حركات التجديد في كل مجتعاتنا ليس فشلها الذاتي وحدها، ذلك أن هذا الفشل الذاتي ينبع من احتقان مجتمعي كامل يعاني منذ فترة طويلة جدا من غياب أفق لإنجاز أبحاث حقيقية – جديرة بهذا الإسم – في مجال دراسة الدين. مجتمعاتنا ومؤسساتنا التعليمية والأكايمية مشغولة بتعليم الدين لا بدراسته. كل محاولات الدراسة تعرضت لدرجات من الإيذاء. "محمد عبده" يعاني من غياب أفكاره غيابا تاما في البرامج الدراسية للمؤسسة التي كان ينتمي إليها.
هذا الاحتقان المجتمعي طال مداه حتى تحول إلى حالة مقبولة من الجميع، خاصة في الشأن الديني. تم تجريف الدين، زالت خصوبته وتحول إلى "وقود" – مجرد وقود – يحرك العربة السياسية، أو يحفز على المقاومة. في عملية التجريف تلك تم خصاء العقول، فتقدمت "الفتوى" في عصر الإعلام المرئي لتخبر المواطن بما عليه أن يفعله في أي أمر، بدءا من شروط الطهارة حتى كيفية الجماع مرورا بنقل الأعضاء.
إنها سوق "الفتوى"، ليس فقط إرضاع الكبير، بل تحريم المظاهرات، وتحبيذ وراثة الحكم، واعتبار أن تدخل الحكومات في تحديد أسعار السلع ضد الدين (النبي لم يفعل ذلك ولا الصحابة. تصور!) كل هذا يعود بنا من جديد إلى سؤال "الحرية".
دعني أنتقل إلى موضوع آخر، بعد 11 أيلول ظهرت مقولات كثيرة ومفاهيم جديدة منها "الإسلاموفوبيا" و"الإرهاب الإسلامي". هل هناك حرب على الإسلام، وهل هناك كره غربيّ له، وما رأيك في مفهوم "صراع الحضارات" الذي جاء به صموئيل هنتنغتون؟
الإرهاب ظاهرة لم يخلقها الغرب، دعنا نتفق على الأساسيات، بل إن الغرب قدم الحماية لبعض من اتهموا بالإرهاب حماية لهم من دولة اللاقانون واعتقال الناس وسجنهم لأجل غير مسمى لمجرد الاشتباه.
الغرب لا يحب ولا يكره في السياسة: الأعداء يصيرون أصدقاء، والأصدقاء يصيرون أعداء وفقا لتغير مؤشرات المصالح. المسلمون يمثلون حضورا مكثفا في الغرب منذ عقود وكانوا يتمتعون بحقوقهم وحريتهم الدينية بلا مشكلات ضخمة إلا في حالات قليلة تؤكد القاعدة آنذاك.
الخلاف اللاهوتي بين الإسلام والمسيحية قديم، ومن هنا يمكن في الفضاء الديني أن نتحدث عن "مساجلات" في الكنائس والمساجد هنا وهناك. كتبت كتب كثيرة ضد الإسلام وضد النبي محمد، كما كتبت كتب كثيرة ضد المسيحية والمسيحيين. كل هذا عادي وطبيعي. المشكلة تبدأ من تديين الصراعات السياسية بين الغرب والشرق. تبدأ حين يمتطي الاستعمار مطية "التبشير" فتحمله الكنيسة على أكتافها، وحين يمتطي المناضلون ضد الاستعمار والاحتلال مطية الدين فيؤدي بهم ذلك إلى اعتبار المواطن غير المسلم "غير وطني" ولو ضمنا.
إسرائيل، وإنشاء دولة إسرائيل مثال وشاهد حي على ما أقول؛ فالمشروع الصهيوني كمشروع هو مشروع علماني، وقادة المشروع كانوا ملاحدة. لكنهم احتاجوا "الدين" غطاء لتحقيق أحلامهم السياسية. المقاومة مشروع سياسي علماني، لكنها تحتاج الدين كمحفز، فتقع في "الدوقماطيقية"، وتحرم "غير المسلم"، ضمنيا إن لم يكن فعليا، من ان يكون جزءا من المقاومة.
مفهوم "صراع الحضارات" نبوءة سياسية لا يجب فصلها عن مفهوم "نهاية التاريخ"، وهذا الأخير يبدو مفهوما سياسيا، لكنه مشبع بدلالات دينية "يوم الحق".
الاحتقانات السياسية المحلية والدولية أدت إلى خلق مشروع اسمه "القاعدة": تضافرت مصالح الأمريكان – السياسية والاقتصادية – بمصالح الأنظمة العربية المحلية، الأولي تريد جلاء الروس عن أفغانستان لتضع أقدامها في آسيا عن طريق تطويق إيران والعراق. الأنظمة المحلية فشلت في التعامل مع الإرهاب بكل أدواتها الأمنية القمعية، فوجدت حلا في السماح لهم في السفر لأفغانستان.
انتهت المشكلة، وتضخم تنظيم القاعدة، فكان حدث البرجين. هكذا تجمعت الخطوط؛ فثبتت نبوءة "صراع الحضارات"، وبدأت مسيرة "الحرب على الإرهاب" لاستكمال المشروع الأمريكي. أوضاع المسلمين في المجتمعات الأوروبية عامة تعرضت لانتكاسة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة نتيجة لاقتصاد العولمة الذي يجد معارضة شعبية كبيرة في كل مكان.
قدم حدث الحادي عشر من سبتمبر مبررا كافيا لتحميل المهاجرين بشكل عام – والمسلمين بصفة خاصة – مسئولية هذه الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية وعجز الأنظمة اليمينية عن التعامل معها. اكتسب هذا التبرير مشروعيته من التأثير الإعلامي الطاغي وتأثير الأموال الخليجية – والأموال السعودية بصفة خاصة – على خطاب الإسلاميين – أو بعضهم – في الغرب.
استطاع هؤلاء أن يجعلون من معاناة العراقيين والفلسطينين زادا يوميا للشباب المسلم بصفة خاصة، الأمر الذي جعل الإحباط الذي يعانونه يجد متنفسا في صور البطولة (!) في العراق وفلسطين، الأمر الذي أدى الي منح خطابات القاعدة الصوتية والمرئية مذاق عالم الشجاعة والحرية. هكذا اختلط كل شيء بكل شيء عند الجميع بلا تمييز، وهكذا وصلنا إلى ما نحن فيه من تعقيدات يظنها الجميع من الدين، وصار الإسلام سجين هذه التعقيدات بلا ذنب جناه.
في ذات السياق كيف تفسر نشر الرسوم المسيئة للرسول، والتي أعادت نشرها مؤخرا عدد من الصحف الأوروبية؟ وكيف تقرأ ردود الأفعال المختلفة عليها، بدءا بمظاهر العنف وإحراق السفارات، ومرورا بالرسوم الإيرانية للمحرقة، وانتهاء بمقاطعة البضائع الدنمركية؟
أراها بالونات اختبار للمسلمين هنا وهناك، بالونات اختبار ليس إلا. فشل المسلمون ونجح كل من يدعي أن الإسلام ضد الحريات.
لا شكّ أنّ الرسوم السابقة تدخل في إطار حرية التعبير عن الرأي، وهي حرّيّة نفتقد لها في مجتمعاتنا، ولكن هناك من يأخذ على الحكومات الغربية تضييقها على بعض الأقليات ومنعها من ممارسة شعائرها الدينية، فضلا عن رفضها بعض الرموز الدينية كالحجاب مثلا، ما رأيك بذلك؟
نعم إنها تدخل في إطار حرية التعبير، وتضييق الحكومات على المسلمين يدخل في نفس الإطار. علينا الدفاع عن الحق أولا، وليس تبرير الباطل – أعني الضيق بهذه الحرية والاستجابة بالعنف ضدها – بباطل آخر. أعني التخلي عن "السجالية".
بعيدا عن وهم الأسئلة وسجالاتها، دعني أسألك: نصر حامد أبو زيد من أنت؟ وماذا يعني لك الشيخ أمين الخولي الذي أجده في أغلب كتاباتك؟ ومصر "أمك" لماذا تركتها "بخاطرك يا مصر" ؟ وهل يُعقل أن تتحول الجامعة "هذه المؤسسة الفكرية" من مركز فكري تنويري إلى منبر تكفيري؟ وهل حقيقة نحن نعاني هذه الدرجة الكبيرة من الانحدار الفكري كي تنسحب الثقافة من الجامعات إلى الجوامع، ويتحول دعاة الدين الجدد إلى "مفكرين" وناظمين لشؤون الحياة، فيما يقبع أعمدة الثقافة والفكر في السجون والمنافي؟
أظنني أجبت عن كل ذلك في إجاباتي السابقة المطولة. أمين الخولي هو الشيخ الذي حاول اختراق الأسوار الكلاسيكية لحماية القرآن – أسوار اللامساس – بتأكيده أن بنية القرآن بنية أدبية، وأن المقاربة الناجعة هي المقاربة الأدبية قبل التشريع والأخلاق واللاهوت ... الخ. هذا هو المنهج الذي يمثل بدايتي وأرجوا أن أكون بعملي أساهم في تطويره.
في احتفالية جامعة القاهرة بعيدها المئوي دعيت للمشاركة في مؤتمر عقدته كلية الآداب بهذه المناسبة. بالمناسبة هذه هي الدعوة التي طال انتظاري لها خلال الأعوام الثلاثة عشر الأخيرة. لبيت الدعوة وقدمت ورقة بعنوان: "مدرسة التفسير الأدبي وكسر احتكار فهم النص"، عرضت فيها لبذور هذا المنهج عند "محمد عبده" وتطوره عند "طه حسين"، وتأزمه في قضية "الفن القصصي" لمحمد احمد خلف الله.
هكذا يمكن أن تقول أن المصالحة اكتملت، لأنني كنت قد بدأت المصالحة بزيارتي لأمي مصر عام 2003 بمناسبة بلوغي الستين، وقد احتفل مثقفو مصر بعيد ميلادي احتفالا لم يكن ممكنا أن أحلم به. في الأسبوع الأول من هذا الشهر أيضا وقبل مؤتمر كلية الأداب ألقيت محاضرة بعنوان "الفن وخطاب التحريم" نظمتها مؤسسة المورد الثقافية بالقاهرة بالتعاون مع مؤسسة "شمس" في بيروت.
في بيروت ألقيت المحاضرة في "مسرح الشمس"، لم تكن أول محاضرة لي في بيروت، فأنا ضيف دائم في لبنان. أما محاضرة القاهرة فلم تتسع لها سوى القاعة الشرقية في الجامعة الأمريكية. قبل ذلك كنت ضيفا دائما في الندوات السنوية للجمعية الفلسفية المصرية. اكتملت عناصر المصالحة والتأمت الجراح بالجمهور الذي شرفني بالحضور في القاهرة، أغلبية من الشباب من الجنسين. كم هذا مفرح وجميل. عمار يا مصر رغم الاستبداد والطغيان والوراثة – أو التوريث – فالمستقبل محمل بالبشارة.
سؤالي الأخير، أود الاطلاع حقيقة على طبيعة حياتك في المنفى، وهل هو منفى اختياري، أم أنك لا تريد العودة إلى مصر؟ وما هي الصعوبات التي تعانيها الآن على الصعيد الشخصي والفكري؟ ثم لماذا اخترت هولندا ولم تلجأ للتدريس في إحدى الجامعات العربية؟ وأخيرا: ما هي آخر الأبحاث التي تعمل عليها الآن؟
قلت الكثير عن ذلك أيضا فيما سبق. أنا منذ البداية أرفض أن يصنف وجودي في هولندا بالمنفى؛ إنها غربة ليست أسوأ من غربة الداخل. لكني أطل دوما على الأوطان – وليس مصر فقط – كما أنها تطل علي. سافرت إلى بلاد عربية كثيرة بدعوات من مؤسسات غير حكومية. أخر هذه السفرات كانت إلى قطر بدعوة من جامعة "جورج تاون" الأمريكية في الدوحة. المؤتمر – التجديد في الإسلام – باللغة الإنجليزية، شاركت فيه أسماء كثيرة مثل حسن حنفي ومحمد أركون وأدونيس وطارق رمضان.
أحس عدم رضا أن أتكلم الإنجليزية في منتدى يعقد في أي بلد عربي. اختياري هولندا – واستمراري فيها رغم كثير من العروض المغرية من جامعات أمريكية مشهورة – كان نابعا من علاقة قديمة مع مؤسسة "بريل" للطباعة والنشر، المؤسسة التي نشرت الموسوعة الإسلامية منذ العشرينات (طبعتان وبدأت الطبعة الثالثة).
وقت الأزمة كنت مشغولا مع "بريل" في مشروع "الموسوعة القرآنية" الذي اكتمل وصدر في خمس مجلدات باللغة الإنجليزية. كان طبيعيا إذن أن تكون هولندا هي اختياري بحكم الصلة لا بدار النشر ومشروعاتها فقط، بل المؤسسات الهولندية الأكاديمية في هولندا بصفة عامة.
هناك سبب آخر عملي، هو أنك في هولندا يمكن أن تمارس حياتك دون أن تضطر إلى تعلم اللغة الهولندية. هذا كلام لا تحبه الحكومة الهولندية الآن. لكني أدرس وأمارس حياتي بالإنجليزية دون عقبات تذكر.
http://www.aafaq.org/reports.aspx?id_rep=796
بثينه عبدالعزيز
05-07-2009, 06:20 PM
في الشعر الجاهلي .. للدكتور طه حسين
قصص وتاريخ
نظن أن أنصار القديم لا يطمعون منا في أن نغير لهم حقائق الأشياء أو أن نسمي هذه الحقائق بغير أسمائها ، لنبلغ رضاهم ونتجنب سخطهم ومهما نكن حِراصا على أن يرضوا ومهما نكن شديدي الكره لسخطهم فنحن على رضا الحق أحرص ، وللعبث بالحق والعلم أشد كرها .
ولن نستطيع أن نسمي حقاً ما ليس بالحق ، وتاريخاً ما ليس بالتاريخ . ولن نستطيع أن نعترف بأن ما يروي من سيرة هؤلاء الشعراء الجاهليين وما يضاف إليهم من الشعر تاريخ يمكن الإطمئنان إليه أو الثقة به ؛ وإنما كثرة هذا كله قصص وأساطير لا تفيد يقينا ولا ترجيحاً ، وإنما تبعث في النفوس ظنوناً وأوهاماً . وسبيل الباحث المحقق أن يستعرضها في عناية وأناة وبراءة من الأهواء والأغراض ، فيدرسها محللاً ناقداً مستقصياً في النقد والتحليل . فإن إنتهى من درسه هذا إلى حق أو شيء يشبه بكل ما ينبغي أن يحتفظ به من الشك الذي قد يحمله على أن يغير رأيه ويستأنف بحثه ونظره من جديد .
ذلك أن أخبار الجاهليين وأشعارهم لم تصل إلينا من طريق تاريخية صحيحه ، وإنما وصلت إلينا من هذه الطريق التي تصل منها القصص والأساطير : طريق الرواية والأحاديث ، طريق الفكاهة واللعب ، طريق التكلف والانتحال . فنحن مضطرون أمام هذا كله إلى أن نحتفظ بحريتنا كاملة ، وإلى أن نقاوم ميولنا وأهواءنا وفطرتنا التي هي مستعدة للتصديق والإطمئنان في سهولة ويسر . ونحن لا نعرف نصاً عربياً وصل إلينا من طريق تاريخية صحيحة يمكن أن نطمئن إليها قبل القرآن إلا طائفة من النقوش لا تثبت في الأدب حقا ولا تنفي منه باطلا . وهي إن أفادت في تاريخ الرسم وذك كل ما يمكن أن يؤخذ منها إلى الآن .
القرآن وحده هو النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته ويعتبره مشخصا للعصر الذي تلي فيه . فأما شعر هؤلاء الشعراء وخطب هؤلاء الخطباء وسجع هؤلاء الساجعين فلا سبيل إلى الثقة بها ولا إلى الإطمئنان إليها ، ولا سيما بعد ما بسطنا لك في الكتاب الأول من الأسباب التي تدعو إلى الشك في صحتها ، وبعد ما بسطنا لك في الكتاب الثاني من الأسباب التي كانت تحمل الناس على التكلف والانتحال .
وإذا فيجب أن يكون لمؤرخ الآداب العربية موقفان مختلفان : أحدهما أمام الأساطير والأقاصيص والأسمار التي تروى عن العصر الجاهلي . والثاني أمام النصوص التاريخية الصحيحة التي تبتدىء بالقرآن . وقد بينا لك في الكتاب الماضي أن هذا ليس شأن الآداب العربية وحدها ، وإنما هو شأن الآداب القديمة كلها ، وضربنا لك الأمثال بالأدب اليوناني والأدب اللاتيني . لولا أنا نحرص على الإيجاز لضربنا لك أمثالاً أخرى لطائفة من الآداب الحية الحديثة ؛ فلكل أدب قسمه الصحيح وقسمه المتكلف ، ولكل أمة تاريخها الصحيح وتاريخها المنتحل . ولسنا ندري لم يريد أنصار القديم أن يميزوا الأمة العربية والأدب العربي من سائر الأمم والآداب ؟ ومن الذي يستطيع أن يزعم ان الله قد وضع القوانين العامة لتخضع لها الإنسانية كلها إلا هذا الجيل الذي كان ينتسب إلى عدنان وقحطان؟ كلا! الجيل العربي كغيره من الأجيال خاضع لهذه القوانين العامة التي تسيطر على حياة الأفراد والجماعات .
للعرب خيالهم الشعبي . وهذا الخيال قد جدّ وعمل وأثمر ، وكانت نتيجة جدّه وعمله وإثماره هذه الأقاصيص والأساطير التي تروى لا عن العصر الجاهليّ وحده بل عن العصور الإسلامية التاريخية أيضاً .
وقد رأيت في فصولنا التي سميناها "حديث الأربعاء" أنا نشك في طائفة من هذه القصص الغرامية التي تروى عن العذريين وغيرهم من العشاق في العصر الأموي . ويجب حقاً أن نلغي عقولنا - كما يقول بعض الزعماء السياسيين - لنؤمن بأن كل ما يروى لنا عن الشعراء والكتاب والخلفاء والقواد والوزراء صحيح ، لأنه ورد في كتاب الأغاني أو في كتاب الطبري أو في كتاب المبّرد أو في سفر من أسفار الجاحظ . نعم يجب أن نلغي عقولنا وأن نلغي وجودنا الشخصي وأن نستحيل إلى كتب متحركة : هذا يحفظ الكامل لا يعدوه فيصبح نسخة من كتاب الكامل تمشي على رجلين وتنطق بلسان ؛ وهذا يحفظ كتاب البيان والتبين فيصبح نسخه منه ؛ وهذا يحفظ أخلاطا من هذه الكتب فيصبح مزاجاً غريباً يتكلم مرة بلسان الجاحظ وأخرى بلسان المبّرد وثالثة بلسان ثعلب ورابعة بلسان أبن سلاّم .
لأنصار القديم أن يرضوا لأنفسهم بهذا النحو من أنحاء الحياة العلمية . أما نحن فنأبى كل الإباء أن نكون أدوات حاكية أو كتبا متحركة ، ولا نرضى إلا أن تكون لنا عقول نفهم بها ونستعين بها على النقد والتمحيص في غير تحكم ولا طغيان . وهذه العقول تضطرنا ، كما أضطرت غيرنا من قبل ، إلى أن ننظر إلى القدماء كما ننظر إلى المحدثين دون أن ننسى الظروف التي تحيط بأولئك وهؤلاء . فأنا لا أقدس أحدا من الذين يعاصرونني ولا أبرئه من الكذب والانتحال ولا أعصمه من الخطأ والإضطراب . فإذا تحدث إليّ بشيء أو نقل لي عنه شيء ، فأنا لا أقبل حتى أنقد وأتحرّى ، وأحلل وأدقق في التحليل . وما أعرف أن أحدا من أنصار القديم أنفسهم يقدّس المعاصرين ويطمئن إليهم من غير نقد ولا تبصر . وآية ذلك أنهم يحيون حياتهم اليومية كما يحياها أنصار الجديد ؛ فهم يبيعون ويشترون ويدّخرون كما يبيع غيرهم وكما يشتري وكما يدّخر ، وهم يدّبرون أمورهم الخاصة كما يدبرها سائر الناس في مقدار من الذكاء والفطنة والحذر . فما بالهم يصطنعون ملكاتهم الناقدة بالقياس إلى المعاصرين ولا يصطنعونها بالقياس إلى القدماء ؟ وما بالهم إذا كانوا يحبّون التصديق والإطمئنان إلى هذا الحدّ لا يصدقون البائع حين يزعم لهم أن سلعته تساوي عشرين ، بل يعرضون عليه عشرة وأقل من عشرة ويساومون حتى ينتهوا إلى ما يريدون ؟ ولو أنهم صدّقوا المحدثين واطمأنوا إليهم كما يصدّقون القدماء ويطمئنون إليهم لكانوا مضرب الأمثال في الغفلة والبله والحمق ، ولكانت حياتهم كداَّ وضنكا وعناء . ولكنا نحمد لهم الله ، فهم بالقياس إلى معاصريهم أصحاب بصر بالأمور وفطنة بدقائقها وحيلة واسعة للتخلص من المآزق ؛ وهو يشترون اللحم كما نشتريه ويبذلون في الخبز والسمن مثل ما نبذل .
