المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علاج العشق، كما قرره ابن القيم


نادية بركات
02-12-2009, 08:34 PM
علاج العشق، كما قرره ابن القيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: ‏
أن العشق مرض من أمراض القلب، وما أجمل ما قاله ابن القيم رحمه الله في الطب ‏النبوي عند الحديث عن هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العشق.‏
قال ابن القيم: هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه ‏وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم، عز على الأطباء دواؤه، وأعيى العليل داؤه… إلى أن ‏قال: وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى المعرضة عنه، المتعوضة ‏بغيره عنه، فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه، دفع ذلك عنه مرض عشق ‏الصور، ولهذا قال تعالى في حق يوسف: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ ‏كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف:24] ‏
فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ‏ثمرته ونتيجته، فصرف المسبب صرف لسببه، ولهذا قال بعض السلف، العشق حركة قلب ‏فارغ، يعني: فارغاً مما سوى معشوقه…‏
والعشق مركب من أمرين : استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه، فمتى انتفى ‏أحدهما انتفى العشق، وقد أعيت علة العشق على كثير من العقلاء، وتكلم فيها بعضهم ‏بكلام يرغب عن ذكره إلى الصواب،

ثم قال: والمقصود أن العشق لما كان مرضاً من ‏الأمراض، كان قابلاً للعلاج، وله أنواع من العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل ‏محبوبه شرعاً، فهو علاجه، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ‏قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ‏فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء فدل المحب على علاجين: أصلي ‏وبدلي، وأمره بالأصلي: وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ‏ما وجد إليه سبيلاً.
وروى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم أنه قال: لم نر للمتحابين مثل النكاح … إلخ ما قال في زاد المعاد( ‏‏4/265) وعلى هذا فيمكننا أن نركز الكلام حول العشق في نقاط:‏
‏1- العشق مرض من أمراض القلب ولا بد من علاجه.‏
‏2- العشق منه حلال ومنه حرام كما قال ابن القيم رحمه الله (4/276) وسنوضح ذلك ‏فيما يلي:‏
‏3- من طرق العلاج للعشق بين الرجل والمرأة الزواج -إذا كان ممكناً- وهو أصل العلاج ‏وأنفعه.‏

4- إن كان لا يوجد سبيل لوصول العاشق إلى معشوقه قدراً أو شرعاً كأن تكون المرأة ‏متزوجة من غير العاشق، أو كان العشق بين اثنين لا يمكن زواجهما مثل: الزبال مع بنت ‏الملك…وهكذا، فمن علاجه كما يقول ابن القيم: إشعار نفسه اليأس منه فإن النفس متى يئست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت إليه.
5- فإن لم يزل مرض العشق مع اليأس فقد انحرف الطبع ‏انحرافاً شديداً فينتقل إلى علاج آخر، وهو علاج عقله بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا ‏مطمع في حصوله نوع من الجنون، وصاحبه بمنزلة من يعشق الشمس، وروحه متعلقة ‏بالصعود إليها، والدوران معها في فلكها، وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرة ‏المجانين…‏
‏6- فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء، ولم تطاوعه لهذه المعالجة، فلينظر ما تجلب عليه هذه ‏الشهوة من مفاسد عاجلته، وما تمنعه من مصالحها.

فإنها أجلب شيء لمفاسد الدنيا، وأعظم ‏شيء تعطيلاً لمصالحها، فإنها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره، وقوام ‏مصالحه.‏
‏7- فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء، فليتذكر قبائح المحبوب، وما يدعوه إلى النفرة عنه، فإنه ‏إن طلبها وتأملها، وجدها أضعاف محاسنه التي تدعوا إلى حبه، وليسأل جيرانه عما خفي ‏عليه منها، فإن المحاسن كما هي داعية الحب والإرادة، فالمساوئ داعية البغض والنفرة، ‏فليوازن بين الداعيين، وليحب أسبقهما وأقربهما منه باباً،
ولا يكن ممن غره لون جمال على ‏جسم أبرص مجذوم، وليجاوز بصره حسن الصورة إلى قبح الفعل، وليعبر من حسن المنظر ‏والجسم إلى قبح المخبر والقلب.‏
‏8- وأخيراً كما يقول ابن القيم رحمه الله: فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا
_‏صدق الملجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه،
_وليطرح نفسه بين يديه على بابه، مستغيثاً به، ‏متضرعاً متذللاً، مستكيناً، فمتى وفق لذلك، فقد قرع باب التوفيق فليعف وليكتم،
_ولا ‏يشبب بذكر المحبوب،
_ولا يفضحه بين الناس ويعرضه للأذى، فإنه يكون ظالماً متعدياً (زاد ‏المعاد في هدي خير العباد لابن القيم) (4/275)..‏
أما قول ابن القيم رحمه الله بأن العشق منه حلال، ومنه حرام فبيانه: أن من العشق الحرام ‏عشق الرجل امرأة غيره، أو عشقه للمردان والبغايا. وأما الحلال فهو الذي يكون بين ‏الرجل وزوجته ولم يتجاوز حد الاعتدال، ولم يؤد إلى الوقوع في محرم أو ترك واجب من ‏واجبات الدين.