وإذاً فما مصدر هذه التفرقة التي يصطنعونها بين القدماء والمحدثين؟ ما لهم يؤمنون لأولئك ويشكّون في هؤلاء ؟
ليس لهذه التفرقة مصدر إلا هذه الفكرة التي تسيطر على نفوس العامة في جميع الأمم وفي جميع العصور، وهي أن القديم خير من الجديد وأن الزمان صائر إلى الشر لا إلى الخير ، وأن الدهر يسير بالناس القهقرى : يرجع بهم إلى وراء ولا يمضي بهم إلى أمام ... زعموا أن القمحة كانت في العصور الذهبية تعدل التفاحة العظيمة حجما ، ثم غضب الله على الناس فأخذت القمحة تتضاءل حتى وصلت إلى حيث هي الآن .
وزعموا أن الرجل من الأجيال القديمة كان من الطول والضخامة والقوّة بحيث كان يغمس يده في البحر فيأخذ منه السمك ثم يرفع يده في الجوّ فيشويه في جذوة الشمس ثم يهبط بيده إلى فمه فيزدرد شواءه ازدرادا .
وزعموا أن أهل الأجيال القديمة كانوا من الضخامة والجسامة بحيث استطاع بعض الملوك ، أو بعض الأنبياء ، أن يتخذ فخذ أحدهم جسرا يعبر عليه الفرات .
فالقديم خير من الجديد , والقدماء خير من المحدثين . يؤمن العامة بهذا إيمانا لا سبيل إلى زعزعته . وهذا الإيمان يتطوّر ويتغير ؛ ولكن أصله ثابت . فأصحاب الحضارة والمدنية الذين أخذوا من العلم بحظ لا يؤمنون بمثل هذه الأحاديث التي قدمتها لك ؛ ولكنهم يرون أن الأخلاق مثلا كانت أشدّ استيقاظا في العصور الأولى ، وأن الأفئدة كانت أشدّ ذكاء ، وأن الأبدان كانت أعظم حظا من الصحة . وعلى هذا النحو يكون تفضيل القديم ، لأنه قديم لا نراه من جهة ، ولأننا ساخطون بطبعنا على الحاضر من جهة أخرى .
فهل تظن أن الذين يثقون بخلف وحمَاد والأصمعي وأبي عمرو أبن العلاء يثقون بهم لشيء غير ما قدمت لك ؟ كلا ! كان هؤلاء الناس أحسن من المعاصرين أخلاقاً وأقل منهم ميلا إلى الكذب ، كانوا أذكى منهم أفئدة ، كانوا أقوى منهم حافظة ، كانوا أثقب منهم بصائر . لماذا لأنهم قدماء! لأنهم كانوا يعيشون في هذا العصر الذهبي! أليس العصر العباسي عصراً ذهبياً بالقياس إلى هذا العصر الذي نعيش فيه؟
أما نحن فلا نزعم أن القدماء كانوا شرا من المحدثين ، ولكنا لا نزعم أيضا أنهم كانوا خيرا منهم . وإنما أولئك وهؤلاء سواء ، ولا تفرّق بينهم إلا ظروف الحياة التي تصوّر طبائعهم صورا ملائمة لها دون أن تغير هذه الطبائع . كان القدماء يكذبون كما يكذب المحدثون ، وكان القدماء , يخطئون كما يخطىء المحدثون ، وكان حظ القدماء من الخطأ أعظم من حظ المدحثين ، لأن العقل لم يبلغ من الرقي في تلك العصور وما بلغ في هذا العصر ولم يستكشف من مناهج البحث والنقد ما أستكشف في هذا العصر . فإذا أخذنا أنفسنا بأن نقف أمام القدماء موقف الشك والاحتياط فلسنا غلاة ولا مسرفين ، وإنما نحن نؤدّي لعقولنا حقها ونؤدّي للعلم ماله علينا من دين . وإذا كنا نطلب إلى أنصار القديم شيئا فهو أن يكونوا منطقيين ، وأن يلائموا بين حياتهم حين يقرءون ويكتبون وحياتهم حين يبيعون ويشترون .
وإذاً فلنتناول مع الإيجاز الشديد من البحث عن الشعر والشعراء في العصر الجاهلي لنرى إلى أي شيء نستطيع أن نطمئن من هذه الأشعار والأخبار التي امتلأت بها الكتب والأسفار .
بثينه عبدالعزيز
05-07-2009, 06:22 PM
في الشعر الجاهلي .. للدكتور طه حسين
امرؤ القيس - عبيد - عَلْقَمة
لعل أقدم الشعراء الذين يروى لهم شعر كثير ويتحدث الرواة عنهم بأخبار كثيرة فيها تطويل وتفصيل هو امرؤ القيس .
ونحن نعلم أن الرواة يتحدثون بأسماء طائفة من الشعراء زعموا أنهم عاشوا قبل أمرىء القيس وقالوا شعرا ، ولكنهم لا يروون لهؤلاء الشعراء إلا البيت أوالبيتين أو الأبيات . وهم لا يذكرون من أخبار هؤلاء الشعراء إلا الشيء القليل الذي لا يغني . وهم يعللون قلة الأخبار والأشعار التي يمكن أن تضاف إلى هؤلاء الشعراء ببعد العهد وتقادم الزمن وقلة الحفّاظ . وقد رأيت في الكتاب الماضي أن قليلا من النقد لما يضاف إلى هؤلاء الشعراء ينتهي بك إلى جحود ما يضاف إليهم من خبر أو شعر . فلندع هؤلاء الشعراء ولنقف عند أمرىء القيس وأصحابه الذين يظهر أن الرواة عرفوا عنهم ورووا لهم الشيء الكثير .
من امرؤ القيس؟ أما الرواة فلا يختلفون في أنه رجل من كنْدة . ولكن مَن كنْدة؟ لا يختلف الرواة في أنها قبيلة من قحطان ؛ وهم يختلفون بعض الإختلاف في نسبها وفي تفسير اسمها وفي أخبار سادتها . ولكنهم على كل حال يتفقون على أنها قبيلة يمانية ، وعلى أن امرأ القيس منها .
فأما اسم أمرىء القيس واسم أبيه واسم أمه فأشياء ليس من اليسير الاتفاق عليها بين الرواة ؛ فقد كان إسمه امرأ القيس ، وقد كان اسمه حندجا ، وكان اسمه قيسا . وقد كان اسم أبيه عمرا وقد كان اسم أبيه حجْرا أيضا . وكان اسم أمه فاطمة بنت ربيعة أخت مُهلْهِل وكُلَيْب ، وكان اسم أمه تَمْلك . وكان امرؤ القيس يعرف بأبي وهب ، وكان يعرف بأبي الحارث . ولم يكن له ولد ذكر . وكان يئد بناته جميعا . وكانت له إبنة يقال لها هند ؛ ولم تكن هند هذه إبنته وإنما كانت بنت أبيه . وكان يعرف بالملك الضِّلِّيل ، وكان يعرف بذي القروح .
وعليك أنت أن تستخلص من هذا الخليط المضطرب ما تستطيع أن تسميه حقا أو شيئا يشبه الحق . وأي شيء أيسر من أن تأخذ ما أتفقت عليه كثرة الرواة على أنه حق لا شك فيـه؟ وكثرة الرواة قد اتفقت على أن اسمه حندج بن حجر ، ولقبه امرؤ القيس ، وكنيته أبو وهب ؛ وأمه فاطمة بنت ربيعة . على هذا اتفقت الكثرة . وإذا اتفقت الكثرة على شيء فيجب أن يكون صحيحا أو على أقل تقدير يجب أن يكون راجحا .
أما أنا فقد أطمئن إلى آراء الكثرة ، أو قد أراني مكرها على الاطمئنان لآراء الكثرة ، في المجالس النيابية وما يشبهها . ولكن الكثرة في العلم لا تغني شيئا ؛ فقد كانت كثرة العلماء تنكر كروية الأرض وحركتها ، وظهر بعد ذلك أن الكثرة كانت مخطئة . وكانت كثرة العلماء ترى كل ما أثبت العلم الحديث أنه غير صحيح . فالكثرة في العلم لا تغني شيئا .
وإذاً فليس من سبيل إلى أن نقبل قول الكثرة في امرىء القيس ؛ وإنما السبيل أن نوازن بينه وبين ما تزعم القلة . وليس إلى هذه الموازنة المنتجة من سبيل إذا لا حظت ما قدّمناه في الكتاب الماضي من هذه الأسباب التي كانت تحمل على الانتحال وتكلف القصص .
وإذاً فلسنا نستطيع أن نفصل بين الفريقين المختلفين ، وإنما نحن مضطرون إلى أن نقبل ما يقول أولئك وهؤلاء على أن الناس كانوا يتحدثون به دون أن نعرف وجه الحق فيه . ولعل هذا وأشباهه من الخلط في حياة أمرىء القيس أوضح دليل على ما تذهب إليه من أن امرأ القيس إن يكن قد وجد حقا ـــ ونحن نرجح ذلك ونكاد نوقن به ـــ
فأن الناس لم يعرفوا عنه شيئاً إلا اسمه هذا ، وإلا طائفة من الأساطير والأحاديث تتصل بهذا الاسم .
وهنا يحسن أن نلاحظ أن الكثرة من هذه الأساطير والأحاديث لم تشع بين الناس إلا في عصر متأخر : وفي الرواة المدوّنين والقصاصين . فأكبر الظن إذاً أنها نشات في هذا العصر ولم تورث عن العصر الجاهلي حقا . وأكبر الظن أن الذي أنشأ هذه القصة ونماها إنما هو هذا المكان الذي احتلته قبيلة كندة في الحياة الإسلامية منذ تمت للنبي السيطرة على البلاد العربية إلى أواخر القرن الأول للهجرة .
فنحن نعلم أن وفدا من كندة وفد على النبي وعلى راسه الأشعث ابن قيس . ونحن نعلم أن هذا الوفد طلب - فيما تقول السيرة - إلى النبي أن يرسل معهم مفقِّها يعلمهم الدين . نحن نعلم أن كندة ارتدّت بعد موت النبي ، وأن عامل أبي بكر حاصرها في النُّجيْر وأنزلها على حكمه وقتل منها خلقا كثيرا وأوفد منها طائفة إلى أبي بكر فيها الأشعث ابن قيس الذي تاب وأناب وأصهر إلى أبي بكر فتزوّج أخته أم فروة ؛ وخرج- فيما يزعم الرواة- إلى سوق الإبل في المدينة فاستل سيفه ومضى في إبل السوق عقرا ونحرا حتى ظن الناس به الجنون ، ولكنه دعا أهل المدينة إلى الطعام وأدّى إلى أصحاب الإبل أموالهم ؛ وكانت هذه المجزرة الفاحشة وليمه عرسه . ونحن نعلم أن هذا الرجل قد اشترك في فتح الشام وشهد مواقع المسلمين في حرب الفرس ، وحسن بلاؤه في هذا كله ، وتولّى عملا لعثمان ، وظاهر عليا على معاوية ، وأكره عليا على قبول التحكيم في صِفِّين . ونحن نعلم أن ابنه محمد بن الأشعث كان سيِّدا من سادات الكوفة ، عليه وحده أعتمد زياد حين أعياه أخذ حجر بن عديّ الكندي . ونحن نعلم أن قصة حجر بن عديّ هذا وقتل معاوية إياه في نفر من أصحابه قد تركت في نفوس المسلمين عامة واليمنيين خاصة أثرا قويا عميقا مثّل هذا الرجل في صورة الشهيد . ثم نحن نعلم أن حفيد الأشعث بن قيس وهو عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث قد ثار بالحَجَّاج ، وخلع عبدالملك ، وعرّض دولة آل مروان للزوال ، وكان سبباً في إراقة دماء المسلمين من أهل العراق والشام ، وكان الذين قتلوا في حروبه يحصون فيبلغون عشرات الآلاف ، ثم انهزم فلجأ إلى ملك الترك ، ثم أعاد الكرة فتنقَّل في مدن فارس ، ثم أستياس فعاد إلى ملك الترك ، ثم غدر به هذا الملك فأسلمه إلى عامل الحجاج ، ثم قتل نفسه في طريق إلى العراق ، ثم احتُذّ رأسه وطوّف به في العراق والشام ومصر .
أفتظن أن أسرة كهذه الأسرة الكندية تنزل هذه المنزلة في الحياة الإسلامية وتؤثر هذه الآثار في تاريخ المسلمين لا تصطنع القصص ولا تأجر القصّاص لينشروا لها الدعوة ويذيعوا عنها كل ما من شانه أن يرفع ذكرها ويبعد صوتها؟ بلى ! ويحدّثنا الرواة أنفسهم أن عبدالرحمن بن الأشعث اتخذ القصّاص وأجرهم كما اتخذ الشعراء وأجزل صلتهم : كان له قاص يقال له عمرو بن ذرّ ؛ وكان شاعره أعشى هَمْدان .
فما يروى من أخبار كندة في الجاهلية متأثر من غير شك بعمل هؤلاء القصاص الذين كانوا يعملون لآل الأشعث . وقصة أمرىء القيس بنوع خاص تشبه من وجوه كثيرة حياة عبدالرحمن أبن الأشعث . فهى تمثل لنا امرأ القيس مطالبا بثأر أبيه . وهل ثأر عبدالرحمن عند الذين يفقهون التاريخ إلا منتقما لحجر بن عدىّ؟ وهي تمثل لنا امرأ القيس طامعا في الملك . وقد كان عبدالرحمن بن الأشعث يرى إنه ليس أقل من بني أمية استئهالا للملك ؛ وكان يطالب به . وهي تمثل لنا امرأ القيس متنقلا في قبائل العرب . وقد كان عبدالرحمن أبن الأشعث متنقلا في مدن فارس والعراق . وهي تمثل امرأ القيس لاجئاً إلى قيصر مستعيناً به . وقد كان عبدالرحمن ابن الأشعث لاجئاً إلى ملك الترك مستعيناً به . وهي تمثل لنا أخيراً امرأ القيس وقد غدر به قيصر بعد أن كاد له أسديّ في القصر . وقد غدر ملك الترك بعبدالرحمن بعد أن كاد له رسل الحجاج . وهي تمثل لنا بعد هذا وذاك امرأ القيس وقد مات في طريقه عائداً من بلاد الروم . وقد مات عبدالرحمن في طريقه عائداً من بلاد الترك.
أليس من اليسير أن نقترض بل أن نرجح أن حياة امرئ القيس كما يتحدّث بها الرواة ليست إلا لوناً من التمثيل لحياة عبدالرحمن أستحدثه القصاص إرضاء لهوى الشعوب اليمنية في العراق واستعاروا له اسم الملك الضِّلِّيل أتّقاء لعمال بني أمية من ناحية ، وأستغلالاً لطائفة يسيرة من الأخبار كانت تعرف عن هذا الملك الضليل من ناحية أخرى؟
* * * * *
ستقول : وشعر امرئ القيس ما شأنه؟ وما تأويله؟ وتأويله أيسر . فأقل نظر في هذا الشعر يلزمك أن تقسمه إلى قسمين : أحدهما يتصل بهذه القصة التي قدمنا الإشارة إليها . وإذاً شأنه شأن هذه القصة انتحل لتفسيرها أو تسجيلها ، وانتحل لتمثيل هذا التنافس القوي الذي كان قائماً بين قبائل العرب وأحيائهم في الكوفة والبصرة . وأقل درس لهذا الشعر يقنعك ، وإن كنت من الذين يألفون البحث الحديث ، بأن هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس ويتصل بقصته إنما هو شعر إسلامي لا جاهلي ، قيل وانتحل لهذه الأسباب التي أشرنا إليها ولأسباب أخرى فصلناها في القسم الثاني من هذا الكتاب . فهذا أحد القسمين . وأما القسم الثاني فشعر لا يتصل بهذا القصة ، وإنما يتناول فنوناً من القول مستقلة من الأهواء السياسية والحزبية . ولنا في هذا القسم رأي نسطره بعد حين .
وخلاصـة هذا البحث القصير أن شخصية امرئ القيس- إذا فكرت- أشبه شيء بشخصية الشاعر اليوناني هوميروس . لا يشك مؤرُّخو الآداب اليونانية الآن في أنها قد وجدت حقاً ، وأثرت في الشعر القصصي حقاً ، وكان تأثيرها قوياً باقياً ، ولكنهم لا يعرفون من أمرها شيئاً يمكن الإطمئنان إليه ، وإنما ينظرون إلى هذه الأحاديث التي تروى عنه كما ينظرون إلى القصص والأساطير لا أكثر ولا أقل . فأمرؤ القيس هو الملك الضِّلِّيل حقاً : نريد أنه الملك الذي لا يعرف عنه شيء يمكن الإطمئنان إليه . هو ضُلُّ بن قُل كما يقول أصحاب المعاجم اللغوية . ومن غريب الأمر أن طائفة من الشعر تنسب إلى امرئ القيس على أنه قالها حينما كان متنقلاً في القبائل العربية يمدح بها هذه ويهجو تلك ، وتتصل بهذه الأشعار طائفة من الأخبار تبين نزول امرئ القيس في هذه القبيلة ، وإلتجاءه إلى تلك القبيلة ، وجواره عند فلان ، وإستعانته بفلان ، وأن شيئاً مثل هذا يلاحظ في حياة هوميروس ؛ فهو - فيما يزعم رواة اليونان - قد تنتقل في المدن اليونانية فلقي من بعضها الكرامة والتجلة ، ومن بعضها الإعراض والإنصراف ومؤرّخو الآداب اليونانية يفسرون في هذه الأحاديث على أنها مظهر من مظاهر التنافس بين المدن اليونانية : كلها يزعم لنفسه أنه ضيّف هوميروس أو نشّأة أو أجاره أو عطف عليه .
ونحن نذهب هذا المذهب نفسه في تفسير هذه الأخبار والأشعار التي تمس تنقُّل امرئ القيس في قبائل العرب . فهي محدَثة انتحلت حين تنافست القبائل العربية في الإسلام وحين أرادت كل قبيلة وكل حي أن تزعم لنفسها من الشرف والفضل أعظم حظ ممكن . وقد أحس القدماء بعض هذا ؛ فصاحب الأغاني يحدّثنا أن القصيدة القافية التي تضاف إلى امرئ القيس على أنه قالها يمدح بها السموءل حين لجأ إليه منحولةُ نحلها دارم بن عقال ؛ لم ينحل القصيدة وحدها وإنما نحل القصة كلها وانتحل ما يتصل بها أيضاً : نحل قصة ابن المسوءل الذي قتل بمنظر من أبيه حين أبى تسليم أسلحة امرئ القيس ، نحل قصة الأعشى الذي استجار بشريح بن السموءل وقال فيه هذا الشعر المشهور :
شريحُ لا تتركنّي بعدما عَلِقتْ حبالـك اليـــوم بعــــد القدّ أظفاري
قد جُلت ما بين بانقيـا إلى عَدَنٍ وطال في العجم تَرْدادي وتَسْياري
فكان أكرمهــــــــم عهدا وأوثقهــم مجدا أبوك بعـــــــرف غير إنكــار
كالغيث مـا استمطروه جاد وابلُه وفي الشدائد كالمستأســــد الضاري
كن كالمسوءل إذ طاف الهُمام به في جحفل كهزيــــع الليــــل جــرّار
إذا سامـــــــه خطَّتـَيّ فقــــــال له قل ما تشــــــاء فإنــي سامــــع حار
فقال غدرُ وثُكــــــــل أنت بينهما فاختر وما فيهمــا حـظ لمختــار
فشطّ غير طويــــــلِ ثم قال لـــه أُقتل أسيرك إني مانـــــع جاري
أنا له خلـــف إن كنـــت قاتلَـــــه وإن قتلــت كــــــريما غير غوّار
وسوف يُعقبنيه إن ظفــرتَ بـــه ربٌّ كــــــريم وبِيضُ ذاتُ أطهار
لا سِرُّهـــن لدينـــــــا ذاب هــدرا وحافظات إذا أستودعن أســـراري
فأختارَ أدراعـه كي لا يسبّ بها ولم يكــن وعـــــده فيهـــا بختــّار
ثم كانت هذه القصة المنتحلة سبباً في إنتحال قصة أخرى هي قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية وما يتصل بها من الأشعار . منتحلة هذه القصيدة الرائية الطوية التي مطلعها :
سما لك شوقُ بعد ما كان أقصرا وحلّتْ سليمى بطن ظبْي فعَرْعرا
منتحل هذا الشعر الذي قاله امرؤ القيس حين دخل الحمام مع قيصر والذي ننزه هذا الكتّاب عن روايته . منتحل هذا الحب الذي يقال إن امرأ القيس أضمره لابنه قيصر . منتحلة هذه الأشعار التي تضاف إلى امرئ القيس حين أحس السم وهو قافل من بلاد الروم . كل هذا منتحل لأنه يفسر هذه الأحاديث التي شاعت ، لتلك الأسباب التي قدّمناها .
وإذا لم يكن بد من إلتماس الأدلة الفنية على إنتحال هذا الشعر ، فقد نحب أن نعرف كيف زار امرؤ القيس بلاد الروم وخالط قيصر حتى دخل معه الحمام وفتن ابنته ورأى مظاهر الحضارة اليونانية في قسطنطينية ولم يظهر لذلك أثر ما في شعره : لم يصف القصر ولم يذكره ، لم يصف كنيسة من كنائس قسطنطينية ، لم يصف هذه الفتاة الأمبراطورية التي فتنها ، لم يصف الروميات ، لم يصف شيئاً ما يمكن أن يكون رومياً حقاً . ثم يكفي أن تقرأ هذا الشعر لتحس فيه الضعف والإضطراب والجهل بالطريق إلى قسطنطينية .
ومهما يكن من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصوّر أن شاعراً عربياً قديماً قال هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس في رحلته إلى بلاد الروم وقفوله منها .
وإذا رأيت معنا أن كل هذا الشعر الذي يتصل بسيرة امرئ القيس إنما هو من عمل القصّاص فقد يصح أن نقف معك وقفة قصيرة عند هذا القسم الثاني من شعر امرئ القيس وهو الذي لا يفسر سيرته ولا يتصل بها . ولعل أحق هذا الشعر بالعناية قصيدتان إثنتان :
الأولى : * فــقــا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *
والثانية : * ألا أنعم صباحاً أيـهـــا الطلل البالي *
فأما ما عدا هاتين القصيدتين فالضعف فيه ظاهر والاضطراب فيه بين والتكلف والإسفاف يكادان يلمسان باليد . وقد يكون لنا أن نلاحظ قبل كل شيء ملاحظة لا أدري كيف يتخلص منها أنصار القديم ، وهي أن امرأ القيس - إن صحت أحاديث الرواة - يمنيّ وشعره قرشي اللغة ، لا فرق بينه وبين القرآن في لفظه وإعرابه وما يتصل بذلك من قواعد الكلام . ونحن نعلم ــ كما قدّمناه ــ أن لغة اليمن مخالفة كل المخالفة للغـة الحجاز ، فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز ؟ بل في لغة قريش خاصة ؟ سيقولون : نشأ امرؤ القيس في قبائل عدنان وكان أبوه ملكاً على بني أسد وكانت أمه من بني تغلب وكان مهلهل خاله ، فليس غريباً أن يصطنع لغة عدنان ويعدل عن لغة اليمن . ولكننا نجهل هذا كله ولا نستطيع أن نثبته إلا من طريق هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس . ونحن بشك في هذا الشعر ونصفه بأنه منتحل .
وإذاً فنحن ندور : نثبت لغة امرئ القيس التي نشك فيها بشعر امرئ القيس الذي نشك فيه . على أننا أمام مسألة أخرى ليست أقل من هذه المسألة تعقيداً . فنحن لا نعلم ولا نستطيع أن نعلم الآن أكانت لغة قريش هي اللغة السائدة في البلاد العربية أيام امرئ القيس؟ وأكبر الظن أنها لم تكن لغة العرب في ذلك الوقت وأنها إنما أخذت تسود في أواسط القرن السادس للمسيح وتمت لها السيادة بظهور الإسلام كما قدّمناه .
وإذاً فكيف نظم امرؤ القيس اليمني شعره في لغة القرآن مع أن هذه اللغة لم تكن سائدة في العصر الذي عاش فيه امرؤ القيس؟ وأعجب من هذا أنك لا تجد مطلقاً في شعر امرئ القيس لفظاً أو أسلوباً أو نحواً من أنحاء القول يدل على أنه يمنيّ . فمهما يكن امرؤ القيس قد تأثر بلغة عدنان فكيف نستيطع أن نتصوّر أن لغته الأولى قد محيت من نفسه محواً تاماً ولم يظهرها أثر ما في شعره؟ تظن أن أنصار القديم سيجدون كثيراً من المشقة والعناء ليحلّوا هذه المشكلة . ونظن أن إضافة هذا الشعر إلى امرئ القيس مستحيلة قبل أن تحل هذه المشكلة .
على أننا نحب أن نسأل عن شيء آخر ؛ فامرؤ القيس إبن أخت مهلهل وكليب إبني ربيعة - فيما يقولون - ، وأنت تعلم أن قصة طويلة عريضة قد نسجت حول مهلهل وكليب هذين ، هي قصة البسوس وهذه الحرب التي اتصلت أربعين سنة - فيما يقول القصاص - وأفسدت ما بين القبيلتين الأختين بكر وتغلب . فمن العجيب ألا يشير امرؤ القيس بحرف واحد إلى مقتل خاله كليب ، ولا إلى بلاء خاله مهلهل ، ولا إلى هذه المحن التي أصابت أخواله من بني تغلب ، ولا هذه المآثر التي كانت لأخواله على بنى بكر .
وإذاً فأينما وجّهت فلن تجد إلا شكاً : شكا في القصة ، شكا في اللغة ، شكا في النسب ، شكا في الرحلة ، شكا في الشعر . وهم يريدون بعد هذا أن نؤمن ونطمئن إلى كل ما يتحدث به القدماء عن امرئ القيس ! نعم نستطيع أن نؤمن وأن نطمئن لو أن الله رزقنا هذا الكسل العقلي الذي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنبا للبحث عن الجديد . ولكن الله لم يرزقنا هذا النوع من الكسل ، فنحن نؤثر عليه تعب الشك ومشقة البحث .
وهذا البحث ينتهي بنا إلى أن أكثر هذا الشعر الذي يضاف لامرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء وإنما هو محمول عليه حملاً ومختلق عليه اختلاقاً ، حمل بعضه العرب أنفسهم ، وحمل بعضه الآخر الرواة الذين دوّنوا الشعر في القرن الثاني للهجرة .
ولننظر في المعلَّقة نفسها ، فلسنا نعرف قصيدة يظهر فيها التكلف والتعامل أكثر مما يظهران في هذه القصيدة . ولا نحفل بقصة تعليق هذه القصائد السبع أو العشر على الكعبة أو في الدفاتر . فما نظن أن انصار القديم يحفلون بهذه القصة التي نشأت في عصر متأخر جدّاً والتي لا يثبتها شيء في حياة العرب وعنايتهم بالآداب . ولكننا نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكون في بعض هذه القصيدة فهم يشكون في صحة هذين البيتين :
ترى بعر الآرام في عَرَصَاتها وقِيعــــانهــا كأنــــه حـــبُّ فُلفـــل
كأنى غداة البين يوم تحمــــلَّوا لدى سَمُرَات الحىّ ناقف حنظــــل
وهم يشكون في هذه الأبيات :
وقربة أقوام جعلتُ عِصامَهــا على كاهـــــل مني ذَلُول مرحــــّل
ووادٍ كجوف العَير قفرٍ قطعتُه به الذئبُ يعوي كالخليـــــع المعيّل
فقلت له لما عــوى إن شأننـا قليــــلُ إن كنـــت لمّــــــا تمــــــوّل
كلانا إذا ما نال شيئــــاً أفاتــه ومن يحترث حَرْثي وحرثك يهزل
وهم بعد هذا يختلفون إختلافاً كثيراً في رواية القصيدة : في ألفاظها وفي ترتيبها ، ويضعون لفظاً مكان لفظ وبيتاً مكان بيت . وليس هذا الاختلاف مقصوراً على هذه القصيدة ، وإنما يتناول الشعر الجاهليّ كله . وهو اختلاف شنيع يكفي وحده لحملنا على الشك في قيمة هذا الشعر . وهو إختلاف قد أعطى للمستشرقين صورة سيئة كاذبة من الشعر العربي ، فخّيل إليهم أنه غير منّسق ولا مؤتلف ، وأن الوحدة لا وجود لها في القصيدة ، وأن الشخصية الشعرية لا وجود لها في القصيدة أيضاً ، وأنك تستطيع أن تقدّم وتؤخر وأن تضيف إلى الشاعر شعر غيره دون أن تجد في ذلك حرجاً أو جناحاً مادمت لم تخلّ بالوزن ولا بالقافية .
وقد يكون هذا صحيحاً في الشعر الجاهلي ، لأن كثرة هذا الشعر منتحلة مصطنعة . فأما الشعر الإسلامي الذي صحّت نسبته لقائليه فأنا أتحدى أي ناقد أن يبعث به أقل عبث دون أن يفسده . وأنا أزعم أن وحدة القصيدة فيه بينة ، وأن شخصية الشاعر فيه ليست أقل ظهوراً منها في أي شعر أجنبي . وإنما جاء هذا الخطأ من إتخاذ هذا الشعر الجاهلي نموذجاً للشعر العربي ، مع أن هذ الشعر الجاهلي - كما قدّمناه - لا يمثل شيئاً ولايصلح إلا نموذجاً لعبث القصّاص وتكلف الرواة .
ونظن أن أنصار القديم لا يخالفون في أن هذين البيتين قلقان في القصيدة وهما :
وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهمــــوم ليبتلي
فقلت له لمّـــــــا تمطَّى بُصلبـــه وأردف أعجازاً وناء بكَلْكَل
فقد وضع هذان البيتان للدخول على البيت الذي يليهما وهو :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهذان البيتان أشبه بتكلف المشطر والمخمّس منهما بأي شيء آخر .
فإذا فرغنا من هذا الشعر الذي لا نكاد نختلف في أنه دخيل في القصيدة ، فقد نستطيع أن نرد القصيدة إلى أجزائها الأولى . وهذه الأجزاء هي : أولاً وقوف الشاعر على الدار وما يتصل بذلك من بكاء وإعوال ، ثم ذكره أيام لهوه مع العذارى ، ثم عتابه لصاحبته وما يتصل بذلك من وصف خليلته ، ثم ذكر الليل والإستطراد منه إلى الصيد وما يتوسّل به إلى الصيد من وصف الفرس ، ثم ذكر البرق وما يتبعه من السيل .
ولنسرع إلى القول بأن وصف اللهو مع العذارى وما فيه من فحش أشبهُ بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهلياً . فالرواة يحدّثوننا أن الفرزدق خرج في يوم مطير إلى ضاحية البصرة فاتبع آثاراً حتى انتهى إلى غدير وإذا فيه نساء يستحممن فقال : ما أشبه هذا اليوم بيوم دارة جُلْجُل ، وولى منصرفاً ؛ فصاح النساء به : يا صاحب البغلة ؛ فعاد إليهن فسألنه وعزمن عليه ليحدّثنهن بحديث دارة جلجل ؛ فقص عليهّن قصة امرئ القيس وأنشدهنّ قوله :
أَلاَ ربّ يوم لك منهنّ صالح ولا سيما يوم بدارة جلجل
(الأبيات)
والذين يقرءون شعر الفرزدق ويلاحظون فحشه وغلظته وأنه قد ليم على هذا الفحش وعلى هذه الغلظة لا يجدون مشقة في أن يضيفوا إليه هذه الأبيات ، فهي بشعره أشبه . وكثيراً ما كان القدماء يتحدّثون بمثل هذه الأحاديث يضيفونها إلى القدماء وهم ينتحلونها من عند أنفسهم . ومهما يكن من شيء ، فلغة هذه الأبيات كلغة القصيدة كلها عدنانية قرشية يمكن أن تصدر عن شاعر إسلامي اتخذ لغة القرآن لغة أدبية .
أما وصف امرئ القيس لخليلته ، وزيارته إياها ، وتجشّمه ما تجشم للوصول إليها ، وتخوّفها الفضيحة حين رأته ، وخروجها معه وتعفيتها آثارهما بذيل مرطها ، وما كان بينهما من لهو ، فهو أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة منه بأي شيء آخر . فهذا النحو من القصص الغرامي في الشعر فنّ عمر بن أبي ربيعة قد أحتكره إحتكاراً ولم ينازعه فيه أحد . ولقد يكون غريباً حقاً أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفنّ ويتخذ فيه هذا الأسلوب ويعرف عنه هذا النحو ، ثم يأتي ابن أبي ربيعة فيقلده فيه ولا يشير أحد من النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة قد تأثر بأمرئ القيس مع أنهم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف . فكيف يمكن أن يكون امرؤ القيس هو منشىء هذا الفن من الغزل الذي عاش عليه ابن أبي ربيعة والذي كوّن شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية ولا يعرف له ذلك ؟
وأنت إذا قرأت قصيدة أو قصيدتين من شعر ابن أبي ربيعة لم تكد تشك في أن هذا الفن فنه أبتكره إبتكاراً وأستغله إستغلالاً قوياً ، وعرفت العرب له هذا . وقل مثل هذا في القصص الغرامي الذي تجده في قصيدة امرئ القيس الأخرى : "ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي" . ففي هذا القصص الفاحش فنّ ابن أبي ربيعة وروح الفرزدق . ونحن نرجح إذاً أن هذا النوع من الغزل إنما أضيف إلى امرئ القيس ، وأضافه رواة متأثرون بهذين الشاعرين الإسلاميين .
بقي الوصف ، ولاسيما وصف الفرس والصيد . ولكننا نقف فيه موقف الترذّد أيضاً . واللغة هي التي تضطرنا إلى هذا الموقف . فالظاهر أن امرأ القيس كان قد نبغ في وصف الخيل والصيد والسيل والمطر . والظاهر أنه قد استحدث في ذلك أشياء كثيرة لم تكن مألوفة من قبل . ولكن أقال هذه الأشياء في هذا الشعر الذي بين أيدينا أم قالها في شعر آخر ضاع وذهب به الزمان ولم يبق منه إلا الذكرى وإلا جملُ مقتضبه أخذها الرواة فنظموها في شعر محدّث نسّقوه ولفّقوه وأضافوه إلى شاعرنا القديم؟ هذا مذهبنا الذي نرجحه . فنحن نقبل أن امرأ القيس هو أول من قيّد الأوابد ، وشبه الخيل بالعصي والعقبان وما إلى ذلك ، ولكننا نشك أعظم الشك في أن يكون قد قال هذه الأبيات التي يرويها الرواة . وأكبر الظن أن هذا الوصف الذي نجده في المعلّقة وفي اللامية الأخرى فيه شيء من ريح امرئ القيس ، ولكن من ريحه ليس غير .
هناك قصيدة ثالثة نجزم نحن بأنها منتحلة إنتحالاً . وهي القصيدة البائية التي يقال إن امرأ القيس أنشأها يخاصم بها عَلْقمة بن عَبَدَة الفحل ، وأن أم جندب زوج امرئ القيس قد غلّبت علقمة على زوجها . وأنت تجد القصيدتين في ديوان امرئ القيس وديوان علقمة . فأما قصيدة امرئ القيس فمطلعها :
خليليّ مُرّا بي على أم جندب نقضِّ لُبانات الفؤاد المعذَّب
وأما قصيدة علقمة فمطلعها :
ذهبت من الهجران في كل مذهبِ ولم يك حقــاًّ هذا التجنُّـــب
ويكفى أن نقرأ هذين البيتين لتحس فيهما رقة إسلامية ظاهرة . على أن النظر في هاتين القصيدتين سيقفك على أن هذين الشاعرين قد تواردا على معان كثيرة بل على ألفاظ كثيرة بل على أبيات كثيرة تجدها بنصها في القصيدتين معاً ، وعلى أن البيت الذي يضاف إلى علقمة وبه ربح القضية يروى لأمرئ القيس ، وهو :
فأدركهن ثانياً من عنانه يمرّ كمرّ الرائح المتحلّب
والبيت الذي خسر به امرؤ القيس القضية يروى لعلقمة وهو :
فللسوطِ أُلهوبٌ وللساق درّة وللزجر منه وقعُ أهوجَ مِتـْعَبِ
وأنت تسطيع أن تقرأ القصيدتين دون أن تجد فيهما فرقاً بين شخصية الشاعرين ، بل أنت لا تجد فيها شخصية ما ، وإنما تحس أنك تقرأ كلاماً غريباً منظوماً في جمع ما يمكن جمعه ، من وصف الفرس جملة وتفصيلاً . وأكبر الظن أن علقمة لم يفاخر امرأ القيس ، وأن أم جندب لم تحكم بينهما ، وأن القصيدتين ليستا من الجاهلية في شيء ، وإنما هما صنع عالم من علماء اللغة لسبب من تلك الأسباب التي أشرنا في الكتاب الماضي إلى أنها كانت تحمل علماء اللغة على الانتحال . وكان أبو عبيدة والأصمعي يتنافسان في العلم بالخيل ووصف العرب إياها : أيهما أقدر عليه وأحذق به . وما نظن إلا أن هاتين القصيدتين وأمثالهما أثر من آثار هذا النحو من التنافس بين العلماء من أهل الأمصار الإسلامية المختلفة .
وهنا وقفة أخرى لابد منها . ذلك أن امرأ القيس لا يذكر وحده وإنما يذكر معه من الشعراء علقمة - كما رأيت - وعَبيد بن الأبرص . فأما علقمة فلا يكاد الرواة يذكرون عنه شيئاً إلا مفاخرته لأمرئ القيس ومدحه ملكاً من ملوك غَسَّان ببائيته التي مطلعها :
طحا بِكَ قلبٌ للحسان طروبُ بعيْد الشباب عصر حان مشيبُ
وإلا أنه كان يتردّد على قريش ويناشدها شره ، وإلا أنه مات بعد ظهور الإسلام أي في عصر متاخر جداً بالقياس إلى امرئ القيس الذي مهما يتأخر فقد مات قبل مولد النبي ، والذي نرى نحن أنه عاش قبل القرن السادس وربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً .
وأما عبيد فقد إلتمسنا في سيرته وما يضاف إليه من الشعر ما يعيننا على إثبات شخصية امرئ القيس وشعره فكانت النتيجة محزنة جداً . ذلك أنها انتهت بنا إلى أن نقف من عبيد وشعره نفس الموقف الذي وقفناه من امرئ القيس وشعره . وليس علينا في ذلك ذنب ؛ فالرواة لا يحدّثوننا عن عبيد بشيء يقبل التصديق . إنما عبيد عند الرواة والقصَّاص شخص من أصحاب الخوارق والكرامات ، كان صديقاً للجنّ والسماء معاً ، عُمّر عمرا طويلاً يصلون به إلى ثلاثة قرون ومات مِيتة منكرة : قتله النعمان بن المنذر أو المنذر بن ماء السماء في يوم بؤســه . والرواة يعرفون شيطان عبيد . واسم هذا الشيطان هبيد ، وقد حاول بعضهم أن يرسل هذا المثل "لولا هبيد ما كان عبيد" . وقد رووا لهبيد هذا شعرا وزعموا أنه أراد أن يلهم الشعر ناساً غير عبيد فلم يوفق . ولعبيد مع الجنّ أحاديث لا تخلو من لذة وعجب . ولكن كل ما نقرأ من أخبار عبيد لا يعطينا من شخصيته شيئاً ولا يبعث الإطمئنان إلا في أنفس العامة أو أشباه العامة .
فأما شعر عبيد فليس أشدّ من شخصيته وضوحاً . فالرواة يحدّثوننا بأنه مضطرب ضائع . وابن سلاّم يحدّثنا في موضع من كتابه "طبقات الشعراء" أنه لم يبق من شعر عبيد وطرفه إلا قصائد بقدر عشر ، ولكنه يحدّثنا في موضع آخر أنه لا يعرف له إلا قوله :
أقفر من أهله ملحوبُ فالقُطَبِيات فالذّنـــوب
ثم يقول ابن سلاّم : ولا أدرى ما بعد ذلك . ولكن رواة آخرين يروون هذه القصيدة كاملة ويروون له شعراً آخر في هجاء امرئ القيس ومعارضته ، وفي إستعطاف حُجْر على بني أسد . ويكفي أن نقرأ هذه القصيدة التي قدّمنا مطلعها لتجزم بأنها منتحلة لا أصل لها . وحسبك أنه يثبت فيها وحدانية الله وعلمه على نحو ما يثبتهما القرآن فيقول :
والله ليس له شريكُ عَلاَّمُ ما أخفت القلوبُ
فأما شعره الآخر الذي عارض فيه امرأ القيس وهجا فيه كندة فلا حظَّ له من صحة فيما نعتقد . وذلك أن فيه إسفافاً وضعفاً وسهولة في اللفظ والأسلوب لا يمكن أن تضاف إلى شاعر قديم . ويكفى أن تقرأ هذه القصيدة التي أوّلها :
ياذا المخوّفنا بقتـــــ ـــل أبيــه إذلالا وحينا
أزعمت أنك قد قتلــ ــت سراتنا كذبا ومينا
لتعرف أنها من عمل القصّاص ، وأن الشّعر وأشباهه إنما هو من أثر التنافس بين العصبية اليمنية والمضرية .
ولولا أننا نؤثر الإيجاز ونحرص عليه لروينا لك هذا الشعر ووضعنا لك على مواضيع التوليد فيه ؛ ولكن الرجوع إلى هذا الشعر يسير والحكم عليه أيسر . وإذاً فكل شعر امرئ القيس الذي يتصل بشعر عبيد هذا منحول أيضاً كشعر عبيد .
وقد رأيت من هذه الإلمامة القصيرة بهؤلاء الشعراء الثلاثة :
(امرئ القيس وعبيد وعلقمة) أن الصحيح من شعرهم لا يكاد يذكر وأن الكثرة المطلقة من هذا الشعر مصنوعة لا تثبت شيئاً ولا تنفي شيئاً بالقياس إلى العصر الجاهلي ؛ لا نستثنى من ذلك إلا قصيدتين إثنتين لعلقمة :
الأولى : * طحــا بك قلــــبُ للحسان طـــروبُ *
والثانية : * هل ما علمت وما أستودعت مكتوم *
فقد يمكن أن يكون لهاتين القصيدتين نصيب من الصحة مع شيء من التحفظ في بعض أبيات القصيدة الثانية . ولكن صحة هاتين القصيدتين لا تمس رأينا في الشعر الجاهلي ؛ فقد رأيت أن علقمة متأخر العصر جداً ، وأنه مات بعد ظهور الإسلام ، ورأيت أيضاً أنه كان يأتي قريشا ويعرض عليها شعره . على أننا احتفظنا لأنفسنا بالشك في بعض أبيات القصيدة الثانية يظهر فيها التوليد ؛ وهي هذه الأبيات التي يذهب فيها الشاعر مذهب الحكمة وضرب المثل .
بثينه عبدالعزيز
05-07-2009, 06:24 PM
في الشعر الجاهلي .. للدكتور طه حسين
عمرو بن قَمِيئة - مهلهل - جليلة
وشاعران آخران يتصل ذكرهما بذكر امرئ القيس . كان أحدهما فيما يقول الرواة - صديقاً له ، صحبه في رحلته في قسطنطينية ، ولم يعد من هذه الرحلة كما لم يعد امرؤ القيس ، وهو عمرو بن قميئة . وكان الآخر خال امرئ القيس - فيما يقول الرواة - وهو مهلهل بن ربيعة .
ولابد من وقفة قصيرة عند هذين الشاعرين فسترى بعد قليل من التفكير أن حياتهما ليست أوضح ولا أثبت من حياة امرئ القيس وعبيد ، وأن شعرهما ليس أصح ولا أصدق من شعر امرئ القيس وعبيد .
ولنلاحظ قبل كل شيء أن بين امرئ القيس وعمر بن قميئة شبهاً غريباً ؛ فقد كان امرؤ القيس يسمى الملك الضلِّيل . وفسرنا نحن هذا الاسم تفسيراً غير الذي اتفق عليه الرواة وأصحاب اللغة ، فقلنا إنه الملك المجهول الذي لا يعرف عنه شيء ، قلنا ضُلَُ بن قُلّ . وكانت العرب تسمي عمرو بن قميئة عمرا الضائع . فأما المتأخرون من الرواة بعد الإسلام فقد التمسوا لهذه التسمية تفسيراً فوجدوه في سهولة ويسر ، أليس قد رحل مع امرئ القيس في القسطنطينية ؟ أليس قد مات في هذه الرحلة ؟ فهو إذاً عمرو الضائع لأنه ضاع في غير قصد ولا توجه . أما نحن فنفسر هذا الاسم كما فسرناه اسم امرئ القيس ، ونرى أن عمرو بن قميئة ضاع كما ضاع امرؤ القيس من الذكرة ، ولم يعرف من أمره شيء إلا اسمه هذا كما لم يعرف من أمر امرئ القيس ولا من أمر عبيد إلا اسمهما ، ووضعت له قصة كما وضعت لكل من صاحبه قصة ، وحمل عليه شعر كما حمل على صاحبيه الشعر أيضاً .
قال الرواة : إن ابن قميئة عُمَّر طويلاً وعرف امرأ القيس وقد انتهت به السن إلى الهرم ، ولكن امرأ القيس أحبه واستصحبه في رحلته رغم سنه . قال ابن سلاّم : إن بني أقيِّش كانوا يدّعون بعض شعر امرئ القيس لعمرو بن قميئة ، وليس هذا بشيء . وفي الحق أن هذا ليس بشيء ؛ فإن هذا الشعر لا يمكن أن يكون لعمرو بن قميئة كما لا يمكن أن يكون لامرئ القيس فهو شعر محدَث محمول .
وإذا كان عمرو بن قميئة لم يعرف امرأ القيس ، إلا بعد أن تقدّمت به السن وأدركه الهرم فيجب أن يكون قد قال الشعر قبل امرئ القيس الذي لم تتقدم به السن . والرواة يزعمون أن ابن قميئة قال الشعر في شبابه الأول . وإذاً فليس امرؤ القيس هو أول من فتح للناس باب الشعر . ولكن ما لنا نقف عند شيء كهذا والرواة يضطربون فيه اضطرابا شديداً ؟ فهم يزعمون أن أول من قصَّدَ القصائد مهلهل بن ربيعة خال امرئ القيس . وكأن امرأ القيس إنما جاءه الشعر من قِبل أمه . ومعنى ذلك أن الشعر عدناني لا قحطاني . ومن هنا نشأت نظرية أخرى تزعم أن الشعر يماني كله ، ُبدئ بأمرئ القيس في الجاهلية وختم بأبي نُوّاس في الإسلام . فأنت ترى أنا حين نقف عند مسألة كهذه لا نتجاوز العصبية بين عدنان وقحطان . ولكن سترى أكثر من هذا بعد قليل .
قصة عمرو بن قيمئة التي يرويها الرواة ليست شيئاً قيماً ، وإنما هي حديث كغيره من الأحاديث ؛ فهم يزعمون أن أباه تُوفـّي عنه طفلاً فكفله عمه ؛ ونشأ عمرو جميلاً وضيء الطلعة فكلِفت به امرأة عمه وكتمت ذلك حتى إذا غاب زوجها لأمر من أموره أرسلت إلى الفتى ، فلما جاء دعته إلى نفسها ، فامتنع وفاءً لعمه وامتناعاً عن منكر الأمر ، وانصرف . ولكنها حنقت عليه وألقت على أثره جفنة ، حتى إذا عاد زوجها أظهرت الغضب والغيظ وقصّت على زوجها الأمر وكشفت عن الأثر ؛ فغضب الرجل على ابن أخيه . وهنا يختلف الرواة ، فمنهم من يزعم أنه همّ بقتله ، فهرب إلى الحيرة ، ومنهم من يزعم أنه أعرض عنه . ومهما يكن من شيء فقد اعتذر الشاب إلى عمه في شعر نروي لك منه طرفاً لتلمس بيدك ما فيه من سهولة ولين وتوليد :
خليليّ لا تستعجـــلا أن تـــــزوّدا
وأن تجمعا شملي وتنتظرا غــدا
فما لبثي يومـــــاً بسائق مغنــــم
ولا سرعتي يوماً بسائقة الرّدَى
وإن تنظرا في اليوم أفضِ لُبانة
وتستوجبــا مَنـَّا عليّ وتُحمــــــدا
لعمرك ما نفـس بجــــــدٍّ رشيدةُ
تؤامرني ســـــوءاً لأصِرم مرثَدا
وإن ظهرت مني قوارصُ جّمةُ
وأُفرغ مـن لؤمي مراراً وأُصعدا
على غير جُرم أن أكون جنيته
سوى قــــول بـاغ كادني فتجهّدا
لعمري لنعــم المرء تدعـــو بخلة
إذا ما المنــــادي في المقامــــة نددا
عظيـم رمـــــاد القــدر لا متعــــبّس
ولا مؤيــس منهــــا إذا هــو أوقــــدا
وإن صرّحت كَحْلٌ وهبَّتْ عَرِيـَّةُ
من الريح لم تترك من المال مرقــدا
صبرت على وطء الموالي وخطبهم
إذا ضـــنّ ذو القربى عليهم وأخمدا
ولم يحــم حـــــُرْم الحي إلا محافــظُ
كريــــــم المحيّا ماجـــــد غير أجردا
ونظن أن النظر في هذه القصة وفي القصيدة يكفى ليقتنع القارئ بأننا أمام شيء منتحل متكلف لا حظ له من صدق . وليس خيراً من هذه القصيدة هذا الشعر الذي يقال إن عمرو بن قميئة أنشأه لمّا تقدّمت به السنّ يصف به هرمه وضعفه . ولعله قاله قبل أن يرتحل مع امرئ القيس إلى بلاد الروم . ويزعم الشعبي ، أو من روى عن الشعبي أن عبد الملك بن مروان تمثل به في علّته التي مات فيها .
وهو :
كأني وقــد جاوزت ُ تسعيـــن حِجـَّة
خلعـــتُ بهــــا عني عِنـــــانَ لجامي
على الراحتينِ مــــرّة وعلى العصــا
أنــــوء ثـــــــلاثاً بعدهـــــن قيــــامي
رمتني بناتُ الدهر من حيث لا أرى
فما بـــــــال مـــن يُرْمَى وليس بـرام
فلو أنّ مـــا أُرْمَى بنبـــــــل رميتهـــا
ولكنمـــــا أُرْمَـــى بغيــــــر سهــــــام
إذا رآني النـــــــاس قالــــــوا ألم يكن
حديثـــــاً جديد البــــــرى غير كَهـام
وأفنى ومــــــــا أُفْنى من الدهـــر ليلة
وما يُفنـــــى ما أفنيت سلــــك نظامي
وأهلكـــني تأميــــــــل يـــــــــومٍ وليلةٍ
وتأميـــــلُ عـــــامٍ بعد ذاك وعـــــــام
فنحن نستطيع بعد هـــذا أن نضيــف عمــرو بن قميئـــة إلى صاحبيــه الضائعيـن : (عبيد وامرئ القيس) ، وأن ننتقل إلى مهلهل ، لنرى ماذا يمكن أن يثبت لنا من أمره وشعره .
فأما أمره فنظن أنه يسير لا سبيل إلى الإختلاف فيه . فيجب أن نبلغ من السذاجة حظاً غير قليل لنسلم بما كان يتحدّث به الرواة من أمر هذه القصة الطويلة العريضة : قصة البسوس . ونظن أن الاتفاق يسير على أن هذه القصة قد طوّلت ونميت وعظم أمرها في الإسلام حين اشتدّ التنافس بين ربيعة ومضر من ناحية ، وبين بَكْر وتَغْلِب من ناحية أخرى . وليس مهلهل في حقيقة الأمر إلا بطل هذه القصة ؛ فقد عظم أمره وأرتفع شأنه بمقدار ما نميت هذه القصة وطُول فيها . ولسنا ننكر أن خصومة عنيفة كانت بين القبيلتين الشقيقتين بكر وتغلب في العصور الجاهلية القديمة ، وأن هذه الخصومة قد انتهت إلى حروب سفكت فيها الدماء وكثرت فيها القتلى ؛ ولكن أسباب هذه الخصومة ومظاهرها وأعراضها وآثارها الأدبية قد ذهبت كلها ولم يبق منها إلا ذكرى ضئيلة تناولها القصاص فأستغلّوها إستغلالاً قوياً ، ووجدت بكر وتغلب وربيعة كلها حاجتها في هذا الإستغلال . ولم لا ؟ ألم تكن النبوّة والخلافة ومظاهرها الشرف كلها لمضر في الإسلام ؟ وكيف يستطيع العرب من ربيعة أن يؤمنوا لمضر بهذه السيادة وهذا المجد دون أن يثبتوا لأنفسهم في قديم العهد على أقل تقدير مجداً وشرفاً وسيادة ؟ وقد فعلوا : فزعموا أنهم كانوا سادة العرب من عدنان في الجاهلية : كان منهم الملوك والسادة ، وكان منهم الذين قاوموا طغيان اللخميين في العراق والغَسّانيين في الشام ، وكان منهم الذين هزموا جيوش كسرى في يوم ذي قار . لمضر إذاً حديث العرب بعد الإسلام ، ولربيعة قديم العرب قبل الإسلام . فإذا لاحظت إلى هذا ما كان من الخصومة الفعلية بين ربيعة ومضر أيام بني أمية وما كان من الخصومة الأدبية بين جرير شاعر مضر الذي يقول :
إنّ الــذي حــرم المكــارمَ تَغْلِبــًا جعــل النبــوّة والخــلافة فينـا
هذا أبن عمي في دِمَشْــقَ خليفـة لو شئــت ساقكـــُمُ أليّ قطينــا
وبين الأخطل الذي يقول :
أبني كُلَيْــبٍ عَمََََّّّـــى اللـــَّذا قتــلا الملوكَ وفكَّكا الأغلالا
نقول إذا لاحظت كل هذه الخصومات لم يصعب عليك أن تتصوّر كثرة الانتحال في القصص والشعر حول ربيعة عامّة وحول هاتين القبيلتين من ربيعة خاصة ، وهما بكر وتغلب . على أن بعض الرواة كانوا يظهرون كثيراً من الشك فيما كانت تتحدّث به بكر وتغلب من أمر هذه الحروب .
ومهما يكن من شيء فليست شخصية مهلهل بأوضح من شخصية امرئ القيس أو عبيد أو عمرو بن قميئة ؛ وإنما تركت لنا قصة البسوس منه صورة هي إلى الأساطير أقرب منها إلى أي شيء آخر . ومن هنا قال ابن سلاّم إن العرب كانت ترى أن مهلهلاً لم يتكثر ويدّعي في شعره أكثر مما يعمل . والحق أن مهلهلاً لم يتكثر ولم يدَّع شيئاً ، وإنما تكثرت تغلب في الإسلام ونحلته ما لم يقل . ولم تكتف بهذا الانتحال بل زعمت أنه أوّل من قصّد القصيد وأطال الشعر ، ثم أحسّت ما نحس الآن أو أحسه الرواة أنفسهم وهو أن في هذا الشعر اضطراباً وإختلاطاً ، فزعمت ، أو زعم الرواة ، أنه لهذه الإضطراب والإختلاط سمّي مهلهلاً ، لأنه هلهل الشعر . والهلهلة الإضطراب . ويستشهد ابن سلاّم على هذا بقول النابغة :
* أتاك بقول هَلْهَلِ النسجِ كاذبِ *
وليس من شك في أن شعر مهلهل مضطرب ، فيه هلهلة وإختلاط . ولكننا نستطيع أن نجد هذه الهلهلة نفسها في شعر امرئ القيس وعبيد وأبن قميئة وكثير غيرهم من شعراء العصر الجاهلي ؛ فقد كانوا جمعياً مهلهلا إذاً .
غير أننا لانستطيع أن نطمئن إلى أن يهلهل شعراء الجاهلية جميعاً الشعر بحيث يصبح لكل واحد منهم شخصيات شعرية مختلفة تتفاوت في القوّة والضعف وفي الشدّة واللين وفي الإغراب والسهولة . وإذاً فمن الذي هلهل الشعر ؟ هلهله الذين وضعوه من القصّاص والمنتحلين وأصحاب التنافس والخصومة بعد الإسلام .
ويحسن أن نظهرك على شيء من شعر مهلهل لترى كما نرى أنه لا يمكن أن يكون أقدم شعر قالته العرب :
أليلتنـا بـــــذى حُسُــم أنيـري إذا أنت إنقضيــت فلا تحوري
فإن يـك بالذنائب طـــال ليلي فقـــد أبكـــى من الليل القصير
فلو نبش المقابــــرُ عن كُلَيْب لأُخبـر بالذنــائب أيّ زيــــــــر
ويــــوم الشعشمين لقرّ عيناً ، وكيــف لقــاءُ مَنْ تحت القبور
على أني تركــت بــــواردات بُجَيــــْراً في دم مثـــل العبيـــر
هتكت به بيــــوت بنى عُبّــاد وبعض الغشـم أشفى للصــدور
على أن ليس يوفى من كليب إذا بــرزت مخبَّـــأة الخـــــدور
وهّمام بن مـــُرّةَ قد تركنـــــا عليــه القُشْعمــان من النســور
ينــوء بصــدره والرمــح فيه ويخلجـــــه خِدبٌ كالبعيــــــر
فلولا الريـحُ أُسمِعُ منَ بِحُجْرٍ صليل البيــض تُقـرع بالذكور
فدى لبني شقيقــة يوم جاءوا كأسد الغـاب لجــّت في الزئير
كــأنّ رماحهــــم أشطـانُ بئر بعيــد بيــن جالَيْهـــا جــــَرور
غــداة كأننــــا وبني أبينـــــــا بجنــب عُنيزة رَحَيَــــا مُديـــر
تظلُّ الخيل عاكفــةً عليهـــم كـأنّ الخيــل تُرْحض في غدير
أليس يقع من نفسك موقع الدهش أن يستقيم وزن هذا الشعر وتطَّرد قافّيته وأن يلائم قواعد النحو وأساليب النظم لا يشذ في شيء ولا يظهر عليه شيء من أعراض القدم أو مما يدل على أن صاحبه هو أوّل من قصّد القصيد وطوّل الشعر ؟
أليس يقع في نفسك هذا كله موقع الدهش حين تلاحظ معه سهولة اللفظ ولينة وإسفاف الشاعر فيه إلى حيث لا تشك أنه رجل من الذين لا يقدرون إلا على مبتذل اللفظ وسُوقّيه ؟
ولكننا لا نريد أن نترك مهلهلاً هذا دون أن نضيف إليه امرأة أخيه جليلة التي رثت كليبا - فيما يقول الرواة - بشعر لا ندري أيستطيع شاعر أو شاعرة في هذا العصر الحديث أن يأتي بأشدّ منه سهولة ولينا وإبتذالاً ، مع أننا نقرأ للخنساء وليلى الأخيلية شعراً فيه من قوّة المتن الأََسْر ما يعطينا صورة صادقة للمرأة العربية البدوية .
قالت جليلة :
يا إبنة الأقــــــوام إن شئت فلا تعجــــلي باللــوم حتى تسألي
فــــإذا أنــت تبينـــت الـــــــذي يَوجبُ اللومَ فلـــومي وأعذُلي
إن تكن أخت امرئ ليمت على شَفــَقٍ منهــــــا عليــه فأفعلي
جلّ عنــدي فعل جسّــــاسٍ فيا حسرتي عما انجلى أو ينجلي
فعـل جسّـــاس على وجدي به قاصم ظهـــري ومُـدْنٍ أجلي
يا قتيــلا قــــوّض الدهـــر به سقفَ بيتيَّ جميعــاٌ مــن عَلِ
هـــــدم البيتَ الــذي إستحدثتـه وانثنى في هـــــدم بيتي الأوّل
ورمــاني قتلــــه مـــــــن كثبٍ رمية المصمى به المستأصَل
يانســــائي دونكــــنّ اليـــوم قد خصّني الدهــر برزء معضل
خصّني قتــــل كليــب بلظــى مـــن ورائي ولظى مستقبلي
ليس من يبكي ليوميـــه كمــن إنما يبــــــكي ليـــــوم ينجلي
وقد أعرضنا في كل هذه الأحاديث عن أسجاع ما نظن أن أحدا يرتاب في أنها مصنوعة متكلفة . ونعتقد أن قراءة هذا الشعر الذي رويناه تكفي لنضيف في غير مشقة مهلهلاً وامرأة أخيه إلى إبن أخته امرئ القيس .
وقد فرغنا من امرئ القيس ومن يتصل به من الشعراء ولكننا لم نفرغ من الشعراء أنفسهم فلا بدّ من وقفات أخرى قصيرة عند طائفة منهم . وستثبت لك هذه الوقفات أننا لسنا غلاة ولا مسرفين إن خشينا ألا يقتصر الشك على امرئ القيس وشعره .
بثينه عبدالعزيز
05-07-2009, 06:26 PM
في الشعر الجاهلي .. للدكتور طه حسين
عمر بن كُلْثوم - الحارث بن حِلّزِة
ونحن حين ندع مهلهلاً وامرأة أخيه إلى هذين الشاعرين من أصحاب المعلقات لا نتجاوز ربيعة بل لا نتجاوز هذين الحيين من ربيعة وهما حيّا بكر وتغلب . فعمرو بن كلثوم تغلبي ، وهو في عرف الرواة لسان تغلب الناطق ، هو الذي سجل مفاخرها وأشاد بذكرها في شعره ، أو بعبارة أدق : في قصيدته التي تروى بين المعلقات . وقد كان - فيما يقول الرواة - بطلا من أبطال تغلب ورث القوّة والأيد وشدّة البأس وإباء الضيم عن جدّه مهلهل ؛ فقد كانت أمه ليلى بنت مهلهل .
وقد أحيط عمرو بن كلثوم في مولده ونشأته بل في مولد أمه بطائفة من أساطير لا يشك أشدّ الناس سذاجة في أنها لون من ألوان العبث والانتحال :
زعموا أن مهلهلا لما ولدت له ليلى أمر بوأدها فأخفتها أمها ، ثم نام فأتاه آت وتنبأ له بأن إبنته هذه ستلد إبناً يكون له شأن ، فلما أصبح سأل عن إبنته وُئدت فكذب وألح فأُظهرت له فأمر بإحسان غذائها . ثم تزوجت كلثوما فما زالت ترى فيما يرى النائم من يأتيها فيخبرها عن إبنها بالأعاجيب حتى ولدته ونشأته . قالوا وقد ساد عمرو بن كلثوم قومه ولما يتجاوز الخامسة عشرة .
فكل هذه الأحاديث التي تشير إليها إشارة ، تدل على أن عمرو بن كلثوم قد أحيط بطائفة من الأساطير جعلته إلى أبطال القصص أقرب منه إلى أشخاص التاريخ . ومع ذلك فقد يظهر أنه وجد حقاً ، وقد يظهر أنه على خلاف من قدّمنا ذكرهم من الشعراء . وقد أعقبَ ؛ فصاحب الأغاني يحدّثنا بأن له عقبا كان باقيا إلى أيامــه .
وسواء أكان عمرو بن كلثوم شخصاً من أشخاص التاريخ . أم بطلاً من أبطال القصص ، فإن القصيدة التي تنسب إليه لا يمكن أن تكون جاهلية أو لا يمكن أن تكون كثرتها جاهلية . وهل نستطيع قبل كل شيء أن نطمئن إلى ما يتحدّث به الرواة من أن عمرو بن كلثوم قتل ملكاً من ملوك الحيرة هو عمرو بن هند المشهور ، وذلك حين بغى عمرو بن هند هذا وانتهى به الطغيان إلى أن طمع في أن تستخدم أمه ليلى بنت مهلهل أن تناولها طبقاً ؛ فأجابتها ليلى : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها ؛ فألحت هند ؛ فصاحت ليلى : وَا ذُلاَّه يا لَتغلب ! وكان ابنها عمرو في قبة الملك فسمع دعاءها فوثب إلى سيف معلق فضرب به الملك ، ونهضت بنو تغلب فنهبوا قبة الملك وعادوا إلى باديتهم .
غير أن النص التاريخي الذي يثبت هذه القصة لم يصل إلينا بعد . وهل من المعقول أن يقتل ملك الحيرة هذه القتلة ويقف الأمـر عند هذا الحد بين آل المنذر وبني تغلب من ناحية وبين ملوك الفرس وأهل البادية من ناحية أخرى ؟ أليس هذا لوناً من الأحاديث التي كان يتحدّث بها القصاص يستمدّونها من حاجة العرب إلى المفاخرة والتنافس ؟ بلى ! وقصيدة عمرو بن كلثوم نفسها نوع من هذا الشعر الذي ينتحل مع هذه الأحاديث . وأنت إذا قرأت هذه القصيدة رأيت أن مهلهلاً لم يكن يتكثر وحده وإنما أورث التكثر والكذب سبطه عمرو بن كلثوم ؛ فلسنا نعرف كلمة تضاف إلى الجاهليين وفيها من الإسراف والغلوّ ما في كلمة عمرو بن كلثوم هذه . على أن رأى الرواة فيها يشبه رأيهم في معلقة امرئ القيس ؛ فهم يشكون في بعضها وهم يختلفون في الأبيات الأولى منها : أقالها عمرو بن كلثوم أم قالها عمرو بن عديّ أبن أخت جَذيمة الأبرش ؟ فأما الذين يضيفون هذه الأبيات لعمرو بن كلثوم فيرون أن مطلع القصيدة :
* ألا هُبّي بصحنك فأصبحينا *
وأما الآخرون فيرون أن مطلعها :
* قفي قبل التفرّق يا ظعينا *
وأولئك وهؤلاء لا يختلفون في إنطاق عمرو بن عديّ بالبيتين :
صـددت الكأس عنا أمَّ عمرو وكان الكأس مجـــراها اليمينا
وما شَرُّ الثلاثـــــة أم عمــرو بصاحبــك الذي لا تصبحينــا
وأنت حين تمضي في القصيدة ترى فيها أبياتاً مكررة تقع وسط للقصيدة وفي آخرها . ولكن هذا النحو من الإضطراب مشترك في أكثر الشعر الجاهلي ، مصدره إختلاف الروايات . فإذا قرأت القصيدة نفسها فستجد فيها لفظاً سهلا لا يخلو من جزالة ، وستجد فيها معاني حسانا وفخر لا بأس به لولا أن الشاعر يسرف فيه من حين إلى حين إسرافاً ينتهي به إلى السخف كقوله :
إذا بلغ الرضيعُ لنا فطاماً تخِزُّ له الجبابر ساجدينا
وستجد فيها أبياتاً تمثل إباء البدوي للضيم وإعتزازه بقوتـه وبأسـه كقــوله :
ألا لا يجهلَــنْ أحدُ علينـــا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
قلت إن هذا البيت يمثل إباء البدوي للضيم . ولكني أسرع فأقول إنه لا يمثل سلامـة الطبع البدوي وإعراضه عن تكرار الحروف إلى هذا الحدّ الممل :
ألا لا يجهلــن أحد علينـــا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فقد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات وأشتدّ هذا الجهل حتى مُلَّ . وهم يحملون على الأعشى بيتاً فيه مثل هذا النوع من التعسف .
ولكنا نشك في صحة هذا البيت الذي يضاف إلى الأعشى .
ومهما يكن من شيء ، فإن في قصيدة ابن كلثوم هذه من رقة اللفظ وسهولته ما يجعل فهمها يسيراً على أقل الناس حظاً من العلم باللغة العربية في هذا العصر الذي نحن فيه . وما هكذا كانت تتحدّث العرب في منتصف القرن السادس للمسيح وقبل ظهور الإسلام بما يقرب من نصف قرن . وما هكذا كانت تتحدّث ربيعة خاصة في هذا العصر الذي لم تسد فيه لغة مضر ولم تصبح فيه لغة الشعر . بل ما هكذا كان يتحدّث الأخطل التغلبي الذي عاش في العصر الأموي أي بعد ابن كلثوم بنحو قرن . واقرأ هذه الأبيات وحدّثني أتطمئن إلى جاهليتها :
قفي قبــــــل التفـــرّق يا ظعينا نخبــِّرْكِ اليقـيـن وتُخبـــرينا
قفي نسالْك هـل أحدثت صَرْمَّا لَو شْك البين أم خُنتِ الأمينا
بيوم كريهة ضــرباً وطعنــــــاً أقـــرّ بــــــه مواليـــك العيونا
وإن غدا وإن اليـــــــوم رهـــن وبعد غـــد بمـــــا لا تعلمينــا
تُريك إذا دخلتَ على خَــــــلاَءٍ وقد أمِنت عيــونَ الكاشحينا
ذراعيْ ععَيْطل أدمـــــاء بكــرٍ هجان اللــون لم تقــرأ جنينا
وثدياً مثل حُقَّ العاج رَخْصـاً حصــانا من أكف اللامسينا
ومَتـْنيْ لَدْنةٍ سَمَقت وطـــالت روادفهـــا تنـــوء بمــا ولينا
ومأكَمَة يضيق الباب عنهــــا وكشحــا قد جُننت به جنونا
وساريتيْ بَلَنْـــطٍ أو رُخــــام يرنّ خشاش حليهمــا رنينا
وأقرأ هذه الأبيات أيضاً :
أَلاَ لا يعلم الأقـــــوام أماّ تضعضعنـا وأنــــــا قد ونينا
ألا لا يجهلنْ أحـــد علينا فنجهـل فـوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمروّ بن هند نكــــون لَقْيلكـم فيهــا قطينا
بأي مشيئة عمرّو بن هند تُطيع بنا الوشــــاةَ وتزدرينا
تَهَدَّدْنا وأوعِدْنـــا رويـــداً متــى كنــــا لأمــــك مقتويتا
فإن قناتَنا يـاعمرو أعيت على الأعِـــداء قبلك أن تلينا
وهذه الأبيات :
ونحن التاركون لما تخطِنا ونحن الآخذون لما رضينا
وكنا الأيمنينَ إذا إلتْقينـــــا وكـــان الأيسرين بنـــو أبينا
فصالوا صولةً فيمن يليهم وصُلْنـــا صولـــة فيمن يلينا
فآبَوْا بالنهاب وبالسبايـــــا وأُبنــا بالملــوك مُصَفَّــدينـا
إليكم يا بني بكــر إليكـــم ألَّمــــا تعرفــــــوا منـا إليقينا
وهذه الأبيات وقارن بينهما وبين الأبيات الأخيرة :
وقــــــــد علم القبائــل من مَعَدَّ إذا قُبــــَبٌ بأبطحهــــا بُنِينا
بأنــــــــا المطعمــون إذا قدَرنا وأنـــاّ المهلكـــون إذا ابتُلينا
وأنـــــــا المانعون لمـا أردنــا وأنـــا النازلـون بحيث شينا
وأنـــــــا التاركون إذا مَخِطـنا وأنـــا الآخذون إذا رضينـا
وأنـــــــا العاصمون إذا أُطعنا وأنــا العارمون إذا عُصِينا
ونشرب إن وردنا الماء صَفْواً ويشرب غيرنا كَدَراً وطينا
وهذه الأبيات:-
إذا المَلْكُ سام الناس خَسفـاً أبينـــــا نقــــرّ الــــذل فينـــا
لنا الدنيا ومن أمسى عليــها ونبطش حين نبطش قادرينا
ملآنا البر حتى ضـاق عنا وماءَ البحـــــر نملــؤه سفينا
إذا بلغ الرضيع لنــا فِطـاماً تخزّلــــه الجبابـــر ساجدينا
أمتن من هذه القصيدة وأرصن قصيدة الحارث بن حلّزة ، وكان لسان بكر ، يقول الرواة ، ومحاميها والذائد عنها بين يدي عمرو بن هند أيضاً . زعموا أن عمرو بن هند أصلح بين القبيلتين المختصمتين بكر وتغلب وإتخذ منهما رهائن ، فتعرّضت رهائن تغلب لبعض الشر وهلكت أو هلك أكثرها ، فتجنت تغلب على بكر وطالبت بدية الهلكى ، وأبن بكر ، وكادت تستأنف الحرب بينهما ، واجتمعت أشرافهما إلى عمرو بن هند ليحكم بينهم ، وأحس الحارث ميل الملك إلى تغلب فنهض فأعتمد على قوسه وأرتجل هذه القصيدة . قالوا وكان به وضح ، وكان الملك قد أمر أن يكون بينه وبينه ستار ، فلما أخذ ينشد قصيدته أخذ الملك يعجب به ويدنيه شيئاً فشيئاً حتى أجلسه إلى جانبه وقضى لبكر .
ويكفي أن تقرأ هذه القصيدة لترى أنها ليست مرتجلة إرتجالاً وإنما هي قصيدة نظمت وفكر فيها الشاعر تفكيراً طويلاً ورتب أجزائها ترتيباً دقيقاً . وليس فيها من مظاهر الارتجال إلا شيء واحد هو هذا الإقواء الذي تجده في قوله :
فملكنا بذلك الناس حتى ملك المنذر بن ماء السماء
فالقافية كلها مرفوعة إلى هذا البيت . ولكن الإقواء كان شيئاً شائعاً حتى عند الشعراء الإسلاميين الذين لم يكونوا يرتجلون في كل وقت . تقول إن قصيدة الحارث أمتن وأرصن من قصيدة ابن كلثوم . وقد نظمتا في عصر واحد ، إن صح ما يقول الرواة ، فهما مسوقتان إلى عمرو بن هند . فاقرأ هذه الأبيات للحارث وقارن بينهما في اللفظ والمعنى وبين ما قدّمنا لك من شعر عمرو :
ملكُ أضرعَ البريــّةَ لا يـــو جد فيهــــــا لما لديــــه كِفاءُ
ما أصابوا من تغلبيَّ فمطلو ل ، عليـه إذا أصيــب العَفاء
كتكاليف قومنا إذ غزا المنـ ـذر هل نحن لابـن هند رِعاء
إذ أحلّ العلياء قبــة مَيْسُـــو ن فأدنى ديارها العـوصـــاء
فتأوّت لـــه قَراَضِبــةُ مـــن كـــل حـي كأنهـــم ألقـــــــــاء
فهداهم بالأسودين وأمر الــ ـله بَلْغ تشقى بــــه الأشقيــاء
إذ تمنونهم غرورا فساقتــــ ـهم إليكـــم أمنيــــــة أَشْــراء
لم يغرّوكُمُ غرورا ولكــــن رفع الآلُ شخصَهم والضَّحاء
وأنظر إلى هذه الأبيات يعير فيها الشاعر تغلْب بإغارات كانت عليهم لم ينتصفوا لأنفسهم من أصحابها :
أعلينا جُناح كِنْــــــدة أن يغـ ـنم غازيهــــمُ ومنّا الجــــزاء
ليس منا المضِّربون ولا قيـ ـس ولا جنـــدل ولا الحـــذّاء
أم جنايـا بني عتيق فمن يغـ در فإنا من حربهــم بــــــرآء
أم علينا جرّى العباد كما نيـ ـط يجـــوز المحمّل الأعبـــاء
وثمانون من تميم بايديــــــــ ـهم رماح صدورهن القضاء
تركوهــــم مُلَحَّبين وآبــــــوا بنهـــاب يُصم منهــا الحــداء
أم علينا جرّّى حنيفة أم مـــا جمعت من مُحارب غبـــراء
أم علينا جَرَّى قُضاعة أم ليـ ـس علينــا فيمــا جنوا أنـداء
ثم جاءوا يسترجعون فلم تر جع لهــم شامــة ولا زهـراء
فأنت ترى أن بين القصيدتين فرقا عظيماً في جودة اللفظ وقوّة المتن وشدّة الأسر . على أن هذا لا يغير رأينا في القصيدتين ، فنحن نرجح أنهما منتحلتان . وكل ما في الأمر أن الذين كانوا ينتحلون كانوا كالشعراء أنفسهم يختلفون قوّة وضعفا وشدّة ولينا . فالذي انتحل قصيدة الحارث بن حِلِّزة كان من هؤلاء الرواة الأقوياء الذين يحسنون تخير اللفظ وتنسيقه ونظم القصيد في متانه وأَيْد . ولسنا نتردّد في أن نعيد ما قلناه من أن هاتين القصيدتين وما يشبههما مما يتصل بالخصومة بين بكر وتغلب إنما هو من آثار التنافس بين القبيلتين في الإسلام لا في الجاهلية
بثينه عبدالعزيز
05-07-2009, 06:28 PM
في الشعر الجاهلي .. للدكتور طه حسين
طَرَفة بن العبد - المُتَلَمِّس
وشاعران آخران من ربيعة نقف عندهما وقفة قصيرة هما طرفة ابن العبد والمتلمِّس . وإنما نجمعهما لأن القصص جمعهما من قبل .
فقد زعموا أن المتلمِّس كان خال طرفة . ولم يقف جمع القصص بينهما عند هذا الحدّ بل قد جمعهما في الشيء القليل الذي نعرفه عنهما ؛ ذلك أن لطرفة والمتلمِّس أسطورة لهج بها الناس منذ القرن الأوّل للهجرة . وهم يختلفون في روايتها إختلافاً كثيراً ولكنا نتخير من هذه الروايات أيسرها وأقربها إلى الإنسان :
زعموا أن هذين الشاعرين هجوا عمرو بن هند حتى أحنقاه عليهما ، ثم وفدوا عليه فتلقاهما لقاء حسنا وكتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين وأوهمهما أنه كتب لهما بالجوائز والصِّلات ؛ فخرجا يقصدان إلى هذا العامل . ولكن المتلمِّس شك في كتابه فأقرأه غلاما من أهل الحِيرة فإذا فيه أمر بقتل المتلمِّس ، فألقى كتابه في النهر ، وألحّ على طرفة في أن يفعل فعله فأبى ؛ وأفترق الشاعران : مضى أحدهما إلى الشام فنجا ، ومضى الآخر إلى البحرين فلقى الموت . وكان طرفة حديث السنّ لم يتجاوز العشرين في رأي بعض الرواة ولم يتجاوز السادسة والعشرين في رأي بعضهم الآخر . وقد كثرت الأحاديث حول هذه القصة وأضيفت إليها أشياء أعرضنا عن ذكرها لظهور انتحال فيها وغضب عمرو بن هند على المتلمِّس حين هرب إلى الشام وأفلت من الموت فأقسم لا يطعم حَبَّ العراق . واتصل هجاء المتلمِّس له .
والرواة المحققون يعدون هذين الشاعرين من المقلين . بل لم يرو ابن سلاّم للملتمس شيئاً ولم يسم له قصيدة . فأما طرفة فقد قال ابن سلاّم عنه في موضع إنه هو وعَبيد من أقدم الفحول ولم يبق لهما إلا قصائد بقدر عشر . وأستقلّ ابن سلاّم هذه القصائد على الشاعرين وقال إنه قد حمل عليهما حمل كثير . وقد رأيت أنه حين أراد أن يضع عبيدا في طبقته لم يعرف له إلا بيتا واحدا . فأما طرفة فقد عرف له المطولة وروى مطلعها هكذا :
لَخوْلةَ أطلالُ ببرقة ثهمـــِد وقفتُ بها أبكي وأبكي إلى الغدِ
وعرف له الرائية المشهورة :
* أصحوت اليوم أم شاقتك هر *
وعرف له قصائد لم يدل عليها . وقال إنه أشعر الناس بواحدة . يريد المعلقة . وبين يدينا ديوان لطرفة يشتمل هاتين القصيدتين وقصيدة أخرى مشهورة ، وهي :
سائلوا عنا الذي يعرفنا بِخَزَازَى يوم تَحلاق اللمم
ثم مقطوعات أخرى ليست بذات غَناء . وأنت إذا قرأت شعر طرفة رأيت فيه ما ترى في أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ولا سيما المضربين منهم من متانة اللفظ وغرابته أحيانا ، حتى لتقرأ الأبيات المتصلة فلا تفهم منها شيئاً دون أن تستعين بالمعاجم . ولكنك مضطر إلى أن تلاحظ أن هذا الشعر أشبه بشعر المضريين منه بشعر الرّبعيين ؛ فنحن لم نجمع شعراء ربيعة عفوا ، وإنما جمعناهم فيما تحدّثنا به إليك في هذا الكتاب إلى الآن لأن بينهم شيئاً يتفقون فيه جميعاً ، هو هذه السهولة التي تبلغ الإسفاف أحياناً ؛ لا نستثني منهم في ذلك إلا قصيدة الحارث حلّزة . فكيف شذ طرفة عن شعراء ربيعة جميعاً فقوى متنه واشتدّ أسره وآثر من الإغراب ما لم يؤثر أصحابه ودنا شعره من شعر المضريين ؟
وأنظر في هذه الأبيات التي يصف بها الناقة :
وإنى لأُمضي الهمَّ عند إحتضاره بعوجاء مِرْقالٍ تـروح وتغتدي
أمونٍ كألـــــــواح الأران نصْأتُهـا على لاحب كأنـه ظهر بُرْجُد
جَمَاليةٍ وَجْنـــاء ترِدي كــأنهـــــا سَفنّجـــــةُ تَبْرِي لأزعَر أربَد
تُباري عِتاقــاً ناجيــــاتٍ وأتبعت وظيفـــاً وظيفا فوق مَوْرٍ معبَّد
تربعت القُفَّين في الشّوْل ترتـعي حدائـــــــقَ مَوْليّ الأسِرة أغيد
تَرِيع إلى صـــوت المُهيب وتتقي بذي خُصَلٍ روعاتِ أكلفّ مُلْبِد
كأنّ جناحَيّ مَضْرَحيّ تكنّـــَفــــا حفافيــه شكّا في العسيب بِسْرَد
وهو يمضي على هذا النحو في وصف ناقته فيضطرنا إلى أن نفكر فيما قلناه من أن أكثر هذه الأوصاف أقرب إلى أن يكون من صنعة العلماء باللغة منه إلى أي شيء آخر . ولكن دع وصفه للناقة واقـــرأ :
ولست بحــلاّل التَــــِلاع مخافــةً
ولكن متى يسترفِـــدِ القــــومُ أرفـــد
فإن تبغـــني في حَلْقــــــة تلقـــــني
وإن تلتمسني في الحوانيــت تصطد
متى تأتني أصبحك كأســـاً رويّةً
وإن كنت عنها ذا غنى فـاغن وازدد
وإن يلتقِ الحي الجميــــعُ تُلاقني
إلى ذروة البيت الشريـــف المصمَّد
نداماي بيضُ كالنجـــــوم وقَينـــةُ
تروح إلينـــا بيــــــن بـــــُرْدٍ ومجسَدِ
رحيبُ قِطابُ الجيب منها رفيقةُ
بجَـــسّ النـــدامى بضــّةُ المتجـــــرّد
إذا نحـن قلنا أسمعينا أنبرت لنــا
على رِسْلهـــا مطروقــــة لم تشــــدّد
إذا رجّعتْ في صوتها خلتَ صوتها
تجــــــاوُبَ أظــآرَ علـــى رُبَع رَدِي
فسترى في هذه الأبيات لينا ولكن في غير ضعف ، وشدّة ولكن في غير عنف . وسترى كلاماً لا هو بالغريب الذي لا يفهم ، ولا هو بالسُّوقي المبتذل ، ولا هو بالألفاظ قد رصفت رصفا دون أن تدل على شيء . وأمض في قراءة القصيدة قستظهر لك شخصية قوية ومذهب في الحياة واضح جلي : مذهب اللهو واللذة يعمِد إليهما من لا يؤمن بشيء بعد الموت ولا يطمع من الحياة إلا فيما تتيح له من نعيم بريء من الإثم والعار على ما كان يفهمها عليه هؤلاء الناس :
وما زال تَشْرابي الخمـورَ ولذّتي وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتْلَــــدِي
إلى أن تحامتني العشيـرةُ كلهـــــا وأُفـــــــردت إفرادَ البعير المعَّبــد
رأيت بني غَبـــــراءَ لايُنكرونـني ولا أهــلُ هذاك الطِّرافِ الممـــدّد
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مُخلّدي
فإن كنتَ لا تستطيع دفـــع منيتي فدعني أبادرها بمـا ملكت يــدي
ولولا ثلاثٌ هن من عيشة الفتى وجدّك لم أحفـــِلْ متى قام عُوّدي
فمنهن سبقي العـاذلاتِ بشربـــــة كُمَيْتٍ متى ما تُعــــْلَ بالماء تزبد
وكَرِّى إذا نـادى المضافُ محنَّبـا كِسيِد الغضا نبّهتـــه المتـــــــورَّد
وتقصير يـــــوم الدَّجْن معجــــِبُ ببهكَنةٍ تحت الخِبــــاء المعمّــــــَد
في هذا الشعر شخصية بارزة قوية لا يستطيع من يلمحها أن يزعم أنها متكلفة أو منتحلة أو مستعارة . وهذه الشخصية ظاهرة البداوة واضحة الإلحاد بنية الحزن واليأس والميل إلى الإباحة في قصد واعتدال . هذه الشخصية تمثل رجلاً فكر وألتمس الخير والهدى فلم يصل إلى شيء ، وهو صادق في يأسه ، صادق في حزنه ، صادق في ميله إلى هذه اللذات التي يؤثرها . ولست أدري أهذا الشعر قد قاله طرفة أم قاله رجل آخر ؟ وليس يعنيني أن يكون طرفة قائل هذ الشعر . بل ليس يعنيني أن أعرف اسم صاحب هذا الشعر ؛ وإنما الذي يعنيني هو أن هذا الشعر صحيح لا تكلف فيه ولا إنتحال ، وأن هذا الشعر لا يشبه ما قدّمناه في وصف الناقة ولا يمكن أن يتصل به ، وأن هذا الشعر من الشعر النادر الذي نعثر به من حين إلى حين في تضاعيف هذا الكلام الكثير الذي يضاف إلى الجاهليين ، فنحس حين نقرؤه أنا نقرأ شعرا حقاً فيه قوة وحياة وروح .
وإذاً فأنا أرجح أن في هذه القصيدة شعراً صنعه علماء اللغة هو هذا الوصف الذي قدّمنا بعضه ، وشعرا صدر عن شاعر حقا هو هذه الأبيات وما يشبهها . ولسنا نأمن أن يكون في هذه الأبيات نفسها ما دُسّ على الشاعر دسا وأنتحل عليه إنتحالاً .
فأما صاحب القصيدة فيقول الرواة إنه طرفة . ولست أدري أهو طرفة أم غيره؟ بل لست أدري أجاهليّ هو أم إسلاميّ ؟ وكل ما أعرفه هو أنه شاعر بدوي ملحد شاكّ .
ولست أحب أن أقف عند القصيدتين الأُخريين ؛ فإن شخصية الشاعر تستخفي فيهما إستخفاء وتعود معهما إلى هذا الشعر الذي وقفت عنده غير مرة والذي يمثل مجد القبيلة وفخرها القديم . وأكبر الظن أن هاتين القصيدتين كقصيدة الحارث بن حِلِّزة وضعتا في الإسلام تخليداً لمآثر بكر بن وائل .
فلندع طرفة ولنصل إلى المتلمِّس . وأمر المتلمِّس أيسر من أمر طرفة . فشعره يعود بنا إلى شعر ربيعة الذي قدّمنا الإشارة إليه وإلى ما فيه من رقة وإسفاف وإبتذال . ومن غريب أمره أن التكلف فيه ظاهر ، ولاسيما في القافية ، فيكفى أن تقرأ سينيته التي أوّلها :
يا آل بَكرٍ ألا لله أمّكُمُ طال الثَّواء وثوب العجزِ ملبوس .
لتحس تكلف القافية . على أن هذه القصيدة مضطربة الرواية فقد يوضع آخرها في أوّلها ، وقد يروى مطلعها :
كم دونَ مَيّةَ من مستعمَلٍ قَذّفٍ ومن فلاة بها تستودع العِيُسُ
وللمتلمِّس قصيدة أخرى ليست أجود ولا أمتن من هذه القصيدة ، ولعلها أدنى منها إلى الرداءة ، وهي التي مطلعها :
ألم تر أن المرء رهن منيــة صريعٌ لعَافي الطيرِ أو سوف يُرْمَس
فلا تقبلنْ ضمياً مخافةَ ميتـةٍ ومُوتَنْ بهـــا حــــــراٍّ وجلُدك أملـــس
ويقول فيها :
وما الناس إلا ما رأوا وتحدّثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
وربما كانت ميمية المتلمس أجود ما يضاف إليه من الشعر ، وهي التي أوّلها :
يعيِّرنى أمي رجال ولا أرى أخا كـــرمٍ إلا بــــــأن يتكّرمـــا
وأكبر الظن أن كل ما يضاف إلى المتلمِّس من شعر - أو أكثره على أقل تقدير - مصنوع ، الغرض من صنعته تفسير طائفة من الأمثال وطائفة من الأخبار حفظت في نفوس الشعب عن ملوك الحيرة وسيرتهم : في هؤلاء الأخلاط من العرب وغير العرب الذين كانوا يسكنون السواد . ولا أستبعد أن يكون شخص المتلمِّس نفسه قد إخترع إختراعاً تفسيراً لهذا المثل الذي كان يضرب بصحيفة المتلمِّس والذي لم يكن الناس يعرفون من أمره شيئاً ، ففسره القصاص وأستمدوا تفسيره من هذه الأساطير الشعبية التي أشرنا إليها غير مرة .
وهناك شعراء آخرون من ربيعة كنا نستطيع أن نقف عندهم ونلم بشعرهم إلماماً وننتهي فيهم إلى مثل انتهينا إليه في أمر هؤلاء الشعراء الذين درسناهم في هذا البحث القصير . ولكنا نكتفي بما قدّمنا ؛ فقد ضربنا المثل . ويخيل إلينا أنا قد وضحنا وبينا وأزلنا الحجاب عن كل ما نريد أن نقوله في موقفنا بإزاء الشعر الجاهلي .
ونحن لم نقصد في هذا الكتاب إلى أن ندرس الشعراء ولا إلى أن نحلل شعرهم وإنما قصدنا إلى أن نبسط رأينا في طريقة درس هذا الشعر الجاهلي وهؤلاء الشعراء الجاهليين . وقد بلغنا من ذلك ما كنا نريد . فأما تتبع الشعراء شاعرا شاعرا ودرس شعرهم قصيدة قصيدة ومقطوعة مقطوعة فقد نفرغ لبعضه في غير هذا الكتاب . ومهما نفعل فلن نستطيع أن ننهض به وحدنا في عام أو أعوام ، بل لابدّ من أن ينهض به معنا الذين يحبون الحق فيسعون إليه ويطلبونه .
على أنا نريد أن نختم هذا السفر بملاحظتين :
(الأولى) أن هذا الدرس الذي قدّمناه ينتهي بنا إلى نتيجة إلا تكن تاريخية صحيحة فهى فرض يحسن أن يقف عنده الباحثون ويجتهدوا في تحقيقة ، وهي أن أقدم الشعراء فيما كانت تزعم العرب وفيما كان يزعم الرواة إنما هو يمنيون أو ربعيون . وسواء أكانوا من أولئك أو من هؤلاء فما يروى من أخبارهم يدل على أن قبائلهم كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة أي في هذه البلاد التي تتصل بالفرس إتصالاً ظاهرا والتي كان يهاجر إليها العرب . من عدنان وقحطان على السواء .
إذاً فنحن نرجح أن هذه الحركات التي دفعت أهل اليمن من ناحية وأهل الحجاز من ناحية أخرى إلى العراق والجزيرة ونجد ، في عصور مختلفة ولكنها لا تكاد تتجاوز القرن الرابع للمسيح ، قد أحدثت نهضة عقلية وأدبية ، لما كان من اختلاط هذين الجنسين العربيين فيما بينهما ومن اتصالهم بالفرس .
ومن هذه النهضة نشأ الشعر أو قل إذا كنت تريد التحقيق ظهر الشعر وقوي وأصبح فناً أدبياً . وقد ذهب هذا الشعر ولم يبق لنا منه شيء إلا الذكرى ، ولكن لم يكد يأتي القرن السادس للمسيح حتى تجاوزت هذه النهضة أقطار العراق والجزيرة ونجد وتغلغلت في أعماق البلاد العربية نحو الحجاز فمست أهله . ومن هنا ظهر الشعر في مضر ومن إليهم من أهل البلاد العربية الشمالية . فالشعر كما ترى يمني قوي حين إتصلت القحطانية بربيعة. ولكنا لن نعرفه ولم نصل إليه إلا حين تغلغل في البلاد العربية وأخذته مضر عن ربيعة . ومن هنا نستطيع أن نقول إنا تعمدنا الوقوف ببحثنا عند هذا الحدّ الذي انتهينا إليه ؛ فلنا في شعر مضر رأى غير رأينا في شعر اليمن وربيعة ، لأننا نستطيع أن نؤرّخه ونحدّد أوليته تقريباً ، ولأننا نستطيع أن تقبل بعض قديمه دون أن تحول بيننا وبين ذلك عبقة لغوية عنيفة .
وإذاً فنحن نستطيع أن نستأنف هذا البحث في سفر آخر . وسترى أن الشعراء الجاهليين من مضر أدركوا الإسلام كلهم أو أكثرهم فليس غريباً أن يصح من شعرهم شيء كثير .
(الثانية) أن الذين يقرءون هذا الكتاب قد يفرغون من قراءته وفي نفوسهم شيء من الأثر المؤلم لهذا الشك الأدبي الذي نردّده في كل مكان من الكتاب . وقد يشعرون ، مخطئين أو مصيبين ، بأننا نتعمد الهدم تعمدا ونقصد إليه في غير رفق ولا لين . وقد يتخوفون عواقب هذا الهدم على الأدب العربي عامة وعلى القرآن الذي يتصل به هذا الأدب خاصة .
فلهؤلاء نقول أن هذا الشك لا ضرر منه ولا بأس به ، لا لأن الشك مصدر اليقين ليس غير ، بل لأنه قد آن للأدب العربي وعلومه أن تقوم على أساس متين . وخير للأدب العربي أن يزال منه في غير رفق ولا لين ما لا يستطيع الحياة ولا يصلح لها من أن يبقى مثقلا ًبهذه الأثقال التي تضر أكثرها مما تنفع ، وتعوق عن الحركة أكثر مما يمكن منها .
ولسنا نخشى على القرآن من هذا النوع من الشك والهدم بأسا ؛ فنحن نخالف أشدّ الخلاف أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي لتصح عربيته وتثبت ألفاظه . نخالفهم في ذلك أشدّ الخلاف لأن أحدا لم ينكر عربية النبي فيما نعرف ، ولأن أحدا لم ينكر أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه تتلى عليهم آياته . وإذا لم ينكر أحد أن النبي عربىّ وإذا لم ينكر أحد أن العرب فهموا القرآن حين سمعوه ، فأي خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الجاهلي أو هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟ وليس بين أنصار القديم أنفسهم من يستطيع أن ينازع في أن المسلمين قد احتاطوا أشدّ الإحتياط في رواية القرآن وكتابته ودرسه وتفسيره حتى أصبح أصدق نص عربي قديم يمكن الإعتماد عليه في تدوين اللغة العربية وفهمها . وهم لم يحفلوا برواية الشعر ولم يحتاطوا فيها ، بل انصرفوا عنها في بعض الأوقات طائعين أو كارهين ، ولم يراجعوها إلا بعد فترة من الدهر وبعد أن عبث النسيان والزمان بما كان قد حفظ من شعر العرب في غير كتابة ولا تدوين . فأيهما أشد إكبار للقرآن وإجلالاً له وتقديساً لنصوصه وإيماناً بعربيته القاطعة على تلك العربية المشكوك فيها ، أم ذلك الذي يستدل على عربية القرآن بشعر كان يرويه وينتحله في غير احتياط ولا تحفظ قوم منهم الكذاب ومنهم الفاسق ومنهم المأجور ومنهم صاحب اللهو والعبث ؟
أما نحن فمطمئنون إلى مذهبنا مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو كثرة هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئاً ولا تدل على شيء إلا ما قدّمنا من العبث والكذب والانتحال ، وأن الوجه - إذا لم يكن بد من الاستدلال بنص على نص - إنما هو الاستدلال بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر لا بهذا الشعر على عربية القرآن .
18 مارس سنـــــة 1926
بثينه عبدالعزيز
05-09-2009, 07:05 AM
عشر ملاحظات حول الحرب في غزة
عبد الحكيم مفيد
العرب : سلام مقابل سلامتك
حين تطلب وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني من العرب أن يدعموا إسرائيل في الحرب على غزة، فهي تعرف ما تقول.
في الحرب على غزة لم يبق من العرب ولا حتى القدرة على الاستنكار، لان الحرب في غزة هي أكثر من مجرد حرب، وهي أكثر من مجرد حصار، العرب،أي الأنظمة الرسمية، هم أكثر المعنيون باستسلام غزة وانهيارها، لأنها صارت تزعجهم كنموذج، وليس كمجموعة، العرب معنيون بتدمير النموذج، لان من انهزم (وليس هزم) عام 1967 في ستة أيام، وهو يهدد ويتوعد لا يمكن أن يقبل معادلة حالة عكسية تماما، مناهضة للهزيمة والاستسلام، الفرق بين 1967 ونهاية 2008 بالنسبة للنظام العربي السائد، هو كبير،اكبر بكثير مما نعتقد، لأنه لم يشهد في تاريخ الأمة العربية الحديث إن وصل احد إلى حد تبرير وتفسير ومساندة هجمة إسرائيلية من أي نوع على جزء من الأمة العربية، كانت البداية في لبنان لكنها وصلت ذروتها في غزة.
وعليه فقد تجرأت ليفني على قول مثل ما قالت من على شاشة الجزيرة بشكل ما عاد يصدق.
يخطئ من يعتقد أن المشكلة في الاستجابة أو عدم الاستجابة لدعوة من نظام (المصري في هذه الحالة)، هذا الكلام يقال للتضليل،لان النظام المصري ليس محايدا، ولا يمكن أن يكون محايدا بأي شكل، فهو منحاز للأجندة الإسرائيلية-الأمريكية بلا تردد.
ازمة النظام العربي الحالي من المحيط إلى الخليج هي في مواجهة النموذج، لان العرب اعتادوا أن ينهوا كل مواجهة أو حرب على الفلسطينيين بمشروع أمريكي منذ عام 1967 على الأقل، وكانوا يحولون كل هزيمة من أي نوع إلى انتصار اسطوري، منذ عام 1967 والحالة العربية تنتج هزائم،وكلها كانت تحل على ظهور الفلسطينيين.
الفلسطينيون
المحاولة في بدء التاريخ الفلسطيني منذ حزيران 2007،وما اسمي بالانقلاب هي محاولة اقل ما يقال عنها أنها مليئة بالتضليل، الحالة التي وصلت إليها غزة كانت مخططة سلفا.
عندما قررت إسرائيل الذهاب إلى أوسلو سئ الصيت كانت تريد تحقيق هدفين مركزيين، الأول: نقل الصراع بينها وبين الفلسطينيين إلى الفلسطينيين أنفسهم، أما الثاني فكان يهدف إلى خلق حالة اختراق سياسية ونفسية للعالم العربي والمجتمع الدولي بحسبه تكون إسرائيل قد أدت واجبها تجاه "السلام" والباقي على الفلسطينيين والعرب،فيما تتحكم هي بالعملية بالشكل الذي يخدم مصالحها حتى يقبل الفلسطينيون الثوابت الإسرائيلية.
على مدار 15 عاما نجحت إسرائيل في قلب الحالة الفلسطينية بشكل لا يصدق، وهي على شفة أن يقبل الطرف الفلسطيني المفاوض بثوابتها هي.
اليوم لا يمكن الحديث عن حالة فلسطينية واحدة، أي لا يمكن الحديث عن الفلسطينيين ككتلة مواجهة واحدة، مرد الأمر ليس إلى خلافات سياسية ثانوية، السبب المركزي خلافات جوهرية حقيقية لا يمكن تجاوزها بمجرد الدعوة إلى تحقيق "وحدة وطنية"، فالشروط السائدة فلسطينيا اليوم وبكل أسف هي أصعب ما عاشه ويعيشه الفلسطينيون منذ ما قبل النكبة، هناك انقلاب جذري وجوهري في ماهية الصراع، وفي مركباته، على الأقل بالنسبة للفلسطينيين.
الفلسطينيون اليوم هم في أسوأ لحظات حياتهم، وهي لحظة كان لا بد أن تكون منذ أن بدأت التسوية فلسطينيا منذ بداية السبعينات.
إسرائيل والغرب ألحا كل الوقت على الفلسطينيين والعرب التنازل والتراجع، منذ النكبة،والعملية روفقت بحروب ومجازر وتشريد وطرد هدفها خلق مبررات التسوية، وأيضا وهذا الأهم،مشروع سياسي متواصل وظيفته ابتزاز وعي الفلسطينيين بقبول حلول وظيفتها المركزية نقل الفلسطينيين إلى مرحلة جديدة من التطبيع مع الحالة الجديدة ونقلهم بشكل تدريجي من مشروعهم الكبير إلى فئات تتقاتل على "سلطة موهومة"، حتى يتاح للمشروع الإسرائيلي أن يحقق أهدافه على ارض الواقع.
غزة هي آخر معقل في وجه تحقيق هذا الهدف، بعد أن صارت تصريحات بعض القادة الفلسطينيين تحمل حميمية وودا للإسرائيليين أكثر بكثير منها تجاه إخوانهم الفلسطينيين.
اليوم يمكن القول وبكل أسف، هناك اصطفاف فلسطيني-إسرائيلي-أمريكي-انظماتي عربي ضد الفلسطينيين، هذا ما أرادت إسرائيل تحقيقه، بعد أن صار في متناول اليد بالنسبة لها تحقيق ثوابتها، لا دولة للفلسطينيين،لا عودة للاجئين،لا تفكيك للمستوطنات، القدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونهر الأردن هو الحدود الأمنية والسياسية لها، ومن لديه غير ذلك فليعلمنا مشكور سلفا.
ليس هناك حرب على السلطة
الاعتقاد السائد بين الفلسطينيين للأسف الشديد أن الفلسطينيين يتقاتلون على كرسي، وعليه فهم يتحملون بالكامل مسؤولية ما يحدث.
الحقيقة التي قد تفاجئ الجميع أن الصراع لا يدور على سلطة هي موهومة أصلا، الصراع يدور على مشروع، إما أن تقبله وإما أن تحارب بلا هوادة وبكل الأساليب.
علينا أن لا ننسى أن الحكومة الفلسطينية انتخبت في غزة من قبل الشعب الفلسطيني قبل قرابة الثلاث سنوات، لمن لا يذكر.
كان على الحكومة المنتخبة،أي الشرعية، أن تقبل بأوسلو وكل تبعاته، ولا خيار أمامها من أي نوع، لا أمامها ولا أمام أية حكومة وسلطة أخرى، وما غير ذلك سيقابل بالنار والحديد والحصار.
منذ انتخاب الحكومة الفلسطينية الجديدة التي أعلنت أنها لن تتنازل عن الثوابت الفلسطينية التي تم التنازل عنها في أوسلو وما بعده، صارت الحرب والمواجهة أكثر وضوحا، وكان ابسط ما يمكن أن يتوقعه مراقب سياسي مبتدئ مواجهة فلسطينية داخلية، لان فريق أوسلو وفريق دايتون، أوكلت له مهمة في غاية الوضوح والبساطة فرض الحل الأمريكي-الاسرائيلي على الفلسطينيين بكل أسلوب ممكن ومتاح.
ولم ينكر أعضاء فريق أوسلو الذي أصبح بعضهم يمثل الموقف الإسرائيلي-الأمريكي علانية بلا خجل أنهم بصدد ذلك،وعليه فقد قادوا مواجهة من أقذر ما شهد الشعب الفلسطيني في حياته، تمثلت في فوضى أمنية واستباحة امن وأعراض الناس، هذه مسالة يعرفها كل فلسطيني،وحين رفضت الحكومة الجديدة قبول أملاءات فريق دايتون عاث الأخير في الأرض الفساد، وعمل علانية وسرا مع إسرائيل وأمريكا على إفشال الحكومة الشرعية المنتخبة، وجرها إلى حالة لم تعد تطاق كما حدث في حزيران 2007، وكانت النتيجة.
الحصار-1
لا يتحدث احد أن الحصار الذي فرض على غزة وكانت بداياته بعد الانتخابات الفلسطينية قبل ثلاث سنوات،أن هذا الحصار كان مرتبطا بإحداث غزة 2007 فيما بعد، ولم يسال احد كيف من الممكن إذا كان الصراع على السلطة أن يفرض الحصار ما زالت إسرائيل ومصر وغيرها تقبل بخيار الفلسطينيين بانتخاب ممثليهم.
الحصار بدا في اللحظة التي قرر فريق اوسلو ودايتون أن يشن حربا بلا هوادة على الحكومة المنتخبة، ومنذ تلك اللحظة لم يعد من الممكن إبقاء الصورة ضبابية، لقد أصبح الفرز واضحا،وصار الاصطفاف أكثر وضوحا، وصار فريق اوسلو-دايتون لا ينكر اصطفافه مع إسرائيل وأمريكا،بل صار يجاهر علانية ويفتخر به ووصل التنسيق الأمني إلى أعلى درجاته علانية كما كانت يديعوت احرونوت نشرت قبل أكثر من شهرين.
الحصار إذا ليس مجرد فعل إسرائيلي يريد تجويع الفلسطينيين وإذلالهم، بل يود أولا تحديد مسار المواجهة، من معنا سيأكل وينعم بحرية ومن ضدنا سيذل ويموت جوعا، في الحصار خطوة أخرى نحو تأكيد الهدف،متقدمة من حيث ما يمكن أن يتم اتخاذه من إجراءات من قبل إسرائيل، وهو في ذات الوقت متقدم من حيث مستوى التنسيق والانسجام الذي وصل إليه فريق اوسلو –دايتون مع إسرائيل.
الحصار -2
تعرف إسرائيل أن ليس صواريخ القسام هي التي كانت سببا للحصار ولا الحرب على غزة. في التهدئة التي توصل إليها الطرفان قبل ستة أشهر لم يتم تنفيذ ما اتفق عليه وتحديدا فتح المعابر، على العكس لقد ازداد الحصار وارتفعت شدته إلى درجة لم يسبقها مثيل من قبل.
كانت إسرائيل تستدرج الفلسطينيين إلى حالة مواجهة، وكانت تخطط لها، لكنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة واليوم وعشية الانتخابات في إسرائيل فان مثل هذه اللحظة تأتت لايهود براك وتسيبي ليفني.
تعرف إسرائيل أن حماس وغيرها من التنظيمات التزمت الهدنة وعملت على تطبيقها، فالمنطق البسيط يقول أن أكثر من كان معنيا بالهدنة هي حكومة حماس بسبب الوضع الذي تعيشه غزة، لكن إسرائيل كانت تعي في ذات الوقت أن عليها أن تضغط حتى النهاية لتفرض مواجهة عسكرية،بعد أن حصلت على مباركة عربية وفلسطينية وهي لا تحتاج إلى أية مباركة أمريكية وأوروبية.
مرة أخرى نجح الإسرائيليون في إقناع العالم أن صواريخ القسام هي سبب هذه الحرب، والحقيقة أن وزير الأمن الإسرائيلي ايهود براك كان أكد قبل اكثر من ثلاثة أشهر أن إسرائيل تعاقب أهل غزة على انتخابهم لحماس، وعليه فهي تحاصرهم لنفس السبب وتشن عليهم الحرب كذلك.
كل من يفهم بالموازين العسكرية يعرف انه ومن ناحية عسكرية لا مجال لمقارنة قوة الطرفين، وان ما أحدثته صواريخ القسام لا يستدعي مثل كل هذا، ويعرف الإسرائيليون كذلك أن الحكومة الشرعية في غزة غير معنية البتة بمواجهة عسكرية، لكنهم يعرفون أن المسالة لا تتعلق بصواريخ القسام.
إسرائيل تحتاج إلى اعادة ترميم قوة ردعها،والى إحراز نصر مؤزر بأي ثمن وبأي صورة، ولو نصر إعلامي،وايهود براك يريد كذلك إعادة ترميم شخصيته كقائد، وقد كتبنا هنا قبل أسبوعين أن غزة ستكون الهدف وتحديدا قصفها، وهذه هي النتيجة.
الانتخابات في إسرائيل
الحرب على غزة تبدأ عشية الانتخابات في إسرائيل، وحين تصرخ المدافع تصمت الأقلام والسياسة.
هناك علاقة بين الانتخابات وبين ما يحدث في غزة، وستستغل الأحزاب الحرب على غزة لإبداء أكثر المواقف قتالية حتى وان كانت تعمل في شؤون البيئة ومثليي الجنس مثل ميرتس، في إسرائيل كل الأشياء توضع جانبا أثناء الحرب.
عمليا هذا ما يحصل الآن، وعمليا لا ولن يجرؤ احد من أحزاب الإجماع الصهيوني (كلها) بفتح فيه على ما يحدث في غزة،ولا يهم احد لا جرائم الحرب ولا الموت ولا الإبادة،لان كل واحد يعرف جيدا انه إذا تكلم سيدفع الثمن في الصناديق.
براك إلى الآن هو أكثر المستفيدين من الحرب، يعد جثثا في غزة ومقاعد في الكنيست، فقط بعد اليوم الأول منذ بدء الحرب سجل حزب العمل ارتفاعا قدره خمسة مقاعد في استطلاع للقناة العاشرة، أمر متوقع للغاية.
الانتخابات هي فرصة جيدة للقادة الإسرائيليين في ترميم قيادتهم والحصول على محبة الشارع، الإسرائيليون يعبدون الأمن، الأمن كان وما زال المركب الأهم في شخصيتهم.
إلى الآن وبحسب الإعلام الإسرائيلي كل شئ على ما يرام، البداية تشبه إلى حد كبير بداية الحرب على لبنان في صيف 2006،لكن ليس من المؤكد أن النتيجة النهائية ستكون كذلك، لأنه ليس المهم كيف تبدأ الحرب المهم كيف تنهيها.
وعودة إلى الانتخابات في إسرائيل، هناك من يحاول أن يلخص هذه الحرب وأهدافها بأنها ليس أكثر من سباق حميم بين الأحزاب لتحقيق اكبر قدر من الفائدة، وفي مثل هذا التقييم يكمن خطر كبير، مفاده أن غزة ليس أكثر من ساحة تنافس انتخابي وإنها لو لم تكن الانتخابات وبشكل أدق لو لم يكن حزب العمل في الحضيض لما خرج براك للحرب.
إسرائيل ليست دولة أحزاب ولا تخرج للحرب لان الحرب هي رغبة حزبية، الحرب على غزة هو قرار إسرائيلي أولا وإذا كانت الأحزاب الإسرائيلية تستغلها فهذا تحصيل حاصل وعليه لا يحبذ تقييم الحرب من هذه الزاوية.
الاعلام العربي
سنسجل للتاريخ والأمانة أن قناة الجزيرة تكاد تكون المصدر الأول والأخير للمشاهدين، وإنها تغطي مجريات الحرب على غزة تغطية متواصلة، ولا بد من تقديم التحية لمراسليها الذين يتعرضون لمخاطر حقيقية. ومثل قناة المنار في لبنان تعمل قناة الأقصى رغم إمكانياتها المتواضعة والقصف الذي تعرضت له على سد ثغرة إعلامية لا يستهان بها مثلما فعلت المنار في حرب لبنان ويمكن القول أننا نشاهد حربا "بالبث المباشر".
ويبرز دور الجزيرة المميز في التغطية مقابل قنوات مجندة إلى الجانب الإسرائيلي وتكاد تخفي جرائم الحرب في غزة، وعلى رأسها قناة العربية.
ما يجب أن يقال يجب أن يقال بالنسبة للجزيرة، لكن في ذات الوقت لا يمكن أن نتجاوز نمط التغطية السياسية للجزيرة وبالذات استضافة الإسرائيليين وعلى رأسهم وزيرة الخارجية تسيبي ليفني فان مثل هذا لا يدخل في مجال الموضوعية والموازنة، ولا يمكن أن نقفز عن مصطلح تستعمله الجزيرة بشكل متواصل هو "الحكومة الفلسطينية المقالة" إلا في سياق تكريس نزع الشرعية عن الحكومة المنتخبة أصلا وإضفاء الشرعية على شخص ابو مازن.
في الخطاب السياسي الموجه في الجزيرة هناك ما يقال، ولا احد يستطيع ان يسلب من الجزيرة في ذات الوقت دورها المميز في التغطية.
الإعلام الإسرائيلي
مرة أخرى يعلمنا الإعلام الإسرائيلي دروسا جديدة في العلاقة بين الإعلام والسياسة، الإعلام الإسرائيلي ليس مجندا لا في هذه الحرب ولا في التي سبقتها، لم يكن مجندا في يوم من الأيام، لقد كان جزءا لا يتجزأ من كل المؤسسات الإسرائيلية الأخرى، الجيش والأمن والسياسة والاقتصاد والاعلام أدى دوره على أتم وجه.
ما نشاهده اليوم هو جنود وضباط جيش في الإعلام، ويبدو في كثير من الأحيان أنهم يسدون النصائح للجيش الإسرائيلي في كيفية إدارة الحرب،من يسمع مراسل القناة الثانية للشؤون العسكرية روني دانيال يسمع ضابطا في الجيش لا علاقة له بالإعلام من قريب ولا من بعيد، شكله وتعابير وجهه وتوجيهاته.
الإعلام الإسرائيلي كعادته دائما مع الموقف الأمني بدون تردد وبدون إثارة أسئلة، هكذا كان في لبنان وقبلها وفي كل الحروب.
حين تدك الصواريخ الناس يصمت الإعلام، هذا ما يحص الآن، لكن كل ذلك مرتبط بتحقيق الأهداف، مثلما حصل في لبنان، فقط عندما لا تحقق الأهداف المعلنة والخفية يستيقظ الإعلام في إسرائيل، أما الآن فان الصورة تبدو "لايت" للغاية، مثل الصور التي يظهرها الإعلام وينشرها حول قصف أهداف كانت صورتها الطائرات قبل قصفها وبعد قصفها، لا شيء مفاجئا حتى الآن.
الاهداف
اهتمت إسرائيل هذه المرة أن لا تعلن عن هدف من أهداف الحرب على غزة، وهو جزء من الدروس المستفادة في حرب لبنان الثانية.
حين لا تكون الأهداف معلنة كما يريدها ايهود براك الذي يؤمن بالسرية التامة،فان التعامل مع النتائج يكون أسهل.
فقط وزير واحد في الحكومة الإسرائيلية يعلن أن الهدف النهائي للحرب على غزة هو القضاء على "سلطة حماس"، حاييم رامون اسمه.
يتحايد القادة الإسرائيليون استعمال مثل هذا الشعار، لان المعنى الحقيقي له على الأقل هو بقاء إسرائيل في غزة، أو إدخال قوات مصرية إلى هناك، حاليا لا تريد إسرائيل العودة إلى غزة، وحاليا كذلك لا يمكن إدخال قوات مصرية بعد أن تحولت مصر في نظر الغزيين إلى عدو لا تقل فظاظة وقسوة عن إسرائيل، كما ان غزة اليوم هي ليست غزة امس.
احد أهم أهداف هذه الحرب هو إعادة الهيبة للجيش الإسرائيلي، وإعادة قوة الردع له التي فقدها في حرب لبنان وفي القدرة على الحسم مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.
إسرائيل غير معنية بتاتا بحملة عسكرية واسعة في غزة، ما زال سلاح الطيران قادرا على الوصول إلى أهداف يقوم بتدميرها، بغض النظر عنها، في غزة كل شئ مستهدف، البيوت والمساجد والمستشفيات والجامعات، وعليه فان إسرائيل تريد أن تلحق اكبر قدر من الخسائر والدمار في اكبر عدد من المنشآت لعلها بذلك تثير الشارع ضد الحكومة المنتخبة.
لا تملك إسرائيل اليوم أقوى من سلاح إثارة الفوضى في غزة، لأنها حتى وان أعادت احتلال غزة من جديد فان غزة اليوم ليست غزة قبل أن تغادرها ولان شروط لعبة المواجهة تغيرت، في النهاية كل ما تريده هي حاليا أن توقف إطلاق الصواريخ مع التأكيد على عدم التنازل عن الهدف الاستراتيجي لها وهو قبول الفلسطينيين جميعا بشروط التسوية الإسرائيلية.
المؤكد أن إسرائيل حولت مصر إلى حليف لها في غزة، ونقصد النظام، لكن في ذات الوقت لا تستطيع إسرائيل المراهنة على الحالة المصرية طويلا، فمصر ورغم أنها تشارك بالحصار بالشروط الإسرائيلية فإنها عاجزة عن فرض سطوتها على غزة.
الحالة الآن هي منزلة بين منزلتين بالنسبة للإسرائيليين فلا حسم حتى النهاية ولا تسوية بشروطها وهذه هي مشكلة غزة بالنسبة للإسرائيليين.
السلطة الفلسطينية لا يمكن أن تعود إلى غزة، فقد تجاوزت الخط الأحمر بالنسبة للفلسطينيين وصارت تعتبر طرفا منحازا مع إسرائيل، وهي أي السلطة،لا تملك الأدوات للعودة إلى هناك ولا تستطيع أن تحمي نفسها وفقط إذا كان طرف (مثل مصر) قادرا على توفير الحماية المباشرة على ارض غزة فأنها قد تكون طرفا جديدا في غزة وهو أمر مستبعد، إذا عرفنا إن غزة اليوم هي ليست غزة في الأمس.
إسرائيل من جهتها وفي حال نجحت في منع سقوط الصواريخ بواسطة اتفاقية تهدئة (وهو ما تريده الآن)،وفي حال اقتنعت الرأي العام في إسرائيل أن التهدئة تحققت بعد الحرب وإذا كان جلعاد شليط يشمل الصفقة وهو ما سيعمل ايهود براك على تحقيقه، فإنها ستكون معنية للغاية بفك الارتباط نهائيا مع غزة، إذا فهمت أن حربا بهذا الحجم أمام كيان يعيش ليلة بكهرباء وليلة على الشموع قد صمد ولم يستجب لشروطها فإنها قد تستنج أن غزة هي خارج حساباتها.
تود إسرائيل خلق معادلة مفادها انه لا يمكن العيش مع غزة بصيغتها الحالية، لكنها في ذات الوقت على غير استعداد لإعادة التاريخ إلى الخلف، بالنسبة لها غزة منتهية،لكنها تود ضمانات لتقاسم السلطة في غزة مع إطراف أخرى، اخطر هذه الخيارات في تقديرنا إذا فشل الخيار المصري وليس من الوارد أن يكون الخيار الإسرائيلي ضمن الحسابات ولا يمكن المراهنة في ذات الوقت على السلطة الفلسطينية التي أنهت دورها كخيار وطني بالنسبة للفلسطينيين بعد هذه الحرب، اخطر الخيارات هو إدخال قوات دولية من الناتو، ومع أن الخيار هو ضعيف للغاية فانه وارد، إذا سدت وأغلقت كل الخيارات إمام إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية الخيار الأقوى حاليا على الأقل هو هدنة جديدة.
حاليا كل ما تريد إسرائيل تحقيقه هو تهدئة وجلعاد شليط وفوضى خلاقة في غزة.
سؤال في الوحدة الوطنية بالخط الأحمر
يرغب كل فلسطيني وعربي ومسلم وحر وشريف وصادق في ان تتحقق الوحدة بين الفلسطينيين اليوم قبل غدا،لكن السؤال المهم: هل يمكن ان تتحقق وحدة وطنية بين طرف يمثل المصالح الوطنية ونقصد كل الشرفاء في الشعب الفلسطيني وهم الغالبية الساحقة، وطرف يعمل علانية على تحقيق الأهداف الإسرائيلية - الامريكية؟
هل يمكن لهذه الوحدة أن تتحقق،هذا هو أهم سؤال تطرحه الوحدة الوطنية الفلسطينية،قبل ان يكون مجرد شعار للاستهلاك والمعايرة،الوحدة الوطنية الفلسطينية لا يمكن ان تحقق إلا على أساس الثوابت الفلسطينية لمن لا يعلم.
http://eqraa.com/html/modules.php?na...ticle&sid=1552
بثينه عبدالعزيز
05-09-2009, 07:08 AM
جمال عبد الناصر وفلسطين
بقلم :صبحي غندور
ليست الكتابة اليوم عن جمال عبد الناصر مجرد تكريم لذكرى ميلاده في 15 / 1 / 1918، بل هي أولاً وأخيراً استرجاع لدروس حقبة زمنية عاشت فيها مصر والأمة العربية معاني العزة والكرامة والإرادة الوطنية الحرة. حقبة نشتاق لها أكثر كلما ازداد بعدنا عنها زمنياً وسياسياً كما هو حاصل الآن في الحرب الإسرائيلية على غزة.
«عاش من أجل فلسطين ومات من أجلها» هذا هو الشعار الذي رفعه شعب فلسطين عقب وفاة ناصر عام 1970. ففي 28 سبتمبر 1970، مات جمال عبد الناصر بعد أيام طويلة من الإرهاق والسهر المتواصل لوقف سيلان الدم العربي في شوارع الأردن آنذاك بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية، ومن خلال جهد قام به ناصر لجمع القادة العرب في قمّة طارئة بالقاهرة..
فعبد الناصر أدرك هدف حرب 1967 الذي أشار إليه وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشي ديان والرئيس الأميركي السابق جونسون، بضرورة تخلّي مصر عن دورها العربي، وإعادة سيناء لها مقابل ذلك، فرفض ناصر استعادة الأرض عن طريق عزلة مصر وتعطيل دورها العربي التاريخي.. وجاء أنور السادات بعده ليحقّق المطامح الدولية والإسرائيلية في مقايضة الأرض بالعزلة عن طريق معاهدة كامب ديفيد.
عبد الناصر أدرك مخاطر الصراعات العربية/العربية التي كانت سائدة قبل حرب 67، فأوقف تدخل الجيش المصري في اليمن وأقام «تحالف المدفع والنفط» الذي تأكّدت أهميته في حرب عام 1973.
.. واليوم نجد أنّ تعطيل دور «المدفع» العربي في المعركة مع العدو الإسرائيلي، لم يحقق الأمن والسلام للعرب بل برّر للقوى الدولية الكبرى العودة إلى السيطرة على المنطقة من الباب الأمني الواسع والذي ما زال مشرّعاً على مصراعيه.
عبد الناصر أدرك بعد حرب عام 1967 أهمية وجود كيان فلسطيني مقاتل، فدعم انطلاقة الثورة الفلسطينية وقيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية رافضاً إقامة «فصيل فلسطيني» خاص تابع له (كما فعلت حكومات عربيّة أخرى) انطلاقاً من حرصه على وحدة الشعب الفلسطيني وعلى توحيد جهود هذا الشعب من أجل استعادة وطنه، واليوم نجد قيادة هذه المنظمة تُسلّم خطوةً بعد خطوة بالمطالب الأميركية والإسرائيلية..
عبد الناصر أكّد بعد حرب عام 1967 حرصه على تعميق الوحدة الوطنية في كلّ بلدٍ عربي، وعلى رفض الصراعات الجانبيّة المحليّة التي تخدم العدوّ الإسرائيلي (كما فعل في تدخله لوقف الصراع الداخلي في لبنان عام 1968 بعد صدامات الجيش اللبناني مع المنظمات الفلسطينية).
فإذا بالأرض العربية بعد غيابه تتشقّق لتخرج من بين أوحالها مظاهر التفتّت الداخلي والصراعات المحليّة بأسماء مختلفة لتبدأ ظاهرة التآكل العربي الداخلي كبدايةٍ لأزمة لهدف السيطرة الخارجية والصهيونية.
لقد رفض جمال عبد الناصر إغراءات التسوية كلّها مع إسرائيل، بما في ذلك العرض الأميركي/الإسرائيلي له بالانسحاب الكامل من كلّ سيناء مقابل عدم تدخّل مصر في الجبهات العربية الأخرى، وإنهاء الصراع بينها وبين إسرائيل. وكان ناصر يردّد «القدس قبل سيناء، والجولان قبل سيناء»، و«لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل ما لم تتحرّر كلّ الأراضي العربية المحتلّة عام 1967، وما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة».
وأصرَّ ناصر على هذه الأهداف السياسية رغم قبوله بالقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن ثمَّ لما كان يُعرَف باسم «مبادرة روجرز»، وكان يتحرّك دولياً في مختلف الاتجاهات (رغم ظروف الحرب الباردة واضطراره لعلاقةٍ خاصّة مع موسكو) بدون تفريطٍ أو تنازلٍ عن الأهداف السياسية المرحلية، وبشكلٍ متزامنٍ مع البناء العسكري والمعارك المفتوحة على الجبهة المصرية ومع أقصى درجات التضامن العربي والدعم المفتوح لحركة المقاومة الفلسطينية.
هكذا جعل عبد الناصر من هزيمة عام 1967 أرضاً صلبة لبناء وضعٍ عربيّ أفضل عموماً، مهّد الطريق أمام حرب عام 1973.
هذه الحقبة الزمنية (من حرب 1967 إلى وفاة ناصر عام 1970) كانت مهمة جداً في التاريخ العربي المعاصر وفي تاريخ العلاقات العربية/العربية، وفي تاريخ الصراع العربي/الصهيوني.
كذلك، كان انتصار المقاومة اللبنانية بإجبارها إسرائيل على الانسحاب من لبنان مساوياً، في قيمته وأهميته، لما قام به جمال عبد الناصر بعد هزيمة عام 1967 من حيث إعادة الاعتبار للأمَّة ولحقّ المقاومة المشروعة ضدَّ الاحتلال، وفي تصحيحٍ مسار الواقع العربي لجهة كيفية التعامل مع إسرائيل حيث تأكَّد أنَّ «الأرض هي مقابل المقاومة» وليس «الأرض مقابل شعارات السلام».
وبأنَّ الصلح والاعتراف والتعامل مع إسرائيل ليست هي مداخل استرجاع الحقوق والأرض من عدوٍّ لا يعرف سوى لغة القوَّة، بل المقاومة الرافضة للتفريط والتنازلات المبدئيّة، والمخلصة لأهدافها السياسية المعلنة، والحريصة على التفاف الشعب كلّه حولها.. هذه المقاومة هي الكفيلة باسترجاع الأرض والحقوق معاً.
ولذا كان الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في العام 2000 ثم من غزة في العام 2005، هو انتصار لمقولة ناصر: «ما أخذ بالقوّة لا يُستردُّ بغير القوّة» رغم كلّ الظروف السلبية السائدة لبنانياً وفلسطينياً وعربياً ودولياً.
لكنَّ المشكلة الراهنة أنّ البعض ما زال يراهن على أسلوب المفاوضات فقط وعلى التخلي الكامل عن أسلوب المقاومة، وبما يتوافق مع مطالب «الشريك» (الأميركي والإسرائيلي) باعتماد مقولة (المفاوضات كأسلوب وحيد) ومما يعني على مستوى المنطقة التطبيع مع إسرائيل حتى قبل الانسحابات من الأراضي المحتلّة.
ويعني تخلّياً عن الهويّة العربية لصالح «الشرق أوسطية»، ويعني صراعاتٍ بين الدول العربية يلازمها تطبيع وعلاقات مع إسرائيل.. ويعني أيضاً هيمنة أميركية كاملة على المنطقة كطرفٍ دوليٍّ وحيد يشرف على هذه المفاوضات والمعاهدات ويضمن تنفيذها.
لقد أدرك الشعب الفلسطيني طوال قرنٍ تقريباً من زمن الصراع العربي/الصهيوني أنّ كفاحه المباشر هو الطريق للدفاع عن حقوقه ولتحصيل المغتصَب منها. وقد قدّم هذا الشعب تضحياتٍ كبيرة في حقباتٍ زمنية مختلفة، ولم يتوقّف عطاؤه في أيّة مرحلةٍ من مراحل الصراع مع العدوّ الصهيوني.
ولعل الحرب الإسرائيلية الآن على غزة خير نموذج لعظمة التضحيات الفلسطينية في هذا الصراع المفتوح. فبارك الله بكم يا أبناء غزة المقاومين على أرضها ضد العدوان الإسرائيلي الغاشم. فالأرض المحتلة ـ أية أرضٍ محتلة ـ لا ترويها إلا الدماء.. وفلسطين نبع لا ينضب من دماء أبنائها.
مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن
http://www.albayan.ae/servlet/Satell...e%2FFullDetail
بثينه عبدالعزيز
05-10-2009, 11:27 AM
مقتطفات مهمة من فتاوى فقهاء الكراهية والغم
سيد القمني
«فتاوى مهمة لفقهاء الأمة» هو عنوان كتاب يوزع في مصر مجانا، وينصح غلافه بأن يعطيه القارئ لغيره طلبا للثواب. وهو مجموعة فتاوى للشيخين: عبد العزيز بن باز ومحمد العثيمين، معرفة بالكتاب بأنها فتاوى في صلب عقيدة المسلمين دونها الكفر، ومن لا يؤمن بها فقد خرج وارتد عن دين المسلمين. وتبدأ الفتاوى بتعريف التوحيد الإسلامي كأساس اعتقادي أول بتأكيد أسماء وصفات الله كما وردت بالقرآن وبأنها حقيقة لا مجاز، فلابد من الإيمان بما سمى الله به نفسه ووصف به نفسه على وجه الحقيقة لا المجاز «ص 10» وإذا «سمى الله نفسه بالسميع فعلينا أن نؤمن بالسميع اسما من أسماء الله سبحانه وتعالى، وبالسمع صفة من صفاته وبأنه يسمع/ ص 11» وعندما يقول تعالى «بل يداه مبسوطتان» فهو يثبت لنفسه يدين موصوفتين بالبسط وهو العطاء الواسع، فيجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى يدين اثنتين مبسوطتين بالعطاء والنعم/ ص 12، وأثبت لنفسه أنه استوى على العرش في سبعة مواضع/ ص 13». وهكذا تقرر وزارة الإسلام لدولة عربية مذهبها دينا لكل المسلمين ورأيها عقيدة، من خالفها كفر وارتد، لأن إثبات الصفات والأسماء دون مجاز وتأويل لا يقول به سوى أهل السنة وأيضا الأشاعرة مع بعض الاجتهاد، لكن هذا الاجتهاد الأشعري السني القح وحتى النخاع تنكره عليهم السنة الحنبلية الوهابية وتضعهم ضمن بقية الفرق الإسلامية التي رأت في الأسماء والصفات مساحة للتفلسف الراقي والوصول العقلي إلى معنى الكمال الإلهي المنزه عن النقص وعن الجسد وعن الشبيه كما عند المعتزلة، أو مساحة للحب والذوبان في ذات الله وصفاته كما عند الصوفية، وهو الرأي المقرر بكتاب التوحيد المقرر على ثاني ثانوي بتلك الدولة ص 37، إذ يقول:"وإن الفرق المخالفة من جهمية ومعتزلة وأشاعرة وصوفية قلدوا من قبلهم من أئمة الضلال فضلوا وانحرفوا وهي فرق ضالة منها الأشاعرة والماتريدية".
أما الفلاسفة وعلماء الكلام الذين درسوا قرآنهم من باب العقل فهم مبتدعون، إذ يقول كتاب التوحيد المقرر هناك على طلبة أول ثانوي ص 15، 16، «ما من بدعة إلا ويقيض الله لها من يردها ويكشف عوارها وينصر السنة، عمر بدرته المشهورة.. وعلى بحرقهم في النار، وهشام بن عبد الملك الذي قتل غيلان الدمشقي، وخالد القسري الذي ضحى بالجعد بن درهم «صبيحة عيد الأضحى». ثم المتصوفة الذين اعتقدوا في الوصول بالحب الإلهي إلى درجات راقية تتطهر فيها النفس من مطالب الدنيا وجسدها، وكذلك من اعتقدوا في التصوف وأقاموا الأضرحة والمزارات لشيوخهم، ودانوا بالمحبة لكل الناس وأبرزهم مكانا محيى الدين بن عربي الذي أعلن أنه يدين بدين الحب لمن يطوف بالكعبة أو يضرب جرس الكنيسة أو حتى من يعبد الأوثان؛ لأنهم جميعا خلق الله وليس لأحد منا القرار بشأنهم، فالأمر معلق بمشيئة الله. يقول هنا كتاب التوحيد ثالث ثانوي: «بنوا الأضرحة على القبور.. والله أباح دماء هؤلاء ومالهم وأهلهم لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم». وترى وزارة التعليم هناك أن نهب هؤلاء وسبيهم واستعبادهم شريعة إسلامية وعقيدة مؤكدة، وأن هؤلاء كثيرون بما يفي بحاجات المسلم الوهابي الموحد من سبايا وأموال، و«عباد القبور في كثير من الأمصار/ كتاب التوحيد 3 ث من ص 10: 18»، مع ما لا يخفي من استخدام الكتاب لمصطلح الأمصار جمع مصر وما ينصرف الذهن معه إلى مصر الوطن وعباد القبور فيها كما يزعمون، ومن ثم لا يأمن أحدنا من فتح جديد مع الدعوة التجديدية الوهابية لبلادنا ليذبحونا وينهبوا أموالنا ويركبوا نساءنا ويستعبدوا أولادنا ؟! خاصة بعد تبنى كل حركات الإسلام السياسي في بلادنا للوهابية دينا بديلا عن الإسلام، وهكذا الرباط واضح سافر بين فتاوى المفتين ومناهج المعلمين على المستوى الرسمي والموقف موقف حقائق مدونة تنشر وتوزع بين المسلمين وتدرس في مدارسهم وليست اتهامات أمريكية باطلة. ونعود للفتاوى المهمة لعموم الأمة نتابع ديننا الجديد الذي قرره على المسلمين هؤلاء السادة، في تجديدهم البديع للمذهب الحنبلي، وإن سألنا مشايخ الفتوى عن حديث الفرقة الناجية أكدوا فورا لأنهم هم الفرقة الناجية وحدهم، وهى التي تتميز كما يقول بن عثيمين في المجموع الثمين 2/54. «وفى العبادات تجد هذه الفرقة متميزة بتمسكها التام وتطبيقها لما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تجد عندهم ابتداعا في دين الله»، لكن الطريف حقا ما أعطته هذه الفرقة الناجية لنفسها من حقوق حيث يقول ابن عثيمين أنه في مجال «الأخلاق والمعاملات فلا يخرج الإخلال بهما من هذه الفرقة، وإن كان ينقص مرتبته»؟! وهكذا فالمسلم حسب هذا التجديد مأمور بالطاعة التامة للأوامر والنواهي فيما يخص الاعتقاد على الطريقة الوهابية، أن ترى لله يدا وعينا وأذنا وأنه على كرسي يحمله ثمانية، وأن يتمسك بالحديث النبوي وسنة رسوله كما وردت في أكثر كتب الحديث اتساعا للموضوعات والملفقات من أحاديث «مسند ابن حنبل» فعليه أن يأكل بيمينه ويدخل بيمينه ويردد دوما أدعية وتشكرات وحمدا ويبسمل ويحوقل مع كل حركة وسكنة، ويطلق اللحية ويقصر الجلباب، فمثلا يشرح لنا الدكتور محمد وهدان بجريدة المساء آداب شرب ماء زمزم، فعليه أولا أن يتجه نحو القبلة، ثم عليه أن يذكر الله مع أول شربة، ثم عليه أن يتنفس ثلاثا بين كل شربة وشربة، وعقب كل نفس عليه أن يسمى الله، ثم لابد أن يتضلع من شرب الماء أي يملأ به أضلاعه، وبعد الشراب عليه أن يحمد الله، ثم يدعو بما يحفظ - 31/1/2003. ومن ثم تصبح حياة المسلم محكومة بالأدعية وإبراز العبادة لله طوال الوقت وإثبات النبوة لنبيه طوال الوقت، لكن ما ليس مهما عند الفرقة الناجية أن يكون المسلم عنده أخلاق أو حسن معاملة صادقة، فهذا مما لا يخرج المسلم من هذه الفرقة، بتأكيدهم لحديث نبوي لا تعرف كيف جاء ومن أتى به؟! يقول فيما يزعمون: «لا يدخل ابن آدم الجنة بعمله». أفلا يفسر لنا هذا مستوى الأخلاق في بلاد المسلمين بعد انتشار التجديد الوهابي؟! ألا يفسر لنا هذا سر ظلام الروح البشرية التي تقبل الإمساك بالسكين وذبح البشر كالنعاج والهتاف «الله أكبر» لفعل مثل هذا الفعل ليلطخوا النداء الكريم بدم بريء؟! ألا يفسر هذا أهازيج شارعنا وعرس فرحنا الشامت بنصر الله والفتح يوم ضربت القاعدة في أمريكا المدنيين الذين لا يدرون عنا أو عن بلادنا شيئا. ألا يفسر لنا هذا سر الفساد المنتشر على كل المستويات وارتشاء كل الضمائر، فنحيا المدنية بروح جاهلية ونرتدي الحجاب على البنطلون الاسترتش ونقود المرسيدس بأسلوب قيادة العربة الكارو، ونصلي ونصوم فرضا وسنة ونخسر الميزان ونسرق أراضي الدولة أو نهرب بأموال المودعين في الاستثمار الإسلامي ونستورد اللحوم الفاسدة ونكفر بعضنا بعضا، ولا نقدم للدنيا سوى العداء والكراهية والقتل؟! ألا يعني أن تمسك الناس بدينهم «على هذه الطريقة» هو ما وصل بالشارع الإسلامي إلى ما هو عليه الآن؟! يرد هنا ابن عثيمين في مجموعه الثمين «ولا تعلم لماذا هو ثمين»؟! فيقول: «هذا الكلام لا يصدر إلا من ضعيف الإيمان أو مفقود الإيمان، جاهل بالتاريخ غير عالم بأسباب النصر، فالأمة الإسلامية لما كانت متمسكة بدينها في صدر الإسلام كان لها العزة والتمكين.. لكن الأمة الإسلامية تخلفت كثيرا عن دينها عندما ابتدعت في دين الله ما ليس منه -3/10». من المبتدع هنا؟! ومن أدخل في دين الله ما ليس فيه؟! ومن قال إن طاعة العبادات وفساد الأخلاق من شيم أي دين كان؟! وألا يعني الإصرار على الطاعات العقيدية وحدها دون المعاملات، إصرارا على تعويد روح المسلم على الطاعة مقابل إطلاقه شرسا على إخوانه المسلمين أو على غير المسلمين بلا ضمير وبلا حظ من مبادئ أخلاقية راقية كرشوة مقدمة من حلفاء السلطان المطلوب طاعته، للمؤمنين الطيعين لأولي الأمر، الكاسرين على بعضهم وعلى غيرهم؟! ونأتي إلى الأهم عند فضيلة الشيخ بن باز وهو يفتي بشأن علاقة المسلم بغير المسلمين، فيقول تجاوز الله عن سيئاته: «نشرت بعض الصحف المحلية عن بعض الناس أنه قال: إننا لا نكن العداء لليهود واليهودية وإننا نحترم جميع الأديان» وكما هو واضح كلام جميل ومحترم وراق يقدم الإسلام للدنيا كروح حضارية، لكن ابن باز له رأى آخر فيقول: «وهذا الكلام يخالف صريح الكتاب العزيز والسنة المطهرة، ويخالف العقيدة الإسلامية، فقد دل الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أنه يجب على المسلمين أن يعادوا الكافرين من اليهود والنصارى وسائر المشركين، وأن يحذروا مودتهم واتخاذهم أولياء، والآيات في هذا المعنى كثيرة وتدل دلالة صريحة على وجوب بغض الكفار من اليهود والنصارى وسائر المشركين، وعلى وجوب معاداتهم وتدل أيضا على تحريم مودتهم/ مجموع فتاوى سماحة الشيخ بن باز 2/178». ومن جانبه يرى قرضاوي الديمقراطي أن العلمانيين من يتسامحون مع غير المسلمين، وهذا من كفرهم، ثم يؤكد «إن المسلم إذا فرضت عليه العلمانية فقد فرض عليه أن يتحلل من دينه.. لأنه لا يستطيع أن يوالى أو يعادى على أساس العقيدة، لأن العلمانية ترفض العقيدة أساسا للولاء والانتماء/ الإسلام والعلمانية ص 76، 77». وهو ما يعنى اتفاق كهنة الإسلام والإخوان والجماعات الإرهابية على تكفير العلماني لأنه يوالى أو يعادى على أساس المواطنة، بينما موالاة غير المسلمين حتى لو كانوا مواطنين وجيرانا وزملاء في العمل والدراسة والحرب والسلم والخير والشر، هو كفر بواح والعياذ بالله. هذا كلام كبار السدنة في بلاد المسلمين، ثم ينزعج المسلمون من اتهامهم بالكراهية والإرهاب؟!.. لماذا؟!.
ولكن لأننا أصبحنا بحاجة إلى التواصل على الأقل مع بلاد غير المسلمين، حيث العلم والدرس والطب والسياحة والسعادة في البلاد السعيدة، ولأننا لم ننجز أو ننتج أو نكتشف أو نخترع تظل الحاجة إلى هؤلاء الكفار ماسة، وتصبح الحاجة إلى الفتوى ماسة أيضا، فيقول ابن عثيمين: «إن الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلمين وأخلاقه «لاحظ هنا : أخلاقه» وسلوكه وآدابه «التي هي كيف تشرب ماء زمزم أو تمص غيره مصا».. فالإقامة في بلاد الكفر لابد فيها من شرطين أساسيين: الشرط الأول أمن المقيم على دينه وأن يكون مضمرا العداوة للكافرين وبغضهم مبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم لأن موالاتهم ومحبتهم مما ينافى الإيمان، ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرا على المسلم، والشرط الثاني أن يتمكن من إظهار دينه.
وتنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام: القسم الأول أن يقيم للدعوة للإسلام وهذا جهاد، والثاني أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هم فيه من فساد العقيدة، وانحلال الأخلاق؟! وهذا أيضا جهاد، وأن يكون عينا للمسلمين ليعرف ما يدبرونه للمسلمين في المكايد وهذا أيضا جهاد أو أن يقيم للدراسة، وهذه أشد فتكا بدين المقيم وأخلاقه، بالاقتناع بآرائهم وأفكارهم! أو أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، وكيف يسكن فيها بأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم/ المجموع الثمين 1/50: 55».
ولا تعرف أي أخلاق يقصد هذا هنا، وماذا تعني لديه الكلمة، في بلاد قال عنها محمد عبده مسجلا احترامه للسلوك والأخلاق هناك: «رأيت هناك مسلمين بلا إسلام، ورأيت هنا إسلاما بلا مسلمين». والمبكي هنا ذلك الكذب على الذات عندما ينعي على المهاجرين هجرتهم لأنهم في بلاد غير مسلمة وهو ما لن يوفر لهم الأمان، بينما معظمهم قد هاجر هربا من بطش المسلمين باحثا عن الأمان في البلاد التي تحترم الإنسان لأنه فقط إنسان. هذه مقتطفات بدائع من فتاوى فقهاء الكراهية والغم الذين حولوا حياتنا إلى غم متصل منذ وردت آراؤهم مع العائدين من الخليج، فاختفى من بلادنا التسامح والفرح والكرنفالات والموالد الموسمية التي كانت تحشد الناس على حب يوم أو مناسبة أو شيخ يسعدون فيه بالألفة والمشاركة الوجدانية، وتحولت إلى بلاد للكآبة والبكاء والتباكي وإسلام المظهر وخراب القلب وحزن الروح واكتئاب النفس. ولم يحرموه الوطن من كرنفالاته الموسمية فقط، بل يريدون أن يحرموا من أخرها تواجدا في بلادنا وهو المولد النبوي، فيؤكد ابن عثيمين أنها بدعة محدثة في الدين، وهي من الغلو المؤدى إلى الشرك الأكبر، وأن النبي استباح دماء أمثالهم وأموالهم وأولادهم/ المجموع الثمين 1/126» ومثله الاحتفال بليلة النصف من شعبان، ومثله الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ومثله الاحتفال بليلة النصف من شعبان «مجموع فتاوى ابن باز 1/ من 190» يبقى فقط الجائز والمستحب وهو البكاء أثناء قراءة القرآن أو سماعه أو التباكي إن لم تستطع البكاء. وفى ضوء التبارك بصوت القرآن في كل شارع ودرب وحارة، وإتباعا لهذا الأمر، فإن بلادنا ستتحول إلى قوم يبكون ليل نهار، أما أي لون من الفرح أو السعادة أو لقاء الناس بعضهم بعضا بالمحبة فهو بدع وتقليد للناس السعيدة في بلاد الكافرين، وهو ما يخرج الأمة من عموم الملة.
نقلا عن مجلة روزاليوسف المصرية
http://www.answersaboutfaith.com/ara...fat_mohema.htm
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2010, TranZ by Almuhajir
diamond